الفصل الثامن والعشرين
كاريلا كانت لسه بتاخد رشفة من العصير وهي بتبص بطرف عينها لديمتري اللي كان واقف جنبها زي الجثة، ملامحه مابتنطقش وكأنه آلة مش بني آدم. وفجأة، موبايلها نور برسالة من ليون
"بابا فاق يا كاريل.. تعالي بسرعة!"
وش كاريلا نور فجأة، ونسيت كل ضيقها من ديمتري وقالت له بلهفة وفرحة
"ديمتري! بابا فاق! ليون بعت لي رسالة حالا!"
ومن غير تفكير، الاتنين جريوا في الممرات ناحية الغرفة الخاصة اللي فيها فؤاد الغريري.
الغرفة كانت هادية جداً، ريحة المعقمات مالية المكان، وصوت أجهزة رسم القلب المنتظم كان هو اللي بيطمن الكل. فؤاد كان نايم على السرير، وشه شاحب وتعبان، والخراطيم والأجهزة محاوطاه من كل جهة، بس عينيه كانت مفتوحة. العيلة كلها كانت محوطاه؛ ماريا، ليون، نيكس، وماركوس اللي كان بيراقب الأجهزة بتركيز. ومن ورا كاسبار وسيلفان
أول ما دخلت كاريلا ومعاها ديمتري، ديمتري بطأ خطواته فجأة.. أول ما عينه جت في عين فؤاد وشافه صاحي، حس إن روحه رجعت له، واطمن إنه لسه موجود. كاريلا مقدرتش تمسك نفسها وجريت على السرير، وفؤاد أول ما شافها، ابتسامة متعبة ظهرت على وشة وهمس باسمها "كاريلا.." وكأنها الزهرة الوحيدة اللي نورت الغابة المظلمة دي.
ماريا كانت سبقتها وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير وبقت ماسكة إيد فؤاد بتملك. كاريلا كانت لسه هتنزل على ركبها على الأرض عشان تكون قريبة من مستوى والدها، بس في ثانية، ديمتري اللي كان واقف وراها، مد رجله وحط حذائه تحتها عشان تقعد عليه وما تلمسش أرض المستشفى الباردة ببيجامتها.. عمل كدة وهو عارف ومتأكد من غير ما يبص إن ماريا مراقبة كل حركة بيعملها.
كاريلا قعدت ومسكت إيد فؤاد التانية وقالت بتأثر ودموعها بتلمع
"حمد لله على سلامتك يا بابا.. خضيتنا عليك أوي، بالله عليك ما تعملش كدة تاني."
ليون اللي كان واقف قريب هو ونيكس، حب يلطف الجو وقال بنبرة طفولية وهو بيضحك
"لا ده واضح يا بوص فؤاد إنه كاريل غلاوتها غطت علينا كلنا.. إنت فرحت لما شوفتها أكتر ما فرحت لما شوفتنا إحنا!" واشر عليه وعلى اخوه التوأم بحكم انهم مدللي الغريري
الكلمة خلت الكل يضحك غصب عنه، وماركوس رد بابتسامة رصينة
"طبعاً يا ليون، دي البنت الوحيدة في البيت، وليها دلال خاص."
وبعدين قرب ماركوس من والده وسأله بمهنية وهدوء "حاسس بإيه دلوقت يابابا في أي وجع؟"
فؤاد أومأ براسه ببطء كإشارة إنه أحسن. وبعد دقايق، دخلت الممرضة وقالت بكل احترام
"يا جماعة، حمد لله على سلامته، بس ياريت بلاش عدد كبير جوه الأوضة.. المريض محتاج راحة تامة دلوقت، وممنوع الكلام الكتير."
ماركوس هز راسه بالموافقة وقال للكل
" معاكي حق "
ديمتري كان أول واحد بيستعد عشان يخرج، وكأنه متعود ينسحب في اللحظات العائلية دي، لأنه رغم اسم "الغريري" اللي شايله، لسه بيحس إنه دخيل على الدايرة القريبة. بس وهو بيلف عشان يمشي، حس بإيد دافئة وصغيرة قفشت في إيده بقوة..
كانت إيد كاريلا.
كاريلا كانت لسه باصة لوالدها وبتمسح على شعره بحنان بإيد، والإيد التانية كانت ماسكة إيد ديمتري وكأنها بتقول له: "مش دايماً إنت اللي لازم تخرج وتنسحب.. خليك."
