الفصل الرابع : تصاعدات خفية
استيقظتُ على صوت خفيف… لا أستطيع وصفه بدقة، لكنه كان مثل نفس الغابة نفسه. لم أجد شيئًا، ولم أسمع خطوات أحد، لكن قلبي بدأ يضرب أسرع. شعور غريب انتشر بداخلي، ليس خوفًا بالمعنى المباشر، بل وعي بأن شيئًا لا يُرى يراقبني.
ميار جلست بجانبي، لم تقل شيئًا، لكنها كانت تعرف أنني شعرت بشيء مختلف. نظرتها كانت تقول: “أنا هنا… لا تقلقي، مهما حدث”.
خرجنا من البيت في الصباح الباكر، الطريق إلى أطراف الغابة يبدو مألوفًا، لكن كل خطوة أحسست بها وكأنها مختلفة. الأشجار تتحدث بصمتها، والنسيم يحمل شيئًا لم أتعرف عليه بعد، شيء يهمس بعيدًا عن وعيي.
اقتربنا من مكان الوحش الذي رأيناه أمس، لكن لم يكن هناك أثر له، ولا أي حركة. فقط الفراغ… لكنه ثقل في الهواء، يضغط على صدري.
ميار التقطت نظري، وقالت:
"هل تشعرين بشيء؟"
أومأت، لكن لم أجد الكلمات. شعور لا يُوصف، يزحف ببطء، يهمس في عقلي دون صوت.
جلسنا عند صخرة صغيرة لنرتاح، وميار ابتسمت لي بخفة، محاولة أن تجعل الجو أقل توترًا. لكنني لم أستطع التخلص من إحساس غريب بالارتجاف الداخلي، شيء بدا وكأنه يقرأ أفكاري قبل أن أفكر بها.
حين عدنا إلى القرية، شعرت بأن المكان لم يعد كما كان. الظلال في أركان البيوت بدت أطول، صامتة، كما لو أنها تراقب كل حركة لنا. لم أرَ شيئًا حقيقيًا، ولم ألمس أي قوة… لكن قلبي كان يعرف أن شيئًا قد تغير، وأن هذا اليوم لم ينته بعد.
جلست في غرفتي، وأمعنت النظر عبر النافذة، أراقب الغابة في المسافة البعيدة. شعرت بشيء يحدق بي… شيئًا لم يظهر بعد، لكنه موجود. وكلما حاولت تجاهله، كلما شعرت بأن الفضول يزداد، وأن الغابة نفسها تهمس لي: “كل شيء على وشك أن يتغير”.
---
مرّت الأيام، لكن شيئًا بدا وكأنه ينسج خيوطه ببطء داخل داخلي. لم أرَ أي قوة بعد، ولم أشعر بقدرات جديدة… لكنني بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا في ميار.
في البداية، كانت ميار دائمًا قريبة مني، حامية لي، صامتة لكن حاضرة دائمًا. الآن… شعرت أن شيئًا ما بدأ يغير المسافة بيننا. لم تكن تصرخ عليّ أو تعاتبني، لكنها لم تعد تبتسم كما قبل، ولم تعد تتدخل لتخفف توتري. كل شيء بدا أبطأ… أهدأ… بعيدًا.
أنا نفسي بدأت أشعر بمسافة غريبة داخليًا. لم يكن الكره، بل شيء أعمق: شعور بأنني أصبحت أقل اهتمامًا بما يحيط بي، أقل ارتباطًا ببعض التفاصيل الصغيرة التي كنت أهتم بها قبل قليل.
حتى محبتي لرينا، أختي الصغيرة، بدأت تتغير قليلًا. لم أعد أنظر إلى تطريزها وكأنها تحاول أن تحفظ شيئًا من العالم، بل شعرت بأنني أراقبها من بعيد، كأنني خارج حياتها، كأنني أرى كل شيء بعيونٍ باردة، منفصلة عن أي إحساس سابق.
ميار لاحظت شيئًا. لم تقل كلمة، لكنها ركزت على كل حركة لي، كأنها تعرف أن شيئًا بدا يتغير داخلي. حاولت أن أبتسم، لكن الابتسامة لم تخرج كما قبل. شعرت أنني أبتعد عنها قليلًا… شعور مخيف وغريب، شعور بأن شيئًا من داخلي بدأ يحاول أن يفرض نفسه قبل أن أعلم ما هو.
وفي أعماق نفسي، شعرت بأن هذا التغيير ليس سلبيًا بالكامل. كان فضولًا غامضًا، شعورًا بأنني على وشك اكتشاف شيء أكبر، شيء خطير، شيء لا يمكن للآخرين فهمه… شيء سيغيرني إلى الأبد.
