ابنة المافيا ( الغريبة السادسة ) - الفصل السابع والعشرين - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: ابنة المافيا ( الغريبة السادسة )
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع والعشرين

الفصل السابع والعشرين

صحيت كاريلا وهي حاسة بصداع تقيل في راسها، فضلت باصة للسقف ثواني بتحاول تجمع اللي حصل.. هي نامت إمتى؟ وإزاي وصلت للسرير؟ وفجأة افتكرت.. ديمتري! كان هنا، واتكلموا.. اتكلموا كتير أوي. اخدت نفس عميق وغمضت عينيها وهي بتقول لنفسها: "يوم جديد.. انسي اللي حصل وركزي في اللي جاي". قامت اخدت حمام دافي يفك التوتر اللي في جسمها، ولبست هدومها ونزلت وهي بتحاول ترسم ملامح هادية على وشها. أول ما رجليها لمست آخر سلمة، شافته.. ليون. كان عمال يروح وييجي في الصالة، وشه كان مخطوف وعينه فيها قلق وتوتر واضح جداً، وكأنه شايل جبال فوق كتافه. أول ما عينه جت عليها، ملامحه نورت واتحرك ناحيتها بسرعة ونادى عليها بصوت فيه لهفة "كاريل!" وقف قدامها، وكاريلا رسمت ابتسامة استغراب وسألته "مالك يا ليون؟ في إيه؟ إيه التوتر ده كله؟" ليون بص في عينيها بأسف حقيقي، ومن غير مقدمات قال "كاريلا.. أنا بجد مش عارف أقولك إيه، أنا آسف.. أنا بعتذر لك عن كل اللي حصل امبارح من أوله لآخره. بسببي وبسبب جناني دخلنا في دوامة المخفر، والأهم من ده.. أنا بعتذر لك عن كلام ماما." كاريلا كانت بتسمعه وهي ساكتة، فكمل ليون بتلعثم وهو بيحاول يبرر "هي.. هي أكيد مكنتش تقصد، إنتي عارفة ماما، هي بس اتخضت علينا ومفهمتش الحكاية صح، ومكنش المفروض تقول الكلام القاسي ده.. أنا بجد مكسوف منك." كاريلا في اللحظة دي كانت بتفكر من جواها بوجع، هي فعلاً كانت مجروحة من كلام ماريا، بس في نفس الوقت هي بتحب ليون، ومش عايزاه يفضل محشور في النص بينها وبين والدته.. مش عايزة تكون هي السبب في إنه يكره أمه أو يحس بتمزق داخلي، في الآخر ماريا هي والدة أخوها اللي وقف جنبها. كاريلا دفنت كل الحزن والاستياء ده في بئر عميق جواها، ورسمت ابتسامة صافية وقالت له بهدوء "يا ليون يا حبيبي، مفيش داعي لكل ده.. محصلش حاجة والله، وأنا أصلاً نسيت اللي حصل. طنط ماريا زي ما قولت كانت خايفة عليكم، وده حقها.. أنا مش زعلانة خالص." ليون بصلها بشك، مكنش مقتنع، وحس إنها بتجامل، فكاريلا قربت منه ومدت إيديها ومسكت دراعه وضمتها ليها بابتسامة بريئة ووش بشوش وقالت له بخفة دم "وبعدين سيبك من الدراما دي دلوقت.. أنا ميتة من الجوع! أنا مفطرتش امبارح ولا اتعشيت، فإيه رأيك نفطر سوا وننسى النكد ده؟" ليون أول ما شاف الابتسامة دي، حس إن جبل انزاح من عليه، وصدق إنها فعلاً كويسة، فضحك وقال لها "من عيوني ياحلوة.. حالاً هخلي الخدم يجهزوا أحلى فطار لينا في الجنينة." _______ الشمس كانت طالعة وصافية، والهوا في جنينة القصر كان فيه نسمة برودة منعشة بتخلي القعدة ترد الروح. السفرة في الجنينة كانت مرصوصة بأنواع فطار تفتح النفس؛ عيش فرنسي طازة، وأجبان سويسرية، ومربى توت بري، وريحة القهوة كانت مالية المكان. كاريلا