ديمتري اتجمد مكانه.. مكنش متعود إن حد يتمسك بيه كدة، ولا فاهم هي بتعمل كدة ليه، بس الحركة دي لمست حاجة جواه مكنش يعرف إنها موجودة.
في اللحظة دي، كاسبار شاف المشهد ده، نزل راسه وابتسم ابتسامة مخفية وهو فاهم اللي بيدور، وبعدين رفع راسه وقال بصوت مسموع
"أنا هروح أتولى شؤون الحسابات والدفع في المستشفى." وسيلفان خرج وراه تلقائياً، وسابوا العيلة في لحظة هدوء كانت كاريلا فيها هي اللي بتجمع الخيوط كلها بإيدها الصغيرة.
______
كاسبار كان ماشي بخطواته الواثقة، بدلته الأنيقة اللي مفيهاش غلطة بتخطف الأنظار في ممرات المستشفى الكئيبة. سيلفان كالعادة اختفى في ظروف غامضة زي الدخان، ودي عادة الكل اتعود عليها فيه، ففضل كاسبار لوحده بيكمل طريقه ناحية الاستقبال عشان يخلص الأوراق والحسابات.
وهو بيقرب، وقف مكانه فجأة.. عينيه لمحت حد مألوف جداً. كانت واقفة قدام مكتب الاستقبال وبتتكلم بجدية شديدة.. فاي؟ سكرتيرته اللي مابتعرفش غير لغة الأرقام والشغل؟
فاي كانت بتتكلم بلهجة حادة شوية مع الموظفة، وشها اللي دايماً "محايد" ومبيظهرش عليه أي تعبير، كان باين عليه إن فيه حاجة غلط، أو "مُصيبة" هي بتحاول تداريها.
كاسبار قرب ووقف جنبها بالظبط، بس هي من كتر اندماجها في الكلام والتوتر اللي هي فيه، مخدتش بالها إنه واقف أصلاً.
كاسبار سابها لحظة، والتفت للموظفة التانية اللي جنبه، وقال بصوته الرخيم اللي فيه نغمة مغازلة هادية
"مساء الخير يا آنسة.. محتاج أخلص إجراءات خروج السيد فؤاد الغريري من الطوارئ للغرفة الخاصة."
الموظفة أول ما سمعت صوته وشافت أناقته الفذة، اتلخبطت وابتسمت بتلقائية، وسابت اللي في إيدها وركزت معاه بتمام، كاسبار كان عنده الموهبة دي؛ يخلي أي ست تنجذب له بمجرد كلمة أو نظرة غامضة.
هنا فاي اتنفضت من مكانها وبصت جنبه بذهول
"مستر كاسبار؟! إنت بتعمل إيه هنا؟"
كاسبار لف لها ببطء، ورفع حاجبه بابتسامة احترام خفيفة وأومأ لها
"أهلاً فاي.. المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، بس واضح إننا اتقابلنا في مكان مش لطيف."
فاي عدلت نظارتها وحاولت تستعيد ثباتها
"هو.. هو كله تمام؟ حضرتك بخير؟"
كاسبار رد بهدوء
"والدي تعرض لأزمة صحية مفاجئة، بس الحمد لله قدرنا نلحقه وهو دلوقت مستقر."
فاي سكتت لحظة وكأنها كانت بتهضم الخبر، وقالت بنبرة خافتة
"ألف سلامة عليه، إن شاء الله يقوم بالسلامة."
كاسبار بص لها بنظرة فاحصة، وكأنه بيقرأ اللي ورا ملامحها، وسألها فجأة
"وإنتي يا فاي؟ إيه اللي جايبك المستشفى في وقت زي ده؟"
فاي ارتبكت للحظة، وعينيها راحت يمين وشمال قبل ما ترد بسرعة
"أنا.. أنا كنت جاية أزور حد من معارفي، حالة صحية طارئة."
كاسبار أومأ براسه بهدوء، بس عينيه كانت بتقول إنه مش مصدق الحكاية دي بالبساطة دي. فاي حست إنها محتاجة تهرب من نظراته، فاستأذنت بسرعة: "عن إذنك يا فندم، لازم أمشي دلوقت.. وكلمت الموظفة وقالت لها: هنيجي نكمل كلامنا بعدين."
