الفصل الرابع
وفي الصباح، حدث ما لم تكن تتوقعه.
كان والدها يجلس في المكان نفسه، على الكرسي الخشبي قرب النافذة، حيث اعتاد أن يبدأ يومه بصمت. لكن هذا الصباح كان مختلفًا.
بين يديه ورقة قديمة، صفراء الحواف، كأنها نجت من حريق أو نُسيت عمدًا لسنوات. ملامحه مشدودة، وعيناه غارقتان في شيء أبعد من الغرفة.
ما إن رآها حتى قال بصوت منخفض، متعب:
– آن الأوان أن تعرفي بعض الأشياء… قبل أن تعرفكِ هي.
توقفت ليلى في مكانها.
لم تفهم الجملة، لكنها شعرت بثقلها يسقط مباشرة على صدرها.
– ماذا تقصد يا أبي؟
رفع رأسه ببطء، نظر إليها طويلًا، كأنّه يراها للمرة الأولى، أو كأنّه يودّعها.
ثم قال:
– ما يحدث لكِ الآن… بدأ منذ سنوات. قبل أن تتخيلي.
اقتربت بخطوات مترددة.
الورقة بين يديه كانت ترتجف، أو ربما كانت يداه من ترتجفان.
– عن ماذا تتكلم؟ عن الرسائل؟ عن… الظل؟
لم يجبها فورًا.
مرّر أصابعه على الورقة، ثم دفعها نحوها.
أخذتها ليلى.
تاريخ قديم. اسمها مكتوب بخط غير مألوف. وجملة قصيرة، لكنها كافية لتزرع الرعب:
“راقبوها… إن عادت العلامات.”
رفعت رأسها بسرعة.
– ما هذه؟ ومن كتبها؟
تنفّس والدها بعمق، كأنّه يستعد لاعتراف لا يريد الخروج.
– كنا نظن أن الأمر انتهى. أنكِ كبرتِ، وتجاوزتِ كل شيء.
– أي شيء؟!
ارتفع صوتها رغمًا عنها.
صمت.
ثم قال بصوت مكسور:
– كانت لديكِ أشياء… وأنتِ صغيرة. أحلام لا تشبه أحلام الأطفال. صمت طويل. خوف بلا سبب. كنتِ تعرفين أشياء قبل أن تحدث.
شعرت ليلى بقشعريرة تزحف على ذراعيها.
كل ذلك… لم تتذكره. أو لعلها تذكّرته ودفنته.
– ولماذا لم تخبروني؟
سألته بعينين دامعتين.
أدار وجهه نحو النافذة.
– لأن بعض الحقائق لا تحمي… بل تُدمّر.
سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض:
– كنا نخاف أن تعود… هي.
توقفت أنفاس ليلى.
– من هي؟
لكنّه نهض فجأة، كأنّه قال أكثر مما يسمح له ضميره.
– لا تسألي أكثر الآن. ليس بعد.
ترَكها واقفًا، وغادر الغرفة.
بقيت ليلى وحدها.
الورقة في يدها.
والأسئلة في رأسها تصرخ.
في تلك اللحظة، أدركت أن الظل لم يظهر فجأة،
وأن الرسائل لم تُكتب من فراغ،
وأن الأيام… حين تثقل، لا تفعل ذلك عبثًا.
في المساء، جلست في غرفتها، تحاول ترتيب أفكارها.
لكن الشعور ذاته عاد…
شعور أن أحدًا يراقبها.
لم ترَ أحدًا.
لكنها كانت متأكدة.
اهتز هاتفها.
رسالة جديدة.
فتحتها بيد مرتجفة.
لم تكن مثل سابقاتها.
لا تهديد.
لا غموض مبالغ فيه.
جملة واحدة فقط:
“أخيرًا… أخبركِ.”
نهضت بسرعة، نظرت حولها.
المرآة المقابلة لها عكست صورتها…
وللحظة قصيرة، قصيرة جدًا، رأت ظلًا خلفها.
استدارت.
لا أحد.
عادت تنظر إلى نفسها.
وتسللت إلى عقلها فكرة أرعبتها أكثر من أي رسالة:
ربما الغامض لم يكن يقترب منها…
ربما كان يسكنها منذ البداية.