الفصل 10
لم يكن العبور عبر باب النور يشبه الخطوات السابقة داخل المجال الزجاجي…
هذه المرة شعرت سلمى وكأن الضوء ينساب تحت قدميها، يرفعها، يمرّ داخل رئتيها، يتسلل إلى عظامها، ثم يتركها برفق في عالم مختلف تمامًا.
عندما فتحت عينيها، وجدت نفسها تقف على سطحٍ واسع يشبه بحيرة من ضوء صامت.
لا موج، لا ريح…
فقط امتداد هائل من لمعانٍ بارد، فوقه سماء مظلمة، تتخللها دوائر كبيرة من وهج أبيض تتحرك ببطء مثل كواكب بلا صوت.
همست:
"أين.... أنا؟"
لم يرد أحد.
لكن صوت خافت جدًا، قريب من صدى قديم، مرّ بجانبها:
"أنتِ على الحافة… حيث لا ينتمي أحد."
التفتت بسرعة.
لم تجد أحدًا.
ثم شعرت بشيء أشبه بارتجاف خفيف في الهواء…
كأن العالم نفسه يتنفس.
"تقدّمي."
هذه المرة جاء الصوت ناعمًا، لكنه عميق، كأنه صادر من قلب الضوء.
وتقدمت.
**
كل خطوة كانت تترك خلفها أثرًا من نور صغير يختفي بعد لحظة.
وكأن هذا العالم لا يسمح لأي شيء أن يبقى طويلًا.
بعد مسافة لا تعرف إن كانت قصيرة أم طويلة، بدأت تميّز شيئًا أمامها—
هيكلًا كبيرًا يشبه بوابة… لكنها ليست بوابة واحدة.
بل ثلاث بوابات تلتف حول بعضها، مكوّنة دائرة مثل عينٍ عظيمة مفتوحة على الفراغ.
كانت كل بوابة مصنوعة من مادة مختلفة:
الأولى… من ضوء صافٍ.
الثانية… من ظلّ كثيف.
الثالثة… من مادة بيضاء رمادية تشبه الطباشير المتفتت.
وقبل أن تقترب أكثر، ظهر أمامها رجل.
لم يخرج من بوابة.
لم يمشِ من بعيد.
فقط… تكوّن من الضوء، كأن العالم رسمه أمامها.
**
رجل طويل، شعره أسود، كتفاه عريضتان، يداه تحملان آثار عملٍ متعب…
ملامحه… عربية، قوية، لكنها غارقة في التعب.
وعندما رفع رأسه ونظر إليها—
اختنق صوتها في حلقها.
قالت بصوت مكسور:
"…أبي؟"
**
لم يتكلم أولًا.
كان ينظر إليها كمن لا يصدق ما يراه.
ثم اتسعت عيناه، وتغيّر وجهه بالكامل… وصار رجلاً يعرف ابنته، ويتألم مثلها.
مدّ يده ببطء، كأن بينهما جدارًا لا يريد كسره بعنف:
"سلمى…إبنتي"
لم تستطع التحرك لثوانٍ.
الجدار بينهما لم يكن من نور… بل من مشاعر حبستها سنوات.
ثم ركضت وارتمت في حضنه.
وشعرت لأول مرة منذ الطفولة أن وزن العالم يخفّ…
أن أحدًا يستطيع أن يحمل عنها الخوف، ولو قليلًا.
**
بقيت بين ذراعيه فترة طويلة.
لا تعرف كم.
لكن حين ابتعدت، رأت في وجهه شيئًا لم تتوقعه:
الحزن.
والخوف.
والاستعجال.
قال بصوت خافت:
"لم يكن من المفروم أن تأتي"
شهقت:
"كنت أبحث عنك! أين كنت ؟أين اختفت ؟ ماذا حدث معك ؟!
هزّ رأسه ببطء.
"ما أقدر أرجع… وليس لأنّي لا أريد، لكن لأن هذا العالم… يقفل على الذي يعرف أسراره."
نظرت إلى البوابات الثلاث.
رفعت يدها نحوها:
"ماهذه"
تنفّس بعمق.
"هذي مفاتيح الحقيقة.
باب للضوء…
باب للظل…
باب للحقيقة الرمادية اللي بينهما."
ثم نظر إليها بنبرة جادة، تكاد تكون أمرًا:
"وانتِ… لازم تختارين باب واحد."
سلمى اتسعت عيناها.
"وليش؟"
خفض رأسه.
"لأن كل باب يكشف لك جزء من الحقيقة… لكن ما في أحد يقدر يتحمل الحقيقة كلها.
إذا فتحتِ بوابة وحدة… تتعلّمين.
إذا فتحتِ بابين… تتأذين.
إذا حاولتِ تفتحين الثلاث… يبتلعك العالم."
سكت لحظة.
ثم أضاف بنبرة كسرت قلبها:
"وأنا…
اخترت قبل سنين الباب الخطأ."
**
ارتجفت سلمى.
"بابا… أنا جاية أنقذك."
ابتسم ابتسامة حزينة.
"وأنا جاية أحذّرك.
مو كل ضياع يحتاج إنقاذ…
بعض الضياع يحمي ما تبقى."
اقترب منها، أمسك كتفيها:
"اسمعيني جيدا ..."
الظلال اللتي تلاحقك من عالمك لم تأتي من أجلك أنتِ"
نظرتُه اشتدت:
"هي جائت من أجل البوصلة.
ومن أجل… الشيء الذي أيقضته وأنت للتدريس"
تراجعت خطوة.
"مالذي ايقضته؟"
فتح فمه ليرد—
لكن صوت غريب دوّى خلفهما.
صوت انهيار ضخم.
التفتا معًا.
رأت سلمى شرخًا أسود يظهر فوق سطح الضوء…
يمتدّ بسرعة، ثم يتفتح مثل جرح هائل.
ومن داخله… خرجت يد.
يد مظلمة، طويلة، أصابعها تتحرك كأنها تبحث عن شيء معيّن.
صوت والدها ارتجف:
"وصلوا… الظلال تبعتك هنا."
أمسك يدها بقوة:
"سلمى… لازم تختاري بوابة قبل ما يوصلون."
همست بخوف:
"أبي لاأريد تركك"
شدّ على يدها:
"الاختيار هذي المرة… ينقذ العالمين."
والظلال تقترب…
والبوابات الثلاث تلمع…
وقلبها يدقّ بقوة لم تشعر بها من قبل…
وعرفت سلمى:
أن هذا هو الاختبار الحقيقي.
ليس القتال.
وليس الظلال.
بل القرار.
أي باب ستفتح؟
وأي حقيقة سوف تواجه؟
وهل ستخرج من هذا العالم… أم ستبقى فيه مثل أبيها؟
رفعت رأسها وتقدمت خطوة نحو البوابات.