وليون كانوا قاعدين بيفطروا، والضحكة مش مفارقة وشهم. ليون كان في حالة سعادة مش طبيعية، وكأنه بيعوض كاريلا عن نكد امبارح. في لحظة، مسك قطعة "كرواسون" صغيرة وحط عليها مربى، وقربها من بوق كاريلا وهو بيضحك وقال "دوقي دي يا كاريل، دي مخصوص عشان تعيشك احلى طعم" كاريلا ضحكت من قلبها، ضحكة رنت في أرجاء الجنينة، وفتحت بوقها وأكلت القطعة وهي بتبص له بامتنان حقيقي. الجو كان مليان براءة وسعادة، كأنهم طفلين ملهومش علاقة بصراعات الكبار اللي جوه الحيطان دي. في اللحظة دي، خرجت ماريا من باب القصر، كانت في قمة شياكتها؛ لابسة فستان "تايير" كلاسيك، وماسكة شنطتها الجلد الغالية في إيدها، ووراها المرافقة بتاعتها شايلة حاجتها. ماريا وقفت فجأة أول ما شافت المشهد ده في الجنينة. عينيها ركزت على ليون.. شافت ضحكته اللي من القلب، وشافت إزاي بيتعامل مع كاريلا بحنية. من جواها، كانت نار الغيرة والكره بتغلي، وفكرت بمرارة "بصي بنت حياة.. إزاي قدرت تسحب ابنك لصفها بالسرعة دي؟ إزاي مخلية ليون الغريري، اللي مبيسمعش كلام حد، يبقى زي الطفل قدامك؟" بس فجأة افتكرت اللي حصل ليلة امبارح.. افتكرت نظرة الغضب اللي كانت في عين ليون وهو بيزعق لها لأول مرة، وافتكرت حزنه وهو طالع أوضته مكسور الخاطر. رغم إنها بتكره كاريلا وبتحمل لها غل بسبب انها بنت حياة إلا إن نقطة ضعفها الوحيدة هي "ولادها". مقدرتش تتحمل فكرة إنها تنكد عليه تاني وتخسر قربه، أو تشوف الحزن في عينه مرة تانية بسبها. بصت لهم نظرة أخيرة طويلة، وزمّت شفايفها بضيق، وقالت لنفسها بسخرية "ماشي يا ليون.. اضحك. اتهنى بضحكتك دلوقت، لحد ما نشوف البنت دي آخرتها معاك إيه." لفت وشها للمرافقة وقالت "يلا بينا، مش عايزين نتأخر." وتحركت بخطوات سريعة ناحية العربية اللي مستنياها، من غير ما تحاول حتى تبص ناحيتهم مرة تانية، وسابتهم في عالمهم الصغير الوردي وسط الخضرة والشمس _____ كاريلا وليون كانوا لسه غرقانين في ضحكهم وكلامهم، بس فجأة عين كاريلا لمحت خيال أسود، خطواته تقيلة وواثقة وليها رنة متميزة على الأرض.. كان ديمتري. ماشي في اتجاه القصر ببروده المعتاد، ومن غير ما يبص ناحيتهم، أو يمكن هو شافهم وقرر يتجاهلهم. كاريلا فضلت عينيها متعلقة بيه غصب عنها. حست بفضول وراحة غريبة، يمكن عشان الكلام اللي دار بينهم امبارح كسر حاجز كبير، وزي ما بيقولوا "مافيش حاجة تقرب النفوس زي الكلام اللي بيطلع من القلب في وقت ضعف". ليون لفت نظره إن كاريلا سكتت وسرحت، فلف وشه يشوف بتبص على إيه، ولمح ديمتري. ليون همس لنفسه "ديمتري هنا؟ أكيد ماركوس اللي استدعاه". دقايق وخرج ماركوس من باب القصر بكل هيبته ونظارته الطبية، وكان ديمتري ماشي جنبه، والمفاجأة إنهم اتجهوا ناحية السفرة في الجنينة. كاريلا كانت لسه هتاخد قضمة تانية من الفطار، بس وقفت مكانها وعقدت حواجبها باستغراب.. ماركوس جاي هنا ليه وبصحبته ديمتري؟ ليون سأل بفضول "في إيه يا ماركوس؟ " وبص لديمتري اللي ملامحه كانت زي الكتاب المقفول، لا بتنطق ولا بتعبر عن حاجة. ماركوس وقف قدام كاريلا وبصلها بجدية رزينة وقال "كاريلا.. بعد اللي حصل ليلة امبارح، أنا قعدت أفكر في الموضوع ولقيت إننا محتاجين نحل المشكلة من جدرها. إنتي شايلة اسم الغريري دلوقت، ومينفعش موقف زي بتاع امبارح يتكرر تاني لأي سبب. إنتي محتاجة رخصة قيادة سويسرية رسمية في أسرع وقت." كاريلا ردت بسرعة "أنا فعلاً كنت مخططة أبدأ في إجراءات الرخصة أول ما الجامعة تبدأ " ماركوس هز راسه وقال "جيد، بس الإجراءات هنا في جنيف مش مجرد امتحان سواقة بسيط، الموضوع محتاج ترتيب. أولاً هتاخدي دورة إسعافات أولية إلزامية، وبعدها فحص نظر عند طبيب معتمد، وبعدين هنقدم طلب لمكتب المركبات (OCV) عشان تطلعي رخصة 'متعلم'.. ودي هتحتاجي تذاكري لها كويس عشان الامتحان النظري اللي بالكمبيوتر، لازم تحفظي إشارات المرور وقواعد السير في سويسرا زي اسمك." سكت لحظة وبص لديمتري، وبعدين رجع بص لكاريلا وكمل "وبما إننا محتاجين تدريب عملي مكثف ومحترف عشان تنجحي من أول مرة وتعرفي تتحكمي في العربية صح.. فديمتري هو اللي هيتولى المهمة دي. هو اللي هيدربك ويعلمك السواقة لغاية ما تجتازي الامتحان." كاريلا عينيها اتسعت وبصت لديمتري بذهول.. "ديمتري؟! هو اللي هيدربني؟" في سرها كانت بتقول "هو وافق أصلاً؟ ولا ماركوس أمره؟" كانت عايزة تسأل بس فضلت ساكتة. ليون اتنطط من مكانه وقال باعتراض "ليه ديمتري يا ماركوس؟ ما أنا موجود! أنا ممكن أدرب كاريل وأعلمها كل حاجة، إحنا كنا بنتبسط سوا أصلاً." ماركوس بص لليون بنظرة حازمة وهادية خلت ليون يسكت فوراً "ليون.. بعد اللي شوفته منك امبارح، إنت آخر واحد ينفع يمسك مهمة التدريب دي. إنت بتدفعها للتهور مش للتعلم. إحنا محتاجين انضباط وهدوء، وديمتري هو الأنسب لده." وبعدين بص لكاريلا تاني وقال لها بنبرة مطمئنة "ديمتري هيساعدك في كل الخطوات، فما تقلقيش من أي حاجة.. ركزي بس وكل حاجة هتبقى تمام" ______ بدأت كاريلا في تنفيذ الخطة بكل حماس، وكأنها في معركة إثبات ذات. أيامها بقت مقسومة بين دورة الإسعافات الأولية، ومذاكرة كتاب قواعد المرور السويسري اللي كان عامل زي "البعبع" بس هي كانت مستمتعة بكل تفصيلة فيه. في ليلة، كانت قاعدة في أوضتها وسط الكتب، لابسة بيجامتها المريحة وعاملة شعرها "كعكتين" بشكل طفولي وعفوي جداً، والتركيز واكل وشها. فجأة الباب خبط ودخل فؤاد.. بص لها بابتسامة حنونة وسألها "ها يا كاريلا... إيه الأخبار؟ المذاكرة عاملة إيه؟" كاريلا ردت بضحكة وهي بتعدل نظارتها "بستعد يا بابا عشان أطلع رخصة السواقة.. ومش هرتاح الا وهي في ايدي " فؤاد قرب منها، وعينيه كانت مليانة فخر، وقال لها "شاطرة يا كاريلا.. وعشان أشجعك، أول ما تنجحي وتجتازي الامتحان، ليكي عندي عربية هدية، اختاري الموديل اللي يريحك." كاريلا ارتبكت للحظة، وحست إنها كتير عليها، بس فؤاد كمل كلامه وهو بيطمنها "إنتي بنتي يا كاريلا، ومثلك مثل أشقائك.. كلهم خدوا عربيات أول ما طلعوا الرخصة، وإنتي غريري، يعني مفيش حاجة صعبة عليكي." كلمة "إنتي غريري" وقعت على ودن كاريلا زي الموسيقى، حست لأول مرة بالانتماء