صدى الظلال - الفصل الثاني : عودة الليل - بقلم اليعقوبي مروة | روايتك

اسم الرواية: صدى الظلال
المؤلف / الكاتب: اليعقوبي مروة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني : عودة الليل

الفصل الثاني : عودة الليل

حين بدأ الليل يحل، غابت أصوات السوق المملة تدريجيًا، وسكنت الشوارع الضيقة تحت ضوء القمر الرمادي. شعرت بثقل اليوم على ظهري، وانطلقت خطواتي عائدة إلى المنزل، أتنقل بين الظلال، معتادة على صمت هذه القرية البالية. ميار اختفت قبل قليل، قالت إنها عادت إلى منزلها، ربما لتستريح قليلًا أو تقرأ شيئًا. ابتسمتُ في نفسي، متفهمةً؛ هي لم تكن مثلنا، لا تبحث عن أي شيء لتسرقه أو لتملأ الملل، لكنها تعرف كيف تجعل أي لحظة صامتة أكثر احتمالًا. دخلت المنزل، ووجدت رينا لا تزال منهمكة في تطريز قطعة صغيرة، وكأنها ترفض أن يمر اليوم دون أن تحصد شيئًا من جهدها. رفعت رأسها سريعًا، قالت: "لقد عدتِ أخيرًا." ابتسمتُ لها، وجلست بجانبها. "نعم… السوق خالٍ الآن، ويمكنني العدّ قليلًا من مكاسبي." أمّنا جلست على الكرسي القريب، وجهها متعب من طول اليوم، صامتة، صابرة كما هي دائمًا، تتحمل صمتنا وفوضويتنا اليومية، لكنها كانت هناك، حاضرة في كل لحظة. أبي جلس على الأرضية، ظهره متكئ على الجدار، قلبه الاصطناعي ينبض بصوت خافت، وكأن كل نبضة تذكرنا بضعفنا أمام الوقت البطيء الذي يمر بلا معنى. قلت لنفسي: "اليوم انتهى… لكن رتابة الغد تنتظرنا." رينا رفعت إبرة التطريز وقالت بابتسامة صغيرة: "غدًا سنبدأ من جديد، لكن بطريقة صحيحة، أليس كذلك؟" ضحكتُ بسخرية: "صحيحة… بالنسبة لكِ، نعم. أما بالنسبة لي… فربما لا." سكنت الغرفة صمت ثقيل، ولم يكن هناك شيء آخر سوى أصوات الإبرة، تنفس أبي، وحركة خفيفة من أمي. شعرت بوزن الحياة اليومية على صدري، لكنها كانت ملكي… بطريقتي الخاصة، حتى في هذه القرية البالية. داعبتُ شعر رينا الأحمر برفق. لطالما تمنّيت لونَه وطولَه؛ لا أن يكون شعري أسودَ قصيرًا، كأن الحياة حكمت عليّ بالسواد والظلمة، حتى عيناي الزرقاوان تحملان عتمة لا أعرف مصدرها. لم تنزعج رينا، فهي تعرف أنني أعدّها كتكوتي الصغير. كانت تبتسم ثم تنهي الحديث معي قبل أن أُكمله؛ فهي في النهاية الأخت الصغرى، لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة، لكنها أعقل مني بكثير. أما أنا، فأكبرها بثلاث سنوات، ومع ذلك لا أجد نفسي إلا مثيرة للمتاعب. جلسنا إلى الطاولة للعشاء الذي أعدّته أمي: حساء دجاج بلا دجاج. لم نتذمّر؛ فالجميع يعرف قسوة فقرنا. تناولتُ أنا ورينا الطعام، نمثّل إعجابنا به، نتبادل نظرات قصيرة نفهم بها بعضنا دون كلام. أمّا أبي، فلم يكفّ عن التذمّر، يعلّق على كل شيء، على الطعم، وعلى اليوم، وعلى المدينة التي لا تعطي أحدًا شيئًا. كانت أمي تتحدث مع رينا أكثر