الفصل التاسع والعشرين
ديمتري كان واقف ورا الباب، ساند ضهره على الخشب وبياخد أنفاسه بالعافية.. قلبه كان بيدق بسرعة ميعرفش سببها، "هو إيه اللي بيحصل لي ده؟" كان حاسس بارتباك غريب، ارتباك أول مرة يزوره من سنين. وقبل ما يتحرك من مكانه، سمعه.. صوتها وهي "بترجع" وتعبانة جداً.
فتح الباب فوراً ودخل الأوضة بلهفة، لقاها ماسكة دلو القمامة وبترجع فيه بوجع وشها لونه مخطوف. كاريلا أول ما شافته، عملت بإيدها حركة "لا" وكأنها بتقوله "متقربش"، كانت مكسوفة ومش عايزاه يشوفها في الحالة دي.
بس ديمتري معملش حساب لأي حاجة، انحنى بجسمه وقعد "جلسة القرفصاء" قدامها، ومد إيده ومسك شعرها رده لورا بكل هدوء عشان ميتوسخش. الغريب إنه كان ماسك شعرها "بحنان" مبالغ فيه، وبالإيد التانية كان بيربت على ضهرها بخفة، بس في نفس الوقت كان بيبهدلها وبيرمي عليها كلامه اللاذع
"مش على أساس إنك مش بتاعة الحاجات دي؟ ولا إنتي بتشربي وخلاص وإنتي مش عارفة إيه اللي في الكاس؟ أدي آخرة اللي يعمل فيها بطلة وهو لسه أرنب."
كاريلا مكنتش قادرة ترد، كانت في حالة يرثى لها، وبمجرد ما خلصت، سحبها ديمتري براحة ووداها الحمام، فتح المية وغسل لها وشها بإيده، وكأنه بيطفي النار اللي في جسمها. المية الساقعة خلتها "تفوِق" شوية، فتحت عينيها وبدأت تراقبه وهو بيمسح وشها بكل هدوء.. ملامحه كانت قريبة منها جداً، وجدية لدرجة تخوف.
وهو بيمسح وشها، عينيها جت تاني على "المعصم" بتاعه، الأثر كان واضح وقوي، سألته بهمس وصوت لسه مهزوز من التعب
"إيه الأثر ده يا ديمتري؟ حصل لك إيه؟"
ديمتري ملامحه اتصلبت، وكأن السؤال لمس جرح جوا روحه مش بس في إيده، ومردش عليها. كاريلا أصرت وسألت باصرار اكثر
"ليه مش عايز تقول لي حاجة؟ "
بص في عينيها ببرود ورد ببساطة تقطع أي كلام تاني "عشان ده شيء لا يخصك. "
كاريلا مطت شفايفها بضيق طفولي، وحست إنه لسه بيبني السور بينه وبينها. ديمتري تجاهل نظرتها دي وقالها بلهجة آمرة
"يلا.. اطلعي نامي، كفاية اللي حصل النهاردة."
خرجها من الحمام ووصلها لسريرها، والمرة دي خرج فعلاً وقفل الباب وراه، وهو حاسس إن ليلته لسه مبدأتش، وإن الأسئلة اللي في عيون كاريلا بدأت تحرقه أكتر من الجروح اللي في إيده.
_____
صحيت كاريلا وهي حاسة إن في شاكوش بيخبط في دماغها، صداع رهيب مخليها مش قادرة تفتح عينيها. بصت حواليها باستغراب، "أنا فين؟ وإيه اللي حصل؟" ولما شافت إنها لسه بهدومها اللي خرجت بيها إمبارح مع إخواتها، بدأ شريط الأحداث يرجع قدامها ببطء لغاية ما وصلت للحظة الكارثة.. هي شربت!
اتنفضت من مكانها وهي مرعوبة، كاريلا اللي تربت مع والدتها "حياة" اللي كانت دايماً بتزرع فيها إن ده أمر ممنوع وما ينفعش يحصل أبداً تحت أي ظرف، حست بذنب كبير وجلد ذات مش طبيعي. وفي وسط زحمة أفكارها، موبايلها رن.. كانت "حياة" هي اللي بتتصل.