كاسبار فضل واقف مكانه، مدي إيده في جيبه، وباصص لضهرها وهي بتبعد بخطوات سريعة وكأنها بتهرب من استجواب. كان جواه سؤال كبير: فاي بتخبي إيه؟
قطعت حبل أفكاره موظفة الاستقبال وهي بترجع خصلة من شعرها ورا وبتقوله بدلال
"اتفضل يا فندم.. دي الأوراق المطلوبة، وكل حاجة جاهزة."
_____
بعد ليلة المستشفى، القصر بقى عامل زي "الهدنة" الإجبارية. ماريا كانت عاملة زي خيال فؤاد، واقفة له بالثانية والدقيقة ومعاها علبة الأدوية، خايفة بجد إن صحته تنتكس، وده كان ظاهر في نظراتها المذعورة كل ما تسمع نفسه بيتقل أو يكح.
فؤاد كان بياخد الأدوية بانتظام، بس ملامحه كانت لسه مجهدة وشاحبة.
وفي صباح يوم، فؤاد لبس بدلته وحاول يقف قدام المراية، ونادى على ماركوس
"يلا يا ماركوس، عايز أروح معاك الشركة النهاردة.."
ده غير انه كان عايز يتأكد بنفسه إن 'كيرت' و'إيميل' انتهوا تماماً، ومش عايز أي ثغرة في إنهاء التعاون معاهم.
وهو بيعدل الجاكيت، حس بنغزة تقيلة في صدره، فمسك قلبه غصب عنه وسند على طرف المكتب. ماركوس اللي كان واقف وراه، ملامحه متغيرتش بس نبرة صوته كانت قاطعة. قرب منه وسند إيده على كتف والده وقال بهدوء مخيف
"بابا.. من الصبح وانا بقولك إن قرارك بالنزول للشركة مرفوض ده الدكتور وقال بعدوه عن اي حاجة فيها ضغط او ارهاق ... "
فؤاد كان هيتكلم بس ماركوس سبقه
"إنت محتاج تفهم إنك مش لوحدك، أنا موجود هنا ليه؟ لو مكنتش واثق إن ابنك الأكبر يقدر يدير إمبراطورية 'الغريري' ويخلص من حشرة زي إيميل، يبقى أنا فشلت في كل اللي علمتهولي."
بص في عين والده وكمل
"الشغل ماشي، والقرارات بتتاخد، وإيميل بقى من الماضي. ريح قلبك يا بابا، لأن قلبي أنا مش هيتحمل أشوفك بتنهار تاني عشان خاطر أرقام وصفقات. سيب لي الإدارة، وخليك إنت 'الحكيم' اللي بنرجع له."
فؤاد بص لماركوس وسكت.. كان عارف إن ماركوس هو نسخته الأقوى، والوريث اللي مبيغلطش، بس كان بيحس أحياناً إن ماركوس بقى "آلة" للنجاح، خالية من المشاعر اللي فؤاد حاول يزرعها فيه وفشل. هز راسه بالموافقة وقعد مكانه بتعب، وماركوس انسحب بهدوء عشان يبدأ يومه.
على الناحية التانية، كانت كاريلا في عالم تاني خالص. نجحت في الامتحان النظري وبدأت فعلاً التدريب العملي مع ديمتري. كانت متوقعة إنه هيزعق فيها أو يوترها، بس الحقيقة كانت أغرب؛ ديمتري كان هادي جداً، لدرجة إنه كان بيسند راسه على الكرسي جنبه ويغمض عينيه وهي بتسوق.
كاريلا بصت له بطرف عينها وهي ماسكة الدريكسيون وسألته بشيئ من السخرية والمشاكسة
" هو انت واثق فيا للدرجة دي ؟"
ديمتري من غير ما يفتح عينيه رد ببرود وسخرية اقوى
" بالعكس أنا واثق في قدرتي إني هعرف أنط من العربية وأنجو بنفسي لو لبستينا في حيطة."
كاريلا بصتله باستنكار و من غيظها، داست فرامل فجأة وبقوة، العربية وقفت بصرخة كاوتشات خلت ديمتري يفتح عينيه فزعاً ويعدل جسمه بسرعة وهو بيبص لها بجنون.
هنا هي بصت له بابتسامة نصر وقالت
"أهو عشان تبطل ثقة زايدة وتفتح عينك معايا."
