صقر العدالة - الفصل الخامس عشر:الحقيقة خلف القناع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صقر العدالة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر:الحقيقة خلف القناع

الفصل الخامس عشر:الحقيقة خلف القناع

أمام اللوحة الغامضة: اللوحة التي أشار إليها ليوس لم تكن لوحةً بالمعنى المعتاد. كانت قطعةً من خشب الجوز المنحوت، تُصوِّر مشهد صيدٍ ملكي قديم، خيولٌ جامحة وآلاف من القرون المتشابكة. لكن عندما ضغط ليوس بإبهامه على عين غزالٍ منحوت في الزاوية السفلية، انزلق الخشب جانباً بصوتٍ خفيضٍ كأنين مكبوت، مكشفاً عن فجوةٍ مظلمة تتنفسُ رائحة التراب البارد والمعادن القديمة. "هذا الممر بناه جدي الأكبر." همس ليوس بصوت منخفض أمام الفجوة الضيقة. "حين يحتاج الأمير إلى الهرب في أوقات الطوارئ." صقر العدالة حدّق في الظلام، ثم في وجه ليوس الشاحب تحت ضوء الشمعة المتذبذب. "لماذا تفعل هذا من أجلي؟ لماذا تخاطر بهذا الشكل من أجل شخصٍ با تعرفه؟" ابتسم ليوس ابتسامةً مرهقة. "الأمر لا يتعلق بأنني أعرفك أم لا. بل لأنني أرى في عينيك ما لم أره في عيون أيٍّ ممن يدّعون الولاء ليّ. أرى الجبال، لا الجدران. وأرى السماء، أرى الحرية، لا الأسقف المذهبة." توقف، وسعل سعلةً خفيفة، يده تضغط على صدره. "في هذا القصر، نتنفسُ هواءً مسمومًا بالكذب. وأنت... أنت أول شخصٍ جلب معه نسمةٌ من هواءٍ نقي." كانت الكلمات تخرج منه وكأنها جروح منقوشه في قلبه. صقر العدالة شعر بشيءٍ غريبٍ يتحرك في صدره، كطيرٍ حبيس يحاول كسر قفصه. هذا الأمير الهش، الذي يُفترض أن يكون عدوه بحكم المنصب، وقف الآن بينه وبين السيف الذي يطارده، وكشف له أعمق مشاعره. "الممر يؤدي إلى حدائق القصر القديمة." استمر ليوس، إصبعه النحيل يرسم مساراً في الهواء. "سوف تخرج من تحت شجرة التين الميتة التي يظنّ الجميع أنها جذورها فقط. اخرج بسرعة، واتجه شمالاً، سوف تجد سور القصر منخفضاً في تلك النقطة." نظر إلى صقر العدالة، وعيناه العسليتان تلك التي تذكر ألفارد بشيءٍ ما لا يستطيع تحديده، كانتا تلمعان بتألق غريب في الظلام. "ولكن قبل أن تذهب... أريد منك وعداً." "ما هو؟" "أن تعود مجدداً." قال ليوس ببساطةٍ مؤثرة. "ليس كصقر العدالة. ليس كبطلٍ أو أسطورة. بل كـ... كصديق. كإنسانٍ يستطيع أن يرى فيّ ليس أميراً، بل ليوس. ذلك الولد الذي يحلم بالجبال والحرية، بينما هو سجينُ القصور." كان الطلب صادماً في صراحته، في ضعفه، في شجاعته. ألفارد شعر وكأن صدره ضاق فجأة. كل حياته، كان يعيش في عالمين منفصلين: عالم ألفارد الفلاح، وعالم صقر العدالة الأسطورة. وهذا الأمير، بكل بساطة، طلب منه أن يكون الاثنين معاً أمامه. "لقد رأيت بنفسك اليوم ضد من تخوض معركتك." تابع ليوس، صوته يخفت أكثر. "ورأيت دماء صديقك على يديك... وهذا من أصعب ما يمكن أن يمر به الانسان. لهذا لا أريد أن تكون في المعركة وحدك. لا أريدك أن تكون وحيداً." ألفارد رفع يده، تلك اليد التي كانت قبل دقائق تمسك بخنجر على رقبة فاليريان، ووضعها على كتف ليوس. كان اللمسة خفيفة، لكنها حملت ثقلاً من المشاعر المكبوتة. "أعدك." قال ألفارد، وصوته هذه المرة لم يكن صوت صقر العدالة، بل كان صوت ألفارد. صوت الشاب الذي نشأ بين حقول القمح، والذي يحمل في قلبه أماً عمياء وأباً عجوزاً وأصدقاءً قد يموتون من أجله. "سأعود. وسأكون صديقك. ولكن ليس الآن... الآن عليّ أن أذهب." ليوس أومأ، وعيناه تلمعان برطوبة خفيفة. "اعلم أنك ستفعل. لأن الرجال الذين يلتزمون بوعودهم... هم نادرون كالنجوم في وضح النهار." ثم أخرج من جيبه شيئاً صغيراً. كان خاتماً بسيطاً من فضة، عليه نقش وردة رياح منحوتة بدقة. "خذ هذا. إنه خاتم أبي... الملك ثيودور. كان لديه اثنان. وأنا أعطيتُ الثاني لإدموند. هذا لك... كعلامة. كي تعرف أن في هذا القصر، ليس كل الأبواب مغلقة." ألفارد أخذ الخاتم. الفضة كانت باردة في كفه، لكن الوزن كان دافئاً بمعنى يفوق الحرارة. نظر إليه، ثم إلى ليوس. وشعر، في تلك اللحظة، بأنه يرى شقيقاً لم يعرفه قط. شعور غريب، جذري، كجذرٍ يخترق الصخر بحثاً عن الماء. "والآن اذهب." قال ليوس، ويده تدفع ألفارد بلطف نحو الممر المظلم. "وقبل أن تخرج... تذكر. الجناح الشرقي للقصر، النافذة ذات الستائر الزرقاء. تلك نافذتي. إذا أردت أن تراني... فقط ارسل صقرك الصغير. وسأفتح." دلف ألفارد إلى الممر. الظلام ابتلعه كفم وحش رحيم. وقبل أن يختفي تماماً، التفت للمرة الأخيرة. رأى ليوس واقفاً عند الفتحة، شمعة في يده، ضوءها الذهبي الهش يلعب على وجهه الشاحب وشعره الأسود. بدا وكأنه شبحٌ من نور في عالم من الظلام. نظر إليه ليوس، وهمس بصوتٍ يكاد يُسمع. "عُد سالماً." ثم انزلق الخشب مرة أخرى، وأغلق الفتحة. والصمت عاد، ثقيلاً، ممتلئاً بوعدٍ وغموضٍ وشيءٍ يشبه الأمل الذي ولد في أكثر الأماكن ظلمة. في الممر الضيق، كان الهواء بارداً كأنفاس الأشباح. ألفارد تحرك بسرعة، جسده يتذكر دروس التسلل في جبال الصقور. الجدران كانت رطبة تلمع تحت بصيص الضوء الذي تسلل من بعض الشقوق. رائحة التراب والصدأ تملأ أنفه، ممزوجة برائحة خفيفة من شيء حلو... كرائحة التفاح المتعفن تحت الأرض. بعد دقائق، رأى ضوءاً خافتاً يتسلل من فوق. سلم حجري ضيق يؤدي إلى فتحة مغطاة بجذور متشابكة. دفع الغطاء بحذر، وانكسر ضوء الشروق الأول على وجهه. كان في حديقة مهجورة. أشجار ميتة، نباتات برية متشابكة، وتمثال من الرخام الأبيض مكسور نصفين يرقد على الأرض كجندي سقط في معركة ضارية. الهواء البارد لدغ وجهه، لكنه كان هواء الحرية. ثم سمع أصواتاً. "في الجهة الغربية! المجرم لا يزال داخل الأسوار!" أصوات الحراس قريبة جداً. خطوات سريعة تقترب من الحديقة. تسلل ألفارد بين الأشجار الميتة، ظله الطويل ينسحب على الأرض الرمادية كالشبح. لكن عند حافة الحديقة، حيث يلتقي السور المنخفض ببرج مراقبة قديم، وجد ثلاثة حراس واقفين. "من هناك؟!" صرخ أحدهم، وسيفه يلمع في ضوء الصباح الخافت. لم يكن هناك وقت للحوار. انطلق ألفارد كالسهم. جسده، المتعب والمنهك، تفجر فجأة بقوة جديدة. الانقضاض الصامت جعله يظهر أمام الحارس الأول قبل أن يدرك، وضربة خنجر غير قاتلة على مؤخرة رأسه أسقطته. الحارسان الآخران هجما معاً. سيوفهم صفرت في الهواء البارد. ألفارد تفادى الضربة الأولى بانحناءة مرنة، ثم استدار وضرب معصم الحارس الثاني فسقط السلاح من يده المرتعشة. ركلة قوية في صدر الحارس الثالث جعلته يسقط و يتدحرج على الأرض. لم يكن يريد قتلهم. هؤلاء مجرد حراس يؤدون واجبهم، دماؤهم ليست الدماء التي يطلبها. "انظروا هناك! عند السور!" صرخات أخرى تقترب. تسلق ألفارد السور المنخفض في قفزة واحدة. حجارة السور كانت خشنة تحت كفيه، باردة كعظام الموتى. في قمة السور، التفت للمرة الأخيرة. رأى القصر ينتصب في ضوء الصباح، أبراجه الشاهقة تبدو كأصابع شيطان تحاول أن تمسك بالسماء. وفي أحد النوافذ العالية، حيث الستائر الزرقاء، رأى ظلاً واقفاً. ليوس. رأسه يومئ ببطء، كوداعاً صامتاً في صباحٍ قد يكون الأخير لأيٍ منهما... ثم قفز. الهواء صفر في أذنيه وهو يهبط. الأرض الرطبة استقبلته بلطفٍ نسبي، رغم أن ركبته المنهكة صرخَت تحت الصدمة. نهض فوراً، وأسرع نحو حافة الغابة القريبة. وهناك، عند أول أشجار البلوط، كان ينتظره. براين واقفاً بجانب الحصان الأسود، والصقر آرس على سرجه. وجه العجوز كان مشدوداً، عيناه تمسحان الأفق بقلق الصياد الذي يخشى على فريسته. "لقد نجوت." قال براين، وصوته يحمل ارتياحاً عميقاً. "بفضل ليوس." رد ألفارد وهو يمسك بلجام الحصان. الحيوان الوفي صهل بلطف، منخاره الدافئ ينفث بخاراً في الهواء البارد. "الأمير؟" استغرب براين. "نعم. لقد... لقد فعل الكثير." ألفارد نظر إلى الخاتم الفضي في كفه. نور الشروق الأول لمع على النقش الدقيق لوردة الرياح. ثم وضعه في جيبه، فوق قلبه. ركب الحصان. الجسد المتعب استقر على السرج بحركة اعتادها آلاف المرات. آرس انتقل من السرج إلى كتفه، منقاره الصغير يلمس خده بحنان. "يجب أن نذهب. الآن." قال براين وهو يلمح حركة على أسوار القصر. "لقد رأوك." نظر ألفارد إلى القصر مرة أخيرة. إلى النافذة الزرقاء حيث وقف الصديق الذي وجده في قلب المعركة. إلى المكان حيث ترك جزءاً من قلبه، وأخذ جزءاً من قلب آخر. ثم التفت بحصانه. وضغط بقدميه. وانطلق الحصان الأسود. لم يكن انطلاقاً عادياً. كان كالرعد الذي يولد من السكون. حوافره ضربت الأرض المتجمدة فحولتها إلى طبول حرب. ريح الصباح الباردة صفرت في أذني ألفارد، حركت عباءته السوداء وجعلتها ترفرف خلفه كأجنحة شيطان هارب من الجحيم. الغابة أمامهم ابتلعتهم، الأغصان المتشابكة حاولت الإمساك بهم لكن الحصان كان أسرع، كان كالظل الذي لا يُمسك. آرس على كتفه صاح، صيحته الحادة قطعت الهواء كـ سهم من ضوء. كانت صيحة انتصار، صيحة تحرر، صيحة حزن على ما ضاع وأمل في ما سيأتي. وراءهم، من القصر، سمعوا أصوات أبواق الإنذار. وأصوات حوافر خيول أخرى تنطلق في مطاردة. لكن ألفارد كان يعرف هذه الغابات كما يعرف أصابع كفه. عرف كل مسار، كل مخبأ، كل مجرى مائي يمكن أن يخفي صوت الحوافر. مال بجسده على عنق الحصان، وكلماته تهمس في أذنه: "أسرع، يا صديقي. أسرع من الخوف. أسرع من الماضي. أسرع نحو المستقبل الذي يجب أن نبنيه معاً." والحصان، كأنه فهم كلمات سيده، زاد سرعته. أصبحوا شبحاً، حلمًا، ذكرى تختفي بين الأشجار. وألفارد، في قلبه، كان يحمل مشاعر متضاربة كالأمواج: غضب من فاليريان، حزن على فالاندر، قلق على إيديث وسيلاس، وتلك الغصة الغريبة الدافئة عندما تذكر وجه ليوس الشاحب تحت ضوء الشمعة. وكان يعرف أن اليوم الجديد الذي يشرق الآن، يومٌ مختلف. لأنه لم يعد صقر العدالة وحده. أصبح لديه الآن أمير في القصر. وأصبح لديه وعد يجب أن يفي به. وأصبح لديه... عائلة أوسع مما تخيل يوماً. والشمس، التي بدأت تظهر من خلف الجبال، ألقت أشعتها على فارس أسود وحصان أسود وصقر بني، يهربون من قصر بات جحيماً، ويمضون نحو غابة أصبحت موطناً، ونحو مستقبل لم يعد مجرد حلم، بل وعد كتب بالدم والصداقة والخاتم الفضي الذي يخبئه فوق قلبه النابض بنبضات الحرب والحب والأمل. جراح الملوك وأطياف الفجر: كانت خيوط الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية للجناح الطبي الملكي كدماء ذهبية تسيل على أرضية الرخام البارد. الملك ثيودور مستلقٍ على سرير من حرير قرمزي، وجهه الشاحب بلون الرماد تحت ضوء الصباح المتسلل. غطاء من فراء الدب الأبيض يغطي جسده حتى خصره، حيث كانت ضمادات بيضاء سميكة تحجب جرح السيف الذي تلقاه في الغابة. رائحة المراهم الطبية، مزيج من العسل والقرفة، تخنق رائحة الدم القديم التي ما زالت عالقة في زوايا الغرفة. تعبير الألم على وجه ثيودور لم يكن تعبير جسدٍ مجروح فحسب، بل كان ألم رجل رأى أحلامه تتحطم أمام عينيه. عيناه العسليتان، التي ورثها لابنه ليوس، كانتا تحدقان في السقف المزين بنقوش فخمة، لكنها لم ترَ سوى ظل الصقر الذي ابتعد عنه في الغابة، حاملاً معه كل أمل في تحالفٍ كان سيغير كل شيء. ثم دق الباب. "ادخل." قال ثيودور، صوته أجش. دخل إدموند، خطواته ثقيلة غير معتادة. جرح كتفه الأيسر ما زال واضحاً تحت قميصه المخملي الأزرق الداكن، حيث كانت الضمادة تبرز كجزء غريب من جسده. وجهه، عادة ما يكون مصقولاً بثقة الأمير المحارب، كان الآن مرهقاً، وعيناه البنيتان تحملان هالات سوداء كأن الليل لم يغادرها بعد. "كيف حال جرحك الآن، يا ابن عمي؟" سأل إدموند وهو يقترب، عيناه تفحصان الضمادات على خصر ثيودور. "كجرح أي رجل عجوز حاول أن يكون بطلاً في وقت متأخر." أجاب ثيودور بمرارة. ثم أشار بإصبعه المرتعش نحو النافذة. "ما هذه الضجة التي أسمعها منذ الفجر؟ كأن القصر ينهار حجراً حجراً." جلس إدموند على كرسي بجانب السرير. حفر جلوسه، كأن كل عظمة في جسده تتألم. "إنه فاليريان." قال الاسم وكأنه يبصق سماً. "تعرض لهجوم الليلة في غرفته." ثيودور رفع رأسه فجأة، حركة ألمته فانحنى مجدداً. "هجوم؟ ممن؟ وهل جُرح؟" ابتسم إدموند ابتسامة خفيفة، باردة. "جُرح؟! نعم. ولكن ليس الجرح الذي يقتل. بل الجرح الذي... يذل." أومأ ثيودور له بالمتابعة، عيناه تضيئان بفضول مختلط بشماتة مكبوتة. "دخل إليه صقر العدالة." استمر إدموند، وصوته منخفض لكن واضح كصوت بومة في صمت الليل. "في غرفة نومه. بين حراسه، بين أسواره، ورغم كل خدعه. دخل كما يدخل الظل إلى النور. وترك له... تذكاراً." "تذكاراً؟" "نعم." قال إدموند وهو يرفع يده، يرسم في الهواء ثلاثة خطوط متوازية. "على وجنته. ثلاثة خطوط متوازية على شكل مخالب الصقر. نحتتها شفرة خنجر الصقر ببرودة الجليد." ثيودور حدق في إدموند، وفمه مفتوح قليلاً. ثم بدأ يضحك. ضحكة مكتومة في البداية، ثم ازدادت، حتى أصبحت ضحكة مجلجلة، مؤلمة، تزعزع جسده الجريح وتجعل الدم يتسلل عبر الضمادات. "مخالب الصقر!" كرر الكلمة بين نوبات الضحك المؤلم. "على وجه فاليريان! في غرفته! يا للقدر!" إدموند ابتسم أيضاً، لكن ابتسامته كانت أكثر شماتة. "نعم. والمستشار... المستشار الذي كان يخاف منه القصر بأكمله، أصبح الآن هو الخائف. رأيته بنفسي عندما ذهبت لأطمئن عليه بعد سماع صراخه. كان يرتجف كورقة الشجرة في العاصفة. عيناه الخضراوان اللتان عادة ما تكونان باردة كجليد البحيرات الشمالية كانتا واسعتين من الصدمة، تلمعان برعب حيوانٍ رأى مصيره في عيون صياده." توقف، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: "ولم يكن يخاف من الموت، ياثيودور. كان يخاف من الفكرة. فكرة أن هذا الشبح، هذا الصقر، يمكن أن يصل إليه في أي وقت. في أي مكان. وأن أمنه وأمانه مجرد وهم، وقوته أصبحت سراب." ساد صمت بينهما. خارج النافذة، كانت أصوات الحراس لا تزال تتردد، وأصوات الأوامر تصدر كنباح كلاب مطاردة فشلت في الإمساك بفرائسها. الشمس ارتفعت قليلاً، ألقيت بضوءها الذهبي القاسي على وجهي الأمير والملك، فكشفت التجاعيد العميقة التي حفرها القلق والخيانة. "وأين الصقر الآن؟" سأل ثيودور أخيراً، صوته عاد جاداً. "اختفي." قال إدموند. "كما يأتي الضباب في الليل ويذهب مع أول خيط للشمس. لكن ليس قبل أن يلتقي... بليوس." تجمد ثيودور. "ليوس ابني؟ كيف؟" "لا أعرف التفاصيل الكاملة." رد إدموند. "لكن حراس ليوس قالوا إنهم سمعوا أصواتاً قرب جناحه، وعندما دخلوا وجدوه واقفاً بجانب نافذته، يحدق في الخارج. وقال إنه سمع الضجة فقط. لكن... هناك شيء في عينيه عندما سألته بنفسي، شيء... مختلف." "مختلف كيف؟" إدموند فكر للحظة، عيناه البنيتان تحملان تأملاً عميقاً. "كأنه رأى شيئاً أخيراً يصدقه. كأن طفلاً حبيساً رأى نافذة مفتوحة لأول مرة. هناك بريق في عينيه... بريق لم أره منذ أن أتيت إلى هنا... إنه بريق الأمل ياثيودور." ثيودور أغمض عينيه. صدره ارتفع وانخفض بأنفاس ثقيلة. "إن كان صقر العدالة قد التقى بليوس... وإن كان ليوس قد ساعده..." "فمعنى ذلك أن ابنك قد اختار إلى أي جانب سينضم." أكمل إدموند الجملة. "ومعنى ذلك أيضاً أن فاليريان فقد أكثر من مجرد هيبته في هذه الليلة. لقد فقد السيطرة على أخر ورقة كان سيلعب بها." فتح ثيودور عينيه. كانتا تلمعان بدموع مكبوتة. "كنت أخشى دائماً أن يكون ليوس ضعيفاً جداً لهذا العالم. لكن ربما... ربما قوته كانت مخبأة في مكان لم أبحث عنه." "قوته في قلبه، يا ثيودور." قال إدموند، وصوته يحمل نبرة نادرة من العاطفة. "وفي قدرته على رؤية الخير حيث لا نراه نحن، نحن الذين تلوثت رؤيتنا بخداع القصور وخيانة التاج." ساد صمت آخر. ثم قال ثيودور، وكأنه يتحدث لنفسه: "لقد رأيت عينيه في الغابة. عيني صقر العدالة. تلك العيون العسلية ذات الخطوط الزرقاء... كانت تذكرني بشيء... بشيء من ماضي البعيد." "وهل عرفت ما هو؟" "لا." هز ثيودور رأسه ببطء. "ولكن كلما نظرت إلى تلك العيون، شعرت وكأن ذاكرة قديمة تتحرك في أعماقي، كسمكة في مياه موحلة تحاول الصعود إلى السطح." مال إدموند على كرسيه قليلاً. "هناك شيء آخر، ثيودور. فاليريان، بعد هذا الهجوم... لن يبقى مكتوف الأيدي. جرح كبريائه أخطر من جرح جسده. وسيرد." "بالتأكيد سيرد." قال ثيودور، وعيناه تضيقان. "وسيكون رده يائساً. وخطيراً." "لذلك يجب أن نتحرك." قال إدموند بحزم. "الأسرى من الغابة... يجب أن نستجوبهم الآن. اليوم. قبل أن يصل فاليريان إليهم ويصمتهم إلى الأبد." "وأنت جرحك..." "جرحي لا يمنعني من أن أكون عقلك وذراعك، يا ابن عمي." قطع عليه إدموند، وعيناه تلمعان بتحدٍ. "فاليريان يظن أننا جرحى، ضعفاء. وهذا بالضبط ما يجب أن نظهره. بينما نعمل في الخفاء." ثيودور نظر إلى إدموند، ورأى فيه ليس فقط الأمير الشجاع، بل الرجل الذي كان يمكن أن يكون أخاً له لو أن القدر سمح. "ماذا تقترح إذن؟" "أولاً: ننقل الأسرى إلى مكان سري. لا في سجن القصر، بل في مكان لا يعرفه فاليريان." بدأ إدموند يخطط، عقله الاستراتيجي يعمل بكامل طاقته رغم الألم والإرهاق. "ثانياً: يجب أن نستدعي الحكيم إلدريد لنفحص دواء ليوس. إذا كان فاليريان يخطط لأي شيء... فدواء ولي العهد سيكون هدفاً واضحاً." "ليوس..." همس ثيودور، وخوف الأب عاد إلى عينيه. "سيتم حراسته. وليوريلا، خادمته، ستكون عيوننا وأذاننا داخل جناحه." طمأنه إدموند. "وثالثاً... يجب أن نصل إلى صقر العدالة مرة أخرى. ولكن هذه المرة، ليس كملك يطلب تحالفاً، بل كحليف يقدم مساعدة." "ولكن كيف نصل إليه؟ لقد رحل وهو غاضب." "سيعود." قال إدموند بثقة. "لأنه الآن لديه سبب أقوى من أي وقت مضى. لديه صديق جريح. ولديه... أمير في القصر ربما أصبح صديقاً له." التفت إدموند نحو النافذة، حيث كانت الشمس ترسل أشعتها الكاملة تغسل القصر بضوء قاسٍ يكشف كل عيب، كل شق، كل ظل. "المعركة لم تنتهِ، ثيودور. بل تحولت فقط. من معركة سيوف في الغابات، إلى معركة ظلال في الممرات، وأخرى في القلوب." ثيودور أمسك بيد إدموند. يد الملك المرتعشتة تمسك بيد الأمير القوية. "لقد فشلت في حماية مملكتي. وفشلت في حماية ابني. لكنني لن أفشل مرة أخرى." "لم تفشل." قال إدموند، وصوته حازم. "بل استيقظت. وهذا أكثر مما فعله معظم الملوك في تاريخنا." في تلك اللحظة، دق الباب مرة أخرى. صوت تيرون خلفه: "سيدي، المستشار فاليريان يطلب مقابلة الملك. يقول إن الأمر عاجل." تبادل ثيودور وإدموند نظرة. في عيني كل منهما، كان هناك فهم مشترك: اللعبة التالية قد بدأت. "قل له إن الملك يستريح." قال إدموند نحو الباب. "وإنني سألتقي به في قاعة الاجتماعات خلال ساعة." بعد أن ابتعدت خطوات تيرون، نظر إدموند إلى ثيودور. "الآن سأرى وجهه المحفور بمخالب الصقر. وسأرى الرعب في عينيه." "كن حذراً." حذر ثيودور. "فهو الآن ثعبان جريح." "وأنا صياد اعتاد على صيد الثعابين." قال إدموند وهو يقف، جسده يؤلمه لكن إرادته من حديد. "استرح، يا ابن عمي. دعني أتعامل معه اليوم. وأنت استعد لمعركة الغد." وبينما خرج إدموند من الغرفة، بقي ثيودور مستلقياً على سريره، عيناه تحدقان في الشمس التي غزت غرفته. وشعر، لأول مرة منذ سنوات، بأنه ليس وحيداً. بأن هناك رجالاً بجانبه. وأصدقاء في الظل. وابناً قد يكون أقوى مما ظن. وكان يعرف أن اليوم الذي يبدأ الآن، يوم تشرق فيه الشمس على وجه فاليريان المحفور، بالنسبة له سيكون يوماً لا ينسى في تاريخ إيفرونيا. لأنه اليوم الذي بدأ فيه الظل ينتقم من صاحبه. واليوم الذي بدأ فيه الملك الضعيف يجد قوته، ليس في تاجه، بل في قلوب من وقفوا معه عندما سقط. العودة إلى العشّ: كان كوخ إيديث في ضوء الصباح المتأخر يبدو كقلبٍ نابضٍ تحت جلدٍ شفّاف، وضوء الشمس الذهبي يتسلل عبر النافذة الوحيدة ليسقط على أرضية الخشب العتيق في مربعاتٍ دافئة. لكن الدفء الوحيد الحقيقي كان مركزاً في ركن الغرفة، حيث كان جسدٌ شابٌّ ممددٌ على فراشٍ من البطانيات، والاقمشة البيضاء تضمّده كأشرعةٍ مكسورة على سفينةٍ نجت من العاصفة. فالاندر كان مستلقياً على بطنه، وجهه منحرفٌ إلى الجانب، عيناه المغمضتان تحتهما هالاتٌ بنفسجية عميقة كأن الليل قد ترك بصماته تحت جلده الشاحب. شعره الأشقر الداكن، الذي عادة ما يكون منسدلاً كحريرٍ مبلول، كان الآن ملتصقاً بجبهته من عرق الألم، خصلاتٌ متشابكة تشبه جذور نبتةٍ تحاول التشبث بالحياة. تنفسه كان سطحيّاً، كل شهيق يرفع ظهره المضمّد قليلاً ثم ينخفض مع زفيرٍ طويلٍ كأنه يتألم حتى في النوم. إيديث جالسة على كرسيٍ بجانبه، يداها العمياوان تلمسان الهواء فوق جسده دون أن تلامسه، كأنها ترسم صورةً له بلمساتٍ خفية. داريو وإسفين وكاليب كانوا متوزعين في الغرفة كحراسٍ لتمثالٍ ثمين، داريو متكئاً على الحائط بذراعيه المتعاقدتين على صدره، عيناه لا تفارقان فالاندر، إسفين جالساً عند الطاولة يفحص سكيناً بحذرٍ مفرط، وكاليب واقفاً عند النافذة يحدق خارجاً ولكن بصره كان غائماً، مشغولاً بأفكارٍ تدور كعجلة الطاحونة في رأسه. ثم، وكأن إيقاع الكون انتظر هذه اللحظة، فتح فالاندر عينيه. لم تكن صحوةٌ مفاجئة، بل كانت كزهرةٍ تفتح بتؤدة تحت شمس الربيع. جفناه افترقا ببطء، كستائرٍ ثقيلة تُرفع عن نافذةٍ كانت مغلقةً طويلاً. العينان الخضراوان الزمرديتان، ذات اللون النادر الذي يشبه مياه البحر في يومٍ صافٍ حيث تلتقي السماء بالأمواج، بدأتا بالتركيز ببطء. نظر أولاً إلى حائط الكوخ، ثم أدار رأسه قليلاً، حركة بسيطة جعلته يتأوه بألمٍ خفيف. "فالاندر..." همست إيديث، يداها تحركتا فجأة في الهواء كما لو شعرت بتغيرٍ في طاقة الغرفة. كانت هذه الكلمة كإشارةٍ للآخرين. داريو تقدّم خطوة، كاليب التفت من النافذة، إسفين وضع السكين على الطاولة بصوتٍ خفيف. وفي تلك اللحظة بالضبط، فُتح الباب. دخل ألفارد. كان ظهوره كريحٍ باردة دخلت إلى غرفةٍ دافئة. ملابسه السوداء ممزقة في عدة أماكن، وعيناه العسليتان ذات الخطوط الزرقاء محمرتان من السهر والتوتر، لكن في أعماقهما بريقٌ غريب، بريق رجلٍ نفّذ مهمةً خطيرة وعاد حياً. رائحة الغابة والعرق والخوف كانت عالقةً به كظلٍّ لا يفارقه. توقف عند الباب، ونظر مباشرةً إلى فالاندر. ورأى العينين الخضراوين مفتوحتين، تنظران إليه. "لقد عدت." قال فالاندر، وصوته بالكاد يسمع. اندفع ألفارد عبر الغرفة، تاركاً عباءته السوداء تسقط على الأرض كطائرٍ ميت. جثا على