الفصل 6
ساد صمت كثيف في القاعة الحجرية، صمت يشبه تلك اللحظة التي تسبق انهيار جدارٍ قديم.
كانت الأنظار الثلاثة — عادل وليلى وسلـمى — معلّقة بالظلّ الذي خرج من الشقّ الأسود.
خطواته لا تُصدر صوتًا… كأنه يسير فوق الهواء، لا فوق الأرض.
لكن حين اقترب، بدأت ملامحه تتجمّع داخل الظلال شيئًا فشيئًا.
نصف وجه أولًا… عينٌ داكنة لا تشبه عين إنسانٍ لم ينم منذ أيام فحسب، بل عين أحدٍ يرى ما لا يجب أن يُرى.
ثم يظهر جزء من ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي كانت سلمى تعرفها من عالمها القديم… في مخبرها… أمام سبوراتها المليئة بالمعادلات.
قالت سلمى بصوتٍ يكاد يختنق:
"ريان؟"
رفع الظل رأسه، واكتملت ملامحه فجأة، كأن الضوء سمح لها بالظهور.
ابتسامة هادئة… تلك الهدوءات المزيفة التي تسبق العاصفة دائمًا.
"لم أتوقع أنك ستسبقينني،" قال، كأنه يهنئها على إنجازٍ بحثي.
لكن عادل تقدّم بخطوة، وضع نفسه أمام سلمى دون تردد:
"تراجع. وجودك هنا ليس مصادفة."
ردّ ريان بابتسامة أكبر، مائلة، ساخرة:
"أعرف أنك لا تثق بي — وهذا جيد. الحذر صفة ضرورية للذين يحرسون البوابة."
تصلبت نظرات ليلى.
"كيف دخلت إلى هنا؟ من فتح لك الطريق؟"
رفع ريان يده، فأضاءت حول أصابعه دوائر صغيرة من ضوء رمادي.
"لم يحتج الأمر سوى… إعادة كتابة معادلة واحدة. الباب قديم، لكنه مبنيّ على علم. والعلم — كما تعلمين سلمى — لا يقاوم من يعرف لغته."
شعرت سلمى بوخزة باردة في صدرها.
"كنتَ تراقب تجاربي… طوال الوقت؟"
"أراقب؟" ضحك بخفوت.
"أنا الذي بدأ تلك التجارب منذ سنوات. أنتِ فقط أكملتها دون أن تعرفي."
تسارعت أنفاسها.
"هل تقول إنك… من جعل البوصلة تنشّط؟"
أجاب بثقة مرعبة:
"أنا من أعاد إيقاظها، نعم. أما هي…" أشار إليها بإصبعه.
"فهي اختارتك وحدك. وهذا ما كنت أنتظره."
هنا شدّ عادل قبضته:
"ولماذا؟ ماذا تريد منها؟!"
ظهرت في عينَي ريان لمعة غريبة… مزيج من الحزن والغضب والإنبهار:
"أريد ما كانت سلالة الباحثين القدامى تحاول إخفاءه."
ثم انحنى قليلًا نحو سلمى:
"أريد قوّتك."
تراجعت سلمى خطوة، كأن الهواء نفسه سحب منها الأمان.
"أي قوة؟ أنا… لست شيئًا!"
اقترب ريان أكثر، حتى صار صوته كهمس سكينٍ على حجر:
"بل أنتِ كل شيء.
أنتِ القيد الأخير… والباب الأخير… واللغز الذي لم ينجح أحدٌ في تفسيره منذ قرن."
تدخّلت ليلى بغضب:
"لا أحد يستطيع لمس العابر المختار ما دامت البوابة معنا."
لكن ريان تبسّم، ابتسامة حملت شيئًا يشبه الشفقة:
"يا ليلى… البوابة نفسها هي التي دعتني للدخول."
وما إن قالها — حتى ارتجّت الأرض، وبدأت النقوش على الجدار تتوهّج باللون ذاته الذي يدور حول أصابعه.
شعرت سلمى بأن الحرارة ترتفع تحت جلدها، وكأن شيئًا في داخلها يحاول الرد على ذلك الضوء الرمادي.
قلبها ينبض بسرعة… أسرع… أسرع…
قال عادل بسرعة وهو يمسك بساعدها:
"لا تنظري إليه! لا تسمحي لصوته بالدخول!"
لكنها كانت قد سمعت ما يكفي.
كان ريان ينظر إليها لا كخصم… ولا كعدو…
بل كقطعة مفقودة من معادلة كان ينتظرها لسنوات.
"سلمى،" قال بنبرة مختلفة فجأة، نبرة لم تكن تهديدًا ولا سخرية.
"أنا لم آتِ لأدمّر.
أنا آتٍ لأحمي ما بقي.
أنتِ لا تعرفين ما يجري خارج هذا المكان… في عالمك."
تجمدت.
"ماذا تقصد؟"
اقترب حتى أصبح الشقّ الأسود خلفه يبتلع جزءًا من كتفه.
"البوصلة لم تختارك صدفة…
عالمك مهدد، يا سلمى.
وقد بدأ الانهيار فعليًا."
ارتفع صدى الهواء.
تبدلت أنظار ليلى، وظهر الاضطراب لأول مرة في وجه عادل.
سلمى وضعت يدها على قلبها، كأن الألم ينبع من داخلها:
"من بدأ الانهيار؟"
نظر إليها ريان طويلًا… ثم قال بصوتٍ سقط في القاعة مثل سقوط نجم:
"أبوكِ."
سقطت الكلمات عليها كصاعقة.
شعرت بالأرض تهتز تحت قدميها.
أصبحت الرؤية ضبابية، وكأن العالم انكمش حولها.
همست وهي تكاد تختنق:
"أبي… ميت."
قال ريان بجفاف:
"لا.
هو حيّ.
وهو من فتح الباب أول مرة.
وهو من بدأ كل هذا… منذ عشرين عامًا."
ثم أضاف ببطء:
"وأنا… جئت لأعيدك إليه."