ديمتري كان لسه هيفتح بقه ويرد عليها رد يخليها تندم، بس في اللحظة دي موبايله رن.. كان ماركوس. ديمتري رد بسرعة، وملامحه اتحولت للجدية القاتلة في ثانية.
"أيوة يا ماركوس.. أنا جاي حالا."
قفل الخط وبص لكاريلا بنظرة غامضة وقال
"انزلي.. التدريب خلص النهاردة. "
______
ديمتري كان ماشي في الممرات السفلية للقصر، وخطواته ليها رنة تقيلة ومقبضة.. كان مستغرب جداً إن ماركوس طالبه في "أوضة العقاب" الخاصة بديمتري نفسه. المكان ده مفيهوش تفاهم، ولو ماركوس اختاره يبقى في مصيبة حصلت ولازم تتحل في صمت، بعيد حتى عن ودان "البوص" فؤاد الغريري.
فتح ديمتري الباب الحديدي التقيل اللي بيزيق بصرخة مكتومة، وشاف ماركوس قاعد بكل برود على الكرسي اللي ديمتري متعود يقعد عليه وهو بيراقب ضحاياه. ماركوس كان ساند ضهره وباصص للفراغ، وأول ما ديمتري دخل، رفع عينه وبص له نظرة حادة زي نصل السكينة.
ماركوس بدأ الكلام بهدوء مرعب
"إيميل هرب يا ديمتري."
ديمتري وقف مكانه كأن صاعقة ضربته، ملامحه اتصلبت وعروق رقبته برزت، ورد بصوت طالع من جحيم وكأنه لسة مش مقتنع وشاكك في الموضوع
"مستحيل! إيميل تحت حراسة رجالة من أقوى رجالي، وفي مكان ميعرفوش الشيطان.. مفيش حد بيخرج من سجن ديمتري حي، ولا حتى ميت لو أنا مأردتش."
ماركوس رسم ابتسامة ساخرة وباردة على وشه، ورفع إيده وادى إشارة بسيطة بصباعه. فجأة، الباب الجانبي اتفتح ودخلوا تلاتة من رجال ديمتري المكلفين بحراسة إيميل. رجال ضخام الجثة، عضلاتهم تقطع الهدوم، وملامحهم كانت دايماً بتبث الرعب، بس النهاردة كانوا داخلين ورؤوسهم في الأرض، أكتافهم منحنية بخزي، وعنيهم مش قادرة تيجي في عين ديمتري.
ماركوس قام وقف وقرب من ديمتري وقال بنبرة واطية بس مسموعة
"كنت جاي عشان أقولك ننهي أمره دلوقت حالاً، تنفيذاً لرغبة البوص اللي مش عايز أي أثر لإيميل ورا السلسلة دي.. بس اتفاجئت إن سجنك 'المنيع' بقى مخرم يا ديمتري. إيميل فص ملح وذاب، والرجالة بتوعك كانوا نايمين في العسل."
ديمتري كان بيبص لرجاله بنظرة مرعبة، نظرة شخص شاف "الفشل" لأول مرة في حياته، والفشل ده كان طعمه أمرّ من الصبار. الغضب كان بيغلي في عروقه لدرجة إنه مابقاش شايف قدامه. وفجأة، وفي لمح البصر، ومن غير أي تحذير، سحب مسدسه وصوب بدقة متناهية.. "طاخ.. طاخ.. طاخ".
التلات جثث وقعوا على الأرض في ثواني، والدخان كان لسه خارج من فوهة المسدس. ديمتري مكنش بيرمش، كان باصص لدمهم وهو بيسيل على أرضيته ...
ماركوس متحركش من مكانه، ولا حتى رمش جفنه من صوت الرصاص، كأنه متعود على المشاهد دي. قرب من ديمتري لغاية ما بقى وشه في وشه، وهمس له بكلمات كانت أقسى من الرصاص اللي لسه طالع
"لو مكنتش بشوفك أخويا ومن دمي، وذراعي اللي بعتمد عليه.. كنت خليتك تحصلهم دلوقت على الغلطة الفادحة دي. إنت مش بس ضيعت خيط مهم، إنت عرضت هيبة الغريري كلها للخطر ...ده غير انه البوص لو عرف ..."
