الفصل الثاني
البيت كان ساكت… ساكت بطريقة مختلفة عن الأيام اللي فاتت.
سلمى قاعدة على الكنبة في الصالة، رجليها مطوية تحتها، عينيها على الأرض.
بس المرة دي مش خايفة. المرة دي حست بحاجة… إحساس إنها لازم تعمل حاجة لنفسها، قبل ما البيت يبتلعها بالكامل.
منى قاعدة جنبها:
– “قوليلي، عملتي أيه من لما خرجنا المرة اللي فاتت؟”
سلمى هزّت راسها:
– “ولا حاجة… بس قلبي متلخبط.”
منى بصّت لها بحزم:
– “كفاية سكوت! لازم نتحرك، لازم نبدأ نغير أي حاجة حوالينا.”
سلمى حاولت تضحك:
– “ايه اللي نغيره؟”
منى حطت كتاب صغير على الأرض:
– “الكتاب ده… مش كتاب عادي، ده بداية.”
سلمى قربت تمسكه، ريحة الورق القديم والحنين غطت المكان.
– “ده كله كتب؟ مش فاهمة حاجة.”
منى ابتسمت:
– “ده مش بس كتب… ده تعليم. تعليم الحياة… مش التعليم اللي أبوك واخده في دماغه.”
فجأة، الباب اتفتح والدها واقف فيه:
– “سلمى… قاعده فين؟”
سلمى قامت بسرعة، لكنها فضلت واقفة ساكتة.
منى مسكت يدها همس لها:
– “خليكي هادية… وماتخافيش.”
أبوها قرب منها بخطوات سريعة:
– “بتعملي إيه هنا؟!”
سلمى بصّت له بعينين مش فاقدة الثقة:
– “أنا… أنا بتعلم.”
أبوها ضحك ضحكة قصيرة:
– “بتتعلمي إيه؟ البيت ده مكان للبنات؟!”
سلمى أخذت نفس طويل، وقالت بصوت ثابت:
– “أنا مش بس بنت… أنا إنسانة… وحقّي أتعلم.”
سكون غريب دخل المكان.
حتى أمها ما قالتش حاجة.
منى همست لها:
– “شوفي… ده بس البداية. لازم نخطط صح، وكل خطوة محسوبة.”
سلمى حست لأول مرة إن في حد جنبها، مش بس يواسيها… حد واقف معاها.
بعد المواجهة الصغيرة في الصالة، سلمى رجعت أوضتها.
قعدت على السرير، رجليها مطوية تحتها، والتليفون قدامها، بس المرة دي مش عايزة تتصل بأي حد… مش عايزة حد يوقفها أو يخوفها.
في نفس الوقت، في المطبخ، أبوها كان واقف مع عصام، ابن عمها اللي متعلم وكبير شوية:
– “البيت ده ما ينفعش البنت دي تمشي على مزاجها.”
عصام ضحك ضحكة قصيرة:
– “بصراحة… البنت عندها روح… بس غلطانة.”
أبوها قال بغضب:
– “روح تتكلم معاها. خليه يعرف إن الكلام ده ما ينفعش.”
عصام مشي تجاه سلمى، وهي واقفة على طرف الغرفة:
– “سلمى… هو في مشكلة كبيرة.”
سلمى بصت له بتحدي:
– “مشكلتك أنت؟”
عصام:
– “مشكلتي؟ لا… بس الحقيقة… أنا عايز أفهمك حاجة. البيت مش ضدك بس… الوضع حساس.”
منى ظهرت فجأة:
– “حساسة ازاي؟ ده ظلم! ظلم صريح!”
عصام اتلفت لها:
– “أنا عارف… بس حاولوا تسمعوا قبل ما تعملوا أي حاجة متهورة.”
سلمى ضحكت بخفّة، مش فرح، ضحكة فيها استهزاء:
– “متهورة؟ أنا؟! أنا اللي ساكتة سنين!”
منى أمسكت يدها:
– “بالظبط! والوقت ده لازم نبدأ نتحرك صح.”
عصام نظر لهم بحذر:
– “أنتوا عاملين شبكة صغيرة… ده ممكن يكون خطر عليكم لو الأب اكتشف أي حاجة.”
سلمى قالت:
– “أنا مش خايفة… كل اللي خايفة منه إن ضيّعت سنين من حياتي على قعدة فاضية.”
