اغتيال قلب - //7/8/9/// | روايتك

اسم الرواية: اغتيال قلب
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: //7/8/9///

//7/8/9///

ما مداها تفتح الباب وتحط رجلها برة الغرفة إلا واتسعت عيونها من الصرخات الجاية من الدور الأرضي. تجاهلت جرح رجلها مرة ثانية وركضت ناحية الدرج، نزلت بسرعة واتجهت للمطبخ. أبعدت العاملة وبتول اللي كانوا واقفين عند الباب ودخلت المطبخ. شهقت وهي تشوف الفوضي العارمة اللي هناك، ورزان سبب كل هالفوضى! وهاجر واقفة بطرف المطبخ تصارخ وتحاول توقف رزان اللي واقفة على واحد من الكراسي تطلع الصحون الزجاجية وترميها على الأرض وهي تضحك. بلعت غزل ريقها وعضت شفتها من الفشيلة، التفتت حولها تدور على شيء تلبسه وتدخل عشان توقف رزان، سحبت اللي كانت بتول لابسته وأسرعت ناحيتها. مسكت يد رزان بقوة تقول بصوت هاديء: - رزان يا روحي خلاص انتهى وقت اللعب الحين، نطلع فوق تتروشين وتبدلين ملابسك عشان نتعشى ونأكل شيء لذيذ؟ هااه؟ رجعت رزان اللي كان بيدها للدولاب وقفلت الباب، ثم نزلت بهدوء ومسكت يد غزل بكل براءة: - إيش راح ناكل؟ برجر؟ تكفين غزل أبي برجر وبطاطس. اتسعت عيون الثلاثة وصاروا يناظرون في بعض بصدمة من تحول رزان المفاجيء والسريع، حتى عيونها اللي كانت تنطق بالشر من شوي وبالعبث.. تحولت وتغيرت تماما، وصارت كلها براءة وطيبة! ابتسمت غزل وهي تمسح على يدها: - تمام يا روحي، الحين بكلم آسر يجيب لك برجر وبطاطس، تعالي الحين نطلع فوق. مسكت ذراعها وخرجتها من المطبخ بعد ما مشت بحذر، وعيونها على الأرض بخجل من اللي سوته أختها. وقتها تنهدت هاجر براحة، لكن بس طاحت عيونها على اللي كسرته رزان غمضت عيونها بقهر.. وبالقوة مسكت نفسها لا تصرخ وتكسر البيت بصراخها! طلعت غزل وهي ماسكة يد أختها، حتى وصلت لغرفة محسن. قبل لا تدخل فكرت وين المفروض تروح، بس ما تعرف غير هالغرفة اللي نامت فيها.. بعد ما تهدأ رزان وتهدأ عمتها اللي أكيد على وشك انها تنجن بسبب اللي صار، راح تطلع من هنا وتدور على الغرفة اللي جهزتها لها عمتها. ظلت جالسة وعيونها على أختها اللي تطالع في يدها تلعب وتضحك، ثم تمشي شوي بالغرفة وتجلس شوي تسولف معها. رفعت رأسها ناحية الباب لما فتحته بتول، ومدت لها شنطة رزان. غزل: - ادخلي. هزت بتول رأسها بالنفي وعيونها على رزان: - بعدين بجيك، بعد ما تخلصي من رزان. هزت غزل رأسها وأخذت الشنطة، ضحكت لما شافت بتول تبتعد بسرعة بسبب خوفها من رزان! ما تنلام بعد اللي شافته! بعد نص ساعة.. تنهدت براحة وجلست تسوي مساج خفيف لذراعينها بعد ما نامت رزان ودخلت في سبات عميق. خرجت من الغرفة أخيرا ونزلت لتحت وهي تسمع صوت آسر اللي توه دخل، وقفت على الدرج الأخير تراقب الوضع. عمتها اللي اندفعت ناحية آسر وهي تصرخ بعصبية، وبتول جالسة بصمت: - ما علمتني يا آسر إنه رزان حالتها توصل لهالدرجة. آسر باستغراب من انفعالها: - ليه صار شيء؟ هاجر بقلة صبر: - إيش ما صار؟ إيش ما صار يا آسر؟ دخلت مطبخي وكسرت كل شي كان فيه تقريبا، أطقمي الغالية وصحوني كلها كسرتها، لو ما قامت غزل باللحظة الأخيرة كان كسرت البيت حتى. تنهد آسر بضيق: - ما عليه يا عمتي، أنا بجيب لك غيرها، رزان ما هي بحالتها الطبيعية اعذريها. - أعذرها؟ طبعا بعذرها بس انت كيف بعذرك هااه؟ وانت تارك مثل هالإنسانة الخطيرة مع غزل ولوحدهم في البيت؟ شفت اللي صار وش تنتظر بعد؟ رفع آسر حاجبه بحدة: - اللي صار في بيتنا مجرد حادث وما راح يتكرر إن شاء الله. طالعت فيه هاجر بصدمة، وارتبكت بتول لما طاحت عينها على غزل اللي تغيرت ملامحها وابتسمت بألم وهي تسمع هالكلام من آسر. ضحكت هاجر بسخرية: - الحريق اللي صار من سنة مجرد حادث، والإقتحام والسرقة مجرد حادث.. متى راح تأخذ وضعهم بجدية؟ متى راح تفتح عيونك كويس وتعرف إنه أختك ما هي طبيعية وراح تأذي اللي حولها أكثر بس تحصل فرصة؟ متى بتوديها المستشفى و........ قاطعها آسر بصراخه العالي اللي خلى غزل وبتول ينقزون بمكانهم ويبلعون ريقهم بخوف: - أنا أعرف مصلحة خواتي أكثر منك وأعرف إيش اللي يناسبهم وإيش اللي ما يناسب، وإذا فعلا شايلة هم غزل هالكثر ولا تبيها تكون لوحدها مع رزان عشان ما تصير مصايب أكثر، اسمحي لنا نتزوج في أقرب وقت وأنقل لبيتي مع بنتك. تكتفت هاجر وطالعت فيه بإزدراء قبل لا تقرب منه كم خطوة وتقول بنبرة مهددة وغاضبة: - تحلم يا آسر تحلم تتزوج بنتي طول ما أختك برة مستشفى المجانين، إلا إذا راح تكمل حياتك هنا ولا تأخذها معاك لبيتك. احمرّ وجه آسر تماما وشد قبضته، التفت لبتول وناظرها بقوة: - زوجتي بتروح معي في بيتي مثل ما أبي، ما دام سلمتيها لي وانتِ عارفة وضعي كويس، معناته أنا لوحدي أقرر في حياتها الحين. قطبت بتول جبينها بإنزعاج من كلامه اللي نرفزها، تضايقت أكثر لما ردت أمها بكل غرور: - هذي بنتي وماحد يقرر إلا هي وأنا أمها. سكت آسر للحظات قبل لا يقول: - لا تعتقدين إنه إصرارك وتمسكك بهالقرار راح يغير شيء، لأنه ما راح يمشي إلا كلامي. وقفت بتول بينهم وصرخت بعصبية قبل لا ترد أمها على آسر: - بس.. بس اسكتوا لا عاد تتكلمون بهالموضوع، لا عاد تتكلمون عني وكأني غايبة أو ما أعرف أتصرف ولا حتى ما أعرف أتخذ أي قرار يخص حياتي، مليت منكم ومن أنانيتكم، ما تفكرون إلا بالشيء اللي يريحكم ويرضي ضميركم، أما أنا ياصاحبة القرار طز والله حتى لو مت بسببكم ما راح تهتمون. كملت تحت أنظارهم المصدومة، ماحد كان متوقع منها ردة الفعل هذي!: - هالزواج ما راح يتم يا آسر، سواء سويت اللي تبيه أمي ولا ما سويت، ما راح أتزوجك حتى لو بظل عانس من بعدك لآخر عمري، تفهم! مسكتها أمها ولفتها ناحيتها بقوة: - إنتِ صاحية ولا مجنونة؟ إيش هالكلام اللي قاعدة تقوليه؟ ظلت بتول ثابتة تناظر أمها بكل ثقة، مع إنها ترتجف بداخلها: - وإنتوا خليتوا فيني عقل صاحي؟ صدق يا يمه أنا ما أبي أتزوج ولد أخوك ولا أتزوج غيره، فكوني من هالسالفة وخلوني أعيش حياتي، ودي لو مرة وحدة بحياتي أتخذ قراراتي بنفسي وأعيش بحرية مثلي مثل غيري، أسعى إني أحقق أحلامي مثل ما سوى محسن. عمّ الصمت في الصالة للحظات وأمها تطالع فيها بصدمة، حتى انها ما انتبهت للدموع اللي تجمعت بعيونها فجأة. انتبهت بتول للي قالته وبلعت ريقها بصعوبة، فتحت فمها ناوية تعتذر عن اللي قالته من دون ما تحس، لكن الضربة القوية على خدها بكف أمها أخرستها تماما.. وآلمت قلبها قبل خدها! نطقت هاجر بعصبية ودموعها نزلت بخدها: - أجل تبين تصيرين مثل هالحقير؟ تبين تعصيني مثله؟ روحي.. روحي الحقيه واتركيني أبكي تعبي عليكم وأبكي السنين اللي راحت من عمري وأنا أربيكم. عضت بتول شفتها بحزن، وصارت ترتجف بيد أمها اللي دفتها بقوة حتى اختلّ توازنها وطاحت جالسة على الأرض. ثم طلعت لفوق تضرب الأرض برجلها من القهر والعصبية اللي تغلي بداخلها. كان الموقف بأكمله غريب وعجيب، خلّى غزل تضم نفسها بشكل لا إرادي بعد ما مرت عمتها من جنبها وعلى وجهها ملامح صلبة تعبر عن شخصيتها الحقيقية، شخصيتها المخيفة والصارمة. التفتت للصالة مرة ثانية، وطالعت في بتول بحزن. شافت آسر ينحني ويمسك بذراعها يساعدها على الوقوف. صعدت لفوق بخطوات سريعة من دون ما تطلع أي صوت، حتى ما يشوفها آسر ولا يدري إنها كانت واقفة هنا وشهدت كل اللي صار من شوي. _____ على سفرة العشاء.. كانت مشاعل جالسة قدام عيالها سامر وإياد، تأكّل ميس اللي جنبها ثم تطالع في سامر تتأمل ملامحه تحاول تعرف شيء. إلا إنه لا زال ساكت بنفس ملامحه الصلبة، ابتسمت في خاطرها وهي تفكر كيف من المعقول إنه ابن بطنها يصير يشبه ولد زوجها السابق هالكثر..! فعلا سامر ما يختلف عن آسر كثير، تقدر تجزم إنه بس يكبر راح يصير نسخة متطابقة من آسر، تقصد من ناحية الشخصية والتصرفات. وأخيرا بعد ما انتهوا من الأكل، بادر سامر بالكلام: - عهد الغبية، صايرة هي وبدور على قلب واحد. رفعت حاجبها باستغراب: - شلون؟ - مدري عنها، ليل نهار تجلس معها تسولف وصوت ضحكتهم يوصل لين غرفتي، وكل شوي تسوي لها شاي ولا أي أكل، لدرجة إنها اليوم أول ما رجعت من المدرسة راحت تطبخ الغدا لعيون هالنسرة ولا ارتاحت. انصدمت مشاعل من اللي سمعته، شيء غير متوقع من عهد!: - إنت صادق؟ عهد تسوي كذا؟ تكتف سامر بغيظ: - إيه، والصراحة ما قدرت أتحمل هالشيء أكثر من كذا.. دايم أوقف معها بس هالمرة ما أقدر. مشاعل وهي خايفة من المشاكل اللي ممكن تصير مستقبلا بسبب عناد سامر: - حبيبي سامر مافي داعي تتحسس من السالفة بهالشكل، يمكن هي بس تبي تكسبها في صفكم عشان تكونون عايشين بهدوء وسلام، مو أكثر. التفت سامر لأمها بدهشة: - يعني عادي عندك هالشيء؟ عادي تعاملها كأنها أمنا؟ وتصيرين إنتِ من الماضي؟ أوجعها قلبها من الفكرة، وما عرفت بإيش ترد. سامر بزعل: - يمه ترى في شيء براس عهد، مستحيل تصير طيبة معها ولهالدرجة بيوم وليلة، ما تتذكرين إيش كانت تقول وكيف كانت مشاعرها تجاه بدور؟ هزت مساعل رأسها بإيجاب: - أتذكر يا سامر، بس ما دام هي تبي تكون طيبة مع زوجة أبوكم ما أقدر أقنعها بالعكس. حس سامر بالخذلان وبالقهر من معارضة أمه لرأيه: - أجل خليها لوحدها تعيش هناك، أنا ما راح أرجع لأن ما أقدر أتقبل فكرة إني أكون مسالم مع الشخص اللي آذانا وضرب ميس. عمّ الصمت للحظات كانت زي الدهر على سامر اللي زلّ لسانه وقال هالشيء لأمه من دون ما يحس. مسكت مشاعل يده بقوة: - إيش تقول إنت؟ مين ضرب ميس ومتى؟ بلع سامر ريقه من الإرتباك ثم قال: - لا تشيلين هم يمه مو شيء كبير، كانت ضربة خفيفة وما اشتكت منها كثير. التفتوا لــ ميس اللي تركت ألعابها واتجهت ناحيتهم وهي شبه معصبة: - كذاب، عورتني كثير حتى حرارتي كانت مرتفعة. طالعت فيها مشاعل بضيق والصدمة لا زالت مسيطرة عليها، مسحت على رأسها بحنان ثم قالت: - طيب ليش ما علمتيني يا ماما؟ - عهد قالت لي ما أعلمك عشان انتِ ما تزعلي. غمضت مشاعل عيونها بقهر ثم قالت: - سامر انتبه لأخوانك ونومهم بدري عندكم مدرسة، عندي مشوار بسيط.. برجع بسرعة. طالع فيها سامر بخوف من اللي ممكن تسويه، إلا انه بنفس الوقت حس بشيء من الإنتصار والراحة. صعدت مشاعل لغرفتها ونزلت بسرعة وهي لابسة عبايتها، خرجت من البيت ما تشوف شيء من القهر والعصبية. صادفت زيد بطريقها، واللي استغرب من منظرها وهي خارجة بعجلة: - على وين بهالوقت؟ إيش فيك مستعجلة؟ ردت مشاعل بغل: - بروح أذبح الحيوانة بدور، أو بدفنها وهي حية. زيد باستغراب: - إيش صاير؟ إيش سوت؟ وليش عيالك عندك الحين أصلا؟ - لو يهمك ما تركت البيت وخرجت حتى بعد ما شفتهم، بس ما عليه يا زيد نتكلم بهالموضوع بعدين، توصلني ولا أروح مع السايق؟ زيد والفضول يذبحه: - بوصلك. __ وقف زيد سيارته قدام البيت، والتفت لمشاعل اللي كانت طول الوقت تهز رجلها وتشتم بدور كل شوي. سألها: - بتدخلين؟ متأكدة؟ توترت مشاعل فجأة وارتبكت بعد ما كنت منفعلة: - إيش رايك إنت؟ أدخل؟ ابتسم زيد بخبث: - رأيي؟ ادخلي ونتفي شعرها هالمـــ .......... ولا والله يا مشاعل إني ما برجعك البيت إلا بعد ما تبردين حرتك فيها وحرة عيالك. طالعت فيه مشاعل بصدمة ثم ضحكت ورجعت لها روح الإنتقام.. كمل زيد وهو يضحك: - يلا قبل يجي وائل. نزلت مشاعل واتجهت ناحية الباب بخطواتها القوية، وزيد مو قادر يوقف ضحك.. خاصة انه قاعد يتخيل الموقف كأنه بفيلم، ويشوف مشية مشاعل كأنها لقطة بطيئة. نزل الشباك ورفع صوته: - بس انتبهي لا تذبحين الطفل. هزت مشاعل رأسها بإيجاب ثم كملت طريقها، رفعت يدها للجرس ترنه بطريقة متواصلة ثم تدق الباب بقوة. لين فتحت لها بدور وهي مفجوعة، خاصة لما سألت كم مرة عن هوية الطارق وما وصلها الرد. اتسعت عيونها بصدمة وهي تشوف مشاعل. وما مداها تستوعب ولا تسوي شيء إلا ومشاعل تمسك شعرها وتشده، ثم تدخلها لداخل وتقفل الباب وراها. صرخت بدور وهي ترفع يدها تحاول تبعد يد مشاعل: - يا مجنونة، إيش تسوين؟ مسكتها مشاعل بيدينها الثنتين وهي تشد شعرها أكثر: - إيش أسوي؟ إيش أسوي هااه؟ اللي سويتيه ببنتي، لما تجرأتِ ورفعتِ يدك عليها وضربتيها، تضربين بنتي وأنا عايشة؟ ظلت شادة شعرها بيدها اليسرى، واليمنى رفعتها وضربت بها كف قوي على خدها. حتى حست بيد ثانية تبعدها وتفكها عن بدور: - يمه إيش تسوين؟ تركتها مشاعل والتفتت لعهد منصدمة من صراخها: - عهد! عهد اللي كانت حابسة نفسها بالغرفة من المغرب، وما طلعت منها حتى بعد محاولات بدور الكثيرة.. نزلت على صوت الباب القوي واللي حست انه راح ينكسر بأي لحظة من همجية هالشخص. أمها كانت آخر إنسانة توقعت إنها تشوفها! ظلت مصدومة من هالتصرف الغريب من أمها، فعلا ما كانت متوقعة إنها تشوف هالشيء ولا واحد بالـ% ..! ردت والدهشة لا زالت بادية على ملامحها: - إيه يمه عهد، إيش فيك يمه إيش قاعدة تسوين هنا بهالوقت، وليش تتصرفين كذا؟ إيش قايل لك سامر بالضبط؟ تأملتها مشاعل بحدة للحظات قبل لا تقول: - قال لي اللي سوته هالحشرة لأختك، وإنها تجرأت وضربتها.. وانتوا خبيتوا عني هالشيء! فتحت فمها بذهول من اللي سمعته: - وجاية تحاسبينها على هالشيء بعد ما مر أسبوعين تقريبا؟ مشاعل اللي كل شوي تنصدم من أسلوب عهد: - لأني ما عرفت إلا تو، ليه ما علمتوني؟ ضحكت عهد بغير تصديق وعيونها محمرة من الانفعال: - وليش نعلمك مثل هالشيء التافه ونعور رأسك؟ قربت منها مشاعل وهي متكتفة بعصبية: - حتى لو اللي صابكم شوك بسيط يا عهد اعرفي انه بالنسبة لي لا تافه ولا هين، تفهمين؟ التفتت لبدور اللي جلست على الدرج بتعب تفرك رأسها بألم ووجهها محمر: - وانتِ، قولي لي الحين كيف تجرأتِ وسويتِ هالشيء في بنتي؟ فزّت بدور بمكانها وارتجفت لما صرخت بدور صرخة هزت البيت: - كيف؟ مسكت عهد يد أمها تترجاها: - ماما ما تشوفينها حامل وتعبانة؟ خلاص يكفي الموضوع منتهي من زمان. التفتت لها مشاعل رافعة حواجبها بحدة، سألتها: - وانتِ ليش ما جيتِ مع أخوانك؟ من متى صرتِ تحبينها وتعاملينها بلطافة؟ ارتبكت عهد شوي، إلا إنها قالت بزعل: - مو إني رفضت أروح معاهم، صحيت من النوم وما لقيتهم.. غير إنه... ما في سبب يخليني أترك البيت، وأنا مو مسوية شيء غلط. التفتت مشاعل هالمرة بكامل جسمها ومسكت يدها، تقول بصوت خافت ما يوصل لبدور: - كلامك يأكد لي إنه في شيء، عارفة إنك تقصدين العكس، إيش في بالك يا عهد؟ ظلت عهد ساكتة للحظات وعيونها بعيون أمها، قبل لا تهمس هي الثانية وتقول: - أبي أعرف ماضيكم، وأعرف إحنا قاعدين ندفع ثمن إيش، ثمن غلطة مين بالضبط! تركت مشاعل يدها بصدمة، تطالع في عهد بذهول تام: - عهد إيش قاعدة تقولين؟ أي ماضي وثمن إيش؟ أبعدت عهد عيونها عن أمها بعد ما تنهدت بضيق: - إذا حابة تقولين لي بنفسك ما عندي مشكلة، بس لا تنكرين وتقولين إنه ما في شيء مهم صار، لأني عارفة متأكدة إنه اللي صار مو هين، وإنه زواجك السابق ما كان عادي، إذا تبين أروح معك.. اعذريني ماني رايحة. أنهت عبارتها وصعدت لغرفتها من دون ما تنتظر رد أمها. ظلت مشاعل واقفة بمكانها مصدومة وقلبها يخفق بعنف من اللي قالته عهد. إيش اللي خلاها تفكر كذا بعد هالفترة؟ وليش تغيرت فجأة وصارت مخيفة بهالشكل! التفتت ناحية بدور ترمقها بنظرة حادة ومخيفة: - هذي المرة ما سويت شيء كبير، وبعديها لك.. لكن مرة ثانية إذا تجرأتِ وأذيتِ عيالي أو ضايقتيهم صدقيني ما راح تشوفين يوم واحد حلو بحياتك، تفهمين؟ بدور بعد صمت قصير، ضحكت بسخرية: - تحسبيني ما أعرف إيش اللي تبيه بنتك؟ وإيش تبي تعرف؟ وقفت تحت أنظار مشاعل المترقبة: - بنتك واضح إنها ذكية حيل، بس أنا بعد ماني غبية.. تعرفيني يا مشاعل تربية يدك احنا، كلنا مني لغزل، كبرنا تحت عيونك إنتِ وأختي الله يرحمها.. وانتِ بنفسك تربيتِ معنا تقريبا، ومدامها لهالدرجة تبي تعرف إيش صار وأنا بعد ما راح أخسر شيء إذا علمتها، خليكِ إنتِ حذرة لما تتعاملين معي ولا تجين قدامي مرة ثانية، ما ودي يزل لساني وأخرب الباقي من حياتك، بنتك بين يديني الحين. قربت منها مشاعل وصدرها يهبط ويرتفع من الغيظ والإنفعال: - ابلعي لسانك أحسن لك يا بدور، إياني وإياك تسوين هالشيء وتنطقين لو بحرف واحد.. تعرفين بالضبط أنا إيش أقدر أسوي، عهد بين يدينك لكن أنا بيدي كل شيء ممكن تتخيليه وما تتخيليه، أول شيء ممكن بسويه إذا نطقتِ بشيء، إني أطلعك من البيت إنتِ وزوجك وائل وأخليكم تعيشون بالشارع ثلاثتكم. ضحكت بدور بصوت عالِ: - هههههههههههههههه تتوقعين بخاف من تهديدك هذا؟ أحد قايل لك إننا بنموت من دونك مثلا؟ بننهار من الجوع لو أخذتِ البيت؟ تكتفت مشاعل تبتسم لها باستفزاز: - إذا فعلا تقدرين تعيشين من دوني استحي على دمك واخرجي من بيتي فورا. بدور بابتسامة مائلة: - صدقيني لو ما أصر عليّ وائل ما دخلت هنا، بس برضوا ما يصير تهدينه بيتك كعربون شكر على تحمله لك طول هالسنين ثم تمنين على زوجته كل شوي، استحي على وجهك مشاعل، مانتِ طفلة عشان تقولين معليش ما كنت أقصد.. أو تقولين كنت صغيرة ما عرفت أتصرف. قالت العبارة الأخيرة بنبرة مستفزة تحرك حاجبها تغيظ مشاعل، اللي فعلا حست بالنار تشب بصدرها من الذكريات اللي داهمتها فجأة. حست بالضعف بدأ يعتريها، إلا إنها مستحيل ترضى تضعف قدام هالمخلوقة: - ما أدري ليش جيتك وأنا أدري إنه الكلام معك ضايع، وإني ما راح أخسر إلا وقتي الثمين؟ عموما بدور.. انتبهي لنفسك كثير، وائل ما هو باقي لك على طول، ولا الفلوس اللي أعطيته راح يبقى لوقت طويل، انتِ دايم راح تكوني بحاجتي.. صوني لسانك أحسن لك، مفهوم يا حلوة؟ اتجهت للباب بخطواتها الواثقة، طلعت بعد ما قالت بسخرية: - والله مو راحمة غير المسكين اللي في بطنك، وراحمتك بعد لأنك بتشوفين الوجه الثاني لوائل اليوم. ركبت مشاعل السيارة، وهي حاسة إنه النار لسه شابّة في صدرها. التفتت لزيد اللي كان منتظر بحماس: - وش سويتِ؟ اصطنعت ابتسامة ناعمة وهي تقول: - أبد، بس نتفت شعرها على قولتك.. لو ما وقفتني عهد كنت ذبحتها على الأرجح. انصدم زيد: - عهد؟ ليش هي مو عندنا؟ - صح النوم زيد. ناظر زيد ناحية الباب: - طيب هي جاية الحين؟ تكتفت مشاعل وريحت ظهرها على المقعد بعد ما رجعته على ورى: - ما هي جاية، حرك.. بسرعة بنام حاسة بتعب فظيع. حرك زيد السيارة وهو لسه مستغرب، سأل: - ليش ما راحت مع اخوانها؟ إيش فيها؟ تنهدت مشاعل: - ما أدري يا زيد لا تسألني، حاول تجيها انت بكرة، ترتاح لك أكثر مني. زيد بشك: - متأكدة ما قالت لك شيء؟ عمّ الصمت للحظات قبل لا تقول مشاعل: - تبي تعرف إيش صار بالماضي. ابتسم زيد وقال بهدوء: - كلنا نبي نعرف. طالعت فيه مشاعل بطرف عينها ثم اكتفت بالصمت. - بس يعني وش دخل قعدتها هنا بهالشيء؟ - يمكن تحاول تتقرب من بدور وتعرف منها! التفت لها زيد بدهشة: - من جدك؟ تأفف مشاعل: - زيد خلاص وقف أسئلة ما لي خلق أتكلم. سكت زيد احتراما لرغبتها، وحاول يمسك نفسه كثير عن لا يستفسر عن الأوراق اللي شافها، إلا إنه ما قدر. تردد كثير قبل لا يسأل أخيرا وبصوت خافت: - ليش رضيتِ تأخذين أملاك أبو آسر؟ وإنتِ عارفة إنه هالشيء راح يضرك مستقبلا؟ جلست مشاعل بصدمة من اللي سمعته، والتفتت له بقوة: - إيش عرفك إنت؟ - عرفت وبس. ظلت مشاعل تطالع فيه بذهول وغير تصديق، مسكت عبايتها بقوة توقف رجفة يدها المفاجئة. وانصدمت أكثر لما قال زيد: - وأظن آسر بعد يدري، عشان كذا قاعدين يخربون حياتنا هو وبدور، ولا إيش اللي يخليه يخونني فجأة ويطعنني بهالشكل؟ وهو كاره الخيانة ومبغضها بعد اللي سويتيه إنتِ بأمه؟ هالمرة فقدت أعصابها صدق، بعد ما طالعت فيه بذهول ثم صرخت فيه: - اسكت يا زيد، انتوا ما تدرون عن شيء.. ما تعرفون شيء. وقف زيد سيارته على جنب والتفت لها هو الثاني معصب: - لو ما تبين نحكم واحنا ما ندري علمينا، علمينا عشان نعرف ونعذرك ثم نصحح كل شيء. التفتت عنه وغمضت عيونها بقهر، ما حست إلا بالدموع تهطل من عيونها بغزارة.. مسكت رأسها وصارت تبكي بصمت. لانت ملامح زيد وصار يطالع فيها بذهول، لو جمع كلمات الدنيا وجا بكل اللغات، ما يقدر يوصف ضيقته ووجع قلبه من هالمنظر اللي ما توقع يشوفه. صارت مشاعل تشهق وتبكي بتعب بعد ما نزلت رأسها وغطت وجهها بيدينها، حتى ما حست بالوقت وقد إيش مر منه.. وزيد يطالع فيها بعجز. باين إنها وصلت حدها من التعب، وإنها منضغطة حيل ولا عارفة إيش لازم تسوي! بعد ماحست إنها هدأت أخيرا، رفعت رأسها ورجعت ريحت ظهرها بعد ما غمضت عيونها: - حرك. تأملها زيد لثوانِ قبل لا يحرك السيارة وصدره ضايق. ما يدري من تصرفه الغلط ولا من بكاء مشاعل! صعدت مشاعل أول ما وصلوا، مرت على غرفة عيالها وتطمنت وهي تشوفهم نايمين. دخلت لغرفتها وقفلت الباب وراها، نزلت عبايتها وعلقتها على الشماعة وهي تحس بجسمها مكسر. صحيح إنها ما بذلت مجهود بدني.. لكن نفسيتها متدمرة تماما. جلست على الأرض وأسندت ظهرها على السرير، ضمت ركبها لصدرها وهي حاسة إنه الأرض تضيق من حولها. نفس الشعور اللي حست فيه لما توفى أبوها، وصارت وحيدة تماما، ما لها إلا أمها. اللي أكيد إنها ما قصرت معاها وقتها ووقفت معاها، لكن شعور فقد السند صعب جدا، حسسها إنها فعلا فقدت شيء من أعضاء جسمها.. وصارت مكسورة. ما كان ضيقها بعد وفاة أبوها شيء قدام اللي جاها بعد فترة مو طويلة من وفاته. لما بدأوا الناس يضايقونها هي وأمها، كلٍ يبي يخطب ويتزوج.. وكلهم تقريبا من أهل أمها، لأن أبوها ما له أقارب أساسا. كانت هذيك الأيام صعبة، صعبة حيل على بنت ما تعدت الإثنا عشر سنة. تتعرض لمضايقات بسبب ( الزواج )! سواء بداخل بيتها، ولا وهي رايحة البقالة مع سايقهم تشتري الحاجات المهمة، أو حتى وهي رايحة المدرسة! كيف بنت صغيرة تستوعب موضوع مثل الزواج! خاصة وإنها كانت حيل مدللة عند والدها، حتى قبل وفاته كان مهتم فيها كأنها لا زالت طفلة صغيرة ما تعدت الخمس سنين! خالات أمها كانوا الأقرب لهم من ناحية التواصل والروحة والجاية، وتقريبا هم الوحيدين اللي كانوا يسلون أمها بعد وفاة والدها ويواسونها. كانت أمها تثق في خالاتها وقريبات جدتها بشكل كبير، بنفس الوقت كانت خايفة على ثروة زوجها اللي تعب عليها كثير، ولا ودها إنها تفقد قرش واحد أو يروح للغريبين. يعني مستحيل إنها تتزوج! بنفس الوقت لازم توقف هالمضايقات بأي تصرف، وتحاول تحمي ثروة زوجها. وبالرغم من إنها كانت جدا رافضة تزوج بنتها وهي بهالعمر الصغير، إلا إنها أجبرت نفسها على تقبل الموضوع، لدرجة إنها عرضت تزويج بنتها على واحد من عيال خالتها ( خالة زينب والدة مشاعل ). أكثرهم عقل ورزانة، وأكثرهم أدب وإحترام، أكثر واحد يمتلك أخلاق طيبة وصفات حسنة. كان هالشاب عمره 25 سنة، يعني أكبر من مشاعل بـ 13 سنة. مشاعل لا زالت غافلة وغير مستوعبة للي قاعد يصير من حولها، حتى بعد تم عقد القران.. وتم الزواج. كانت لسه تحت تأثير الصدمة والذهول، تحت تأثير الحزن العظيم على رحيل والدها الطيب، تحت تأثير الشعور ( بالظلم ) .. لما استوعبت أخيرا، وعرفت إنه في شخص استغلها، واستغل صغر سنها، استغل غفلتها وعدم فهمها للأمور.. عشان يحافظ على شيء إسمه ( مال )! أوجعها هالشيء كثير، واللي أوجعها أكثر إنه هالشخص ما كان غير والدتها! أقرب الأشخاص لها، وأكثرهم معزة.. كيف قدرت تسوي فيها كذا؟ كيف قدرت تسلمها لقريبها بهالسهولة. كانت ذيك اللحظة، أكثر لحظة قاسية مرت عليها بحياتها، اللحظة اللي قسى فيها قلبها. من قهرها وزعلها على السبب ( المال ) صارت هي أكثر واحدة تلهث خلف المال! بذيك اللحظة، قررت تخلي سبب ضياعها هو سبب نجاتها بعد. إلا إنها كانت أصغر من إنها تقدر تسوي شيء.. ومن دون إدراك منها، خسرت الكثير من الأشياء، مقابل كسبها للمال. __________ بعد غروب الشمس بوقت، والمكان هاديء من حولهم. تجلس رسيل جنب نارا وهي حاسة بالذنب على إنها أفشت بسر من أسرارها، حتى لو اللي قالته مو شيء كبير ولا يمكن يأذي نارا أو يسبب مشاكل بشغلها، إلا إنها تكره تسوي شيء من وراها. ونارا جالسة بكل هدوء واسترخاء، ساكتة مثل دايم.. تتأمل الفراغ قدامها، وتشرب مشروب غازي. تكلمت فجـأة: - راح يرجع. رسيل باستغراب: - مين هو؟ - محسن، راح يرجع خلال اليوم، تهديدي ما خوفه أبد أنا أدري. تنهدت بضيق وهي تريح ظهرها على الكرسي: - هاللسان مشكلة وربي، مين قال لي أتباهى بمعرفتي لهالمعلومات عنه؟ لو ما تكلمت كثير ووضحت إني أعرف شيء ما فكر يرجع، لكن الحين فات الأوان. اكتفت رسيل بإبتسامة هادئة وهي تشرب قهوتها. التفتت لها نارا باستغراب: - إيش فيك ساكتة؟ ما بتقولين شيء؟ هزت رأسها بالنفي من دون ما تتكلم. ظلت نارا تطالع فيها بهدوء، حزّ بخاطرها هالإحساس.. إنه رسيل زعلت بسبب اللي صار، وزعلت لأنها تضطر تواجه محسن. تكلمت رسيل: - عضت باطن شفتها ثم كملت تطالع في بتول اللي تغيرت ملامحها واتسعت عيونها على أقصاها بذهول تام: - عرفتِ الحين ليش قلت إنه باقي سبب أخير يستاهل تبكين عشانه؟ ما أظن في شيء ثانِ راح يوجعك كثر هالسبب.. أتمنى لك التوفيق بتول. وقفت وطلعت من الغرفة بكل برود. ولا كأنها قالت شيء من تو، بينما فجرت بوجه بتول قنبلة.. أوجعتها وآلمتهاـ أدمت قلبها وبعثرته إلى أجزاء منتشرة بكل مكان. فعلا هذا اللي حست فيه بتول من سمعت اللي قالته غزل. عجزت تحدد شعورها، عجزت تعرف إيش تحس فيه بالضبط. كل اللي استوعبه عقلها إنها حاليا في حالة تشتت وضياع غير طبيعي. كانت غزل متجهة للغرفة، راجعة لرزان. لكن لفت انتباهها باب كبير.. أكبر من كل الأبواب الموجودة بالطابق الثاني. التفتت تطالع في البيت كله، كان هاديء بشكل مرعب، وأغلب الأنوار مغلقة. اتجهت ناحية الباب الكبير بفضول، توقعت إنه راح يكون مقفل.. إلا إنها تفاجأت من حطت يدها على المقبض وانفتح على طول. دخلت وقفلت الباب وراها ببطء حتى ما تصدر أي صوت. مررت يدها على الجدار حتى لمست الأزرار، ضغطت عليها كلها. اتسعت عيونها وفتحت فمها بذهول من انفتحت الأنوار كلها وشافت هالمنظر الجميل والمهيب قدامها. مكتبة كبيرة بطول الجدار، مليانة كتب! والغرفة مليانة جلسات مختلفة ومتنوعة، وكبيرة جدا. ابتسمت بإعجاب ورجولها تقودها للمكتبة تلقائيا. وقفت قدامها تمرر يدها على الكتب والإبتسامة مرسومة على شفايفها. تنهدت بإحباط لما شافت كل الكتب علمية، وأغلبها مجلدات كبيرة.. وبعض الكتب إنجليزية. ما في إلا رفين ولا 3 رفوف عليها كتب أدبية. أخذت أكثر كتاب جذبها عنوانه، مع إنه تقريبا ما في أي كتاب جذاب. جلست على كرسي متأرجح موجود قدام المكتبة بالضبط، فتحت الكتاب على أول صفحة بعد الغلاف.. وعقدت حاجبها لمّا شافت الإسم المكتوب: - محسن بن مطر الــ ........... ناظرت في المكتبة مرة ثانية بغل: - أجل هذي لك يا الزفت، طلعت أنيق وصاحب ذوق للأسف. تنهدت مرة ثانية وهي ترجع للكتاب، قفلته فجأة بعد ما قرأت كم سطر، تفكر بصوت عالي وتكلم نفسها: - بس غريبة شلون هالمكان نظيف ومرتب وكأنه جديد وهو له 15 سنة؟ وأنا إيش عليّ منه الحيوان. فتحت الكتاب ورجعت قفلته وهي تفكر مرة ثانية: - ليش ما شال كل هالكتب اللي أكيد إنها مهمة لدراسته؟ هل لأنها كثيرة ولا فكر إنه يتركها مثل ما هي لأنه عنده نية يرجع؟ ممكن هالشيء؟ تذمرت وفتحت الكتاب، ما مرت ثانيتين إلا وقفلته مرة ثانية: - بس لحظة.. شلون سوى المكتبة قبل 15 سنة وعمتي ما لها 10 سنين من نقلت هنا؟ معقولة إنهم بنوا البيت من قبل وجهزوه بس ما نقلوا إلا متأخر؟ للمرة الثالثة فتحت الكتاب وقفلته بعد لحظات قليلة: - كل شيء غريب، نقلوا للبيت من 10 سنين.. لكن محسن اللي هاجر من 15 سنة له مكتبة جاهزة هنا وكل كتبه هنا! يعني احتمال إنه رجع بعد ما نقلت عمتي لهالبيت! جايز والله. - ما في شيء غريب يا غزل. نقزت بمكانها وصرخت وهي توقف وترمي الكتاب على الأرض: - بسم الله. زفرت أنفاسها ويدها على صدرها، بلعت ريقها وهي تتجه ناحية عمتها اللي كانت جالسة على مكتبة صغيرة بركن الغرفة: - عمتي إنتِ من متى هنا ما شفتك، وآسفة دخلت من دون إذنك. هاجر اللي كانت ملامحها صلبة وحزينة بنفس الوقت، ردت بهدوء: - خذي راحتك البيت بيتك. جلست غزل على كرسي قدام عمتها: - إيش قصدك بأنه ما في شيء غريب؟ - محسن ما رجع ولو لثانية، والمكتبة مو له.. أنا جهزتها ورتبت كتبه هنا. رفعت غزل حاجبها باستغراب ثم سألتها بفضول: - ليه طيب؟ ابتسمت هاجر بعد ما ناظرتها: - لأني أم. تنهدت بضيق ثم كملت: - الأم عمرها ما راح تقر بغلطة ولدها، ولا بحقيقة مرة وبشعة مثل هجر ولدها لها، والأم تظل تحسن الظن بهالولد، وتظل تنتظره وتنتظر رجعته حتى لو كان الإحتمال ضئيل، بغيته يكون مرتاح ومو شايل هم شيء إذا رجع، ويلاقي كل شيء جاهز، كأن الكون كله مستعدة لإستقباله بأي لحظة. عضت غزل شفتها ونزلت رأسها بحزن على عمتها، كملت هاجر بنبرة مليانة ألم ووجع: - من 15 سنة يا غزل وأنا أفكر بروحته على إنها خرجة عادية، تأخر بالليل لكن عيوني مجافيها النوم بسبب القلق، وأظل بإنتظاره كأني قاعدة بالصالة أقاوم النوم، لكن الفرق إنه إذا رجع هالمرة ما راح أوبخه ولا راح أخاصمه، بحضنه وبضمه لصدري ثم أطبطب على ظهره وأمسح على رأسه وأقول راحتي فداك يا محسن، بس لا تبعد عن عيوني كثير. رفعت غزل رأسها وتأملت وجه عمتها، كمية الحزن اللي فيه مو عادية أبدا. تقريبا هذي المرة الأولى اللي تشفق فيها وتحزن على عمتها. دايم تناظرها على إنها المرأة المتسلطة والقوية، وما تحب إلا نفسها وبنتها.. ثم ما يهمها إلا الفلوس والمظهر الحسن بعيون الناس. ما قد فكرت فيها على إنها أم مكلومة، فاقدة ابنها من 15 سنة، ويا ليته لما راح.. راح بطريقة حلوة. لكنه هجرها تماما، من راح ما سألها ولا سمعت هي صوته. تنهدت بضيق ثم قربت من عمتها بتردد، ضمت رأسها لصدرها وصارت تمسح على شعرها بحزن. ابتسمت هاجر بألم من حركتها اللي ما توقعتها، ثم صارت تبكي بصمت. ______ مرت ساعة كاملة تقريبا، من وقفت بمكانها بعد ما تركت أمها في الصالة مع بدور. ثم دخلت غرفتها ووقفت عند الشباك، تراقب سيارة زيد لين تحركت بعد ما أمها ركبتها. ومن وقتها وهي حاسة بالعبرة تخنقها، إلا من عرفت إنه أخوانها راحوا من دون ما يعلموها. من الموقف الغريب اللي انحطت فيه. الغضب اللي بداخلها كبير جدا، والنار المشتعلة بصدرها ما انطفت.. تحس صدرها ينحرق حرفيا. ما كانت أبدا من النوع اللي يتغاضى عن أي أمر بسهولة، عشان تنسى اللي صار بسرعة بعد! روحة أخوانها وطلعتهم من البيت وتركهم لها بهالشكل أهون من اللي سوته بدور بنظرها، لما سمحت لقريبها يدخل بوسط البيت.. حتى لو كانت تعتقد إنها راحت، ما في شيء يسمح لها تسوي كذا. وحركة أمها أهون من كل اللي صار من البداية. عهدت أمها عاقلة، وتحسب ألف حساب قبل لا تسوي أي شيء. لكن اللي سوته اليوم ما يسويه إلا وحدة حاقدة أو غيرانة من زوجة زوجها الثانية! انتبهت أخيرا لما توقفت سيارة أبوها قدام البيت، تحس إنها لسه مو مستوعبة إنه أبوها صاير يشتغل بجدية، لدرجة إنه يرجع البيت متأخر، الساعة 11 مساء! سرعته في الحصول على الوظيفة ما كانت غريبة، أكيد إنه استعان بمعارفه. أبوها أساسا ما يملك شهادة ممكن توظفه بمثل هالمكان الجيد وبهالسرعة، دايم الواسطات لها دور! قهرها هالشيء، إنه أبوها استعان بواسطة وأخذ مكان ما يستحقه ولا نال شهادة ولا بذل أي مجهود يخليه يستاهل هالعمل. لكن مو مشكلة، بما إنه بدأ يشتغل وقرر يتحمل المسؤولية أخيرا بعد هالعمر، فهذي حركة جيدة. رقدت بمكانها بكل برود، وصارت تتأمل السقف بعيون فارغة. وهي تسمع صراخ أبوها على بدور، وللمرة الأولى بكل هالعصبية! ما فهمت وش يقول بالضبط، بسبب التبلد اللي صابها وخلاها ترفض فكرة إنها تروح وتحاول تهديه ولا يضر بدور! للحظات حست إنها حقيرة وما عندها قلب، كيف راحت وقفت بوجه أمها حتى لو كانت غلطانة.. وسببت بمثل هالشعور الفظيع اللي خلى الألم يظهر على وجهها بكل وضوح! بينما أبوها وهو يصرخ على بدور بسبب شيء هي ما لها يد فيه! ما فكرت توقفه أبد ولا تروح تشوف إيش صاير بالضبط! نقزت بمكانها وجلست مفزوعة لما انفتح الباب بقوة ودخل عليها أبوها بوجهه المحمر وعيونه اللي تلمع من العصبية: - وين راحوا أخوانك؟ ليش ما وقفتيهم؟ نزلت عهد عيونها بضعف وهي تشوف هالمنظر الغريب، والإنفعال الغير معتاد على أبوها: - ما قالوا لي، راحوا عند ماما. رفعت عيونها: - والله كنت نايمة وما دريت إلا بعدين. قرب منها وائل وجلس، وهزها من يدينها: - ليش طيب؟ ما تعرفين بعد؟ خالتك لها دخل؟ هزت عهد رأسها وعيونها مليانة دموع: - لا. - متأكدة؟ هزت رأسها بالإيجاب ثم قالت: - إيه، بس لا تشيل هم أكيد راح يرجعون، إنت عارف قد إيش ماما حريصة على إنها ما تفرقنا عنك، وشوفني أنا موجودة هنا الحين، يعني مستحيل يظلون بعيدين عنك على طول. وائل بعدما تأملها للحظات وهو ساكت: - متأكدة من اللي تقوليه عهد؟ أكيد راح يرجعون؟ آلمها قلبها وهي تشوف أبوها بهالشكل، نبرته اللي بان فيها الرجاء أكثر من السؤال. _____ انتهى الفصل ____ نزلت فصل طويل لأني مو متأكدة إذا الأربعاء راح أنزل ولا لا. حتى لو قدرت راح يكون قصير، خلوكم عارفين هالشيء عشان ما تزعلون مني بعدين المهم.. وقتها بعلمكم وبعطيكم الخبر الأكيد. أنتظر توقعاتكم وآرائكم بكل شوق، لا تحرموني منها.. أتمنى أشوف تفاعل أفضل والكل يعلق أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. _____ اللهم ارحم مارية وأعمامي وأجدادي وجميع أموات المسلمين، اغفر لهم وعافهم واعفُ عنهم، برد قبورهم وأرِهم مقاعدهم في الجنة يارب العالمين، اللهم آمين. اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فيتامين سي غير متواجد حالياً التوقيع شكراً منتداي الأول و الغالي ... وسام أعتز به رد مع اقتباس قديم 17-09-20, 11:10 PM #23 فيتامين سي مراقبة عامة ومشرفة منتدى الروايات المنقولة alkap ~ الصورة الرمزية فيتامين سي ? العضوٌ??? » 12556 ? التسِجيلٌ » Jun 2008 ? مشَارَ?اتْي » 42,547 ? الًجنِس » ? دولتي » دولتي Saudi Arabia ? مزاجي » مزاجي ? نُقآطِيْ » فيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond reputeفيتامين سي has a reputation beyond repute ?? ??? ~ My Mms ~ افتراضي اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق. لا تلهيكم الرواية عن الصلاة وذكر الله. لا إله إلا الله. _____ إن حبكِ ، كـ التائب الذي يبحث عن التوبة ويجدك .. إن حبكِ ، كـ العسكري المخلص لوطنه، ويعتبركِ علماً لهذا الوطن .. إن حبكِ ، كـ الطبيب الذي يراكِ ، كـمشرطه الجراحي .. إن حبكِ ، كـ المحامي ، عندما يعتبر عيناكِ قضيته .. إن حبكِ ، كـ الشرطي ، الذي يعتبركِ جريمة جنائية ... إن حبكِ ، كـ الرسام ، يده لآ تعرف الا رسمك .. إن حبكِ ، لـي أنا ، قد دمر كل الحدود ! انني متيم بك ....! الخاطرة للكاتبة الرائعة: روفندآ _____ الفصل العاشر _____ نقزت بمكانها وجلست مفزوعة لما انفتح الباب بقوة ودخل عليها أبوها بوجهه المحمر وعيونه اللي تلمع من العصبية: - وين راحوا أخوانك؟ ليش ما وقفتيهم؟ نزلت عهد عيونها بضعف وهي تشوف هالمنظر الغريب، والإنفعال الغير معتاد على أبوها: - ما قالوا لي، راحوا عند ماما. رفعت عيونها: - والله كنت نايمة وما دريت إلا بعدين. قرب منها وائل وجلس، وهزها من يدينها: - ليش طيب؟ ما تعرفين بعد؟ خالتك لها دخل؟ هزت عهد رأسها وعيونها مليانة دموع: - لا. - متأكدة؟ هزت رأسها بالإيجاب ثم قالت: - إيه، بس لا تشيل هم أكيد راح يرجعون، إنت عارف قد إيش ماما حريصة على إنها ما تفرقنا عنك، وشوفني أنا موجودة هنا الحين، يعني مستحيل يظلون بعيدين عنك على طول. وائل بعدما تأملها للحظات وهو ساكت: - متأكدة من اللي تقوليه عهد؟ أكيد راح يرجعون؟ آلمها قلبها وهي تشوف أبوها بهالشكل، نبرته اللي بان فيها الرجاء أكثر من السؤال. حضنته بقوة ثم قالت: - متأكدة يا بابا، خليك واثق فيني، متى قد خيبت ظنك بنتك عهد؟ ابتسم وائل اللي هدأ أخيرا، وقبل جبينها بحب: - ولا مرة، ولا أظن هالشيء بيصير بيوم من الأيام.. الله لا يحرمني منك ومن أخوانك، يوم دخلت البيت وما لقيتهم انفجعت، آسف إذا أزعجتك. عضت عهد شفتها تمسك نفسها عن البكاء، وابتسمت وهي تهز رأسها: - فاهمة عليك بابا ما في مشكلة، صدقني راح يرجعون بأقرب وقت.. روح ارتاح الحين. أومأ وائل برأسه ثم وقف وخرج بعد ما طفى الأنوار. دخل غرفته وارتاح إنه بدور ما طلعت لسه. وده يجلس لوحده شوي. بدل ملابسه ورقد وهموم الدنيا على وجهه، آخر شيء ممكن انه توقعه يدخل البيت ويلقى عياله تاركينه من دون علمه! عياله بالنسبة له كل شيء بالدنيا، والشي الوحيد اللي ممكن يضحي عشانه. يحمد ربه مليون مرة إنه مشاعل بادرت من نفسها وتركتهم معاه. مشاعل اللي كانت جارته من كانوا صغار، وكانت صاحبته اللي يلعب معاها هي وعيال ثانيين. أمه كل ما شافتها قالت إنه هذي زوجة ولدي، وما راح يأخذها غير وائل.. مع انهم كانوا صغار، ووائل ما يكبر مشاعل إلا بسنتين. إلا إنها ما كانت تترك هالكلام من لسانها. لين توفى أبو مشاعل، وتزوجت هي قريبها.. وقتها بس أمه توقفت عن هالكلام اللي ما له داعي. مرت السنين، وصار كل اللي صار مع مشاعل.. تطلقت وصارت وحيدة من جديد مع أمها وزيد، وصارت من نصيبه زي ما تمنت أمه! صحيح إنها ما كانت رغبته، لكنه كان سعيد كونه تزوج إمرأة جميلة وناجحة. لكن أبدا الحياة معاها ما كانت عادية، كانت بعيدة عن توقعاته تماما. والظاهر هو لوحده كان يحس بهالشيء، لذلك بعد ما تزوج بدور وواجهته مشاعل، ثم هو قال لها الحقيقة.. انصدمت حيل وبكت! باليوم اللي اكتشفت فيه الحقيقة وعرفت عن زواجه، وكعادتها بكل صرامة نادته قدام عيالهم وخلته يروح وراهم. لين صاروا لوحدهم بالغرفة، كانت جالسة على الكرسي بكل هدوء.. وملامحها جامدة وصارمة. جلس قدامها يتحاشى النظر لوجهها، ويحاول يظهر بمظهر القوي، أو على الأقل مو خايف منها. كان حاط يدينه على ركبه ومعتدل بجلسته، من هدوءها ما توقع إنها متأثرة لهالدرجة.. لكن من سمع تنهديتها الحارقة انصدم، وما تجرأ يرفع عيونه عليها، صدمته بسؤالها بنبرة هادئة: - إيش ناوي تسوي الحين؟ رد بدون ما يطالع فيها: - مو ناوي على شيء، لكن.. ما راح يصير إلا اللي ربي كاتبه. ساد صمت قصير ثقيل على الإثنين، قطعته مشاعل بسؤال ثانِ: - كم لك متزوجها؟ - 5 شهور. غمضت مشاعل عيونها من الوجع اللي حست فيه بقلبها، ورجعت سألته من جديد: - طيب.. بتكمل معاها؟ رد هالمرة بلهجة قوية: - طبعا، ما تزوجتها عشان أطلقها ولا أتركها على طول. كمل بعد صمت قصير: - احنا مكتوبين لبعض. اتسعت عيون مشاعل بصدمة، وظلت تناظر فيه بكل وجع.. وكل ما حاولت تفتح فمها تقول شيء حست إنه الغصة تخنقها، وما تدري كيف قدرت تنطق هالسؤال أخيرا: - إيش اللي حبيته فيها لهالدرجة؟ جاوب وائل بكل ثقة، بالرغم من انه كان يرتجف من انفعال غريب كابته بداخله بأعجوبة: - حبيت كل شيء، وأعجبني قد إيش كان هالشعور مريح. كمل بعد ما ابتلع الغصة اللي كانت واقفة بحلقه: - كل ما صرت قدامك، أبان أقل قدر منك.. لدرجة إني كنت أضطر أتنفس بطريقة محترمة وهادئة، ودايم وأنا معك حسيت بالوحدة والضيق. كانت مشاعل تشد على لبسها بقوة ودموعها تنزل على خدها الناعم، سألت بهدوء: - صدق هذا اللي حسيت فيه؟ - إيه. وكمل بصعوبة: - لكن الموضوع يختلف معها، أقدر أسوي قدامها أي شيء، أتنفس وأتحرك بكل راحة.. العمل بكل جهدي والدراسة اللي تحاولين تجبريني عليها حتى بعمري هذا ما هي مناسبتني أبد، لكن هي عمرها ما طلبت مني أدرس ولا أقدم أكثر من اللي أقدر عليه، وهالشيء ريحني، ريحني كثير يا مشاعل. كمل بعد ما ألقى عليها نظرة، وكأن الكلمات فعلا تخنقه قبل لا تخرج: - انتِ.. انتِ كنتِ بالنسبة لي مو بس زوجة، كنتِ معلمة، وأنا ماني بحاجة لزوجة معلمة يا مشاعل.. كنت بحاجة لزوجة حنونة تقول لي إني كويس وإنه اللي أسويه كافي عشان عيالي على الأقل. رفع عيونه عليها أخيرا، تأملها وعيونها تذرف الدموع زي المطر، وبصمت مستفز. سألها بقهر: - قولي لي يا مشاعل، بسألك وجاوبيني بصراحة.. كرجل، حبيتيني ولو مرة واحدة بحياتك؟ رمشت مشاعل مرات متتالية وردت بثبات بالرغم من انها منهارة: - كزوج، احترمتك وقدرتك كثير يا وائل. وائل بحدة: - ما كنت بحاجة لهالأشياء، ما كنت محتاج احترامك وتقديرك لي.. لكن من الناحية العاطفية، هل حبيتيني ولو يوم واحد؟ كانت دموعه هو الثاني تنزل على خده وعيونه محمرة، وهو يتأمل مشاعل الصامتة والثابتة بمكانها، وملامحها الجامدة وعيونها على الفراغ. ابتسم بسخرية وقال بعد ما طال صمتها: - شفتِ؟ البنت الوحيدة لعبدالله الـ... ولدت عشان تتهنى بالذكاء والجمال والغنى، لما تزوجتك حسيت إني ملكت العالم حتى لو ما كنت أتمناك من قبل، وتغاضيت عن ماضيك تماما، كنت لهالدرجة مبسوط.. لكن بعد ما عشت هالحياة معك، عرفت إنه هالعالم خانقني. سكت شوي وكمل وهو منهار من هالمشاعر اللي تعصف بداخله، ويبكي كأنه طفل: - والحين بعيش الباقي لي من حياتي زي ما أبي وأحب. سكت أخيرا وبعد أنظاره عنها، عمّ الصمت مرة ثانية للحظات.. قبل لا تقول مشاعل بنبرتها الهادئة: - أنا آسفة. طالع فيها وائل بصدمة، وكملت هي بعد ما ابتسمت: - أكيد إنه الموضوع كان صعب عليك، فشلت إني أكون الزوجة الحنونة زي باقي الزوجات، صعبت الأمور عليك.. أنا من جد آسفة. كان الرد صادم لوائل اللي ظل يطالع فيها وعيونه متسعة، ثم غمضها وهو يلف وجهه عنها. بلعت مشاعل ريقها كم مرة ثم تنهدت وقالت: - أبي أطلب منك معروف، عيالنا لا يدرون ولا يتأذون بسبب هالشيء.. أنا ما ني طيبة ولا متسامحة لدرجة إني بكمل معك حتى لو كنت أنا بنفسي آذيتك وغلطت، أو أعدي الموضوع كأنك مو مذنب بحقي، عشان كذا أبيك تصدر أوراق الطلاق وتنهي الموضوع بأقرب وقت وبكل هدوء، لكن العيال لا يتأذون يا وائل، رجاء.. انت دايم كنت أب صالح وطيب لهم، عشان كذا أرجوك من كل قلبي، خليك زي ما انت. طالع فيها وائل بذهول، ونطق بتلعثم: - طلاق؟ أي طلاق مشاعل؟ أنا صحيح تزوجت بس هذا ما يعني إني بطلقك. مسحت مشاعل دموعها وهي تبتسم بسخرية: - صدق؟ توقعت إني برضى بهالشيء؟ وانت تزوجت بدور؟ كأنه ما في أي بنت بهالدنيا غيرها؟ اعذرني بعد كل اللي عشته بحياتي ومن بدري، المفروض ما تتوقع إني راح أقبل هالشيء، وانت توك بنفسك قايل لي إنك ما ترتاح معي. وقفت مشاعل واتجهت ناحية الباب، ووقفها وائل باللي قاله: - ما تبيني أأذي العيال، لكن انتِ تبين تأذينهم بطلاقك مني؟ غمضت عيونها من الألم القوي اللي داهمها وبلعت ريقها بصعوبة: - عيالي ما راح يخيبون ظني، وراح يختارون الأفضل لي، متأكدة من هالشيء. التفتت له وهي متكتفة، كإثبات أخير لقوة شخصيتها واللي أكيد إنها مستحيل تنهار تماما قدامه مهما كانت حجم الطعنة اللي تعرضت لها منه ومن أي شخص بالدنيا: - ما راح أخذك منهم ولا راح أخرب اللي بينكم كأب وعياله، واعتبر استسلامي من البداية مكافأة لك على تحملك لي طول هالسنين يا وائل. طالع فيها وائل قبل لا يسأل بتردد: - ليش ما تسأليني عن بدور، وين قابلتها وكيف تعرفت عليها. عضت شفتها بضيق ثم قالت وهي تلتفت وتخرج من الغرفة: - ما يهمني هالشيء. خرجت وقفلت الباب وراها، تاركته بمكانه مثل الشخص الضايع والمحتار.. مو عارف إيش يسوي. هل يلحقها ويترجاها تكمل معاه؟ ولا يظل ثابت بمكانه يوريها إنه فعلا قادر يعيش بدونها، وإنه من جد راح يسوي كل شيء عشان بدور وعشان حبه الصادق لها؟ بالنهاية قرر يخسرها ويكسب بدور، لأنه كان صادق بكل حرف قاله لمشاعل. وما دام المبادرة جات منها، غير إنها راح تترك العيال.. معناته ما في شيء مهم راح يخسره. لكن اللي عرفه بعد الطلاق إنه خسر أشياء كثيرة مو شيء واحد، وإنه مشاعل ما كانت زوجة معلمة مثل ما قال.. مشاعل كانت جوهرة. لكن عيبها إنها ما حبته كرجل، ولا قدرته أو عاملته بالطريقة اللي يستحقها. نظرتها الدونية له وإن كانت غير واضحة، كان يحس فيها.. يمكن لأنها فعلا من مستوى اجتماعي أعلى من مستواه بكثير. ولأنها جدا ناجحة، جدا ذكية. شعور إنه أقل منها وهو الرجل، كان مهين فعلا. حاليا.. التفت للباب لما دخلت منه بدور وهي منزلة رأسها، اتجهت لدورة المياه من دون ما تطالع فيه. تنهد بضيق وهو يتذكر كيف عصب عليها وكيف رفع صوته. قام من مكانه ووقف ينتظرها تخرج. خرجت بعد 10 دقايق وهي مبدلة لبسها، طالعت فيه بطرف عينها ثم اتجهت للسرير من دون ما تقول شيء. مسك يدها ووقفها بمكانها، غمض عيونه وهو مو عارف إيش يقول. وقف قدامها وابتسم وهو يشوف نظرات الزعل والدلال على وجهها، مسك ذقنها ورفع رأسها ثم قبل جبينها: - أنا آسف، آسف من كل قلبي.. ما كنت أقصد والله. لفت بدور وجهها عنه وهي مكشرة. مسك ذقنها مرة ثانية وخلاها تطالع فيه: - قلت آسف يا بدور. بدور بعصبية: - شسوي لك طيب؟ ضحك من نبرتها وقبل جبينها مرة ثانية: - ما راح أكررها، قولي إيش تبين وبسويه لك لو إيش ما كان، بس ما تنامين وانتِ زعلانة مني. تكتفت بدور وطالعت فيه بمكر: - هممم أي شيء؟ هز وائل رأسه بإبتسامة. - أي شيء أي شيء؟ متأكد؟ - متأكد. - تمام أجل، خلينا نطلع من هالبيت المقرف، ما عاد أقدر أقعد فيه أكثر من كذا. ترك وائل يدها بصدمة، ثم ابتسم بتوتر: - إيش تقولين بدور؟ قربت منه بدور أكثر تقول بنبرة مليانة دلع ودلال: - عاجز عن هالشيء وائل؟ مانت قادر تشتري لي بيت يكون لي لوحدي؟ وبدون ما يكون لمشاعل أي منّة؟ ارتبك وائل وضحك: - بس انتِ شايفة وعارفة وضعي كيف، توني متوظف وما يمديني أشتري بيت بهالسرعة، عندي عيال بعد. هزت دور رأسها بإيجاب: - عارفة وأنا مو مستعجلة، بس أبيك تحط هالهدف قدام عيونك، مشاعل طليقتك.. صحيح إنها أم عيالك بس خلاص يكفي، الحين لازم تنساها وتبدأ إنت تشتغل بنفسك وتصرف على عيالك وعليّ، ما تعيش بخيرها طول العمر. رفعت كفها وحطتها على خد وائل: - أوعدني إنك بتفكر بهالموضوع بجدية يا وائل، أرجوك. وائل كان مرتبك ومتوتر كفاية من كل اللي صار، ما قدر يسوي ولا يقول شيء إلا إنه يهز رأسه بإيجاب ويبتسم لها، لأنه فعلا رضى بدور عنده بالدنيا: - أوعدك. اكتفت بدور بابتسامة هادئة وهي تتجه للسرير، وبداخلها مقهورة إنها ما لمحت أي جدية بوجه وائل ولا حست بهالشيء في صوته. لكن ما راح تتركه بحاله، مشاعل حاولت معاه حوالي عقدين بس ما قدرت تغيره، لكن هي أكيد راح تغيره خلال مدة قصيرة.. وتخلي مشاعل تندم صدق على تسرعها في طلب الطلاق وهي بهالعمر! ______ مر نصف يوم، و17 ساعة من آخر مرة شاف فيها مشاعل. الضيقة اللي حاس فيها مو طبيعي. يحس إنه مكتوم حرفيا، ويبي يرتاح لكن مو عارف بأي طريقة. من الصباح وهو مشغول بعيالها، وداهم المدرسة ثم رجعهم وتغدى معاهم.. وما تركهم إلا بعد ما ناموا. كان جالس بالصالة في الدور العلوي، وقدام باب مشاعل. يطالع فيه كل شوي، يبي يروح.. بنفس الوقت يحس برجوله مقيدة ولا يقدر يروح لها ويواجهها بعد اللي قاله، وبعد ما شاف دموعها اللي أدمعت قلبه وأجعته حييل. التفت للدرج لما شاف زينب طالعة وهي تمشي بصعوبة بسبب آلام مفاصلها. قام وأسرع ناحيتها، مسك يدها وساعدها: - الله يهديك يمه إيش طلعك هنا؟ زينب بقلق: - أبي أشوف مشاعل وأعرف إيش فيها، هذي البنت راح تخليني أموت من قلقي عليها. ابتسم زيد: - لو مو انتِ وجشعك ما كانت صارت كذا ولا خلتك تقلقين عليها دايم. طالعت فيه زينب بحدة، ثم هزت رأسها باستسلام: - إيه وبعترف، أنا السبب ولازم أتحمل هالكلام منك على آخر عمري. حرك حاجبه: - كويس قررتِ تتحملين. طالعت فيه زينب باستغراب: - زيد وش فيك هالأيام؟ مانت على طبيعتك. أشر زيد على نفسه باستنكار: - أنا؟ مو على طبيعتي؟ أبد بالعكس إنتوا اللي فيكم شيء. تنهدت زينب بأسى ثم اتجهت ناحية غرفة مشاعل. جلس زيد على طرف الكنبة وعيونه على زينب اللي تدق الباب بخفة وتنادي باسم مشاعل. فتحت لها مشاعل الباب وشهقت وهي تمسك يد أمها بعتاب: - يمه وش مطلعك هنا؟ - إنتِ ما نزلتِ من أمس حتى وعيالك موجودين، طلعت أشوف وش فيك. تنهدت مشاعل بضيق ثم باست جبين أمها: - آسفة إذا خليتك تقلقين، كنت تعبانة شوي وما لي خلق أقوم من فراشي.. انزلي ارتاحي إنتِ بصلي المغرب وأنزل إن شاء الله، الله يهديك الحين رجولك بتعورك طول الليل. ربتت زينب على كتفها وهي تشوف الحزن بعيونها ثم هزت رأسها بإيجاب: - تعال زيد ساعدني. تفاجأت مشاعل لما شافت زيد اللي كان يراقبهم، وبس طاحت عينها بعينه نزل وجهه ثم قام يساعد زينب. وصلها لغرفتها وصعد مرة ثانية، وقف قدام الباب بتردد.. تفاجأ وارتبك لما فتحته مشاعل قبل لا يدق: - ادخل، كنت عارفة إنك راح ترجع. جلست مشاعل قدامه بعد ما دخل هو وجلس على الكرسي، حطت قدامه ملف: - هذا أهم ملف يا زيد، المفروض إنك أخذته أمس بدال اللي عندك الحين. ارتبك زيد وحط يده خلف رقبته بتوتر: - أنا آسف إني دخلت وأخذته بدون إذنك. مشاعل ببرود: وقف محتار مرة ثانية من الأبواب الكثيرة قدامه، ضحك يهمس لنفسه: - معناته أكيد في غرفة جاهزة لك يا محسن. لفت انتباهه واحد من الأبواب المفتوحة، وكان أكبرهم كلهم.. مفتوح شوي. والغرفة مضيئة بأنوار حمراء. لمح ظل بنت على الأرض، ابتسم بحنين وفرح.. أكيد إنها بتول. في بنت غيرها أصلا في هالبيت؟ اتجه للغرفة بنفس خطواته الحذرة، وفتح الباب بشويش حتى لا يفجع المسكينة اللي أكيد متوقعة إنه ما في كائن حيّ بهالوقت. فعلا ما انتبهت له أبدا، وهي واقفة قدام المكتب الطويل والكبير جدا.. ومركزة باللي بيدها أشد تركيز. عقد حاجبه باستغراب من هيئتها الغير مألوفة. بتول لما شافها آخر مرة ومن فترة قصيرة، كان شعرها ناعم ولونه أشقر.. وقصير نوعا ما. لكن هالبنت شعرها أطول، ولونه غامق وكيرلي. غير إنه بتول قصيرة، وهذي طويلة وأنحف من بتول! كانت لابسة فستان ريفي لونه أحمر، واصل لنص ساقها. ظل واقف يتأملها وهي مصنمة بمكانها ومركزة بالقراءة، لين قرر يروح لها ويفاجئها. ما جا في باله إنها ممكن تكون بنت ثانية غير بتول، خاصة بهالوقت من الليل وأهل البيت نايمين. يعني ممكن تكون الصور خداعة! ما كان الفاصل بينهم إلا كم خطوة، لما صرخت ونطت بمكانها فجأة وهي تتذمر: - الحيوان بدال لا يحميها ويحسسها بالأمان بلغ عنها، حتى لو كانت غلطانة كان لازم يتأكد الحمار. ضحك بخفة وهو حاط يده على صدره من الفجعة، وصنمت هي بمكانها من الصوت الغريب اللي سمعته فجأة. التفتت ببطء وآلاف الأفكار تدور برأسها، الصوت بعيد تماما وغريب عن صوت آسر الرجال الوحيد الموجود بالبيت. طاح الكتاب من يدها وهي تشوف شخص غريب وصارت ترتجف، واتسعت عيونه بصدمة لما شافها. إلا إنه تصرف بسرعة وقرب منها، غطى فمها بكفه بقوة حتى لا تصرخ وتصحيهم كلهم. هذي اللحظات القليلة والقصيرة كانت دهر بالنسبة لهم. لما مرت في بالها الذكرى القريبة، لما اقتحم الغريب بيتهم وآذاها.. وحسسها بالرعب وهو متجه لغرفة أختها العاجزة، وكانت هي بنفسها عاجزة مو قادرة تسوي شيء عشان تحمي أختها.. لكن بالنهاية تذكرت، واستوعبت إنه اللي قدامها شخص شافت صورته قريب، بس ما قدرت تعرف مين هو! أما هو.. فانصدم لما عرف إنها مو بتول، لكن.. هالعيون الفاتنة برموشها الثقيلة، يعرفها كويس، يتذكرها ولا كأنه مفارقها من أكثر من 15 سنة! بهاللحظة قرر يتعرف، وقرر يقر بالشعور اللي رفضه أكثر من مليون مرة.. قرر يندم ويعذب نفسه بهالشعور الفظيع. لانت ملامحه لما حس بدموعها تبلل كفه، بلع ريقه وهو يشيل يده عن فمها ويتأملها ويدينها ترتجف بشكل غريب. عض باطن شفته من هالشعور القوي، بالذنب وبالشوق في وقت واحد. ما حس بنفسه إلا وهو يمسكها من كتوفها ويشدها له، ثم يضمها بقوة. اتسعت عيون غزل بصدمة، وفتحت فمها بذهول من هالشيء الغير متوقع. صار قلبها يدق بسرعة من الخوف الشديد ومن الإرتباك، حست بضلوعها تألمها أو على وشك إنها تنكسر من قوة ضمه لها. أبعدته عنها أخيرا بقوة ودفته وهي تطالع فيه بذهول: - مين إنت؟ محسن بإرتباك وتوتر: - أنا؟ ما عرفتيني؟ ولا نسيتيني بهالسهولة؟ تأملته غزل للحظات تحاول تتعرف عليه، متأكدة إنها شافت هالملامح قبل، وسمعت هالصوت بس وين بالضبط! اتسعت عيونها لما تذكرت، ورفعت عيونها تتأكد. كان عمرها 9 سنين فقط لما سافر وعمره 20 سنة. لذلك شكله حاليا صحيح انه ما تغير تماما، بس اختلف كثير! من شاب صغير بجسد نحيل وطول متوسط، لرجل كبير بجسد ضخم وشعر مليان شيب! قبل لا ترد قرب منها أكثر حتى التصق ظهرها بالمكتب، وحط يده على خدها يقول بشوق: - الدنيا توقفت عندك؟ ليش ما كبرتِ ولا تغيرتِ ولا شوي؟ فرق العمر بيننا بسيط بس إنتِ ظليتِ نفس ما كنتِ لما تركتك وإنتِ مراهقة، لكن أنا كبرت وصرت كأني شايب على آخر عمره صحيح؟ ابتسم وهو يكمل تحت أنظاره المصدومة، وحاسة بلسانها معقود من شدة الدهشة: - أعتقد إنك مصدومة من مظهري مو من رجعتي المفاجأة؟ صح؟ توسعت عيون غزل أكثر لما قبّل جبينها وقال بنبرة مليانة مشاعر: - اشتقت لك. تحرك لسانها أخيرا وتحركت يدها اللي دفعته بقوة حتى رجع كم خطوة لورى: - اشتقت لمين يالمنحرف يا اللي ما تخاف ربك، انقلع من قدامي قبل لا أصرخ وأصحي أهل البيت وأقول لهم إنك كنت تتحرش فيني، عجايز آخر زمن. طالعت فيه باحتقار من فوق لتحت وصدرها يعلو ويهبط من الإحراج ومن الصدمة ومن كل شعور مرّت فيه بهاللحظات الخاطفة. ارتبكت أكثر لما شافته يتأملها وهو مصدوم، واتجهت للباب تهرب منه. رجعت مرة ثانية بعد ما قربت من الباب، أخذت الرواية اللي كانت بيدها ثم ركضت خارجة من الغرفة ومتجهة لغرفتها تحت أنظاره المستغربة والمذهولة. تبعها بخطوات متسارعة: - لحظة رزان أنا محسن، نسيتيني صدق ولا تمثلين لأنك زعلانة مني؟ وقف عند الباب يدقه بخفة وهو ينادي بإسمها، لين يأس وناظر الباب وهو يتنهد بضيق. رجع للمكتبة والتعب تمكن منه تماما، دخل وقفل الباب بالمفتاح.. ورمى نفسه على الكنبة الطويلة. غمض عيونه بتعب وغرق في النوم، والموقف اللي حصل من شوي ما رضى يغيب عن باله حتى وهو نايم. أما غزل.. دخلت غرفتها وقفلت الباب بالمفتاح كم مرة وهي تلهث وتحاول تلتقط أنفاسها مع إنه المسافة بين المكتبة وغرفتها مو طويلة. لكن اللي صار من شوي غريب ومرعب بنفس الوقت. غمضت عيونها وهي متكية بظهرها على الباب وحاسة بقلبها بيطلع من ورى ضلوعها. حتى اختفى صوته وابتعد.. جلست على الأرض والكتاب بحضنها. حسّت بضغط دمها يرتفع من القهر والعصبية، شلون يسوي فيها كذا! كيف يظنها رزان؟ كيف ينسى رزان أصلا؟ ____ صباح اليوم الثاني.. الإختبارات النهائية على الأبواب، وهي مشغولة حيل. كونها طالبة مجتهدة، وتهتم كثير.. لدرجة إنها ما تنام كويس. خرجت من غرفتها وهي منهكة بسبب قلة النوم، شعرها مرفوع بطريقة مبعثرة ولبسها غير مرتب. نزلت لتحت واتجهت للمطبخ، جلست على الكرسي بكسل وهي بالقوة تفتح عيونها من النعاس: - صفية أمانة حطي لي أي شيء آكله وأنام قبل يغمى عليّ من التعب. حطت رأسها على الطاولة وغمضت عيونها وهي حاسة إنها وصلت حدها من الإنهاك. صحصحت لما سمعت صوته فجأة وهو يقول بهدوء: - خلي الأكل والنوم قبل المذاكرة، لأن لو متّي ما راح تستفيدين من شهادتك. ناظرته شوي ثم نزلت رأسها وخدودها تحمر من الإحراج، واكتفت بالسكوت. سألها وهو يوقف جنبها: - تفطرين معي برة؟ هزت رأسها بالنفي ووقفت بدون ما تطالع فيه: - طلعي الأكل فوق. وقّفها بمكانها ونزل رأسها لمستواها يقول بصوت خافت: - ما بعد تطلقنا، ولا وافقت على هالشيء بتول، لا تعامليني من الحين على إني مو زوجك. رفعت عيونها له بحدة: - ولا أنا راح أوافق إني أتزوجك، حتى لو اضطريت أظل معلقة طول عمري ما راح أكمل معاك، اترك يدي. آسر بقلة صبر: - علميني بالسبب الأساسي اللي خلاك تطلبين الطلاق، أقنعيني. سحبت بتول ذراعها من يده بقوة: - يعني على أساس إنك ميت عليّ يوم تبيني أعطيك سبب مقنع؟ ما عندي.. ووريني إيش عندك أو إيش تقدر تسوي بالضبط عشان تحاول تخليني أتراجع عن قراري. بعدت عنه وخرجت من المطبخ بعد ما أخذت كوب القهوة اللي جهزتها صفية، وصعدت لغرفتها وهي حاسة بدمها يغلي من القهر والعصبية، خاصة لما تذكرت اللي صار بينهم قبل أسبوع. ومثل ما قالت غزل، انها جبانة وضعيفة وما عندها شخصية. لو كانت عكس هالشيء يمكن قدرت توقف آسر عند حده صدق. إنسان مستفز لأبعد حد، كيف تحملته من البداية وكيف سكتت عنه وهو يختبر صبرها بكل مرة؟ وقفت قدام باب غرفتها وعيونها متسعة بصدمة من الصوت اللي سمعته وهو ينادي بإسمها: - بتول. غمضت عيونها للحظات ثم رجعت فتحتها وهزت رأسها تحاول توخر هالصوت عن رأسها وهي تكلم نفسها: - أكيد انجنيت بسبب قلة نومي. - ما انجنيتِ، أنا صدق هنا. تسارعت دقات قلبها وحست بالصداع يزيد وهي تلتفت له بحواجب معقودة، ألجمت الصدمة لسانها وخلت جسمها يفقد القدرة على الحركة للحظات، حتى انها طيحت كوب القهوة وهي مو حاسة بأي شيء.. إلا الصدمة اللي احتلتها بقوة وخلتها تناظر فيه من دون ما ترمش. ابتسم محسن ورفع حواجبه يناظر الأرض اللي توسخت بالقهوة: - كويس ما جات على جسمك. ظلت بتول تطالع فيه مصدومة، ضمت يدينها ببعض تلقائيا ثم رمشت بشكل متتالي تحاول تستوعب، لين وقف قدامها وهو مبتسم. مدت يدها تلمس وجهه ودموعها بدأت تنزل وتبلل خدودها: - محسن؟ إنت هنا؟ إنت صدق هنا؟ متى جيت وليش ما علمتني من قبل؟ قول لي من متى إنت هنا؟ هااه؟ كانت تشهق وتمرر يدها على وجهه وهي فعلا مو مستوعبة، تنهد محسن بضيق وهو يمسح دموعها بلطف: - اهدأي يا قلبي اهدأي شوي شوي، إيه أنا موجود هنا ما راح أطير. تعالت شهقاتها أكثر وهي تناظره بغير تصديق، ضمته بقوة وهي تبكي بصوت عالٍ. نزلت دموع محسن اللي ضمها وصار يمسح على شعرها بحنية. مو مصدق ولا مستوعب إنه اللي بحضنه حاليا هي أخته اللي تركها وعمرها ما تعدى الست سنوات. صحيح كان يشوفها من خلال اتصالاتها، ويسمع صوتها دايم. لكن الحين وهي قدامه، يحس الموقف غريب.. كبرت حيل وصارت شابة جميلة. قبل رأسها بحب ثم قال وهو يطالع يوجهها: - أثاري الكاميرا كانت ظالمتك صدق، متى كبرتِ لهالدرجة وصرتِ شابة حلوة. ضربته على كتفه: - يعني إيش كنت متوقع؟ تغيب 15 سنة وترجع وأنا لسه بزر يا الظالم؟ ضحك من اندفاعها، وابتسم بألم لما كملت وهي تتأمل وجهه ثم شهقت: - شوف انت كيف كبرت بعد، صرت شايب محسن شوف الشيب برأسك. ضحك وهو يقبص خدها: - ما توقعت بسمع هالكلمة مرتين بعد رجعتي على طول, جاملي شوي. ما مداه يكمل عبارته إلا ويسمع صرخة قوية جاية من على يمينه، ثم بنت تخرج من واحدة من الغرف وتركض لغرفة ثانية: - عمتي. توسعت عيونه وهو يشوف أمه منهارة وطايحة على الأرض، واللي خرجت من الغرفة تجلس على الأرض بسرعة وتأخذ رأسها في حجرها. تركته بتول وركضت ناحيتهم، وهو واقف مذهول. على الأرجح إنها شافته وانصدمت! اتجه ناحيتهم بخطوات بطيئة وهو يبلع ريقه بصعوبة. لين قرب منهم وعينه على وجه أمه، اللي جلست بصعوبة بمساعدة البنات. تعلقت عيونه فيها، وعيونها المليانة دموع بعيونه. انسحبت غزل بسرعة بعد ما خلت عمتها تستند على بتول، دخلت غرفتها وقفلت الباب بالمفتاح وهي حاسة بقلبها يتوقف من دقاته السريعة. توترت بتول وهي تشوف النظرات الغريبة بين أمها وأخوها. رفعت هاجر يدها ناحية محسن وكأنها هي الثانية مو مستوعبة، وتحاول تصدق إنه اللي تشوفه قدامها ولدها، ومو خيال من أوهامها الكثيرة لما تتمناه يكون قدامها. انحنى محسن وهو حاس بالغصة تخنقه، ثم جلس على الأرض جنب أمه ومسك يدها. وقتها شهقت هاجر شهقة عالية وفقدت الوعي بحضن بتول. صرخت بتول تنادي أمها ودموعها تنزل من جديد من خوفها عليها. تمالك محسن نفسه بقوة ووقف، حملها ودخلها بغرفتها. حطها بالسرير والتفت لبتول: - لا تخافين ما فيها شيء، راح تقوم بعد شوي أكيد. غطاها بالبطانية كويس ثم جلس بطرف السرير يتأمل وجهها بكل شوق وحنين. حس بألم شديد في قلبه وهو يشوف التجاعيد اللي خطت بهالوجه. مسك يدها بقوة ورفعها يقبلها ودموعه تنزل من جديد. وبتول واقفة وراه تطالع في هالمنظر وقلبها يتقطع من كثر البكاء. التفت لها محسن ووجهه محمر: - اتركينا لوحدنا بتول. هزت بتول رأسها بإيجاب وراحت وهي تمسح دموعها، قفلت الباب وراحت. رفعت رأسها لغزل اللي سألتها بقلق: - إيش فيها؟ هزت كتوفها: - ما أدري محسن عندها بيشوفها أكيد. وسألتها باستغراب وهي تشوفها لابسة عبايتها: - وين رايحة؟ غزل بضيق: - مو متطمنة على رزان وهي هناك، اكتشفت إني أفضل الموت من التعب عشانها ولا أظل قلقانة وهي بعيدة عني، يلا بروح آسر ينتظرني. راحت غزل بعد ما ألقت نظرة ناحية باب عمتها. دخلت بتول لغرفتها وهي واصلة حدها من التعب. ____ بسيارة آسر.. كان جالس بسيارته وهو مريح رأسه على المقعد. يحاول يرتب الأمور الفوضوية بعقله على الأقل. صدمته بزيد أكبر من صدمته ببتول اللي استغرب من اصرارها هالمرة. وهي المرة الأولى اللي طلبت فيها الطلاق. وزيد اللي هجمه قبل كم يوم، لما عرف إنه قفل قضية اقتحام بيتهم وقرر إنه ما يستمر فيها. حتى سبب له كسر في يده اليسرى. واللي لا زالت مجبرة حتى الآن. ما كان متوقع إنه راح يعصب ويزعل لهالدرجة عشان هالموضوع. بس ما راح يلومه أكيد، بما إنه متعلق فيه وراح يوضح له شيء اندثر من زمان. وهو أساسا عايش طول عمره بمصير تحدد له بغير رضاه. أكيد إنه راح يفقد أعصابه لو درى إنه فقد آخر خيط كان ممكن يوصله لشيء مجهول صار بماضيه. قبل أسبوع واجهته بتول، في المطبخ.. أكثر مكان يتقابلون فيه بالصدفة. كانت عيونها منتفخة مرة، وشكلها غريب. كانت جالسة تفطر على الطاولة، وبس شافته قامت تبي تترك المطبخ. إلا إنه مسك يدها ومنعها. حاولت تسحب يدها بقوة وهو يسحبها وراه لين وصلوا للملحق. قفل الباب والتفت لها، باغتته بضربة قوية على صدره: - إنت إيش قاعد تسوي اتركني. تأوه آسر وهو يحط يده على صدره ويطالع فيها مصدوم: - إيش فيك بتول؟ ناظرت فيه فاغرة فمها قبل لا تقول وهي تأشر على نفسها وتدّعي الإستغراب: - إيش فيني؟ لا صدق إيش فيني قول لي إنت لأني محتارة ومو قادرة أعرف وش فيني. آسر اللي كان يناظرها بحدة، قرب منها ومسك يدينها وهو مستغرب إنها ما خافت منه هالمرة ومن ملامحه الحادة، ولا أبدت أي ردة فعل: - ليش قلتِ هالكلام الفاضي أمس قدام عمتي؟ بتول بجدية ووجهها محمر من الإنفعال: - كلام فاضي؟ يوم قررت إني أدافع عن حياتي صار اللي قلته كلام فاضي؟ كملت وهي تطالع فيه بقوة: - أنا جادة هالمرة آسر، وقصدت كل كلمة قلتها، تطلقني بأسرع وقت. اتسعت عيونه بذهول، قبل لا يضحك وهو مو مصدق اللي يسمعه منها: - لا يكون متوقعة إني بسمع كلامك السخيف هذا وأطلقك بسهولة؟ بتول بابتسامة جانبية: - ما يهمني هالشيء، سواء بتسمعني ولا لا، طلقتني ولا لا ما يهمني.. بس زواجي منك ما يتم، لو على قص رقبتي يا آسر. تنهد وهو يجلسها على واحد من الكراسي: - طيب فهميني ليش، إيش صار معك فجأة؟ لفت بتول وجهها عنه وهي حاسة انها مختنقة، وعيونها ووجهها يعورونها حرفيا من كثر البكى طول الليل، ابتلعت ريقها أكثر من مرة.. حاسة إنه التبرير صعب كثير، أصعب من اتخاذ القرار نفسه. التفتت له وبدأت دموعها تنزل: - ما عندي أي تبرير ممكن إنه يقنعك حاليا، بس.. أرجوك آسر أنا تعبانة، وما أقدر أكمل معاك، أرجوك. ابتسم آسر: - كيف تبين أطلقك وأنا ما أعرف السبب؟ لا وتقولين ما تقدرين تقنعيني؟ تنهدت بتول وهي مغمضة عيونها، قالت بعد ما عضت شفتها بخفة: - إنت ليش تبي تصعب عليّ الموضوع كذا؟ ليش ما تسوي لي هالشيء من دون ما تسأل أكثر؟ انت ودرينا إنك ما تبيني وغاصب نفسك عليّ لسبب مجهول، والسبب اللي خلاني أوافق عليك اكتشفت إني غلطانة بخصوصه، ليش هالعلاقة اللي ما لها معنى تستمر؟ هااه؟ وش اللي يخليها تستمر يا آسر علمني. ناظرها آسر باستغراب: - وش تقصدين يا بتول؟ أي سبب هذا وليش طلعتِ غلطانة؟ التفتت له وعيونها تنطق بالعتاب الكبير، وبالذنب الشديد اللي حاسة فيه، الذنب اللي حاسة انه بيقطعها، الندم اللي يقطع قلبها: - ليش كذبت عليّ آسر؟ ليش قلت لي إنك إنت اللي خرجتني؟ ليش ما علمتني بالحقيقة؟ آسر بذهول: - أي حقيقة يا بتول؟ وقفت فجأة واندفعت ناحيته بكل غضب ودموعها تنزل زي الشلال على وجهها: - ليش ما قلت لي إنه زيد هو اللي خرجني؟ ليش؟ مسك آسر قبضة يدها اللي تضربه فيها بقوة، وابتسم لما فهم قصدها. شد على يدها لين هدأت شوي ورفعت عيونها له، سأل بغلّ: - يعني الحين تبيني أطلقك عشان هالسبب؟ لأني مو أنا اللي أنقذتك يا بنت العز؟ ما أستاهلك لأني ما أنقذتك من الموت؟ لأني ما كنت البطل اللي خرجك من النيران؟ ناظرته بغضب وسخرية: - كيف تقدر تفكر فيني بهالطريقة؟ على كيفك تظن اللي تبيه فيني وتنطقه من دون أي تفكير؟ آسر اللي عصّب فعلا: - أجل شلون تبين أفكر بعد ما جبتِ هالطاري؟ غمضت بتول عيونها بقلة صبر وهي لا زالت شادة قبضتها على قميصه، تشهق ودموعها مغرقة وجهها بالكامل: - غلطان يا آسر، أنا بس أسألك ليه ما علمتني وليه كذبت عليّ؟ ليه كذبت على الكل وقلت إنك إنت خرجتني؟ بس أبدا مو هو السبب اللي خلاني أطلب الطلاق، لأني ما دريت إلا بعد ما صعدت فوق وقابلت غزل، أما فكرة الطلاق في بالي من زمان، يعني ما طلعت مني إلا نتيجة تراكم الضيق بصدري، أنا تعبت منك. سكتت شوي تلتقط أنفاسها تحت أنظار آسر اللي ينتظرها تكمل فعلا: - هذي وهي بس 6 شهور، وما بعد سكننا تحت سقف واحد، صرت أحس بالنفور بس تطيح عيني عليك، كيف أجل بصبر بعدين؟ كيف أقدر أكمل حياتي معك وأنا كارهتك وانت تبادلني نفس الشعور علمني؟ ارتفع صوتها وهي تضربه بكفها بانفعال: - إذا مشاعرنا السيئة تجاه بعض مو سبب مقنع أجل إيش هو السبب المقنع بنظرك؟ إيش اللي راح يخليك تطلقني من دون تعقيد؟ مسك آسر ذراعها بقوة وهو يقرب وجهه المحمر منها، ويقول بصوت أقرب للهمس: - حتى لو طلقتك وتركتك تحلمين تأخذين زيد، تدرين ليش؟ لأنه ما هو مثلنا، لا أنا ولا إنتِ، زيد أضعف من إنه يتجرأ يرتبط بطليقة أخوه وصاحبه المقرب، وأحسن من إنه يفكر يرجع يحب البنت اللي خانته. توقفت دموعها عن النزول وهي ترد عليه بكل سخرية، وعلى فمها ابتسامة مائلة، تعبر عن ألمها وعن سخريتها من نفسها: - تعلمني عن زيد؟ تحسب إنك كنت قريب منه كفاية عشان تعرفه أكثر مني؟ أنا عارفة هالشيء، عارفة إنه حتى لو الدنيا خَلَتْ من أي بنت غيري ما راح يرجع يطالع فيني، لو ما في أي بشر بالدنيا وكان محتاج مساعدة أحد وما لقى غيري مستحيل يسمح لي أمد له يدي، تدري ليش؟ لأن الدم القذر اللي يمشي بعروقنا كلنا ما يمشي بعروقه، لأن هالدم الفاسد اللي فيني وفيك وفي مشاعل وحتى محسن مو عنده. سحبت يدها اللي آلمتها من قبضته القوية وصارت تفركها بجبين مقطب وهي تقول بصوت ثابت: - أبيك الحين تعرف إني ما طلبت الطلاق ولا طلبت إنك تفك قيدي عشان أي أحد، بس عشاني أنا.. ويمكن بحياتي كلها ما كنت مصرة على أي قرار يخصني أكثر من هالقرار.. أحسن لك تستعد يا آسر، موعد رجعة أبوي قريب حيل.. إياك تنسى. بعدته عن طريقها وخرجت تاركته خلفها مصدوم ومذهول من هالنبرة اللي يسمعها منها للمرة الأولى، ومن هالمشية الواثقة. ولا كأنها اللي دخلت معه الملحق مجبورة، ثم وقفت قدامه منهارة وضعيفة.. عشان بالنهاية تخرج وهالهالة الغريبة تحيط فيها! من ذاك اليوم ما شافها أبد ولا سمع صوتها، بس كان يلمحها وهي داخلة البيت أو خارجة منه. ما شافها إلا قبل شوي، والغريب إنها لا زالت مصرة زي ما قالت. الآن.. التفت ناحية غزل لما ركبت السيارة وسلمت. رد عليها وحرك السيارة بهدوء. تكلمت غزل: - لا تروح المستشفى، خلينا نمر على البيت قبل. ناظرها وهو رافع حاجبه باستغراب: - أي بيت؟ - بيتنا، نقدر نرجع له الحين ونرجّع رزان. آسر بتردد وحذر عشان لا تندفع غزل من جديد ولا تنفعل: - بس يا غزل..... قاطعته: - عارفة وش بتقول، لسه ما عندهم رجال وما أقدر أتركهم.. تطمن، صار عندهم رجال ورجال شايب بعد. آسر بجبين مقطب: - عمي رجع؟ هزت غزل رأسها بالنفي: - لا... محسن. وقف آسر السيارة بقوة وهو مصدوم. صرخت غزل والتفتت له معصبة: - إيش فيك؟ - وش تقولين إنتِ؟ محسن رجع؟ متى؟ ليه ما شفته وليه ما سمعت شيء؟ ارتبكت غزل وهي تتذكر اللي صار ليلة أمس: - ما أدري، شفته قبل لا أخرج.. شكله ما علّم أحد، بتول انهارت وعمتي اغمى عليها من الصدمة. اتسعت عيونه بصدمة: - وما قلتِ لي شيء؟ تركتيهم على هالحال وطلعتِ؟ غزل باستغراب: - يعني وش أسوي؟ أقعد معاهم وهم بيناقشون أمور عائلية؟ ما لنا دخل آسر.. حرك. - شلون ما لنا دخل؟ تقولين بتول منهارة عمتي أغمى عليها؟ غزل بملل: - أوف يا آسر خلاص حاول تتعود على حياتك من دون بتول الحين؟ ناسي انك بتطلقها؟ وعمتي عندها محسن لا تشيل هم. آسر بعد ما ناظرها بصمت: - ليش مصرة على هالسالفة إنتِ الثانية؟ مين قال إني بطلقها؟ هزت غزل كتوفها بحيرة: - لأني لأول مرة بحياتي أشوف إصرار بتول زي الحجر اللي ما يتزحزح عن مكانه، غير إنه ما في أي حركة مضادة من ناحيتك، يعني كيف ممكن الواحد يشوف هالوضع؟ إنت مستسلم وهي مصرة! 90 بالمية طلاقكم راح يتم. ضربها آسر على رأسها بخفة: - لا تفاولين علينا يا غبية وخليك بحالك. غزل بفضول: - لا صدقا آسر، إذا ما تبيها ولا هي تبيك خلاص ليه ما تطلق وترتاح؟ تنهد آسر وهو يرجع يحرك السيارة: - خليك من هالسوالف غزل لا تتدخلين. ريحت غزل ظهرها على الكرسي وسألت بهدوء: - هممم أحاول أتخيل كيف راح يقابله زوج عمتي، وكيف راح يتعامل معاه بعد كل هالسنين. اكتفى آسر بالسكوت وذهنه شارد. اعتدلت غزل بجلستها فجأة: - آسر عندك ذكريات عن أبوي؟ تعرف كيف كان وكيف كانت أطباعه؟ يعني صراحة.. أنا دايم أحاول أتذكر لما أكون فاضية بس تخونني الذاكرة، وما تسعفني إلا بمواقف بسيطة.. كنت أصغر من إني أستوعب أساسا. ابتسم آسر وهو يلتفت لها: - ليه تسألين هالسؤال فجأة؟ - مدري، يمكن... حنيت. ظل آسر مبتسم للحظات قبل لا يقول: - عادي، أب عادي مثله مثل أي أب بالدنيا، غير إنه قرر يتغير علينا فجأة بسبب الفلوس، وبس. ترددت غزل لعدة ثوانِ قبل لا تنطق هالعبارة اللي متأكدة إنها راح ترفع ضغط آسر: - يعني يا آسر إنت عارف وقاعد تقر بنفسك، إنه أبوي كان غلطان.. ليش كل هالحقد على مشاعل؟ يعني.. مسكينة حتى هي ضحية. صدمها بردة فعله لما ابتسم بهدوء وهو يلتفت لها: - إنتِ من قررتِ تكسرين تحالفك معنا أنا قررت إني ما أتكلم بهالموضوع قدامك أبد، إنسي. تنهدت غزل بإحباط وهي تلتفت للشباك وتتكتف، ضحك آسر لما سمعها تقول بصوت خافت: - الله أكبر على التحالف العظيم اللي خرجت منه. اتجه آسر بسيارته لبيتهم، وذكرياته مع أهله ومواقف الماضي.. تجي على باله وحدة ورى الثانية. ترجلت غزل من السيارة وهي مبتسمة بحنين للبيت، مع انه ما مرّ كثير على خروجها منه. دخلت ورى آسر، ووقفت عند مدخل الصالة تغمض عيونها من دوار داهمها فجأة، وهي تتذكر اللي صار هنا، والمشاعر اللي عاشتها خلال لحظات قليلة. تمايلت بجسمها وهي تحاول تتوازن وما تطيح من هالدوار القوي، مسكها آسر بقوة وعيونه متسعة من الخوف: - غزل إنتِ بخير؟ ظلت مغمضة عيونها للحظات لين حست إنها تقدر توقف كويس، وهزت رأسها بإيجاب: - إيه، دخت شوي. ساعدها آسر على الجلوس بيده السليمة، ووقف يناظرها بحزن.. لما تذكر اللي قالته الطبيبة وقت اصابتها، إنها ممكن تكون بحاجة لطبيبة نفسية. صحيح وقتها تضايق حيل وزعل، وظل كم يوم شايل هالهم.. لكن ما يعتقد إنه أخذ الموضوع على محمل الجد. لكن من شاف تأثير ذكرى هالمكان عليها، تأكد إنها فعلا بحاجة للتعافي من هالصدمة، وإن كانت بسيطة بنظره.. ممكن ما تكون هينة للي واجه الموقف بنفسه، مثل غزل. يشوف بعينه أثر إهمال الجانب للنفسي للإنسان، والآثار الجانبية للصدمات القوية اللي تصيب الواحد، مثل أخته رزان بالضبط، لو ما أهملوها وصحتها النفسية من البداية، ربما كانت طيبة الحين! صحيح إنه قضاء الله وقدره وما هو معترض أبد، لكن فعلا.. الصحة النفسية لازم تكون لها الأولوية بالنسبة لكل شخص عايش على وجه البسيطة. وقفت غزل ونزلت عبايتها، والتفتت له وهي تسأل: - آسر مين نظف البيت؟ - بعد ما خلصوا من التحقيق جات عمتي مع عاملتها ينظفوه. ابتسمت غزل: - كثر الله خيرها. رفع آسر حاجبه مستغرب، وهو ملاحظ انه علاقتها بعمتهم تحسنت! التفتت له بعد ما ناظرت الدرج: - آسر تجي معي فوق؟ أبي أتطمن على لوحاتي و... خايفة أروح لوحدي. ابتسم وهو يهز رأسه. صعدوا للدور الثاني، وفتحت غزل باب غرفة الرسم الخاصة فيها. وقف آسر عند الباب وفتح فمه بذهول من فتحت غزل الأنوار، وكشفت عن لوحة أمها. مشى ناحيتها من دون ما يحس، حتى وقف قدامها ومد يده يلمس هالوجه اللي اشتاق له كثير. سألت غزل وهي تتأمل ملامحه المتأثرة: - إيش رايك؟ حلوة صح؟ كملت وهي تناظر اللوحة: - اللوحة الوحيدة اللي أخذت مني وقت طويل، ولسه ما خلصتها.. كيف شعورك وانت تطالع فيها؟ ظل آسر ساكت يتأمل اللوحة بكل صمت. وكملت غزل بعد ما تنهدت بضيق: - بالوقت اللي انشغلت فيه برزان، وانشغل قلبي بالحقد على مشاعل، وما كنت أفكر إلا بحيل تخليني أكون بأمان من جنون رزان، وبأفكار ممكن تخليني آخذ بثأري من اللي يتّموني وأنا صغيرة، وخلوا رزان تعيش هالأيام الصعبة.. كنت بعيدة تماما عن ذكريات أمي، بعيدة عن نصائحها ومواقفها الحلوة.. يمكن صعب تصدق هالشيء وتحسه مستحيل، لكن.. من طاحت عيني على صورتها وقررت أرسمها، حسيت اني خرجت من بقعة كانت حيل مظلمة بحياتي يا آسر، وقررت أصفي قلبي من الحقد على مشاعل، أو