الحقيقي. بدأت تضحك وتتخيل، وقالت له بدلال "ماشي يا بابا.. بس أنا مش عايزاها سوداء زي عربياتكم اللي تخوف دي! أنا عايزاها وردي، أو بنفسجي.. لا، وردي أحسن بكتير، أنا بجد كرهت السواد اللي في القصر ده!" فؤاد ضحك من قلبه على براءتها، ومسح على شعرها بحنان وقال لها "وردي وردي يا ستي، اللي إنتي عايزاه هيحصل." سابها فؤاد وهي غرقانة في أحلامها بالرخصة والعربية الجديدة، وخرج راح لغرفته. جوه الغرفة، كانت ماريا قاعدة قدام التسريحة، لسه خارجة من الحمام ولابسة روب الستان بتاعها، وبدأت تعمل الروتين الليلي لبشرتها بمنتهى الدقة والهدوء. حست بدخول فؤاد، فبصت له في المراية وشافت الابتسامة اللي لسه مرسومة على وشه.. الابتسامة اللي هي عارفة كويس إن سببها الوحيد دلوقتي هو "كاريلا". ماريا حطت علبة الكريم من إيدها بحدة شوية، وقالت بنبرة فيها عتاب مكتوم "واضح إنك كنت عند كاريلا.. بقيت تضحك كتير الأيام دي يا فؤاد." فؤاد ماردش على كلمة ماريا ولا حتى بص لها في المراية؛ هو كان عارف إن أي كلمة دلوقتي هتفتح باب لدراما مش وقتها. اتجه بكل هدوء ناحية الخزانة، طلع بيجامته وسحب الغطاء بتاعه ببرود، وكأنه بيستعد لمغادرة الأوضة. ماريا شافت المنظر ده ودمها غلي.. فؤاد مابقاش ينام في الأوضة دي من يوم ما "حياة" ظهرت في حياته تاني. رمت "قطنة" المسحوق من إيدها وقامت وقفت باندفاع، وقالت بصوت مهزوز من القهر "رايح فين يا فؤاد؟ بقى لك قد إيه مابتنامش هنا؟ بقى لك قد إيه بتهرب مني ومن الأوضة دي كأن فيها وباء؟" فؤاد لف وشه وبص لها ببرود وقال "أنا تعبان يا ماريا، ومش عايز مشاكل. هنام في الأوضة التانية عشان أرتاح." ماريا مشيت ناحيته ووقفت في وشه، وعينيها مليانة دموع محبوسة وقلبها بيتحطم "بترتاح؟ ولا بتروح لها؟ إنت فاكرني مش عارفة؟ فاكرني غبية ومش فاهمة إنك لسه بتشوفها؟ لسه بتروح لرؤية الست دي حتى بعد ما جبت بنتها هنا وعيشتها وسطنا؟ ليه يا فؤاد؟ أنا قصرت معاك في إيه؟" بدأ فؤاد ينفعل وصوته يعلى "ماريا! قولتلك مية مرة بلاش السيرة دي! إنتي اللي بتخلقي النكد من مفيش، كفاية بقى خنقة!" ماريا صرخت بانهيار وهي بتخبط على صدره "لا مش كفاية! أنا ضحيت بعمري وبكرامتي عشان اسم الغريري، وفي الآخر بتجازيني بإنك تروح لواحدة باعتك زمان؟ إنت بتكسرني كل يوم يا فؤاد.. بتكسرني قدام ولادك وقدام نفسي!" الشجار زاد وفؤاد وشه بدأ يحمرّ ونفسه يضيق، حاول يزقها بعيد عنه وهو بيقول بزعيق "بس بقى! اسكـ...!" وفجأة، الكلمة اقطعت في زوره. ملامح فؤاد اتغيرت تماماً، وعينيه برقت، وإيده اترعشت وهي بتطلع ناحية قلبه وقبضت على قميصه بقوة. جسمه بدأ يميل لورا، وما هي إلا ثواني ووقع على الأرض بجسمه كله، وهو بيأن أنين مكتوم ووشه بدأ يزرقّ. ماريا في اللحظة دي الدنيا اسودت في عينيها، صرخت صرخة هزت أركان القصر، ورمت نفسها جنبه على الأرض وهي بتهزه بانهيار "فؤاد! فؤاد رد عليا! لا يا فؤاد متعملش فيا كدة!" بدأت تصرخ بأعلى صوتها وهي مرعوبة "ماركوس! كاسبار! الحقوني! فؤاد ! !" الصوت كان كفيل إنه يخلي كل اللي في