كاريلا اتجمدت مكانها، قلبها كان بيدق بسرعة، وردت بصوت مهزوز وهي بتحاول تدعي إنها تمام خصوصا وانها مش مصدقة الصدفة .
"أيوة يا ماما.. وحشتيني أوي." حياة كانت بتتصل تسألها بشوق لو تقدر تيجي تزورها، وكاريلا ما صدقت، وافقت فوراً وقالت لها إنها جاية، كانت طايرة من الفرحة لأنها افتكرت إن مامتها لسه زعلانة منها من آخر مرة.
قامت بسرعة، شربت إبريق المية كله من العطش اللي في زورها، ودخلت أخدت دش سخن عشان تستعيد توازنها. لبست طقم شتوي رقيق : بلوفر "أوفر سايز" بيج مريح، مع "جيبة" جينز قصيرة، ولفّت حوالين رقبتها "سكارف" كاروهات تقيل عشان يحميها من البرد، وسرحت شعرها ضفيرتين طفوليتين زادوا من براءة وشها، ولبست "لكلوك" أسود تقيل تحت الشوز الضخم بتاعها.
في الاوضة ...
كان فؤاد بيستعد للخروج مع سيباستيان، بس ماريا وقفت في طريقه بلهجة حازمة
"فؤاد! نسيت دواء الصبح، مش هتمشي من غيره."
فؤاد أخد تنهيدة طويلة بملل، بس ماريا مديتلوش فرصة، جابت العلبة وصبت كوباية المية وقالت له بجدية "الموضوع ده مفيش فيه تساهل، ده أحسن دكتور في جنيف هو اللي كاتب الروشتة دي."
فؤاد أخد الدواء وهو مش مقتنع إنه بيعمل فرق كبير، بس سكت عشان ينهي الجدال وخرج.
عند الباب، قابل كاريلا اللي كانت خارجة بلهفة، أول ما شافته حضنته وسألته عن صحته، طمنها إنه بخير وسألها بفضول
"على فين يا بنتي ؟"
كاريلا ارتبكت ثانية وقالت بصدق
"رايحة لماما يا بابا، وحشتني أوي."
فؤاد هز راسه بالموافقة، هو فعلاً مش بيمنعها من لقاء حياة لأنه عارف إنها محتاجة لها.
وفجأة موبايل كاريلا رن تاني، كانت حياة، بس المرة دي صوتها كان غريب، فيه توتر وفوضى وأصوات عالية في الخلفية، حياة قالت لها
"يا كاريلا، بلاش تيجي دلوقتي ياحبيبتي ، أنا هتأخر في الشغل أوي، ممكن نتقابل لما اخلص؟"
كاريلا سمعت صوت حد بيزعق في الخلفية، ففهمت إن مامتها بتواجه مشكلة في المطعم اللي شغالة فيه.
كاريلا بقلق
"ماما، أنا ممكن أجيلك المطعم وناكل سوا هناك ونخلص ونمشي؟"
حياة ردت بسرعة وهي بتنهي المكالمة بتوتر خفيف
"لا يا كاريلا، استنيني بس للمسا.. مع السلامة." وقفلت الخط فجأة.
القلق كان مرسوم على وش كاريلا بوضوح، فؤاد لاحظ ده وسألها بهدوء
"في إيه يا كاريلا؟ وشك اتقلب ليه؟"
كاريلا أخدت نفس عميق وحكت له إنها حاسة إن في حاجة غلط في شغل مامتها وإن صوتها مكنش مريح.
فؤاد ملامح وشه اتغيرت، وبص لسيباستيان وبعدين رجع بص لكاريلا وقال بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش
"ارركبي العربية يا كاريلا.. أنا جاي معاكي."