ركبتيه بجانب الفراش الأرضي، يده الخشنة ذات الندوب تمدّدت ثم توقفت قبل أن تلمس فالاندر، كأنها تخشى أن تكسر شيئاً هشّاً. "كيف... كيف تشعر؟" سأل ألفارد، وصوته يحمل تلك الخشونة المعتادة لكنها ممزوجة الآن بشيءٍ ناعم، غريب. "كأنني تعرضت للدهس من قبل حصان جامح." قال فالاندر، وشفتاه المبيضّتان ارتسمت عليهما ابتسامةٌ خفيفة، مؤلمة. "لكنني ما زلت أتنفس. وهذا أكثر مما توقعت عندما قفزت إليك." ألفارد أغلق عينيه للحظة. صورة فالاندر وهو يندفع نحو السهم، جسده يحميه، الدم الذي خرج منه دافئاً على يدي ألفارد، كلها عادت كفيضان جارف. فتح عينيه مرة أخرى، وكانت تلمعان برطوبة دموع يكافح لكبتها. "لقد رددتُ لك حقك." قال ألفارد فجأة، كلماته تخرج كحجارةٍ ترمى في بركةٍ ساكنة. ساد صمت. حتى تنفس فالاندر توقف للحظة. "رددت حقي... كيف؟" كرر فالاندر الكلمات كما لو كان يتحسس طعمها على لسانه. "فاليريان." قال ألفارد، والاسم خرج من فمه كطلقة. "دخلت إليه. في غرفته. بين حراسه. وتركت له... تذكاراً." إسفين تقدّم، عيناه الضيقتان تحملان فضولاً مختلطاً بالقلق. "ماذا فعلت له بالضبط؟" ألفارد لم يرفع عينيه عن فالاندر. "تركت عليه أثر مخالبي. ليتذكّر كلما نظر في المرآة من أنقذني من سهمه، ومن دفع ثمن تلك الجريمة." الغرفة أصيبت بالشلل. كاليب فرغ فاهه. داريو حكّ ذقنه، عضلات فكّه مشدودة. إيديث أمسكت بكوبٍ خشبي وضغطت عليه حتى كاد ينكسر. ثم انفجر إسفين. "تهور! لقد تهورت بكل ما أوتيت من غباء!" صرخ، صوته مرتفعاً بشكلٍ غير معتاد. "ذهبت إلى قلعة العدو! إلى مخبئه! وحدك! بعد كل ما حدث!" "كان يجب أن أفعل شيئاً!" رد ألفارد، وعيناه التقتا بعيني إسفين. "دمه كان على يدي! كدنا أن نخسره!" أشار بيده نحو فالاندر. "وهل ظننت أننا نستطيع أن نخسرك أنت أيضاً؟!" صرخ إسفين مرة أخرى. "أنت تعلم أن فاليريان كان يمكن أن يقتلك! كان يمكن أن تكون هناك مكيدة أخرى! هل فكرت في ذلك للحظة واحدة؟!" "فكرت في الذي ضحّى بنفسه من أجلي!" صاح ألفارد بعنف. "فكرت في أن كل تلك الأخلاق النبيلة، وكل ذلك الحديث عن عدم القتل، وكل تلك المحاولات لتكون بطلاً نظيفاً... كلها ذهبت أدراج الرياح عندما رأيته يسقط أمامي!" كان صوته يرتفع الآن، مشاعر مكبوتة منذ الليلة الماضية تتفجر كالبركان. "لقد كنا ألعوبة في أيديهم! يلعبون بمصير مملكة بينما نحن نتقاتل في الظل! لقد كسرت القواعد! ودخلت إلى عرينه! لأن القواعد التي يلعبون بها تجعل الخونة في القصور آمنين، والشجعان في الغابات مطاردين!" كاليب تقدم، وضع يده على ذراع ألفارد. "هدئ من روعك، ألفارد. نحن نفهم غضبك..." "لا! أنتم لا تفهمون!" قطع عليه ألفارد، ودفع يده بلطف. "أنتم لم تروا الدم وهو يسيل من صديقكم! أنتم لم تسمعوا أنينه وهو يفقد الوعي بين ذراعيكم! أنا رأيت! أنا سمعت! وأنا لم أعد أستطيع أن أكون ذلك الصقر النبيل الذي ينتظر حتى يهاجمونه!" ساد صمتٌ ثقيل. فقط صوت تنفس فالاندر الضحل، وصوت نار المدفأو التي تفرقع كأنها تشارك في الحديث. ثم قال فالاندر، بصوته الهادئ: "لم أطلب منك أن تنتقم من أجلي." التفت الجميع نحوه. كان ينظر إلى ألفارد، وعيناه الخضراوان تحملان ذلك الهدوء العميق الذي لم يهتز حتى وهو يموت. "لقد قلتها بنفسك." استمر فالاندر. "ضحيتُ بحياتي من أجلك. كان هذا خياري وحدي. ولم أفعل ذلك لأجعل أن تتحول إلى شبحٍ من الانتقام يدخل القصور في الليل." ألفارد حدّق فيه. "لكن... كان يجب أن يكون هناك رد، كان يجب أن يكون هناك ثمن للدماء التي سُفكت." "الثمن كان اهتمامك بي عندما كدت ألفظ أنفاسي الأخيرة." قال فالاندر ببساطة. "وليس خطوطاً على وجه رجلٍ خسيس. لأن الانتقام... لا يشفي الجروح. بل يحفر جروح أخرى." أغلق ألفارد عينيه. كتفاه ارتختا فجأة، كأن كل التوتر الذي حمله منذ الليلة الماضية غادره دفعة واحدة. "أنا... أنا لم أستطع التحمل. فكرة أنه يجلس في قصره آمناً، بينما أنت..." "أنا هنا." قطع عليه فالاندر، ومدّ يده ببطء. كانت يده شاحبة، ضعيفة، لكنها ثابتة. "وما زلت حياً. وهذا بسببك. بسبب يديك التي أخرجت السهم، وعقلك الذي عرف كيف يعالج الجرح، وقلبك الذي جعلك تركض هنا الآن بدلاً من البقاء في مكان آمن." أخذ ألفارد يده. كان الجلد بارداً قليلاً، لكن النبض كان هناك، خفيفاً لكنه حاضر. "لقد خفت... خفت أن أفقدك." "أعلم." قال فالاندر، وابتسم مرة أخرى، وهذه المرة كانت الابتسامة أكثر دفئاً. "ولهذا عدت إليك من الموت. ليس للثأر، بل للعودة إلى المنزل، إليكم جميعاً عائلتي وأصدقائي." كلمات "عائلتي وأصدقائي" علقت في قلوبهم. إيديث، التي كانت صامتة، بدأت تبكي بصمت، دموعها تسيل على خديها المجعدين دون صوت. داريو نظر إلى الأرض، وأنفاسه خرجت كتنهيدة طويلة. إسفين هز رأسه، لكن غضبه تبخر، وحل محله شيء يشبه الفهم. "والآن." قال فالاندر، صوته يكتسب القوة قليلاً. "أنا جائع. جائع كما لو أنني لم أكل في حياتي. وكأن جسدي يريد أن يملأ كل الدم الذي فقده." ضحك كاليب ضحكة مكتومة، متحرراً من التوتر. "أعتقد أن هذا علامة جيدة على الشفاء." "سأعد الطعام." قالت إيديث وهي تقف بسرعة، يداها تبحثان عن الطاولة. "لقد أحضر إسفين لحماً طازجاً من السوق. وخضاراً. سنصنع شيئاً دافئاً." "سأساعدك." قال كاليب وهو يتبعها إلى ركن المطبخ الصغير. داريو وإسفين تبادلا نظرة. "سنذهب لنجلب المزيد من الحطب." قال داريو. "الليل سيكون بارداً." بعد أن خرجوا، بقي ألفارد وفالاندر وحدهما. ضوء الظهيرة بدأ يتسلل إلى الكوخ، يلون كل شيء بلون العسل الذهبي. "هل