«الظلّ الذي يسأل، والاسم الذي يبقى»
لم يظهر ويليام هذه المرة كظلٍّ مخيف
بل كحضورٍ أعرفه قبل ان أراه
قال بهدوء:
— لماذا تختبئين؟
لم ألتفت أعرف هذا السؤال
سمعته من داخلي كثيرًا.
قلت:
— لأن الكلمات،
حين تُقال بصراحة تُحاسِب
ابتسم—
أو هكذا خُيّل لي—
وقال:
— أنتِ لا تخافين الظلام بل ما يكشفه.
في تلك اللحظة، شعرت بوجود آخر
لم يكن ثقيلًا ولا غامضًا
بل واضحًا كالنور حين يدخل غرفةً مغلقة.
قالت بصوتٍ ثابت:
— لا تصدّقيه كلّه.
التفتُّ ورأيتُها لم تكن غريبة و كأنني عرفتها
قبل الآن.
سألتها:
— من أنتِ؟
أجابت دون تردّد:
— خلود.
صمت ويليام قليلًا،
ثم قال:
— الاسم ليس صدفة
قالت خلود:
— ولا الخوف قدر بينهما
فهمتُ المعنى.
ويليام
كان السؤال الذي يضغط
وخلود
كانت الإجابة
التي لا ترفع صوتها
أدركتُ أنني لستُ ممزّقة بين ظل و نور
بل في طريقٍ أتعلم فيه كيف أسمع الاثنين
دون أن أضيع.
نظرتُ إلى خلود،وكأن الاسم كان سؤالً
ينتظر الإجابة.
قالت بهدوءٍ لا يدافع عن نفسه:
— اسمي ليس وعدًا،
بل اختيار.
سألتها:
— اختيار ماذا؟
أجابت:
— أن أبقى،
حتى حين يرغب كل شيء في الانسحاب
صمتت لحظة،
ثم أضافت:
— الخلود لا يعني أن لا نتألم،
بل أن لا نسمح للألم أن يعرّفنا
شعرتُ أن الكلمات ،لم تكن موجّهة لي وحدي.
ويليام كان يستمع.
قال بصوتٍ أخفّ من العادة:
— لهذا أنا هنا.
التفتُّ إليه.
— هنا لأفعل ماذا؟
قال:
— لأذكّركِ بكل ما تحاولين نسيانه.
اقترب—
لا بخطوة،بل بفكرة
— أنا لستُ عدوّكِ،
قالها بوضوحٍ مؤلم،
— أنا الشكّ
حين تتعبين،والخوف
حين تكونين أقرب مما تظنين
نظرت خلود إليه
وقالت دون قسوة:
— لكنك تبقى
جزءً لا گثر
لم يُجادل ويليام.
خفّ حضوره،كأن اعترافه كان كافيًا
فهمتُ حينها
أن الصراع
لا يُحسم بإسكات الأصوات،
بل بمعرفة أيّ صوت نقود به الطريق.
قال ويليام بهدوءٍ غير متوقّع:
— تعالي.
لم أسأله إلى أين.
بعض الدعوات لا تحتاج تفسيرًا بل شجاعة.
نظرتُ إلى خلود.
لم تبدُ خائفة.
قالت
— إن كان عالمك سؤالًا،
فأنا مستعدّة
لسماعه.
ابتسم ويليام—
لا ابتسامة نصر بل اعتراف.
تغيّر المكان دون ان نتحرّك.
لم يكن ظلامًا ولا نورًا بل مساحة بينهما.
قال:
— هذا عالمي.
لا جدران،
لا أبواب،
فقط أفكار تمشي ببطء .
رأيتُ مخاوفك لم تصرخ
وأسئلة!
لم تجد أسماءها بعد.
قالت خلود:
— هذا ليس عالمك وحدك.
سألها:
— كيف؟
أجابت:
— لأن كل من فكر طويلًا مر من هنا دون ان يدري.
توقّف ويليام، وكأن الحقيقة فاجأته.
قال أخيرًا:
— كنتُ أظنّ
أنني أحكم هذا المكان.
قالت خلود بهدوءها الثابت:
— لا أحد يحكم الفكرة،
إمّا أن نفهمها،أو نفهم أنفسنا من خلالها.
عندها أدركتُ
أن الرحلة لم تكن هروبًا من العالم،
بل اقترابًا من جوهره.
تقدّمنا أكثر،لا بخطوات،بل بفهمٍ يتشكّل.
المكان كان يتغيّر،كلما تغيّرت الفكرة.
قالت خلود وهي تنظر حولها:
— هذا العالم لا يخيفني.
سألها ويليام:
— لماذا؟
أجابت:
— لأنني لا أرى وحوشًا،
بل احتمالات.
توقّف ويليام.
لأول مرة،بدا أقلّ يقينًا.
قال:
— هنا يضيع الناس.
قالت:
— يضيعون
لأنهم يظنون،أن الفكرة عدوّة لا مرآة.
ظهر أمامنا شيء يشبه بابًا
لكنه لم يكن بابًا.
قال ويليام:
— هذا الحدّ.
سألت خلود:
— حدّ ماذا؟
أجاب:
— بين من يهرب من سؤاله،
ومن يجرؤ،أن يعيش معه.
لم تتراجع.
وضعت يدها
على الفراغ، لا لتفتحه بل لتفهمه.
عندها تغيّر كل شيء.
اختفى الحدّ،
وخفّ ثقل المكان،كأن العالم نفسه
تنفّس.
همس ويليام:
— لم أعد أملكك.
قالت خلود بهدوء:
— لم تملك أحدًا
من البداية.
في تلك اللحظة،
بدأ العالم يتلاشى،
لا انهيارًا، بل اكتمالًا، عدنا إلى الغرفة..
نفس الجدران،نفس الصمت لكن بشعورٍ مختلف.
لم يختفِ ويليام، لكنه لم يعد أمامي.
صار فكرةً أعرف مكانها.
أما خلود،
فجلست داخلي،
لا كصوتٍ أعلى،بل كصوتٍ
أثبت أدركت أخيراً ان العوالم لا تفتح حين نهرب،
بل حين نتوقّف عن مقاومة ما نشعر به.
ويليام لم يرحل،لكنه لم يعد يقو
صار سؤالًا أعرف،متى أسمعه ومتى أتجاوزه.
أما خلود،
فلم تُنقذني، بل ذكّرتنا أنني لم أكن ضائعًا كما ظننت.
أطفأتُ الضوء، لا لأن الظلام انتهى
بل لأنني تعلّمت أن أراه دون خوف .
وهكذا،
انتهت الرحلة،
لا بإجابة، بل بقدرة
على العيش مع السؤال.