كاريلا اتصدمت وجمدت مكانها، فؤاد الغريري بنفسه هيروح المطعم اللي حياة شغالة فيه؟! بس فؤاد كان خلاص خد قراره وتحرك ناحية العربية
_________
دخلت كاريلا المطعم بسرعة وقلبها بيدق، عينيها بتدور في المكان لغاية ما لمحت مامتها "حياة" وهي شايلة صينية وبتقدم طلب لزبائن بكل هدوء، وكأن مفيش أي حاجة حصلت. حياة أول ما شافت بنتها استغربت، خلصت اللي في إيدها وراحت لها فوراً وهي بتقول
"كاريلا! إيه اللي جابك دلوقتي يا بنتي؟ مش قولتلك استنيني المسا لما اخلص"
كاريلا كانت واقفة مبهوقة ومش فاهمة حاجة، وبدأت تبرر قلقها وإنها افتكرت إن في مصيبة من صوت الفوضى اللي سمعتها في التليفون. حياة ابتسمت ب حنان وطمنتها وقالت لها
"يا حبيبتي ده مجرد زبون كان عايز ياكل وما يدفعش، وعمل شوية شوشرة وكسر كام حاجة في المكان، وعشان كدة صاحب المطعم طلب مننا شغل إضافي عشان ننظف ونرتب اللي حصل.. ده كل الموضوع، مكنتش عايزاكي تشوفي المنظر ده وتتعطلي بس."
لسه كاريلا بتاخد نفسها وبتبدأ تهدى، سمعت خطوات تقيلة وراها.. وفجأة افتكرت "المصيبة" التانية اللي جيباها معاها؛ والدها فؤاد الغريري.
طبعاً علاقة فؤاد وحياة مش زي أي أب وأم، حياة بتشوفه رمز لكل حاجة وحشة في حياتها وبتحاول بكل الطرق تبعده عن بنتها، وفؤاد ببروده المعتاد وهيبته اللي بتستفزها دايماً، وكأنه جاي يثبت لها إنه خلاص بقى جزء من حياة كاريلا وغصب عنها.
حياة أول ما شافت فؤاد، ملامحها اتحولت تماماً من الحنان للحدة، ورفعت حاجبها باستنكار وهي بتقول
"هو إيه اللي جابه هنا؟" وعينيها راحت وراه وشافت "سيباستيان" اللي عارفة كويس إنه ذراع فؤاد اليمين، فزادت حدتها أكتر.
كاريلا كانت واقفة في النص، بتبص لوالدها بارتباك وبتحاول تلطف الجو بابتسامة باهتة في وش مامتها اللي كانت شاعلة نار، حياة كانت حاسة إن وجود فؤاد في مكان شغلها البسيط ده هو أكبر استفزاز ليها، كأنه جاي يفرجها على قوته وسيطرته حتى في أدق تفاصيل يومها هي وبنتها.
فؤاد وقف بكل برود، وبص للمكان بنظرة استعلاء بسيطة، وبص لحياة وقال بنبرة هادية جداً
"كاريلا كانت قلقانة عليكي.. قولت أطمن بنفسي إن مفيش حاجة تستدعي القلق ده كله."
حياة ردت عليه بلهجة قاطعة
"كاريلا قلقانة عشان بنتي وبحبها، لكن إنت وجودك هنا ملوش أي لزوم يا استاذ فؤاد.. إحنا تمام، والمطعم تمام، وياريت تمشي وتسيبنا في حالنا." وحركت راسها باشارة طرد.
فؤاد كالعادة عرف يقلب الطاولة ببروده المعهود، وبص لحياة وبمنتهى الهدوء قال لها
"ومين قال إني قاعد هنا عشانك؟ بما أنه جيت وشوفت إن المطعم فاتح، قولت آكل هنا.. ولا ممنوع؟"
الصدمة كانت واضحة على وش سيباستيان وكاريلا، وحتى حياة نفسها وقفت مبهوقة. فؤاد الغريري، اللي متعود على السجاد الأحمر وأفخم مطاعم جنيف اللي بتتحجز له ، قاعد دلوقتي في مطعم بسيط في زقاق ضيق، والمنيو عبارة عن ورقة مطوية؟
فؤاد مسحبش بس الكرسي، ده قعد وثبت وجوده وكأنه ملك في قصره، وتجاهل نظرات حياة النارية تماماً، وبص لكاريلا اللي كانت واقفة جنب مامتها وقال لها بابتسامة رقيقة نادراً ما بتظهر
"كاريلا.. مش هتاكلي مع بابا ولا إيه؟"
كاريلا بصت لمامتها بارتباك، وبعدين بصت لوالدها، ومقدرتش تقاوم الابتسامة اللي اترسمت على وشها، وراحت قعدت جنبه فعلاً. حياة في اللحظة دي كانت هتشيط، ملامح وشها كانت مزيج بين الاستنكار والغيظ؛ عيونها كانت مبرقة، وشفايفها مضمومة بقوة وكأنها بتحاول تمنع نفسها من إنها تطرده برا.
