الفصل 1
سماء الليل كانت تتشقّق بصمت، والنجوم تتساقط كالمطر، تسقط في محيط بلا حدود. على صخرة وحيدة تطل على المياه السوداء، وقف شابٌ وحيد. شعره الأسود مموج، وعباءته الممزقة تتطاير مع الريح العاتية. في يده يمسك بسيفٍ يلمع بضوء أزرق شاحب، يتوهج كما لو أنه يحتضن قلب السماء نفسها.
اسمه كان أوريس، لكن الاسم لم يكن أكثر من وسيلة لتعريفه في عالمٍ لم يمنحه اسماً سوى "المنبوذ". فقد وُلد بلا نواة، ذلك الختم الذي يُحدد مصير كل كائن في بحر اللانهاية. كل من يملك نواة كان يُحسب، يُقوّى، ويُتوقع له دورٌ محدد في توازن العالم. أما هو، فكان خللاً، خطأً في نسق الكون، ولادةً لم يُكتَب لها من قبل.
الأمواج تتلاطم حول الصخور بعنف، وكل ضربة منها كانت كأنها رسالة من البحر ذاته: "أنت غير مرغوب هنا". لكنه لم يخف. لم يركض. شيء في داخله، شيء لم يفهمه بعد، جعله يقف ثابتاً.
سمع صوتاً خافتاً، همسةً تتغلغل في عقله:
"أوريس… اختر لنفسك مصيرك، أو دع البحر يختارك."
صوتٌ غريب، لا يشبه أي لغة عرفها، لكنه شعر به وكأنه جزءٌ منه. قلبه تسارع، لكن لم يكن خوفًا. كان فضولاً. فضولٌ يُوقظ شيئًا لم يكن موجودًا من قبل.
تقدم خطوة نحو الحافة، ومياه المحيط المظلم تتوهج فجأة بأضواء النجوم الغارقة. لم تكن مجرد انعكاسات، بل كانت شظايا أقدار سقطت من السماء. لمسات الضوء هذه لم تُسمح لأي مخلوق بالاقتراب منها عادة، لكنها الآن دعته، تدعوه إلى الغوص في أسرار البحر.
أوريس رفع سيفه. شعلة الضوء الأزرق امتدت من حد السيف لتلامس المياه، ومع كل نقطة لمسٍ، انفجر المحيط بشررٍ صغير، كأن البحر يختبر قدرته. لم يكن يعرف كيف فعل ذلك، لكنه شعر بالقوة، بالقوة التي لم تمنحها له أي نواة.
في تلك اللحظة، ظهر ظل ضخم خلفه. كيانٌ أسطوري، نصفه مائي، نصفه ضبابي، وعيناه تتوهجان باللون الفيروزي. الصوت الذي سمعه قبل قليل عاد، لكن هذه المرة كان من الكيان نفسه:
"أوريس… أنت لم تُخلق لتكون عابراً، بل لتكون فارقاً."
تقدم أوريس خطوة أخرى، ويداه ترتجفان قليلًا، لكنه شعر بأمان غريب. كان يعلم، دون معرفة، أن هذه المرة هي البداية الحقيقية.
مع كل نجمة تسقط، كانت الأرض والبحر يرويان قصة عالمٍ ينهار، وولد شاب بلا نواة ليكتب فصلاً جديداً في مرثية النجوم الغارقة.