القصر ينتفضوا من أماكنهم. ليون ونيكس خرجوا من أوضهم بجري، وكاريلا سابت الكتاب من إيدها وطلعت تجري ببيجامتها وهي مش فاهمة في إيه، والخدم بدأوا يتجمعوا برعب. أول واحد وصل كان ماركوس، دخل الأوضة بخطوات سريعة ووشه خالي من أي تعبير غير القلق الصارم، وشاف والده مرمي على الأرض وماريا بتصرخ فوقه. ماركوس نزل على ركبه فوراً وبدأ يفحص نبض والده وصاح في الخدم "اتصلوا بالإسعاف فوراً! وكلموا دكتور العيلة حالاً!" ______ المستشفى كانت مقلوبة، هدوء الممرات البيضاء كان بيكسره بس صوت خطوات الحرس ورجال "الغريري" اللي انتشروا في كل مكان لتأمين المكان. بمجرد وصول فؤاد، الطاقم الطبي كله استنفر؛ استشاريين وجراحين، الكل كان بيتحرك زي الخلية عشان "السيد فؤاد". في ركن بعيد، كان التوتر واصل لأقصى مراحله. كاريلا واقفة في زاوية، ضامة نفسها وإيديها بتترعش، والدموع محبوسة في عينيها وهي بتراقب إخواتها.. ليون اللي مش قادر يقعد، ونيكس اللي ساند راسه على الحيطة ومغمض عينيه بصمت لكن الحالة الأصعب كانت ماريا. كانت قاعدة على كرسي الانتظار، وشها شاحب كأنه قطعة قماش بيضاء، وجسمها كله بيتهز. أول ما ماركوس قرب منها ومعاه كاس ميه وحطه في إيدها، انفجرت في عياط هستيري ووقعت الكاس من إيدها وهي بتمسك في هدوم ماركوس بانهيار "أنا السبب يا ماركوس! أنا اللي ضغطت عليه.. لو حصل له حاجة مش هسامح نفسي أبداً! فضلت أعاتبه وأصرخ في وشة لغاية ما وقع قدامي.. يا ريتني كنت أنا وهو لأ! فؤاد لو ضاع مني أنا ضعت يا ماركوس!" ماركوس، برغم القلق اللي جواه، ضغط على إيد والدته بقوة ومال على ودنها وهمس بنبرة حازمة ومحذرة "ماما.. اهدي. مسمعش كلمة 'أنا السبب' دي تاني. والدي تعبان بقاله فترة وده قضاء وقدر، ملوش علاقة بأي خناق. امسحي دموعك، إنتي 'ماريا الغريري' ولازم تفضلي متماسكة قدام الكل." في اللحظة دي، انفتح باب الطوارئ بقوة ودخل ديمتري وهو بيجري، كان بينهج وعرقه مغطي جبينه. ولأول مرة، كاريلا شافت في عينيه حاجة مكنتش تتخيل إنها موجودة فيه: الخوف. ديمتري اللي مبيخافش من الموت، كان مرعوب النهاردة؛ لأن اللي جوه ده مش بس عمه، ده الراجل اللي انتشله، اللي علمه يعني إيه يكون له قيمة، الوحيد اللي كان بيشوف فيه "إنسان" مش مجرد "سلاح". كاريلا لفت بوشها ناحيته بتلقائية، شافته وهو بيقرب من سيلفان وسأله بصوت مخنوق ومتقطع "إيه الأخبار؟ البوص جراله إيه؟" سيلفان رد " لسه يا ديمتري.. محدش خرج" كاسبار ضاف بنبرته الرزينة المعتادة "الأطباء جوه بيعملوا كل اللي يقدروا عليه، لازم نستنى." ديمتري أخد تنهيدة طويلة ومؤلمة وهو باصص لباب الغرفة المقفول، وكأنه بيدعي من جواه إن الراجل ده يقوم بالسلامة عشان ميفقدش السند الوحيد اللي باقي له. ساد الصمت لثواني كانت كأنها سنين، لغاية ما انفتح الباب وخرج الطبيب الجراح وهو بيقلع الكمامة، وشه كان مجهد جداً. الكل اتجمع حواليه في لحظة، ماريا قامت وقفت بلهفة، وماركوس وديمتري قربوا منه وعينيهم بتسأل السؤال اللي خايفين ينطقوه. "الحمد لله، قدرنا نسيطر على الحالة