فؤاد بص لحياة وقال بكل برود
"ممكن تاخد الطلب دلوقتي؟" وبعدين بص لكاريلا وقالها "اختاري اللي إنتي عايزاه يا حبيبتي."
حياة لمحت من طرف عينها صاحب المطعم وهو بيبص عليها ومستغرب الوقفة، فضغطت على سنانها وعضت شفتها بغيظ، وقربت منهم بخطوات رزينة وهي بتقول بحدة مكتومة
"على فكرة، أنا مش شغلتي آخد طلبات، أنا مسؤولة عن المطبخ وغسيل الأطباق، بس عشان فيه نقص في العمال وشوية تعب، وافقت أساعد النهاردة مقابل أجر بسيط زيادة.. قول خلصني عايز إيه؟"
كاريلا بصت لمامتها بابتسامة متوترة وقالت
"أنا عايزة 'باستا' بالصلصة الحمراء يا ماما، زي اللي بتعمليها." حياة ابتسمت لها وهزت رأسها بحنان، وبعدين لفت وشها لفؤاد وكشرت تماماً وقالت بخنق"وإنت؟"
فؤاد بصلها ببرود وقال
"نفس طلب كاريلا.. بس يا ريت الصلصة تكون خفيفة."
حياة أومأت لبنتها وسجلت الطلب، وادت فؤاد نظرة أخيرة "تسمّ البدن" قبل ما تلف وتمشي ناحية المطبخ وهي بتهبد برجلها على الأرض.
سيباستيان اللي كان متابع المشهد وعارف إن وجوده مابقاش ليه لازمة قدام العيلة اللي اتجمعت اكتفى بابتسامة خفيفة، وأومأ لفؤاد وخرج يستنى في العربية برا عشان يسيبهم على راحتهم.
______
حياة كانت لسه هتخرج بالأطباق لما وقفها مدير المطعم، وعيونه بتلمع بفضول وهو بيبص ناحية فؤاد اللي قاعد "منور" المكان بهيبته، وسألها بصوت واطي
"مين الراجل ده يا حياة؟ ده شكله مش من مستوانا خالص، إيه اللي جابه زقاق زي ده؟"
حياة ردت عليه وهي بتنفخ بضيق
"واحد زبون زي أي حد يا فندم "
ولما سألها بإصرار
"إنتي تعرفيه؟" نفت فوراً وهي بتجز على سنانها
"لا طبعاً، هعرفه منين؟"
و اتحركت ناحية الطرابيزة، وحطت طبق فؤاد قدامه "بهبدة" وعنف خلاه يتهز، كأنها بتفرغ فيه كل غلها، وبعدين لفت لكاريلا وبمنتهى الرقة والنعومة حطت طبقها وقالت بابتسامة صافية
"بالهنا والشفا يا روحي."
كانت لسه هتلف وتمشي، بس كاريلا مسكت إيدها وقالت بلهفة
"ماما، اقعدي كلي معانا.. "
حياة عقدت حواجبها وبصت لبنتها نظرة معناها "إنتي اتجننتي؟"، لكن كاريلا بدأت تتدلل عليها وتترجاها بعيونها، والحقيقة إن كاريلا من جواها كان عندها أمنية صغيرة ونفسها تتحقق ولو لمرة واحدة.. إنها تشوف أبوها وأمها على طرابيزة واحدة بياكلوا سوا معاها.
حياة حاولت تهرب وقالت
"يا كاريلا عندي شغل، والمدير واقف."
هنا فؤاد، ومن غير ما يرفع عينه من على طبقه، قال ببروده المعتاد وصوته الرخيم
"المطعم فاضي، مافيش حد دخل "
حياة بصت له بحدة كانت كفيلة تحرق المكان، وكاريلا استغلت الفرصة وقالت
"فعلاً يا ماما، بابا عنده حق، المكان فاضي خالص."
