الفصل 9
لم تكن تتوقع أن يكون أوّل ما يواجهها داخل المجال بين العوالم… هي نفسها.
لكن النسخة التي أمامها لم تكن مجرد انعكاس.
كانت تتحرك بثقة، كأنها كائن ولد من ظلّ خالص ونورٍ مكسور.
تقدّمت النسخة خطوة أخرى، وانعكس صداها على الأرض الزجاجية تحت قدميهما:
"طول عمرك تهربين مني يا سلمى."
رفعت سلمى ذراعها ببطء؛ الضوء الرمادي حول أصابعها يرتجف كأنه يتعلّم كيف يطيعها.
"أنا ما أهرب." قالت بنبرة حادة.
ضحكت النسخة—ضحكة بلا حرارة، بلا روح.
"أجل؟
ليش تركتي مخبرك؟ ليش خذيتي البوصلة؟ ليش تبعتي أبوك؟
الهروب مو بس ترك مكان… هو ترك نفسك."
تجمدت سلمى.
الكلمات ضربتها في المكان الذي حاولت سنوات طويلة ألا تلمسه.
شدّت قبضتها وهي تقول:
"أنتي مو أنا."
فجأة، وبسرعة غير بشرية، اختفت النسخة من أمامها وظهرت خلفها.
همست عند أذنها:
"أنا الجزء اللي رفضتي تشوفينه.
الجزء اللي يخاف… واللي يغضب…
واللي يشتاق لشيء فقده."
التقت نظرتاهما انعكاسًا في سطح الأرض الشفّاف.
وسمعت النسخة تقول:
"وأنا الوحيدة اللي أقدر أدمرك… قبل ما أحد غيري يسويها."
**
تمدّد الضوء الرمادي من يد سلمى، كأنه يحيط بها ليحميها.
رفعت يدها وهي تقول:
"لو كنتي جزء مني… ما رح تؤذيني."
ابتسمت النسخة ابتسامة ملتوية:
"مو إذا كنتِ ضعيفة."
ثم هاجمت.
**
لم تتحرك كإنسان.
كانت كلمحة ظلّ، سريعة، تضرب مثل شرارة قاتلة.
رفعت سلمى يدها لتصدّ الضربة الأولى، فارتطم الضوء الرمادي بالظلال الداكنة، وانفجرت شرارة أعمى ضوؤها المكان للحظة.
دفعتها القوة للخلف، لكنها لم تسقط.
كانت قد بدأت تتعلم كيف يتحرك الضوء داخل عروقها.
قالت النسخة وهي تدور حولها كدوامة:
"إنتي خايفة… خايفة من الحقيقة."
صرخت سلمى:
"أنا ما أخاف منك!"
ضحكت النسخة:
"تكذبين.
لو ما تخافين… ما كنتي تهربين من جواب واحد."
توقفت حركة النسخة…
ثم ساد الصمت المطبق.
نظرت سلمى حولها، تبحث عن مصدر الصوت.
ظهر الظلّ أمامها من جديد، ونظراته هذه المرة لم تكن عدائية… بل كانت كاشفة بشكل مؤلم.
"وين أبوك يا سلمى؟"
**
كأن الهواء قطع عنها.
ارتفعت نبضات قلبها.
اهتز الضوء حولها.
وظهر على وجهها صراع لم تستطع إخفاءه.
قالت النسخة ببرود:
"أنتي جاية عشان تلاقينه… بس ما عندك الشجاعة تواجهين شعور واحد:
إنه تركك.
إنه اختار يختفي."
صرخت سلمى: "لا!"
ارتفع الضوء حولها بضوء مفاجئ، كأنه انفجر من قلبها.
تمزّق جزء من جسد النسخة… لكنه عاد ليلتئم فورًا، كأن الظلال ترجع إليها مثل الدخان.
قالت النسخة، بابتسامة مليئة بالشفقة:
"شفتي؟ الغضب هو قوتك… مو الشجاعة."
**
أغمضت سلمى عينيها لحظة…
تتنفس.
تحاول ألا تنهار.
كانت كلمات النسخة تصيبها لأن جزءًا منها يعرف أنها صحيحة…
لكن هناك شيء آخر أقوى، أكثر صدقًا… بدأ يتحرك بداخلها.
فتحت عينيها.
ولأول مرة… بدا الضوء الرمادي مستقرًا، هادئًا، ليس غضبًا بل إدراكًا.
قالت سلمى بصوت منخفض:
"هو ما تركني.
أنا اللي ما سمعت.
هو حاول يقول لي… وأنا كنت خايفة أسمع الحقيقة."
تراجعت النسخة خطوة… ثم خطوة أخرى.
شيء ما تغيّر.
سلمى تقدمت نحوها، والضوء حولها لم يعد شرارة… بل هالة.
"أنتِ مو عدوي." قالت.
"أنتِ الجزء اللي لازم أتصالح معه… مو أقاتله."
بدأت ملامح النسخة تهتزّ.
كأنها لا تستطيع المحافظة على شكلها أمام الحقيقة التي نطقت بها سلمى.
"لا… لا… انتظري…" قالت النسخة، صوتها بدأ يرتعش.
لكن سلمى مدّت يدها إليها.
لم تدفعها.
لم تقاتلها.
احتضنتها.
فانفتح الضوء حولهما دفعة واحدة—
وتحوّل كل شيء إلى بياض نقي يبتلع الظلال من جذورها.
**
حين عادت الرؤية إليها، كانت تقف وحدها.
النسخة اختفت تمامًا…
لكنها شعرت بها داخلها، في المكان الصحيح، للمرة الأولى في حياتها.
ومن خلفها… ظهر بابٌ من نور، أوسع من أي شيء رأته سابقًا.
وعرفت أنه… العبور الحقيقي.
الخطوة التي بعدها لن تكون مجرّد اختبار.
ستكون بداية المواجهة مع الحقيقة التي تبحث عنها منذ البداية.
أبوها…
الظلال…
الجهة الأخرى من البوابة…
وريان الذي ينتظر أن يلحق بها…
كل شيء سيبدأ الآن.
رفعت رأسها وتقدمت داخل النور.