في الوقت المناسب. السيد فؤاد اتعرض لأزمة قلبية حادة جداً (جلطة في الشريان التاجي)، وده نتيجة ضغط عصبي ونفسي رهيب القلب متمكنش من تحمله. عملنا له عملية قسطرة فورية وركبنا دعامات عشان نفتح الشرايين المسدودة." سكت شوية وبص لماركوس وكمل "الحالة حالياً مستقرة، بس هو محتاج راحة تامة.. تامة بجد. هيفضل معانا هنا في الرعاية المركزة تحت الملاحظة الدقيقة لمدة 48 ساعة على الأقل. كتبنا له على بروتوكول أدوية مكثف للقلب وسيولة الدم، وممنوع منعاً باتاً أي انفعال أو كلام في مشاكل او شغل لما يفوق.. حياته دلوقت متعلقة بالهدوء." ماريا حطت إيدها على قلبها وهي بتتنفس لأول مرة، وديمتري سند براسه على الحيطة وهو بيغمض عينيه بتعب، أما كاريلا فنزلت دمعة واحدة من عينيها، دمعة راحة ممزوجة بخوف من اللي جاي. _____ ديمتري كان واقف قدام ماكينة البيع، بيطلع قارورة مية ساقعة عشان يطفي النار اللي جوه صدره، لما حس بخطوات هادية بتقرب منه. كانت كاريلا، اللي ملامحها بدأت تسترخي واللون يرجع لوشها بعد ما سمعت كلام الدكتور. وقفت جنبه وبصت للأرض وقالت بصوت هادي وبنية صافية "الحمد لله.. هو بقى بخير دلوقت." ولما شافت جموده وشحوب وشه اللي لسه متبدلش، حبت تطمنه بطريقتها وقالت "مافيش داعي تقلق يا ديمتري، بابا قوي وهيعدي منها." في ثانية، ديمتري التفت لها، وعيونه كانت قاسية لدرجة خلت كاريلا تتراجع خطوة لورا. رد عليها بنبرة لاذعة زي الكرباج "إنتي فاكرة إن كلمتين من اللي بتقوليهم دول هيهدوا الدنيا؟ فؤاد الغريري حياته مش مجرد 'الحمد لله' حياته يعني توازن عيلة كاملة، يعني أمان ناس كتير إنتي متعرفيش عنهم حاجة. وفرّي نصايحك وطمنتك دي لنفسك ." وش كاريلا شحب تماماً، والدموع اللي كانت بدأت تنشف رجعت تلمع في عينيها تاني. نزلت راسها وقالت بصوت مهزوز "أنا آسفة.. أنا بس كنت فاكرة إننا بعد آخر مرة بقينا..." وسكتت. مقدرتش تكمل الكلمة. مقدرتش تقول إنها افتكرت إن الحواجز اتهدت، أو إنهم بقوا "قريبين" لدرجة إنها تدردش معاه في قلقه. حست إنها كانت واهمة، وإن ديمتري هيفضل دايماً السور العالي اللي مبيتهدش. ديمتري شاف دموعها، وزفر بضيق وهو بيحس بنغزة غريبة في صدره، نغزة أول مرة يحس بيها. هو بطبعه بيكره النكد وبيشوف العياط دلال زايد وإزعاج ملوش لازمة، بس المرة دي، دموع كاريلا زعجته بشكل مختلف.. وجعته بشكل هو مش فاهمه. تلقائياً، ومن غير تفكير، مد إيده وناولها قارورة المية اللي في إيده، وكان لسه هيفتحها لها عشان تهدا، بس هي بصت للقارورة وردت بتذمر طفولي وهي بتمسح عينيها بضهر إيدها "مش عايزة مية.. أنا عايزة عصير." ديمتري غمض عينيه ثانية بيحاول يتحكم في أعصابه، وزفر نفخة طويلة، ورجع حط المية وطلع لها علبة عصير. فتحها بهدوء وناولها لها من غير ولا كلمة. كاريلا أخدت منه العلبة وهي لسه مستاءة وباصة له بطرف عينها، وأخدت رشفة طويلة وكأنها بتبرد نار الإحراج اللي حست بيه من قسوته. ساد الصمت بينهم، بس المرة دي مكنش صمت عدائي، كان صمت فيه عتاب غريب، وهدوء بعد العاصفة اللي حصلت في القصر.