هنا حياة أخدت تنهيدة طويلة مليانة استسلام، وسحبت الكرسي وقعدت جنب بنتها. كاريلا بسرعة طلعت شوكة تانية وناولتها لمامتها عشان تشاركها في نفس الطبق، وحياة مقدرتش تكسر بخاطر بنتها وبدأت تاكل معاها.
المنظر كان غريب وساحر في نفس الوقت؛ فؤاد الغريري ببدلته الفخمة وساعته الغالية بياكل باستا شعبية بتركيز وهدوء، وقدامه حياة بملابس الشغل المتواضعة وبساطتها، وبينهم كاريلا اللي كانت عاملة زي "حمامة السلام". التلاتة بياكلوا من نفس الصنف، في مطعم بسيط وصغير، والسكوت كان سيد الموقف بس كان صمت مليان كلام.
وفي لحظة، حياة رفعت عينيها وهي بتمضغ الأكل، وفي نفس الثانية فؤاد رفع عينيه هو كمان.. نظراتهم اتقابلت "وجهاً لوجه". نظرة حياة كان فيها عتاب وتحدي، ونظرة فؤاد كانت غامضة وباردة بس فيها لمعة مش مفهومة.
كاريلا شافت اللحظة دي، وحست إن قلبها بيرقص من الفرحة، فكتمت ابتسامتها بسرعة وراحت داحشة شوكة باستا تانية في بوقها وهي بتبص لهم بانتصار.
_____
بعد ما خلصوا أكل، والمكان سكن شوية، كاريلا سألت مامتها بفضول
"ها يا ماما.. كنتي بتقولي عايزة تتكلمي معايا في موضوع، خير؟"
حياة كانت لسه هتفتح بقها وتتكلم، بس سكتت فجأة ورمت بنظرة استنكار لـ فؤاد، وكأن عيونها بتقوله: "مش ناوي تقوم بقى ولا إيه؟ الكلام ده خصوصي."
فؤاد ولا كأنه هنا، بصلها براحة تامة وقال
"خدي راحتك خالص يا حياة.. اتكلمي مع بنتك، اعتبريني مش موجود."
حياة اتغاظت وردت عليه بحدة
"أنا دايماً بتكلم بحرية مع بنتي ومش محتاجة إذن منك ولا محتاجة حد يقولي أعمل إيه وماعملش إيه."
فؤاد رفع حاجبه وابتسم ابتسامة صفراء مستفزة
"تمام، وأنا سامع.. كملي."
كاريلا حست إن خناقة تانية هتولع، فتدخلت بسرعة وهديت اللعب
"يا جماعة خلاص.. ماما قوليلي سامعاكي "
فؤاد وحياة أخدوا تنهيدة طويلة في نفس الوقت، تنهيدة مليانة سنين من المشاكل، وبعدين حياة قامت من غير ولا كلمة واتجهت لغرفة صغيرة جوه المطعم، المكان اللي الموظفين بيشيلوا فيه شنطهم وحاجاتهم.
كاريلا فضلت تتبادل النظرات مع والدها اللي كان قاعد في صمت مريب بيراقب كل حركة، لغاية ما حياة رجعت وهي شايلة في إيدها كيس ورقي .
قعدت حياة على الكرسي، وناولت الكيس لـ كاريلا وهي بتبص لها بنظرة فيها حنين وخوف في نفس الوقت، وقالت لها
"خدي يا قلبي.. ده ليكي."
كاريلا اخدت الكيس الورقي وفتحته بفضول طفولي، وعينيها لمعت أول ما شافت اللي جواه. كانت حقيبة "توت" شيك جداً باللون الوردي المفضل ليها، ومنقوشة بنقشات هندسية رقيقة زادتها أناقة. حياة مكنتش جايبة مجرد شنطة، دي كانت مزينة بـ "دلايات" وإكسسوارات كيوت؛ وردة بيضاء كبيرة، وسلاسل لؤلؤ رقيقة، وخرز ملون مديها روح مبهجة جداً.