يؤلمك جرحك كثيراً؟" سأل ألفارد، يده ما تزال ممسكة بيد فالاندر. "نعم." اعترف فالاندر. "ولكن الألم... يذكرني بأنني ما زلت حياً. وهذه نعمة." سكتا لبرهة. ثم قال ألفارد: "لن أتهور مرة أخرى. أعدك." "لا تعدني." قال فالاندر. "لأن الغضب سيعود. والظلم سيعود. وستريد أن تتصرف. فقط... تذكرني أنا ومن يحبك. تذكر أن هناك أناس هنا يحتاجونك حياً، ليس ميتاً أو سجيناً." نظر ألفارد إلى اليد التي يمسكها، ثم إلى الوجه الشاحب الذي كاد أن يخسره. وشعر بشيءٍ في قلبه يذوب، شيء قاسٍ تجمد هناك منذ الليلة الماضية. "أنت... غالٍ عليّ." قال الكلمات بصعوبة، كأنه يعترف بسرّ خطير. "أكثر مما تتصور." "وأنا أعلم." رد فالاندر. "ولهذا قفزت أمامك. لأن بعض الأشخاص... يستحقون أن تضحي من أجلهم." بعد ساعة، كان الكوخ مليئاً برائحة الحساء الساخن والخبز الطازج. جلسوا جميعاً حول الطاولة الخشبية الصغيرة، إيديث على رأس الطاولة، داريو وإسفين على جانب، كاليب على الجانب الآخر، وفالاندر جالساً على كرسيٍ مريح مع وسائد خلف ظهره، وألفارد بجانبه. كان فالاندر لا يزال ضعيفاً جداً ليأكل بنفسه. فألفارد، بدون أن يُطلب منه، أخذ وعاء الحساء وملعقة، وجلس بجانبه. "دعني أقوم بالأمر." قال، صوته خالياً من أي إحراج. رفع الملعقة الأولى إلى شفاه فالاندر. الحساء الدافئ، الغني باللحم والخضار، لمع في ضوء الشمس. فالاندر فتح فمه، وتناول اللقمة ببطء. عيناه كانتا على ألفارد طوال الوقت. "طعمه لذيذ... ليس تذوقه فحسب بل أمانه." همس فالاندر بعد أن ابتلع. ألفارد لم يقل شيئاً. فقط رفع الملعقة التالية. وكانت حركاته دقيقة، حانية، كأم تطعم طفلها المريض. كل لقمة كان يفحص حرارتها بنفسه أولاً، يبردها إذا لزم الأمر، ثم يقدمها. داريو وإسفين وكاليب كانوا يأكلون في صمت، يشاهدون المشهد بإبتسامة محببة. وإيديث، رغم عماها، كانت تبتسم ابتسامةً عريضة تملأ وجهها بالتجاعيد الدافئة. بعد عدة دقائق، قال فالاندر: "أستطيع أن آكل بنفسي الآن." لكن ألفارد هز رأسه رفضاً. "لا. دعني أفعل هذا. دعني أعتني بك. ولو قليلاً." كانت الكلمات بسيطة، لكنها حملت ثقلاً من المعاني. فالاندر لم يعترض. فقط أومأ، واستمر في الأكل، وعيناه الخضراوان تلمعان في ضوء الشمس بنظرةٍ تحمل امتناناً عميقاً، وربما شيئاً أكثر. والنهار خارج الكوخ كان ينسحب، والنجوم تبدأ بالظهور واحدةً تلو الأخرى، كأنها عيون السماء تراقب هذا المشهد البشري البسيط والمعقد: رجل يطعم صديقه الجريح، وأصدقاء يجتمعون حول طاولة صغيرة، وامرأة عمياء تبتسم في الظلام. وفي وسط كل الظلم والخيانة والدماء، كانت هذه اللحظة، لحظة حساء دافئ ويد تقدم ملعقة ليدٍ أخرى، تذكرهم جميعاً لماذا يستحق أن يقاتلوا. لماذا يستحق أن يعيشوا. ولماذا، في النهاية، بعض الصُحبة أقوى من أي سيف، وأدفأ من أي نار، وأكثر بقاءً من أي انتقام. مراسيمُ السّم: كانت قاعة الاجتماعات الملكية في ذلك المساء تشبه جوف وحشٍ نائم.على الطاولة الطويلة من خشب الأبنوس، التي كانت تلمع كمرآة سوداء تعكس شبحَي الرجلَين الجالسين على طرفَي نقيض، وُضعت وثائق منتشرة كأوراق شجر خريفية ميتة. فاليريان جالس في نهاية الطاولة، ظهره مستقيماً بشكلٍ مبالغ فيه، كأن كل فقرة في عموده الفقري تحولت إلى قضيب حديدي. على خده الأيسر، تحت ضوء المشاعل الصفراء، كانت الخطوط الثلاثة واضحة ومتوازية بعمق كافٍ ليبقيا، لكن ليس كافياً ليقتل. لمعت تحت الضوء كخريطة صغيرة من العار، نُقشت بلون أحمر داكن تحول بالفعل إلى بني قاتم. عيناه الخضراوان، التي كانت دائماً كبحيرتين متجمّدتين، كانتا الآن تشبهان بركتين من حمضٍ يغلي واسعتان، مفرطحتان، تحملان ذلك اللمعان الزجاجي للرجل الذي لم يعد يخفي جنونه بل يرفعه كراية. "المطلوب بسيط، سمو الأمير." قال فاليريان، وصوته كان مكتوماً، مشدوداً، كأنه يخرج من حنجرة أفعى محشورة تحت صخرة. "مرسوم ملكي. يعلن أن صقر العدالة مطلوباً للمحاكمة بتهمة محاولة اغتيال الملك في الغابة الليلة الماضية." إدموند جلس في الطرف الآخر، يداه متشابكتان على الطاولة. جرح كتفه الأيسر كان يؤلمه تحت ضماداته، كل نبضة قلب ترسل وخزةً نارية إلى ذراعه، لكنه لم يظهر شيئاً. عيناه البنيتان كانتا تحدقان في فاليريان بتركيز صقور الصيد التي ترى الفريسة وتحدد نقطة الضعف. "وما هي الأدلة؟" قال إدموند ببرود تام. "أدلة؟!" انفجر فاليريان فجأة، قبضتاه انطبقتا على حافة الطاولة حتى ابيضت مفاصله. "أنظر إلى وجهي! هذا دليل! وهذا..." مدّ يده فجأة وأنزل ياقة قميصه قليلاً،. "كاد يذبحني! في غرفتي! في قلب القصر!" "ولكن ليس في الغابة." رد إدموند بهدوء قاتل. "الجرح على خدك، و على رقبتك... لا تربطه بمحاولة اغتيال الملك. اربطه بهجوم عليك أنت شخصياً. وهذه تهمة مختلفة." فاليريان هب واقفاً. ظلّه الطويل امتد على الحائط خلفه ككائن أسطوري متوحش. "أنت تعلم ما يعنيه هذا! تعلم أنه يهدد أمن المملكة! يعيث فيها فساداً! ويجب أن يُوقف!" "يُوقف، نعم." قال إدموند، ولم يتحرك من مكانه. "ولكن بالقانون. وبأدلة تثبت الجرم المحدد. لا بتلفيق تهمٍ لاستغلالها سياسياً." الكلمة الأخيرة "تلفيق" علقت في الهواء كسيف حاد. فاليريان تقدم خطوة، ظلّه ابتلع جزءاً من الطاولة. "استغلالاً سياسياً؟ أنا حميت العرش! حميت الملك الذي كاد أن يموت!" "الملك الذي كاد يموت بسبب من؟" سأل إدموند، ورفع حاجبه الأيسر قليلاً. "أخبرني، يا فاليريان، من كان يعلم بذهاب الملك إلى الغابة؟ من كان يعلم بالضبط الوقت والمكان؟" لحظة من الصمت الكهربائي. عينا فاليريان اتسعتا قليلاً، ثم ضيقتا. "هل... تتهمني، سمو الأمير؟" "لا." قال إدموند وهو يهز رأسه ببطء. "أنا أسأل فقط. لأن تحقيقاً جاداً في محاولة الاغتيال يجب أن يبدأ بهذه الأسئلة. ولا يجب أن نسرع بإصدار مراسيم قد توجه الأنظار بعيداً عن... المجرم الحقيقي." كانت التهدئة واضحة، مبطنة، لكنها قاطعة كسيف. إدموند كأنه يقول له: أعرف. أعرف أنك دبرت الفخ. وأعلم أنك تخشى أن ينكشف الأمر. فاليريان فهم. رأى ذلك في عيني إدموند، لم تكن عيناه خائفتين، بل كانتا تحملان معرفة خطيرة. فسر فاليريان، وكأنه يغير التكتيك فجأة. مشى ببطء حول الطاولة، خطواته لا تصدر صوتاً على السجاد الفاخر. توقف خلف كرسي إدموند. إدموند لم يلتفت، لكن ظهره تصلب. "دعنا... ننظر للأمور من منظور أوضح، جلالتك." قال فاليريان، وصوته أصبح ناعماً وخطيراً،. "الملك مصاب. وضعفه يزداد. والأمير ليوس... قلبُه الهش قد لا يتحمل فجعته على أبيه. إذا علم الشعب أن صقر العدالة، بطلهم المزعوم، حاول قتل ملكهم... الفوضى ستعم. والاستقرار سينهار." توقف، ثم انحنى قليلاً. أنفاسه الدافئة كانت قريبة جداً من أذن إدموند. "ولكن إن أصدرنا مرسوماً للقبض عليه لتحقيق العدالة... سيشعر الناس بأن النظام يعمل. وسيشعرون بالأمان. والأهم... سيشعر كل من لديه نوايا مماثلة بأن يد العدالة طويلة." كانت تلك الكلمات تهديداً مزدوجاً. فاليريان كان يقول: وقع، أو قد تكون التالية هي النهاية وليس للملك فقط، بل وابنه أيضاً. إدموند أغمض عينيه للحظة. رأى صورة ألفارد في ذهنه، الفارس الذي وقف يقاتل بجانب الملك وكاد أن يموت بسهمٍ لولا تضحية صديقه، وإصابة ثيودور التي من حسن حظه لم تقتله. ورأى صورة ليوس الشاحب في جناحه، إذا قام فاليريان بقتل ثيودور، فماذا سيحدث له... لذلك قرر. "الأدلة غير كافية." قال إدموند، صوته صلب. "ولكن... حماية استقرار المملكة تأتي أولاً." مد يده. "أعطني الوثيقة." فاليريان، بابتسامة منتصر صامتة، مدّ له الرقعة الجلدية. إدموند أخذها. الكلمات كانت مدروسة بعناية شيطانية: "المدعو'صقر العدالة' مجهول الهوية، مطلوب للمحاكمة بتهمة محاولة اغتيال جلالة الملك ثيودور خلال جولته الليلية، والاعتداء على حراس الملك، ومحاولة قلب نظام الحكم و مقاومة السُلطات، والتعدي على مسؤول رفيع في المملكة." كل تهمة كانت سكيناً في ظهر التحالف الذي كان يمكن أن ينقذ إيفرونيا. أخذ إدموند ريشة الكتابة. كانت ثقيلة، باردة، كقطعة من جليد الشتاء. ضغط على الريشة. الصوت على الرقعة كان خفيفاً، لكنه في أذن إدموند كان كصوت باب سجن يُغلق على آخر أمل للمملكة. "شكراً، يا سمو الأمير." قال فاليريان وهو يأخذ الرقعة الموقعة. "لقد فعلت ما هو في صالح المملكة." بعد أن خرج فاليريان، بقي إدموند جالساً في القاعة الفارغة. ظله الوحيد كان يرتعش على الجدار تحت ضوء المشعل المتذبذب. نظر إلى يده، اليد التي وقعت على مرسومٍ سيدفع بالفارس الوحيد النزيه إلى الظل، سيحول بطل الشعب إلى مجرم مطارد. ثم، ببطء، مد يده. أمسك بكوب الماء البلوري الذي كان على الطاولة. نظر إليه للحظة، رأى انعكاس وجهه فيه، عيناه البنيتان تحملان ثقل خيانة لم يرتكبها بيده لكنه وقع عليها. ورفع الكوب. ورماه بقوة على الحائط. الصوت كان كصرخة مكتومة، الزجاج تطاير إلى آلاف القطع الصغيرة، والماء تناثر كدموع ملكية على أرضية الرخام، والصدى تدحرج في القاعة الفارغة كشبح يضحك ساخراً. بقي واقفاً، يتنفس بسرعة. كل قطعة زجاج على الأرض كانت تلمع تحت الضوء كعينٍ تتهمه. وكل قطرة ماء كانت تشبه دمعة لم يستطع أن يبكيها. لقد دفع بألفارد إلى حافة الهاوية. ودمر أحلام تحالف كان يمكن أن يغير كل شيء. وكل هذا... لإنقاذ ابن عمه الضعيف وأميرٍ مسكين قد لا يعيش حتى يرى ثمار هذه الخيانة. وانحنى، يداه مرتجفتين على الطاولة. وكان يعرف أن بعض الخيارات لا تُغفر. وأن بعض التوقيعات تحفر قبوراً ليس للجثث، بل للأحلام. وكان توقيعه، هناك على تلك الرقعة الجلدية، قد حفر قبراً لأمل المملكة. لكي يحافظ على حياة ملكٍ قد يموت من خيانة مستشاره، وأميرٍ قد يموت من حزنه على أبيه. والقاعة، بوسعها وصمتها، كانت تشهد على أن الحكم ليس تيجاناً وأثواباً فاخرة. بل هو كؤوس ماء تُكسر على جدران الصمت، وتوقيعات تُكتب بمداد من ذهب ملوث بدماء الضمير. صدماتُ القمم المُتعالية: كان المطلّ الصخري على جبل الصدى الصامت في تلك الليلة الظلماء يشبه ظهر تنينٍ حجري نائم تحت نجومٍ لا تكترث. الريح العاتية على القمة صفرت كأرواحٍ غاضبة، تجرف معها غبار الصخور وحبات البَرَد الصغيرة التي تشبه إبر ثلجية تخترق الملابس. صقر العدالة وإسفين تحركا كظلين منفصلين، الأول صامتاً كالصخرة نفسها، والثاني خفيفاً كالدخان لكن عينيه كانتا تلمحان في كل اتجاه، كقطّة برية تشم رائحة الخطر قبل أن تراه. الكهف الذي سجنا فيه كريكور وكالوم ظهر فجأة كفمٍ أسود في جبلٍ أسود. لكن شيء ما كان خطأ. لم يكن هناك صوت، ولا نفس، فقط صمتٌ ثقيل أغرق حتى صوت الرياح. ثم فجأة، انطلق ظل من الداخل. كريكور، بعينين حمراوين واسعتين من الذعر، اندفع خارجاً كحيوانٍ طُعِن بخنجر حامي. ملابسه الممزقة كانت ترفرف، وجسده تحرك بسرعةٍ لم يتوقعها أي منهما. رأى إسفين أولاً، فانحرف، لكن إسفين كان أسرع قفز قفزة خاطفة، سكينه اللامع قطع الهواء، وتداخلا في رقصة موت صامتة على حافة المُطلّ. سكينان يلمعان تحت ضوء القمر الشاحب، أنفاس متقطعة تخرج كبخار في الهواء المتجمد. صقر العدالة تردد للحظة، نظر إلى المعركة، ثم إلى الكهف المظلم. وشيء