ديمتري فضل ساكت، صمت تقيل ومخيف. إيده كانت لسه ماسكة المسدس بقوة، وعينه مركزة على الفراغ. لأول مرة ديمتري يحس إنه "اتكسر"، وإن فيه خاين أو ثغرة هو معرفش يسدها، وده بالنسبة لسفاح زيه.. حكم بالإعدام.
______
كاريلا كانت نايمة على السرير، الموبايل في إيدها ورافعاه فوق وشها، والضوء بتاعه عاكس على ملامحها اللي كان باين عليها التفكير. أخدت نفس عميق، صوابعها اترددت ثواني قبل ما تكتب الرسالة
"هيكون فيه تدريب بكرة؟"
بعتت الرسالة وفضلت مراقبة الشاشة.. دقيقة.. اتنين.. خمسة.. ومفيش رد. "السين" (Seen) حتى مظهرتش.
زفرت بضيق، رمت الموبايل جنبها ونامت على جنبها وهي حاسة بتقل في قلبها. مع كل صوت إشعار يجي لموبايلها، كانت بتنتفض وتمسكه بلهفة، بس يطلع مجرد إعلان أو رسالة عادية، مش هو.
غطت نفسها باللحاف لغاية مناخيرها وقررت تنام وهي بتقول لنفسها
"أكيد نايم أو مشغول.. مش قصة يعني."
لكن الموضوع مطولش يوم واحد، ده عدى يوم والتاني، وديمتري فص ملح وداب. لا رد على رسايل ولا جه في مواعيد التدريب، وكأنه مكنش موجود أصلاً.
لما راحت لماركوس وسألته بلهجة حاولت تبان عادية "ماركوس، هو ديمتري فين؟ بقاله يومين مختفي والتدريب واقف."
ماركوس رد بهدوئه المعتاد وهو باصص في أوراقه "ديمتري عنده شغل مهم. "
كاريلا عقدت حواجبها بضيق مكتوم؛ هي مش معترضة إنه يشتغل، بس كان ممكن يبعت كلمة واحدة، حرف واحد يقول فيه إنه مش جاي، مش يتجاهلها بالشكل المستفز ده وكأنها مجهود ضايع او مش عايز يضيع وقته عليها.
وفجأة، ليون نط من وراها بضحكته المعهودة وقال
"سيبك منه يا كاريل، ديمتري ده طول عمره كدة.. 'شبح'، بيختفي فجأة من غير مقدمات ويرجع وقت ما يحب. إيه رأيك أنا اللي أدربك النهاردة؟"
كاريلا هزت راسها بابتسامة باهتة وخالية من أي حماس "ماشي يا ليون، مفيش مشكلة."
من جواها كانت حاسة إن ديمتري ساب فراغ غريب، وإن حصة السواقة اللي كانت مليانة شد وجذب وتوتر معاه، بقت دلوقت مجرد "واجب" تقيل عايزة تخلصه.
وده بان جداً وهي سايقة مع ليون.. ليون كان عمال يهزر، ويشغل أغاني، ويشجعها بزيادة
"برافو يا كاريل! دوسي بنزين كمان! إنتي وحشة الطريق!"
كاريلا كانت سايقة بآلية، عينيها على الطريق بس عقلها كان بيسأل: " هو ازاي يتجاهلني كده؟ هو أي ده بجد ؟! هو زهق من التدريب ؟!"
ليون لاحظ سكوتها وقال بفضول
"مالك يا كاريلا؟ إنتي سايقة وكأنك رايحة عزا.. فين روح الغريري بقى؟"
كاريلا ماردتش، بس داسِت فرامل بهدوء وقالت
"تعبت يا ليون.. كفاية كدة النهاردة."
______
المطعم كان عبارة عن تحفة فنية، سقف عالي، ثريات كريستال بتعكس الضوء على الجدران الخشبية المحفورة، جناح "الغريري" كان محجوز بالكامل، مفصول بستائر مخملية تقيلة بتضمن ليهم الخصوصية المطلقة. ريحة المكان كانت مزيج بين السيجار الفاخر، العطور الغالية، وريحة الأكل اللي يسيل اللعاب. المشروبات كانت مرصوصة بأناقة في كؤوس كريستال بتلمع تحت الضوء الخافت.
كاسبار كان في حالته المعتادة، قاعد ساند ضهره ومسترخي، وماسك كاسه بيكلم ماركوس بجدية ممزوجة بضحك خفيف، ماركوس كان بيسمع له وهو بيعدل ساعته، ملامحه كانت صارمة بس مستمتعة بلمة الإخوة.
