صدى الظلال - الفصل الثالث : الغابة و الهمسات - بقلم اليعقوبي مروة | روايتك

اسم الرواية: صدى الظلال
المؤلف / الكاتب: اليعقوبي مروة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث : الغابة و الهمسات

الفصل الثالث : الغابة و الهمسات

كانت الشمس بالكاد قد ارتفعت حين دخلنا الغابة، وأنا أتابع خطوات ميار بخفة، محاولتين أن لا نثير أي صوت يفسد هدوء الصباح. الهواء هنا مختلف؛ أقل ثقلًا من القرية، لكنه يحمل رائحة غريبة، شيء حاد قليلًا، كأنه مزيج بين العشب الرطب وخشب قديم يتحلل. قالت ميار بصوت منخفض، تكاد تهمس: "هل تشعرين بذلك؟ الجو… غريب اليوم." تبادلت معها نظرة قصيرة، شعور غريب يزحف إلى صدري. لم يكن الخوف بعد، بل شيء أشبه بالشك، شعور بأن الغابة… ليست كما عرفناها. تابعنا السير بين الأشجار، والفروع تخترق أشعة الشمس لتلقي بقعًا متفرقة على الأرض، لكنها بدت الآن أشباحًا صغيرة تتحرك مع كل نسمة. أردت أن أضحك لأخفف عن نفسي، فقلت: "غريبة… مثل أي يوم ممل في القرية، لكن أكبر قليلاً." ميار لم تضحك. توقفنا قليلًا حين سمعنا خشخشة خلف بعض الشجيرات. قلبُ الصدر خفق بسرعة لم أشعر بها منذ أيام. توقفت، استمعت… لكن لم يظهر شيء. قلت في نفسي: "مجرد حيوان… ربما ثعلب أو غزالة." لكن الصوت عاد، أقرب هذه المرة، خافت لكنه واضح، كأنه يراقبنا. أمسكت ميار بذراعي بصمت، وعيناها تبحثان في الظلال. لم نتحرك لبرهة، وكل خطوة الآن كانت محسوبة، كل نفس أصبح مرئيًا في الهواء البارد. شعرت أن شيئًا ما—شيئًا غريبًا—يختبرنا، لا يهاجمنا بعد، لكنه يراقب كل حركة. شعور الشك بدأ يتسرب إلى داخلي، وكأن الغابة نفسها تحذرنا: لا تثقي بالهدوء. قلت بصوت منخفض إلى ميار، أشبه بالهمس لنفسنا فقط: "علينا أن نكون حذرين… لا شيء طبيعي هنا اليوم." ميار هزت رأسها، وبقيت صامتة، لكنها لم تبدُ خائفة. العكس، شعرت أنها متحفزة، تعرف أكثر مما تدّعيه، وكأنها مستعدة لأي شيء قد يظهر في هذا الصباح الغامض. شعرتُ بخوفٍ كبير، وخصوصًا عندما سمعنا أصواتًا لم تشبه شيئًا أعرفه. لم تكن خشخشة حيوان، ولا حركة ريح بين الأغصان؛ كانت أقرب إلى همسات متقطعة، تتداخل ثم تختفي، كأن الغابة تتنفس حولنا. توقفتُ في مكاني، وتيبّست قدماي. حاولتُ أن أبدو متماسكة، لكن قلبي كان يخفق بقوة، حتى خُيّل إليّ أن ميار تسمعه. ابتلعتُ ريقي، وخفّضتُ صوتي: "هل… سمعتِ ذلك؟" أومأت ميار ببطء. لم تتكلم فورًا، بل مالت قليلًا، كأنها تحاول تحديد المصدر. قالت أخيرًا: "نعم. الصوت ليس واحدًا." ازداد الشك داخلي. خطوة أخرى إلى الأمام بدت قرارًا ثقيلًا. الأرض تحت قدمي كانت رطبة، وبعض الأوراق بدت وكأنها دُوست حديثًا. لم يعجبني ذلك. لم نكن وحدنا، أو هكذا شعرت. عاد الصوت، أقرب هذه المرة، ثم انقطع فجأة. ساد صمت كثيف، صمتٌ أثقل من الضجيج. في ذلك الفراغ، أحسستُ بشيء يضغط على صدري، إحساسًا غامضًا بأن الغابة لا تراقبنا فقط… بل تختبرنا. همستُ، وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف صوتي: "ميار… ربما علينا العودة." نظرت إليّ نظرة سريعة، ثم قالت بحزمٍ هادئ: "ليس بعد. إن عدنا الآن، سنظل نفكر بهذا طوال اليوم." كرهتُ أنها محقّة. تقدّمنا بحذر، وكل خطوة كانت تُقاس وكأنها قد تكون الأخيرة. لم يظهر شيء بعد، لكن الخوف كان حاضرًا، واضحًا، يتسلل بيننا مثل ظلّ لا يُرى. في تلك اللحظة، أدركتُ أن الملل الذي هربتُ منه قد تلاشى، وأن الغابة منحتني ما لم أطلبه… شعورًا بأن شيئًا ما بدأ يتحرك، وأن الرجوع لن يكون بسيطًا كما ظننتُ. وكان هذا، للأسف، مجرد البداية. وفجأةً، انشقّ الصمت. خرج من بين الأشجار كيانٌ ضخم، لم يكن يشبه حيوانًا عرفته من قبل. جسده كتلة داكنة غير متناسقة، وخطواته الثقيلة تهزّ الأرض تحتنا، وكأن الغابة نفسها تراجعت خطوة إلى الوراء. في تلك اللحظة، تسلّل الخوف إلى عظامي بلا استئذان. ارتجف صدري حين فكّرت بميار. جسدها ليس قويًا، وأنا… لم أقاتل في حياتي قط. لم يكن لدي وقت للتفكير، ولا مجال للتردّد. تحرّك جسدي قبل عقلي. التفتُّ إليها بسرعة، وخفضت صوتي قدر ما استطعت: "اهربي. عودي إلى القرية الآن." تردّدت لحظة، أرادت أن تعترض، لكن نظرة واحدة كانت كافية. أكملتُ، بنبرة لم أكن أعلم أنها تسكنني: "سأشغله… ثم ألحق بك." لم أنتظر جوابًا. دفعتُها بخفة إلى الخلف، نحو الطريق الذي جئنا منه، وشعرتُ بشيءٍ ينكسر داخلي وأنا أراها تتراجع. كان قلبي يصرخ بي أن أهرب معها، لكن قدماي ثبتتا في مكاني، كأن الأرض شدّتني إليها. تقدّم الوحش خطوة أخرى. المسافة بيننا تقلّصت، والهواء صار أثقل. قبضتُ يديّ، رغم جهلي بما ينبغي عليّ فعله. لم أكن محاربة، ولم أحمل سلاحًا، لكنني كنت الوحيدة المتبقية هنا. قلت في نفسي، وأنا أستجمع شتات أنفاسي: إن كان عليّ أن أتعلم القتال… فليكن الآن. ثبتُّ نظري على الكيان المتقدّم، ووقفت في مواجهته، لا بشجاعة حقيقية، بل بعنادٍ يائس. خلفي، كانت ميار تبتعد، وأمامي، كان شيء مجهول يختبر حدود خوفي. ولم أكن أعلم إن كنتُ سأخرج من هذه المواجهة كما دخلتها… أو إن كنتُ سأخرج أصلًا. جلستُ على السرير، أستمع لصوت الرياح بين الأشجار، صوت يبدو أقوى من المعتاد، كما لو أن الغابة نفسها تتنفس معنا. رفعت رأسي، أمعنت النظر في الظلال التي تلتصق بالجدران، ولمحت حركة خفيفة… لم أستطع تحديد مصدرها. ميار جلست بجانبي بصمت، لكني شعرت بعينيها تتبعان كل خفقة قلبي، كأنها تعرف ما لم أجرؤ على قوله. حاولت أن أهدئ نفسي، لكن شعورًا غريبًا استقرّ في صدري، مثل وزن لا يمكن رفعه، شيء بدأ يزرع بذوره في داخلي… ولم يعد مجرد خوف، بل وعد بشيء أكبر، شيء سيغير كل شيء. أغمضت عيني للحظة، وحسست برعشة تمرّ عبر جسدي، همس خافت بدا وكأنه يأتي من بين الظلال نفسها: > «كل شيء على وشك أن يتغير…» سكنت الغرفة بعد ذلك، لكن قلبي لم يهدأ. كنت أعلم أن الليل لم ينته بعد، وأن ما بدأ في الغابة لم يختفِ. شيء ما يراقبنا، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر… ومعه، شيء آخر، أقوى، أعظم، لم نراه بعد.