في أحشائه انقبض. اندفع داخل الكهف. الظلام داخله كان مطلقاً، كأنه دخل إلى جوف الكون نفسه. رائحة الدم كانت أول ما وصله، حادة، معدنية، دافئة رغم البرودة. ثم سمع أنيناً. عند الجدار الخلفي، حيث كانت الحبال ملقاة وممزقة، كان كالوم مستلقياً على ظهره. عيناه مفتوحتان على اتساعهما، تحدقان في سقف الكهف الذي لا تراه. يداه كانتا تضغطان على بطنه، حيث كان نزيفاً قاتلاً يتدفق بين أصابعه كجدول من ظلام. الدم كان يملأ الأرضية المحيطة به، لامعاً تحت بصيص ضوء القمر الذي تسلل من المدخل. "كالوم!" جثا صقر العدالة بجانبه، يده تبحث عن نبض في رقبته. كان ضعيفاً، سريعاً، كطير يرفرف بجناحيه للمرة الأخيرة. "كريكور..." همس كالوم، وشفتاه المبيضتان ارتعدتا. "خاف... أن أتكلم... وأفضح فاليريان... فطعنني..." "لا تتكلم. احتفظ بقوتك." حاول صقر العدالة أن يضغط على الجرح، لكن الدم كان ينزف من مكان عميق، داخلي. كان يعرف تلك النظرة، نظرة الرجل الذي يرى الموت يقترب. "استمع إليّ..." أمسك كالوم بمعصم ألفارد بقوة مفاجئة. أصابعه الدامية تركت آثاراً حمراء على الجلد الأسود. "السر... الذي سأموت من أجله..." "لا يهم ماهو الآن..." "بل يهم!" صرخ كالوم بعزم أخير، دماء خرجت من فمه بلون قرمزي قاتم. "صديقك... ذو العيون الخضراء..." توقف ألفارد عن التنفس. "فالاندر؟" "إنه ليس كما تظن..." كالوم أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما، وكانتا تلمعان بنور أخير قبل الانطفاء. "إنه... ابن... فاليريان... والملكة أورسولا..." الكلمات ضربت ألفارد كصاعقة في صدر عاري. العالم دار حوله. فالاندر؟ ابن فاليريان؟ ذلك الشاب الهادئ، صانع الفخار، الذي ضحى بنفسه من أجله؟ يكون ابن هذا الثعبان المدعو فاليريان؟ "كورفن... أخي..." استمر كالوم، صوته أصبح واهناً. "هو الذي أخذه من فاليريان... إنه يعرف كل شيء... ابحث عنه..." ثم، فجأة، انتفض جسده كأن صعقةً كهربائية مرت فيه. عيناه التقتا بعيني ألفارد للمرة الأخيرة. وفيها، رأى ألفارد ليس خوفاً، بل راحة، راحة حامل سرّ أخيراً تخلص من حمله. "شكراً... لأنك... لم تكن... مثلهم...وأرجوك... سامحني..." همس كالوم. وصمت. لقد فارقت الروح جسده. ألفارد جلس هناك، يداه ملوثتان بدماء رجلٍ مات يحمل سراً قد يقلب كل شيء. فالاندر... أخو ثيودور غير الشقيق؟ ابن الخيانة الملكية؟ شيء ما في صدر ألفارد انكسر، ليس قطعة، بل كل البناء الداخلي الذي كان يعرف من هو الصديق ومن هو العدو. ثم سمع صوت خطوات. إسفين دخل الكهف، يتمايل، سكين في يده ملطخ بالدماء. على كتفه جرحٌ نازف، لكن عينيه كانتا منتصرتين. "كريكور... مات. سقط من على الحافة." توقف، رأى كالوم، ثم ألفارد الجالس على الأرض كتمثالٍ من الصدمة. "ألفارد؟" لكن قبل أن يرد، صوتٌ ثالث قد أتى. كاليب دخل مسرعاً، أنفاسه تخرج كدخان في البرد، عيناه الزرقاوان واسعتان من الرعب. "ألفارد! هناك كارثة!" نهض ألفارد ببطء، كأن كل عظمة في جسده تئن. "ماذا حدث؟" "مرسوم!" قال كاليب، وكلماته تخرج مسرعة، مختنقة. "صدر مرسوم ملكي... بتوقيع الأمير إدموند... يعلنك مطلوباً للعدالة... بتهمة محاولة اغتيال الملك في الغابة، والأعتداء على الحراس وعلى مسؤول رفيع المستوى، وقلب نظام الحكم!" إسفين شهق. "ماذا؟ لكن هذا..." "كذب!" اكمل ألفارد الجملة، صوته أجش. "ولكنه... موقّع؟" "نعم! الوثيقة معلقة في كل قرية! جنود الملك يبحثون عنك في كل مكان! يقولون... يقولون أن هناك شهود عليك وأنت تحاول قتل الملك!" صمتٌ ثقيل سقط على الكهف. فقط صوت الريح خارجاً، التي بدت الآن كضحكات ساخرة. ألفارد نظر إلى يديه، ثم إلى كالوم الميت بينهما، والدماء التي حملت سراً خطيراً. ثم تذكر الخاتم الفضي في جيبه، وعد ليوس. ثم تذكر توقيع إدموند على مرسوم يعلنه مجرماً. كل شيء تداعى. التحالفات، الوعود، الحقائق... كلها تحولت إلى كذبة واحدة كبيرة. فاليريان ابنه مخفي بينهم. والملك الذي حاول التحالف معه يسمح بتلفيق تهمة كهذه بحقه. والأمير الذي أقسم له بالصداقة يوقع على مرسوم اعتقاله. رأسه بدأ يؤلمه. ليس ألماً عادياً، بل كان كضغطٍ هائل، كأن جمجمته ستنفجر. أصوات تتداخل في رأسه: صوت فالاندر وهو يهمس "أنا هنا"، صوت ليوس وهو يقول "عد كصديق"، صوت إدموند في الغابة "نحن حلفاء"، صوت ثيودور "أريد أن أكون مثلك"، ثم أخيراً صوت كالوم المحتضر "ابن فاليريان والملكة أورسولا"... الأصوات ازدادت. تضخمت. أصبحت كصراخٍ في جمجمته. صورة فالاندر الجريح، صورة ليوس عند النافذة، صورة الدم على يديه، صورة المرسوم المعلّق، صورة الخيانة التي تحيط به من كل اتجاه... وضع يديه على رأسه ثم صرخ. "كفـــى!" لم تكن صرخة غضب. بل كانت عواء. عواء حيوان جُرح في كل مكان ممكن، ولم يعد يعرف من يصادق، من يخون، من هو الصديق، من هو العدو. صوته خرج من أعماقه، مزق صمت الجبل، واخترق عواء الرياح، وارتفع نحو النجوم الباردة التي شهدت كل شيء ولم تفعل شيئاً. وكانت الصرخة تحمل كل شيء: صدمة الاكتشاف، غضب الخيانة، ألم الفقد، وحيرة رجلٍ رأى العالم يتحول إلى كذبة واحدة كبيرة، وهو الوحيد الذي ما زال يحاول أن يصدق أن هناك شيء اسمه الحق، شيء اسمه الصدق، شيء اسمه العدالة. وكان الجبل، الصامت دائماً، يردد صدى صرخته، كأنه يضحك عليه، أو يبكي معه، أو ببساطة يقول: مرحباً بك في الحقيقة. حقيقة أن العالم لا يحمل أبطالاً وأشراراً، بل فقط بشراً يخونون، ويحبون، ويجرحون، ويموتون، ويتركون أسراراً تدفن معهم في كهوفٍ مظلمة، بينما يعلنون مراسيم كاذبة في وضح النهار.