مما تتحدث معي. تحبّها لأنها تعمل بجدّ، لأن إبرتها لا تتعب، ولأن صمتها مثمر. أمّا أنا، فأنتمي إلى الجهة الأخرى من الحكاية؛ الجهة التي لا تُرضي أحدًا. سارقة، يقولونها دون أن ينطقوا بها. أشعر بها في نظراتهم، في الصمت الذي يطول حين أدخل، وفي الأسئلة التي لا تُسأل. رفعتُ الملعقة، ثم أنزلتها. الحساء كان دافئًا، لكن صدري لم يكن كذلك. قلتُ بلا اهتمام: "غدًا سأخرج مبكرًا." لم يسألني أحد إلى أين. رينا وحدها رفعت رأسها قليلًا، ثم عادت إلى طبقها. أمي اكتفت بهزّ رأسها، وأبي واصل تذمّره كأن الكلام موجّه إلى الجدران. بعد العشاء، جمعت أمي الأواني ببطء. رينا أعادت خيوطها إلى علبة خشبية صغيرة، ومرّت بجانبي وهمست: "لا تتأخري." أومأتُ دون وعد. انسحبتُ إلى زاويتي، تمدّدتُ قليلًا، أراقب السقف المتشقق. كان الليل قد استقرّ في القرية، صامتًا كعادته. فكّرتُ في الغد، لا كخطة، بل كفراغ جديد عليّ أن أملأه بطريقتي. في هذه المدينة، لا يختار المرء كثيرًا؛ إمّا أن يكون هادئًا مثل رينا، أو أن يتحرّك مثلي كي لا يختنق. أغمضتُ عينيّ، وأنا أعلم أن شيئًا ما—ولو صغيرًا—سيتبدّل قريبًا. ليس خطرًا بعد، ولا وعدًا واضحًا، مجرّد إحساس خفيف، كنسمة باردة تمرّ ثم تختفي، تاركة أثرها في الصدر. غلبني النعاس، فانحلّت الأفكار في رأسي كما تنحلّ الخيوط من بين أصابع رينا حين يتعبها التطريز. انطفأت الأصوات واحدًا تلو الآخر، وبقي صدى الغابة يدور في ذهني؛ ليس كخطر، بل كفكرة طازجة، كنافذة مفتوحة في جدار الأيام المتشابهة. استيقظتُ قبل الفجر بقليل. كان البيت ساكنًا، والسقف ما زال يحتفظ بظلال الليل. نهضتُ بهدوء، تحاشيتُ إيقاظ أحد، ونظرتُ إلى رينا نائمةً بسلام. ابتسمتُ ابتسامة قصيرة، ثم صرفتُ بصري. اليوم لن آخذها معي. خرجتُ إلى الحارة، الهواء بارد، والسماء ما زالت تميل إلى الرمادي. سرتُ بخطوات خفيفة نحو بيت ميار. طرقتُ الباب طرقًا خفيفًا متفقًا عليه. لم يطل الانتظار؛ فتحت الباب وظهرت بابتسامة كسرت ما بقي من نعاس الصباح. قالت بهدوءٍ مرح: "مبكرة اليوم." أجبتُ وأنا أتحرك: "الملل لا ينتظر." سِرنا معًا نحو أطراف القرية. الطريق إلى الغابة كان مألوفًا، لكنه في هذا الوقت بدا مختلفًا؛ أكثر اتساعًا، أقل ضجيجًا. الأشجار وقفت صامتة، والندى ما زال عالقًا على العشب. لم نتحدث كثيرًا، لم نحتج إلى ذلك. كان المشي وحده كافيًا ليشعرني بأن اليوم ليس نسخة عن سابقه. جلستُ على صخرة قريبة، أراقب الضوء يتسلّل بين الأغصان. قلتُ أخيرًا: "نعود قبل المساء." هزّت ميار رأسها موافقة، وأضافت بابتسامة خفيفة: "سنفعل." في تلك اللحظة، شعرتُ بأن الوقت—للمرة الأولى—لا يضغط عليّ. لم يكن في الغابة ما يلفت الانتباه بعد، ولا شيء يستدعي القلق. فقط صباح جديد، وخطوة صغيرة خارج الرتابة. وربما… هذا كان كافيًا الآن.