مرّت الأيام بعد تلك الليلة ببطء غريب، كأن الزمن صار يتقدّم بحذر، خطوة ثم يتراجع. لم يحدث شيء يمكنني أن أشير إليه وأقول: هنا بدأ الخطر. لا وحوش، لا ظلال، لا أصوات في العلن… ومع ذلك، كنت أعرف في داخلي أن شيئًا ما انكسر، ولو بصمت.
كنت أستيقظ كل صباح بشعور ثقيل في صدري. ليس حزنًا، ولا خوفًا واضحًا. شيء أقرب إلى نفور بارد، كأن العالم فقد فجأة نكهته. الأشياء التي كنت أحبّها صارت… عادية أكثر مما يجب. الناس، الأصوات، حتى الضحك.
حتى ميار.
هذا أكثر ما أربكني.
كانت تجلس بجانبي، تتحدّث كما تفعل دائمًا، بصوتها الهادئ، بترتيبها المعتاد للأفكار، لكن كلماتها كانت تصلني بعيدة، مشوّشة، كأنني أسمعها من خلف زجاج سميك. كنت أومئ، أبتسم أحيانًا، لكنني لم أكن هناك حقًا.
لاحظتُ نظراتها. لم تقل شيئًا في البداية، لكنها كانت تراقبني. صمتي الطويل، شرودي، الطريقة التي صرتُ أسحب بها يدي حين تمسكها. لم أكن أهرب منها، لكنني لم أعد أتمسّك بها كما قبل.
وفي أحد الأيام، جلسنا قرب أطراف القرية، في المكان الذي كنّا نختبئ فيه من الملل ومن الناس. الريح كانت خفيفة، والسماء رمادية، والهدوء… غير مريح.
قالت لي فجأة: «أنتِ هنا، لكنكِ لستِ معي.»
تجمّدت. لم أعرف ماذا أقول. نظرتُ أمامي، إلى الفراغ، ثم خرج الصوت منّي أضعف مما توقعت: «لا أعرف… أشعر أن الأشياء لم تعد تعني لي الشيء نفسه.»
توقّفت عن الابتسام. وفي تلك اللحظة، عرفت أن شيئًا بيننا تشقّق.
منذ ذلك اليوم، بدأت المسافة تكبر. لم نتشاجر، لم نصرخ، لكن الضحك صار أثقل، والكلمات أقل. صرتُ أكثر حدّة، أقل صبرًا، وكأن داخلي شيئًا يراقبني… يحاكم ردودي، ويجدها دائمًا غير كافية.
حتى أنا لم أعد أفهم نفسي.
الطعام الذي كنت ألتهمه بشراهة لم يعد يشبعني. لا جسديًا ولا نفسيًا. الأشياء الصغيرة التي كنت أسرقها أحيانًا لم تعد تمنحني تلك اللذّة السخيفة. كل شيء صار يترك فيّ فراغًا أبرد من الجوع.
وفي الليل…
الليل كان الأسوأ.
كنت أستلقي على فراشي، أحدّق في السقف، وأشعر بذلك الإحساس يعود. ليس صوتًا، ليس فكرة، بل شعور واضح بأن هناك نقصًا. كأن جزءًا مني غير مكتمل. كأن شيئًا ما ينتظر أن أمدّ يدي إليه… وأنا لا أعرف ما هو.
لم تكن طاقة. لم تكن قوة. كانت دعوة صامتة.
الغابة لم تظهر مجددًا، لكنها لم تخرج من رأسي. كنت أشعر أحيانًا أن الأشجار، حتى وهي بعيدة، ما زالت تنظر إليّ. لا تهدّدني… بل تراقبني، كأنها تنتظر قرارًا.
أما ميار…
كنت أراها تتغيّر في نظراتها إليّ. لم تعد مطمئنّة. كأنها تشعر أنني أنزلق ببطء إلى مكان لا تستطيع الوصول إليه.
لم أصبح شريرة. لكنني صرتُ أبرد.
وفي إحدى الليالي، عاد ذلك الإحساس أقوى من قبل. لم يكن ألمًا، بل جوعًا غريبًا، لا يشبه أي جوع عرفته. جوع لا يطلب طعامًا، ولا يطلب دمًا، بل يطلب شيئًا محددًا… لم أستطع تسميته بعد.
فتحتُ عينيّ في الظلام، وقلبي كان ينبض بهدوء مخيف. لا ذعر. لا فوضى. فقط شعور ثابت بأنني، حين يأتي الوقت… سأفهم.
لم يبدأ التحوّل بعد.
لكنني بدأت أفقد شيئًا أخطر من القوة.
بدأت أفقد قربـي…
من نفسي، ومن ميار.