كاريلا من فرحتها وقفت فجأة وحضنت والدتها بقوة، وكأنها طفلة صغيرة خدت أغلى لعبة في العالم، وقالت بصوت مليان حماس
"يا ماما دي تجنن! بجد شكراً أوي.. أوعدك إني هلبسها علا طول ومش هفارقها أبداً."
حياة ضحكت من قلبها وهي شايفة فرحة بنتها اللي نستها كل تعب اليوم ورخامة "المدير" والزبائن وو جود فؤاد، وقالت لها
"كنت عارفة إنها هتعجبك، أول ما شوفتها قولت دي تليق على بنتي وعلى أول سنة ليها في الجامعة."
وفي وسط الضحك والحضن ده، كان فؤاد قاعد بيراقبهم بهدوء. ملامحه الجامدة بدأت تفك، وارتسمت على وشه ابتسامة دافئة وصادقة وهو شايف "حياة" و"كاريلا" في اللحظة دي. رغم كل المشاكل، إلا إن المنظر ده خلاه يحس براحة مكنش جربها من زمان، وكأن فرحة بنته كانت كفيلة تخليه
ينسى خلافاته مع "حياة" ولو لثواني
معدودة.
_______
بعد ما اليوم خلص، كاريلا حست إن دي الفرصة المثالية عشان تسيب "فؤاد وحياة" لوحدهم شوية، يمكن يدوب التلج اللي بينهم. حضنت مامتها بقوة وودعتها، وبعدين وبابتسامة مشاغبة وكلها براءة، ضمت شنطتها الجديدة لصدرها وجريت ناحية العربية وهي بتنادي على "سيباستيان" اللي كان واقف بكل رسمية وعملية عشان توريه هديتها وتتباهى بيها قدامه بحجة تسيبلهم شوية خصوصية .
جوّه المطعم، الخناقة الأخيرة بدأت على "الفاتورة". فؤاد طلع محفظته عشان يدفع، لكن حياة وقفته بحدة وقالت له بصرامة
"ادفع لنفسك بس.. أنا اللي عزمت بنتي."
فؤاد بص لها ببرود ورد
"كاريلا بنتي ومسؤولة مني، وأنا اللي هدفع."
فضلوا في جدال "مين يدفع لمين" لغاية ما فؤاد حسم الأمر ودفع للكل بفرضه للأمر الواقع، وخرجوا وقفوا سوا على عتبة المطعم في مواجهة بعض.
حياة بصت له بهدوء وقالت بنبرة مليانة جدية وضيق
"أنا لسه لغاية دلوقتي مش متقبلة إن بنتي بتعيش في 'الوكر المزين' بتاعكم ده .. "
وكملت بصدق
"ولو ساكتة دلوقتي فده عشان هي داخلة جامعة أحلامها ومش عايزة أنكد عليها، بس خليك فاكر.. لو عرفت إن شعرة واحدة منها اتأذت أو حد ضايقها، مش هسكت وهقلب الدنيا على دماغكم."
فؤاد بص لها بثبات، وبعدين نقل نظره لبعيد، ناحية كاريلا اللي كانت واقفة بتضحك مع سيباستيان وبتحكي له عن الشنطة، وقال بصوت واطي فيه صدق حقيقي
"أنا كمان مش هسمح لده إنه يحصل.. كاريلا زي ما هي بنتك هي بنتي، وبالذات بعد الكام يوم اللي قضيتهم معاها، اكتشفت إنها بقت زي 'النور' اللي بيضيء حياتي وعالمي المظلم.. ومبقتش قادر أتخيل يومي من غيرها."
حياة سكتت، وبصت له بنظرة فاحصة وكأنها بتحاول تتأكد هل الكلام ده طالع من قلبه ولا مجرد تمثيل، وردت بهدوء "أتمنى تفضل فاكر الكلام ده كويس يا فؤاد.. لأن النور ده لو انطفى، فهيكون بسببك."
فؤاد ما ردش، اكتفى بصمت عميق وهو بيبص لها في عيونها كأنه بيحفظهم ، وبعدين اتحرك ناحية العربية.
سيباستيان فتح له الباب بكل هيبة، وكاريلا لوحت لمامتها بسعادة غامرة وهي بتركب، وحياة ردت لها التلويحة بابتسامة حنان لغاية ما العربية اختفت عن