الفصل الثاني والعشرون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
فتح عينيه ببطء…
لا لأن النوم فارقه لتوّه، بل لأن سلطان النوم لم يزره أصلًا طوال الليل.
كانت عيناه مفتوحتين منذ ساعات، وجسده ساكن، وروحه في جلسة صامتة طويلة مع أفكاره، أفكار ازدحمت حتى ضاق بها صدره، واشتعل بها رأسه.
نهض من الأريكة، متثاقل الخطى، ووضع يده على عنقه التي تشنّجت قليلًا من طول السهر وثقل التفكير. زفر زفرة طويلة، كأنها محاولة يائسة لإخراج ما تراكم في داخله، ثم اتجه نحو الحمّام.
انهمرت قطرات الماء الباردة على جسده، لعلها تطفئ نار الأفكار، أو على الأقل تخفف حدّتها.
وبعد أن توضأ، خرج، ارتدى ملابسه، وأقام صلاته… وقف بين يدي الله يدعو دون صوت، ويسأل العون دون أن يصرّح بما يقلقه.
وحين أنهى صلاته، وقف في منتصف الغرفة…
وقفة رجل حائر، يحدّق في أعتاب قرارٍ مصيري، يتردد في تنفيذه، كأن الأرض تسحبه من قدمٍ، والقدر يشده من الأخرى.
تنهد، ومسح وجهه بكف يده، وقبل أن يخطو نحو الباب…
رنّ هاتفه.
تجمّد في مكانه.
رقم أجنبي…
لكنه رقم يحفظه عن ظهر قلب.
أغلق باب الغرفة من جديد، وعاد بخطوات بطيئة إلى حافة السرير. جلس، ثم أجاب بصوت حاول أن يجعله ثابتًا /السلام عليكم…
خمسة عشر دقيقة…
خمسة عشر دقيقة استُنزفت فيها طاقته، وازدادت حيرته، وتكاثفت غيوم صدره.
وحين انتهت المكالمة، أنزل الهاتف ببطء، كأنه يخاطبه قائلًا "لا قوة لي بالمزيد…"
انتفض من مكانه بسرعة بعد ان استفاق من تلك المكالمة ....عليه الاسراع فالوقت ليس في صالحه ، أعاد الهاتف إلى جيبه، واتجه نحو خزانته.
أخرج حقيبة سفره، وجمع فيها ما يحتاجه من ملابس، ثم أوراقه المھمة .
أغلق سحّاب الحقيبة، وضعها أمام الباب، ثم اتصل بإدارة المستشفى، وأخبرهم أنه سيأخذ إجازة لظرف طارئ، وطلب إلغاء جميع مواعيده.
حمل حقيبته بيده، وخرج متجهًا إلى الأسفل.
في الصالة…
وجد والده ووالدته.
ما إن رأته أمه حتى وضعت فنجان قهوتها بسرعة، وقالت بخوفٍ لم تستطع إخفاءه /وش فيك يا يمّه؟ وين رايح؟
أنزل رسيم الحقيبة من يده، ورسم على شفتيه ابتسامة مصطنعة، أراد بها أن يزرع شيئًا من الطمأنينة في قلب أمه، تلك التي عانت سنوات طويلة من الحزن حين كان يدرس خارج البلاد.
قال بهدوء /افرحي يا طويلة العمر، جاني عرض عمل بإيطاليا… راح أروح أشوف…
لم يمهله الوقت لإكمال عبارته فقد قاطعته أمه، ونبرة صوتها بدأت تتغير، مبشّرة بسيل دموع قريب /تبي تقطع قلبي عليك يا رسيم؟ كيف راح أرتاح وانت في مكان بعيد عني؟
انحنى حتى صار بمستواها، قبّل رأسها، وضمها بحب وحنان، وقال بصوت دافئ /إن شاء الله خير يا الغالية… لا تنسيني من دعواتك. وحتى لو قبلت العرض، راح أنزل كل جمعة، ها؟ وش تقولين؟
ابتسمت رغم القلق، وقالت /الله يحفظك، ويكون بعونك، ويردك لي بالسلامة.
في تلك اللحظة، تدخل أبو رسيم بصوته الوقور /كنت أبيك بموضوع، بس الظاهر راح يتأجل.
نهض رسيم، اقترب من والده، قبّل رأسه، وقال باهتمام صادق /وش اللي مضيق قلبك؟ ما راح أرتاح وبالك مشغول.
أبو رسيم بھدوء /كنت أبيك تفاتح أماني بموضوع خطبتها لخالد… ما يصير تأخرنا على الرجال.
ضحك رسيم بخفة، وقال /هذا هو الموضوع اللي مضايقك؟ راح أدق على خالد وأفهمه إني مسافر، وهو أكيد راح يتفهم.
تدخلت أم رسيم بقلق /عيب يا ولدي، وإذا كان خبر أهلها فشيلة إننا نتأخر عنهم.
قال رسيم مطمئنًا /يمّه، خالد لسا ما جاب أهله، وهو أساسًا جا وسألنا إذا موافقين يجيبهم ويجي، وإذا لا يروح يدور نصيبه ببيت ثاني… بس خالد صابر وراضي بأي شي، وإن شاء الله يصير خير.
أومأت أم رسيم برأسها، ثم وقفت معه لتودّعه.
رسيم وهو ينظر حوله /لسا ما صحت أماني؟
وما إن أنهى سؤاله حتى جاءت أماني، وهي تنزل الدرج، قائلة بابتسامة مازحة /أفا… على وين يا المزيون؟
ضحك رسيم وقال /تو ناس، كان كملتي نوم.
أماني بكسل /وأنا وش اللي يجبرني أصحى وأنا ما عندي شي أسويه؟
اتجه نحوها وقال ممازحًا /يلا يا الفيلسوفة، لو طلعت قبل ما تصحين كان أفضل.
نظرت إليه بجدية وقالت /ما خبرتني وين رايح.
ابتسم وقال /عرض شغل بإيطاليا.
اتسعت عيناها فرحًا، وقالت بسعادة صادقة /الله! ألف مبروك.
قال بعد أن قبل جبينھا ومسح على شعرھا /تسلميلي يا أحلى أماني.
احتضنته أماني تودّعه، وقبل أن يخرج أوصاها بحنان أخٍ يخشى أكثر مما يُظهر /ما أوصيك يا أماني… ديري بالك على نفسك، اهتمي بصحتك زين، لا تطولين برا البيت، ولا تضغطين على نفسك. وإذا احتجتي أي شي، اتصلي… لا تخلين بالي مشغول عليك، مفهوم؟
ابتسمت وقالت /مفهوووم.
خرج…
ركب السيارة مع السائق و تنهد بعمق.
مشهد تمثيلي زائف طال أكثر مما يحتمل.
لو أخبرهم بالحقيقة… هل سيكون أسهل؟
كيف ستكون ردة فعلهم؟
سؤال فضّل الهروب منه.
بعد مسير، وصل إلى المطار.
أنهى جميع الإجراءات، وأخيرًا… جلس في مقعده في الطائرة.
أغمض عينيه، وأسند رأسه إلى الخلف.
هل كان مخطئًا من البداية؟
أم أن ما يمر به ليس سوى اختبار لصبره، وميزانًا لحكمة اختياراته؟
تمتم في سره بأدعية كثيرة…
يسأل الله العون
ويستودعه قلبًا أنهكه الصراع.....