الفصل 1
تستيقظ سلمى في مخبرها الصغير على عواء بحرٍ بعيد يصرخ من وراء زجاجٍ مُلطخٍ بالملح. تقطع خطواتها الرقيقة الأرض الملساء، وتتنفّس في صدئةٍ لطيفة من رائحة الورق القديم وخلطةٍ من رائحة الأمل التي لا تفنى. تسحب من رفوفها كتاباً يبدو كأنه يحيا، صفحةً تلو صفحة، كأنه كائنٌ ينتظر أن يقال له كلمة السر. إنها تكتب الرموز على ورقةٍ من خامة الضوء، وتعيد ترتيب الأبراج كأنها تقيم لكائنٍ من نجومٍ متباعدة. في قلبها يكبر سؤالٌ بسيط: ما الذي يجعل رموزها تتغير حين تفقد الزمن شيئاً من صلابته؟
يُفتح باب المخبر على صوت خطواتٍ حازمة. يدخل رجلٌ يكسوه عباءةُ ظلٍّ طويلة، وعيونه كليلٍ مطلسمٍ بالفضة. ليست هذه المرة الأولى التي يمر فيها عادل بجوار المختبر؛ هو حارسٌ من مملكة أراز، يحمل في طياته حكمةَ السنين وهدوءاً لا يزعجه عصفٌ من الأسئلة. يرفع نظارةَ العينين السوداء، ثم يحدّق في سلمى بنظرةٍ لا تريد أن تفصح عن عجزها أمام هذا اللغز الكبير.
سلمى، قالت صوتٌ من خلف الستائر، كأنه رعدٌ يتخفّى في حروف الكلم.
نعم؟ أليس الحارس من العوالم الأخرى؟ ردّت سلمى بنبرةٍ هادئة، وهي تقطع صمتها بعنايةٍ كأنها تتأمل في الرمز الذي أمامها وتعيد قراءته.
أنا هنا لأتأكد أن جهازك يعمل كما يجب، وليس لأنني أريد التحدث إليك عن موحياتٍ من الحكايات، قال عادل وهو يضع يده على حافة الطاولة كأنها تمنعها من الانزلاق بعيداً.
كان في عادل شيء من النبض القديم، ذلك الذي يحافظ على التوازن في عالمٍ ينامُ على حافة حربٍ باردة؛ رجلٌ يحرس العوالم من الانهيار لأن الانهيار يعني فقدان الأمل، وفقدان الأمل يعني انطفاء الضوء في المدينة والمرآة معاً. سلمى تلاحظ أن عينَيه تلمعان حين يلتقطان نقطةَ تلاقيٍ بين العلم والسحر، بين الحساب والرمز. تبتسم بلا قصد، وتستعيد في خاطرها ذلك الانكسار الأول للبوابة.
ثمة شيء جديد، قالت سلمى، وهي تقلب الورقة وتحدثُها كأنها كائنٌ حي: بوصلةٌ كونية. ليست مجرد أداة قياس، بل بابٌ يفتح على زمنٍ مفقود.
بوصلة تشبه البحر، قال عادل وهو يقترب من النافذة ليُنظر إلى الأفق البعيد حيث تتمايل أمواج من نورٍ على سطح البحر. نحن لا نملك بطاقاتٍ لخوض هذا البحر وحدنا. هناك قوةٌ تشعر أنك تقودها، وتلك القوة يمكن أن تقودك إلى مكانٍ لا تريده، أو إلى بابٍ لم تفكّر بأن تطرقه.
تلمع في عيون سلمى شرارة فضولٍ لا يخبو. كانت قد تعلّمت في سنواتها الأخيرة أن الرموز لا تكشف فقط عن أسرار الزمن، بل تقود إلى الحقيقة التي لا تُرى بالعين العادية: أن القلب قد يحفظ فصولين من القصة في آن واحد، أن الروح قد تعيش في مكانين في آن واحد وأن الاختيار هو ما يجعل توازن العالمين قائماً أم متغيراً.
بدأت تجربتها في تلك اللحظة، كما لو أن الضوء نفسه قد قرر أن يفتح عينيه ليُراقب طريقة تفكيرها. أخذت البوصلة من صندوق صدئٍ، تفحصتها بعناية، ثم وضعتها في جهازٍ معقّد يشبه عرشاً للضوء. في اللحظة التي بدأت فيها القراءات تتسارع، اهتزّت الأرضية قليلًا، وصريرٌ من الحديد أطلق صوتاً خافتاً كأن صدىً من زمن بعيد قد استيقظ.
حينها ظهرت بوابةٌ على حافة الشرخ الزمني، كأنها ثقبٌ في نسيج الواقع. ليست بوابةً عادية؛ بل بابٌ يلتف حوله الضوء كحلزونٍ من فضة، وتخرج من طرفه خطوطٌ من الزمانية تتراقص كأعمدة ماءٍ في ميدانٍ بعيد. سلمى لم تتوقع أن يحدث بهذه السرعة، لكنها شعرت أن العالم يغير مساره من أجله. لم تستخدم العادة في الكلام حين تواجه الظلال؛ بل أطلقت ضحكتها الرقيقة، تلك التي تعلن عن الثقة في ما تتجرأ عليه من مخاطر.
عادل وقف عند باب المخبر، يراقب بعينٍ حريصة، كما لو كان يرصَد انعكاسَ العوالم في سطح الماء. كان يعرف من خلال خبرته أن أي تلاقٍ بين العالمين لا يمكن أن يمرّ بلا ثمن. في swoim الصدور، يحمل قلبُه عظيم اللباقة واليقظة: حمايةُ بابٍ لا يفتح إلا لمن يقدر أن يحافظ على التوازن، وإلا فسيهدم العالمين معاً.
من أين أتت هذه الرؤى؟ قال عادل وهو يقترب بخطواتٍ محسوبة. هذه ليست مجرد بوصلة، بل رسالةٌ من زمنٍ آخر.
من ماضٍ بعيد، قالت سلمى وهي تراقب الضوء وهو يتلاعب بالبوابة. إذا تمكنت من فهمها، سنعرف كيف نعيد للزمان خطّه، وكيف نضمن ألا ينهار الباب بين العوالم.
في تلك اللحظة، لم يكن الحديث سوى محاولةٍ لالتقاط خيط من الحقيقة في فوضى القدر. سلمى لم تكن تعلم أن هذا اللقاء سيكون البداية لعلاقةٍ ستتجاوز المسافات، وتفترق معها الأزمان، وتصرخ فيها القلوب عندما تقرر أن تحيا في مكانين في آن واحد.