الفصل الثامن
" the writer Aridj "
.
.
.
يظنّون أنني نسيتك.
يظنّون أن طيف ابتسامتك لم يعد يزورني، وأن ملامحك انطفأت في زوايا الذاكرة كما تنطفئ الأشياء العادية حين يطول الغياب. لا يعلمون أنني، وإن لم أرك يومًا بعيني، كنت على يقينٍ دائم بأنك جميل وبسمتك أجمل … جميل على نحوٍ يسبق الرؤية، كأن الجمال كان يعرف طريقه إليّ قبلك.
يحسبون أن ذكراك لم تعد تطفو على سطح أيامي، وأن اسمك صار عابرًا لا أكثر. لكنهم لا يرونني حين أغمض عينيّ؛ لا يرون كيف يتسلل خيالك بين انطباق جفنٍ وجفن، وكيف تكتمل ملامحك في العتمة أوضح مما تكون في الضوء. هناك، في تلك المسافة الضيقة بين إغلاق العين وفتحها، كنتَ تحضر كاملًا، بلا استئذان، وبلا رحمة.
حتى أخبارك انقطعت عني.
كنتُ، كلما ضاقت بي لهفتي لرؤيتك، أُسكتها بتلك الكلمات القليلة التي كانت تصلني عنك، كأنها فتات طمأنينة ألقيه على قلبٍ جائع. أمّا الآن، فقد انسحبت من الساحة دفعة واحدة، بلا مقدمات، بلا تفسير. وتركتني واقفة عند مفترقٍ مربك:
أأحزن؟
أم أمضي وأنسى؟
أم أتقن التناسي كما اعتدتُ دائمًا؟
لطالما برعتُ في التمثيل. أعرف كيف أرتدي الهدوء، وكيف أخفي ارتباكي خلف قناعٍ متماسك. لكن، عندما يصل الأمر إليك، حين يُذكر اسمك أمامي، أفشل فجأة. أبتسم دون سابق إنذار، كأن قلبي يفضحني، كأن ملامحي تتمرد على كل ما تدربتُ عليه من إنكار.
ملامحك…
لا تزال تسير أمامي.
مررتُ بالكثيرين خلال أيامي؛ منهم من نسيته، ومنهم من انمحت ملامحه من الذاكرة كما تُمحى الكتابة عن لوحٍ قديم. لكنك أنت… لم تكن عابرًا. كنت بصمةً واضحة على جدران صمتي، نقشًا لا يُمحى مهما تعاقبت الفصول.
لا أدري:
ما أعيشه وهم؟
أم هو نسج خيالٍ بالغ في التعلّق؟
سعدتُ بمعرفتك كما يُسعد الاكتشاف الأول، وحزنتُ لفراقك كما يُحزن الفقد حين يأتي مبكرًا أكثر مما ينبغي. تمنّيت لو سمعت صوتك، ولو مرة. تمنّيت لو قلتَ كلمة الوداع بنفسك، لا أن تتركني أختلقها عنك. تمنّيت لو كان الوداع واضحًا، نهائيًا، يُغلق الباب إلى الأبد…
وربما كان إلى الأبد فعلًا.
لكن، هل يمكن أن نلتقي؟
غرباء في لعبة الحياة، نمرّ ببعضنا بلا سلام، بلا اعتراف. يذكرون اسمك أمامي، يتجاهلون مشاعري، يظنون الأمر عابرًا، خدشًا لا يستحق الالتفات. ولا يعلمون أن ذلك الخدش، مع الوقت، صار جرحًا مفتوحًا.
غبية…
نعم، غبية يا أنتِ، كعادتك.
تتعلقين سريعًا، وتفارقين أسرع. تبنين قصورًا من إحساس، ثم تندهشين حين ينهار كل شيء بصمت.
أتسمعين صوت التصفيق؟
نعم، ذاك الذي يعيش في داخلك يصفق لك. لا إعجابًا، بل استهزاء.
ما الذي تفعلينه؟
تتعلقين بوهم، وتحزنين على فقدان وهم، وتأملين لقاء وهم. تعذبين نفسك، ولا أحد غيرك.
قد يبدو الأمر هكذا، للوهلة الأولى.
لكن… ليس هكذا تمامًا.
من يعرفه فقط، من اقترب بما يكفي، هو من يدرك أن هناك منطقة محظورة، مساحة لا تُرى ولا تُشرح، وأن ما سكنها لم يكن وهمًا أبدًا… مهما حاول العقل إقناع القلب بذلك......