كاريلا كانت قاعدة في النص بين ليون ونيكس، قدامها طبق مثلجات كبير، ورغم إن الدنيا برا كانت تلج، بس الدفا اللي في الجناح والضحك شجعها تاكلها بتمتع. وسيلفان، كالعادة، كان زي الظل، ساند ضهره على الجدار في ركن مظلم شوية، بيراقب الكل وهو بيشرب كاسه بصمت وهدوء مريب.
ماركوس بص لليون ونيكس بصرامة وقال
"ممنوع أي حد فيكم يقرب من الكحول النهاردة.. إحنا هنا عشان ننبسط مش عشان نشيلكم وإنتوا مش في وعيكم."
وطبعاً بص لكاريلا كنوع من التأكيد رغم إنه عارف إنها "بنت خام" ومبتعرفش الحاجات دي.
الوقت عدى وكاريلا كانت حاسة إنها في حلم؛ حياة الثراء، الضحك، إحساس إنها جزء من عيلة قوية.. كانت مبسوطة بجد. من كتر المقرمشات اللي أكلتها، حست ب عطش شديد، مدت إيدها ومن غير ما تركز، مسكت كاس كان قريب منها، لونه كان يدي على عصير تفاح أو مشمش، شربت منه بقوة.. طعمه كان لازع وغريب بس كملته عشان تروي عطشها.
مفيش خمس دقايق، وكاريلا بدأت "تفك". وشها بدأ يحمرّ، وعينيها بقت تلمع بلمعة غريبة. وفجأة، الطاقة انفجرت عندها! بدأت تضحك بصوت عالي على نكت ليون اللي أصلاً مكنتش مضحكة، وبدأت تحرك إيديها في الهوا وهي بتحكي حكايات مش مفهومة، وحتى إنها حاولت تقوم ترقص "دبكة" في نص الجناح وهي بتغني بصوت واطي ومضحك خلا ليون يضحك معاها رغم دهشته.
نيكس استغرب الحالة دي، مد إيده وشم الكاس اللي كان قدامها، وبرقت عينيه
"يا مصيبة.. ليون، كاريلا شربت 'ويسكـي' خام!"
ليون اتصدم ومسك كاريلا من كتافها وهو بيحاول يثبتها "اثبتي يا كاريل! ماركوس هيعدمنا لو عرف!"
بس كاريلا مكنتش في عالمهم خلاص. وقفت فجأة وخبطت على التربيزة بإيدها الصغيرة، ووشها المحمر وجبهتها اللي عليها خصلات شعر مبعثرة خلوها تبان زي طفلة غاضبة، وصرخت بصوت عالي
"ديمتريييي! خليه يجي هنا حالا! الجبان ده فاكر نفسه فين؟ يختفي ويقفل تليفونه؟ والله لأدفعه الثمن!"
ماركوس بص لها بصدمة وهو مش مصدق إن كاريلا "الرقيقة" بتزعق كدة، أما كاسبار فكان هيموت من الضحك وهو شايفها بتهدد "سفاح" الغريري، وطلع موبايله بسرعة وصورها فيديو وهي بتصرخ
"يا جبان! اطلع من المستخبي يا ديمتري.. أنا كاريلا الغريري وبقولك إنت جبان!"
كاسبار بضحكة خبيثة بعت الفيديو لديمتري في رسالة وكتب له: "القطة بتاعتك شربت كاس وبتقول إنك جبان.. لو مكانك، مجيش المطعم النهاردة."
في الوقت ده، ديمتري كان واقف قدام عربيته، لابس السواد بتاعه، ملامحه كانت مجهدة وشاحبة جدا . كان لسه هيولع سيجارته لما موبايله نور برسالة كاسبار. فتح الفيديو، وشاف كاريلا وهي بتطوح وتزعق باسمه وتوصفه بالجبان..
_____
وصل ديمتري للمطعم، الممر اللي حافظ تفاصيله من كتر ما مشي فيه مع إخواته، بس المرة دي الخطوات كانت أتقل، والغضب مكتوم ورا ملامحه الجامدة. أول ما دخل، الموظفين رحبوا بيه بهيبة، وماركوس اكتفى بإيماءة راس خفيفة وهو بيراقبه تفاصيله وملامح وشه.
