محاكمة الصمت - «إحساس غير مريح» - بقلم خُلود ماركلين - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: محاكمة الصمت
المؤلف / الكاتب: خُلود ماركلين
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: «إحساس غير مريح»

«إحساس غير مريح»

*أجلس وحدي في غرفتي ومع ذلك لست وحدي عيونٌ لا تُرى لكنها تشعرني بثقلها، إنه ذلك الخوف الغامض حين يراقبك عقلك أكثر مما يراقبك العالم. الغرفة ساكنة و الصمت لا يهددني بل يكشفني، تلك العيون التي ظننتها تراقبني ليست في الجدران ولا خلف الأبواب بل في داخلي، هي نظرتي لنفسي حين أتوقّف عن التبرير وأسمح الحقيقة أن تجلس معي دون مقاومة. ومن هنا افهم ان الهدوء ليس غياب الخوف بل التصالح معه واستسلمتُ للنوم رغم ثِقَله، نومٌ غير مريح، كأن الجسد ينام والعقل يبقى مستيقظًا. وفي الصباح، استيقظتُ باكرًا. أخذتُ دُشًّا ساخنًا، فالشتاء كان حاضرًا، وهو أقرب الفصول إلى قلبي، بعد ذلك ارتديتُ ملابسي، جففت شعري، واهتممتُ بنفسي قليلًا، لا لأجل أحد، بل لأشعر أنني ما زلتُ هنا. خرجتُ متجهًا إلى المدرسة، وفي الطريق استمعتُ إلى القرآن، وما أجمله من كلام يهدّئ ما لا يُقال، وعندما وصلتُ إلى المدرسة، توجهت إلى قسمي وحدي لا أصدقاء لي،وكأن وجودي لا يلاحظ. يسمّونني الغريب ولا يعرفون ان الغربة ليست مكانًا بل شعور، أجلس وحدي و أراقب ولا أتحدث، ليس لأنني لا أريد بل لأن الصمت أحيانًا أصدق. في الفصل،أجلس في مكاني كما لو أنني جزء من الجدرا، اللأصوات حولي كثيرة، لكن لا شيء منها موجّه لي. ضحكات، أحاديث، أسماء تُنادى… واسمي يبقى ساكنًا في داخلي المعلّم يشرح،والكلمات تمر دون ان تتوقف عند أحد. أفهم الدرس، ولكنني أفهم نفسي أكثر أن تكون حاضرًا ولا يلاحظ أحد حضورك تلك مدرسة أخرى لا تُدرَّس. أنظر إلى الوجوه،كلٌّ مشغول بعالمه فأدرك أن الوحدةليست أن تكون بلا أصدقاء بل أن لا يجد أحد سببًا ليراك ومع ذلك، لا أشعر بالغضب، فقط بهدوءٍ غريب،أتعلم كيف أكون رفيقة نفسي. ربما هذا اليوم لا يحمل لي صوتًا، لكنه يعلّمني كيف أسمعني. وعند العودة إلى البيت، أسير في الطريق ذاته، لكنني لست الشخص نفسه الذي خرج صباحًا. الشوارع مألوفة،والوجوه عابرة وكأن العالم لا ينتبه للذين يعودون مثقلين دون أن يسقط منهم شيء. أصل إلى البيت، أخلع حذائي وأجلس الصمت هنا مختلف، ليس صمت الإهمال بل صمت يسمح لي ان أتنفس دون تفسير نفسي لأحد. أفكّر بهدوء، لا في ما قالوه، بل في مالم يقولوه وفي ما لم أطلبه أصلاً. عندها يظهر السؤال! لا بصوتٍ عالٍ، بل كفكرة عنيدة! هل نحتاج أن يرانا الآخرون لنكون موجودين، ام ان الوجود يبدأ حين نتعلم أن نرى أنفسنا؟