حين تثقل الأيام - الفصل الخامس - بقلم أميرة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين تثقل الأيام
المؤلف / الكاتب: أميرة
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس

الفصل الخامس

أسدل الليل ظلامه، وليلى جالسة عند نافذتها، وعقلها لم ينتهِ من التفكير. كلّ الأحداث التي جرت لها جعلتها تبتعد عن حياتها التي كانت تعيشها. لماذا وصل بها المطاف إلى هنا؟! وكيف ستكون نهاية هذا اللغز؟! تلك الأسئلة كانت تدور في رأس ليلى بلا توقف. مرّت الليلة عليها وكأنها سنين، فلم تستطع النوم بسبب تلك الرسالة الأخيرة. بقيت تقرؤها مرارًا، تحاول فهم ما يحدث، دون جدوى. بدأت تربط بين طفولتها والأحداث الحالية، حتى غلبها النعاس مع شروق الشمس. في الصباح، استيقظت ليلى وخرجت من غرفتها، لتصادف والدتها. لاحظت أن والدها يتجنبها، وكأنه يخفي شيئًا عنها. بدا لها وكأنه يحمل دفترًا قديمًا، ما جعلها تشعر أن الحقيقة أصبحت أقرب مما تتوقع. تجاوزت الأمر وخرجت إلى المقهى حيث يجتمع أصدقاؤها. ليلى: صباح الخير يا رفاق. أصدقاؤها: صباح النور. سارة: كيف حالك اليوم؟ ليلى: لو تعلمون ما حدث البارحة لما صدّقتم… وبدأت تروي لهم ما حدث، وعلامات الاستفهام بادية على وجوههم. فارس: ماذا يقصد والدك بذلك؟ مريم: هذا مرعب حقًا. جود: يبدو الأمر وكأنه فيلم رعب. ليلى: يا إلهي، لقد دخلت في دوّامة لا حلّ لها… ما هذا الذي يحدث معي؟ أنا خائفة مما سيأتي. سارة (بنظرة اطمئنان): لا تخافي، نحن معك. عادت ليلى إلى المنزل، حيث كان الجميع نائمًا ككل يوم. كانت أكثر هدوءًا بعد حديثها مع أصدقائها، لكنها ما إن دخلت غرفتها حتى بدا التعب واضحًا على وجهها؛ فما مرّت به لم يكن سهلًا أبدًا. في منتصف الليل، وبينما هي غارقة في نومها، راودها حلم ليس كأي حلم سابق. رأت الظل نفسه. كانت ترتجف، وتلقي نظراتها على المكان بقلق، وكأنّه مألوف. تبيّن لها أنها المدرسة التي درست بها. توقفت أنفاسها حين اتجهت بنظرها نحو الظل الغامض، دون أن يظهر وجهه. لأول مرة… تكلّم. الغامض: — أنتِ من ناداني… لا أنا. ليلى (بصوت مرتجف): — لاااااااا! استيقظت ليلى فَزِعة، تتصبب عرقًا، وقلبها يكاد يخرج من صدرها. ليلى: — يا إلهي… ما هذا؟! إنه كابوس! ماذا يحدث معي؟ وما معنى كلامه؟ من يكون هذا؟! شربت القليل من الماء لتحاول تهدئة نفسها واستعادة وعيها، لكن الخوف لم يفارقها. شعرت بشيء غريب في يدها. نظرت إليها… كان هناك أثر خفيف، كخدش قديم، لم تتذكر كيف ظهر. في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن ما تراه لم يعد مجرد أحلام. وأن الغامض لم يعد يكتفي بالمراقبة. وأن الحقيقة… بدأت تترك أثرها عليها. جلست على سريرها وهمست بصوت خافت: — إذا كنتُ أنا من ناداك… فماذا كنتُ قبل أن أنساك؟ بقيت ليلى جالسة على سريرها لدقائق طويلة، تحدّق في الأثر الخفيف على يدها. لم يكن مؤلمًا، لكنه كان حقيقيًا أكثر مما يجب. مرّرت أصابعها عليه ببطء، وكأنها تتأكد أنه ليس وهمًا… لكنه لم يختفِ. نهضت من سريرها واتجهت نحو المرآة. حدّقت في انعكاسها طويلًا. كانت هي نفسها، لكن شيئًا ما تغيّر في نظرتها، كأنها ترى شخصًا آخر خلف عينيها. همست: — هل فعلتُ هذا بنفسي… أم أنت؟ لم يجبها أحد. لكن الصمت كان أثقل من أي صوت. مع بزوغ الصباح، خرجت ليلى من غرفتها ببطء. كان المنزل هادئًا على غير عادته. توجهت نحو غرفة والدها، فتوقفت فجأة حين رأت الباب مفتوحا قليلا. اقتربت بحذر. رأته جالسًا على الأرض، أمامه صندوق قديم مفتوح، ودفتر مهترئ بين يديه. الدفتر نفسه الذي لمحته في اليوم السابق. ترددت… ثم قالت بصوت خافت: — أبي؟ انتفض قليلًا، ثم أغلق الدفتر بسرعة. نظر إليها، وفي عينيه شيء يشبه الخوف. — لم يكن عليكِ أن تري هذا. تقدّمت خطوة أخرى. — بل كان يجب أن أراه منذ البداية. صوتها هذه المرة كان ثابتًا أكثر مما شعرت به. صمت والدها طويلًا، ثم قال: — ما يحدث معكِ الآن… ليس جديدًا. — الغامض الذي تتحدثين عنه… كان موجودًا منذ سنوات. — لكنه لم يظهر إلا عندما كنتِ ضعيفة… أو عندما ناديتِه دون أن تشعري. اتسعت عينا ليلى. — ناديتُه؟ كيف؟ هزّ رأسه بأسى. — لا أعرف كيف أشرح لكِ دون أن أؤذيكِ أكثر. — كل ما أعرفه أن بعض الأشخاص… يتركون وراءهم ظلالًا. — وأنتِ، يا ليلى، كنتِ دائمًا ترين ما لا نراه. اقتربت منه أكثر، وصوتها يكاد ينهار: — هل هو شخص؟ أم شيء آخر؟ — هل سيؤذيني؟ نظر إليها والدها مطولًا، ثم قال بصوت منخفض: — أخشى أنه لن يؤذيكِ… — لأنه مرتبط بكِ أكثر مما تتصورين. شعرت ليلى بقلبها يهبط فجأة. ارتجفت، وتراجعت خطوة إلى الخلف. — هذا يكفي… قالتها وهي تشعر بأن رأسها يثقل. — لا أريد أن أعرف أكثر الآن. غادرت الغرفة قبل أن تسمع أي شيء آخر. في تلك الليلة، لم تنم ليلى. جلست تكتب في دفترها، كلمات غير مرتبة، أفكار مشوشة، وأسئلة بلا إجابة. وفجأة… اهتز الهاتف. رسالة جديدة. فتحتها ببطء. “أنتِ تقتربين من الحقيقة… لكن الحقيقة ليست كما تظنين.” ارتعش قلبها، لكنها لم تشعر بذات الخوف هذه المرة. كان هناك شيء آخر… فضول. إحساس غريب بالألفة. كتبت، دون أن تفكر كثيرًا: — من أنت؟ لم تمرّ ثوانٍ حتى جاء الرد: “أنا الجزء الذي تركتِه خلفكِ… حين قررتِ أن تنسي.” أغلقت الهاتف بسرعة، وأنفاسها متسارعة. وضعت يدها على صدرها، ثم همست: — إن كنتَ جزءًا مني… — فعودتك لن تكون سهلة. وفي الظلام، شعرت ليلى بشيء يقترب… ليس خطوة، ولا صوتًا، بل حضورًا. وهنا، أدركت أن الفصل القادم لن يكون عن الهروب، بل عن المواجهة.