عين ديمتري كانت بتدور في المكان زي الرادار، لغاية ما وقعت عليها.. كاريلا كانت قاعدة على الأريكة، مغمضة عينيها وساندة راسها بتعب على كتف ليون، اللي كان ماسك دراعها بقوة كأنه خايف تطير أو تقوم تعمل فضيحة تانية. كانت هادية تماماً، شكلها زي الأرنب اللي تعب من الجري واستسلم للنوم.
كاسبار، وهو بيحرك التلج في كاسه باستمتاع، بص لديمتري وقال بنبرة مستفزة
"ما تأخد كاريلا وترجعها البيت يا ديمتري؟ البنت فصلت خالص."
ديمتري رفع حاجبه باستنكار وكأنه بيسأله "وأنا مالي؟ "
كاسبار ضحك ببرود
"إحنا لسه سهرتنا طويلة، وما اتجمعناش من زمان. وصلها البيت وارجع لو حبيت.. وبعدين دي من الصبح وهي بتنادي على اسمك إنت بالذات، واضح إنك وحشتها أوي."
ديمتري أخد تنهيدة طويلة مليانة ضيق، وقرب من ليون ونظر له نظرة لوم حادة
"إزاي تسيبوها تشرب؟ "
ليون رفع إيديه بقلة حيلة
"والله ما حسينا، افتكرته عصير."
ونيكس أيد كلامه
"فعلاً، خدت الكاس في ثانية وشربته كأنه مية."
ديمتري بص لكاريلا وكأنه بيبص لكتلة مشاكل متنقلة. وطى لمستواها ونادى عليها بصوت خشن بس واطي "كاريلا.. قومي."
هي مافتحتش عينيها، اكتفت بـ "همهمة" مش مفهومة، وزقت راسها أكتر في كتف ليون. ليون طبطب عليها وقال لها
"كاريل.. فوقي، ديمتري جه عشان يروحك.. يلا قومي نامي في سريرك."
أول ما سمعت اسم "ديمتري"، فتحت عينيها فجأة وبرقت، وبعدت راسها عن ليون وهي بتبص للفراغ بصدمة. سكتت ثواني، والكل افتكر إنها فاقت، بس فجأة انفجرت في ضحك هستيري خلى كل اللي في الجناح يبصوا لها باستغراب.
حاولت تقف وهي بتطوح، وقالت بصوت عالي وهي بتشاور عليه
"شوفتوا؟ جِبته! قولت لكم هجيبه لغاية هنا.. أنا قوية أوي، مفيش حد يقدر عليا.. إنت جيت يا جبان؟"
ديمتري زفر بضيق وحاول يمسك دراعها يسحبها، بس هي فضلت تضحك وتقول كلام عشوائي
"عارف يا ديمتري.. إنت ريحتك ويسكي.. لا، ريحتك سجاير.. بس شعرك متسرح حلو النهاردة.. إيه ده؟ إنت لابس أسود تاني؟ مابتزهقش؟"
ديمتري بص لنيكس بنفاذ صبر وسأل
"فين حاجتها؟"
نيكس ناوله شنطتها وبالطو الفرو بتاعها بسرعة. ديمتري سحبها من وسط ضحكها، وبدأ يلبسها المعطف بالعافية وهو بيأمرها بصوت حازم
"اثبتي بقى.. اعدلي إيدك."
كاريلا بدأت تدلع بضيق وهي بتزق إيده
"مش عايزة.. الجو حر، أنا حرانة أوي يا ديمتري.. سيبني."
ديمتري مسمعش لها، ولف المعطف حواليها وسحبها وراه لغاية العربية، وركبها في الكرسي اللي جنبه بالعافية.
مال فوقها عشان يربط لها حزام الأمان، فبقت ملامحهم قريبة جداً، هي بصت له بعيون غايبة وقالت بهمس
"على فكرة.. أنا اللي مفروض أسوق، أنا بقيت شاطرة.. ولا إنت لسه خايف مني؟ "
وكملت " ماتخافش " وهزت راسها كتير " انا بقيت شاطرة بجد!"
ديمتري قفل الحزام بقوة وبص في عينيها وقال ببرود "نامي يا كاريلا.. نامي عشان لما تفوقي حسابك معايا تقيل."
