الفصل السادس
لم يكن الليل هذه المرة صامتًا.
كان يراقب.
جلست ليلى على سريرها، الهاتف بين يديها، والرسالة الأخيرة ما تزال مفتوحة أمام عينيها.
“أنا الجزء الذي تركتِه خلفكِ… حين قررتِ أن تنسي.”
أعادت قراءتها أكثر من مرة، لكن الكلمات لم تتغير، فقط شعورها بها كان يزداد ثقلًا.
وضعت الهاتف جانبًا، ونهضت ببطء.
— إن كنتَ تسمعني…
قالتها بصوت منخفض، متردد.
— إن كنتَ حقًا جزءًا مني… فأظهر.
ساد الصمت.
كادت تسخر من نفسها، لولا أن الضوء في الغرفة خفت فجأة، كأن الهواء نفسه تغيّر.
شعرت ببرودة تزحف على أطرافها، لا تشبه برد الشتاء، بل شيئًا أعمق.
تحركت الستارة دون أن تهبّ ريح.
ثم…
انعكس ظل على الجدار.
ليس ظلها.
تراجعت خطوة، وقلبها يدق بعنف.
الظل كان أطول منها، غير واضح الملامح، لكنه ثابت… كأنه ينتظر.
— من أنت؟
قالتها هذه المرة بصوت أعلى، متحدٍ رغم الخوف.
جاءها الصوت من كل مكان، ومن داخلها في الوقت نفسه:
— أنا ما حاولتِ دفنه.
— أنا الصوت الذي تجاهلتِه.
— أنا الحقيقة التي خفتِ منها.
أغلقت ليلى عينيها بقوة.
— أنت لست حقيقيًا… أنت وهم. خوف. ذكرى.
ضحكة خافتة، بلا صدى، تسللت إلى أذنها.
— لو كنتُ وهمًا… لما شعرتِ بي الآن.
فتحت عينيها.
كان الظل أقرب.
لم يكن له وجه واضح، لكن ملامحه بدأت تتشكل، كأنها مألوفة أكثر مما يجب.
شعرت بأنفاسها تختنق.
— لماذا الآن؟
سألت، ودموعها تهدد بالسقوط.
— لماذا عدت؟
— لأنكِ توقفتِ عن الهروب.
— ولأنكِ بدأتِ تسألين.
ظهر شيء لم تتوقعه…
يد.
ليست واضحة تمامًا، لكنها امتدت نحوها، وتوقفت على بعد خطوة.
— لا تخافي، ليلى.
قالها بصوت أكثر هدوءًا.
— أنا لم آتِ لأؤذيكِ.
— إذن لماذا أشعر بهذا الألم؟!
صرخت.
سحب الظل يده ببطء.
— لأن الحقيقة تؤلم…
— ولأنكِ لستِ مستعدة بعد لتتذكري كل شيء.
شعرت ليلى برأسها يدور، وصور خاطفة اقتحمت عقلها:
طفلة تبكي.
ممر مدرسة طويل.
صوت ينادي باسمها.
وهي… تلتفت.
سقطت على ركبتيها، واضعة يديها على رأسها.
— توقف… أرجوك.
اقترب الظل أكثر، حتى صار خلفها مباشرة.
لم يلمسها، لكنه كان هناك… واضحًا، حقيقيًا.
— هذه فقط البداية.
— المواجهة الحقيقية لم تأتِ بعد.
وفجأة، تلاشى كل شيء.
عادت الغرفة كما كانت.
الضوء.
الصمت.
الهواء.
لكن ليلى لم تكن كما كانت.
نهضت ببطء، نظرت إلى المرآة.
هذه المرة… لم يكن الظل خلفها.
كان داخل نظرتها.
همست، وصوتها ثابت لأول مرة:
— إن كنتَ جزءًا مني…
— فلن أهرب منك بعد الآن.
وفي مكانٍ لا يُرى،
ابتسم الغامض.
لأنها، أخيرًا، قررت أن تتذكر.