اتحرك بالعربية في شوارع جنيف الهادية، والوجهة كانت القصر. الوقت كان اتأخر جداً، والسما كانت صافية ومرصعة بالنجوم بشكل يسحر. كاريلا بدأت تضغط على أزرار الباب بجنون وهي عايزة تفتح الشباك، فديمتري ضغط على الزرار من عنده وفتحه لها.
أول ما الهوا البارد خبط في وشها، غمضت عينيها بابتسامة صافية، وشعرها الحرير طار وراها مع الهوا. بدأت ترفع إيدها وتشاور على السما وتعد النجوم بصوت واطي "واحد.. اتنين.. سبعة ... ديمتري، هو انا و صلت في العد كام ؟"
______
كانت كاريلا غرقانة في النوم على كرسي العربية، ولما وصلوا القصر، ديمتري كان لسه هيصحيها عشان تنزل، بس أول ما بص لوشها سكت وسرح فيها. الفوضى اللي كانت عاملاها في المطعم سكتت تماماً، وبانت قدامه بريئة جداً وصغيرة، كأنها طفلة مالهاش ذنب في صراعات العيلة دي ولا في العالم القاسي اللي هما فيه.
نزل ديمتري من العربية وفتح الباب، انحنى براحة عشان يشيلها بعد ما فك حزام الأمان، بس المفاجأة إنها أول ما حست بيه، لفت إيديها حوالين رقبته واتعلقت فيه بقوة. ديمتري ضيق عينيه بشك وسألها بصوت واطي وخشن "أنتي صاحية؟"
ردت عليه فجأة وعيونها لسه مغمضة بكلمة واحدة: "لأ.."
بصلها بذهول لثواني، وبعدين ضحك غصب عنه على منطقها الغريب ده، قبل ما يهدى ويشيلها ويدخل بيها القصر. الدنيا كانت هسس والكل تقريباً نايم، مر من قدام الحرس اللي وقفوا انتباه ودخل الأوضة بتاعتها ودفع الباب برجله.
حطها على السرير براحة خالص، وكان لسه هيبعد ويقوم، بس اتفاجئ بيها بتشده ليها تاني وهي بتمسك وشه بإيديها الاتنين الصغيرين. ضوء النجوم وسما جنيف كان عاكس على وشها من الشباك المفتوح، وبانت في اللحظة دي بجمال يسحر، وعيونها كان فيها صدق غريب رغم إنها لسه تحت تأثير الكحول.
بصت في عينه وسألته بلهجة فيها عتاب
"كنت فين؟"
ديمتري سكت ومردش، فضلت باصة له، وأمالت راسها شوية وهي لسه مثبتة وشه بين كفوفها وكملت
"ليه مجيتش تدربني؟ إنت حتى مردتش على رسالتي.. عارف إني معرفتش أتدرب كويس من غيرك؟ كنت فين؟ وإختفيت فين كل ده؟ إنت فعلاً زي ما ليون قال.. شبح بييجي ويختفي؟"
ديمتري حاول يتماسك ويحافظ على بروده وبريق عينيه القاسي وقالها
"أنا مش مضطر أقولك كنت فين ولا بعمل إيه."
بس كاريلا صدمته لما ردت عليه بكل إصرار
"لأ.. إنت مجبر! إنت بقيت حارسي.. والحارس لازم يقول لسيدته هو كان فين!"
ديمتري استنكر الكلمة ورد باستغراب وسخرية
"حارس؟"
كاريلا هزت راسها بتأكيد وردت بعفوية ثملة
"أيوة.. حارسي."
ديمتري رفع إيديه وحطهم فوق إيدين كاريلا اللي محاوطين وشه عشان يبعدهم عنها، وهو بيطلب منها بلهجة آمرة إنها تنام وتبطل "الترهات" والكلام الفاضي ده.
بس في اللحظة دي، وهي إيديها بتنزل، لمحت معصم إيده؛ كان عليه آثار علامات حمراء وجروح غامقة وواضحة، كأن فيه حاجة (كلابشات أو حبال) كانت مكتفة إيده بقوة وسابت أثر وجع لسه منشفش.
أول ما ديمتري لاحظ نظراتها الحائرة لمعصمه، سحب إيديه بسرعة البرق وكأنه اتلسع، وغطاهم بجمام الجاكيت الأسود بتاعه بقوة، ولف وخرج من الأوضة ورزع الباب وراه من غير ولا كلمة، وسابها غرقانة في تساؤلاتها.