فى اللحظة دي، الباب اتفتح… أمها دخلت:
– “أنتوا هنا بتخططوا إيه؟”
منى رفعت إيدها:
– “مفيش تخطيط… بس بنتك لازم تعرف حقها.”
الأم حاولت تهدّي الجو:
– “سلمى… اعملي اللي نافعك… بس ابقي حاسبة البيت والعيلة.”
سلمى بصّت لها:
– “أنا حاسبة… وأول خطوة دلوقتي… إني أتعلم، مهما حصل.”
عصام ابتسم بخفة:
– “كويس… خطوة أولى صحيحة.”
فى اللحظة دي، سلمى حسّت إن في شيء جديد… إحساس بالسيطرة على حياتها لأول مرة.
لكن في نفس الوقت، كل خطوة فيها خوف… خوف من العقاب، خوف من الأب، خوف من البيت كله.
منى قالت لها:
– “المعركة لسه بدأت، بس كل خطوة محسوبة، وكل كلمة محسوبة… دلوقتي إحنا مع بعض.”
سلمى حست إن الكلام ده أقوى من أي كلمة أبوها قالها.
عد يوم طويل من الصمت والضغط، سلمى قاعدة في أوضتها، رجليها مطوية على السرير، وهي بتفكر:
– “مش هفضل ساكتة… مش هفضل أضيع حياتي هنا.”
منى قعدت جنبها، وقالت:
– “دلوقتي يا سلمى، محتاجة خطة واضحة. كل خطوة محسوبة.”
سلمى بصّت لها:
– “يعني إيه خطة؟ أنا مش عارفة أعمل حاجة من زمان.”
منى ابتسمت بخفة:
– “هنتعلم مع بعض… وهنبدأ صغير، خطوة خطوة.”
في نفس الوقت، في الصالة، أبوها واقف، وشه مقفل، وأيده على الباب:
– “سلمى… تعالي هنا دلوقتي.”
سلمى قامت بثبات، ومسكت شنطتها الصغيرة:
– “لا… مش دلوقتي.”
أبوها اتعصب:
– “مش دلوقتي؟! إنتي قاعدة تتحديني؟”
سلمى وقفت وشه لها، بصوت ثابت:
– “لأ… أنا بتحدي نفسي الأول، مشكلك.”
منى قالت له:
– “سيبها… دلوقتي لازم تسمع الكلام اللي تقولوه.”
قبل ما يكملوا النقاش، الباب اتفتح مرة تانية، ودخل مروان، شاب بيشتغل في المكتبة اللي سلمى راحت لها قبل كده:
– “سلام… سمعت إن في حد محتاج يتعلم… ومحتاج حد يقف جنبه.”
سلمى ابتسمت لأول مرة بشكل طبيعي:
– “ده أنا… بس ازاي؟”
مروان حط كتاب على الطاولة:
– “الكتاب ده هيساعدك تبدأ من الأول، حاجة عملية… مش مجرد كلام.”
سلمى أخدته بحذر، قلبها بيتسارع:
– “مش مصدقة… أول مرة حد يساعدني من غير ما يفرض عليا حاجة.”
منى همست لها:
– “شوفي… ده اللي كنا محتاجينه. خطوة واحدة صغيرة… بس مهمة.”
أبوها ضحك بسخرية:
– “خطوة؟ هي خطوة ولا تهور؟”
سلمى ردت بثقة:
– “خطوة… لكل بنت حاسة إنها مش موجودة.”
العائلة كلها صمتت، حتى أمها، اللي كانت محتارة بين دعم بنتها وحماية بيتها.
سلمى نظرت للكتاب، حسّت إن فيه مفتاح… مفتاح للحرية، لأول مرة في حياتها.
منى قالت لها:
– “الخطوة الجاية… هنتعلم حاجة جديدة كل يوم، ومحدش يعرف. كله سري.”
سلمى اتنفسة بعمق، وقالت:
– “تمام… أنا مستعدة.”
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح تاني، ودخلت دينا، بنت الجيران:
– “سمعت إن في حد عايز يهرب من الروتين… وحابة أشارك.”
سلمى ضحكت بخفة:
– “حلو… يبقى إحنا 4، شبكة صغيرة.”
منى ابتسمت:
– “أيوه… شبكة صغيرة، بس قوية. ومفيش حد هيوقفنا دلوقتي.”
القلب دق، والخوف كان موجود، بس لأول مرة، سلمى حست إنها مش لوحدها.
وإنها أخيرًا بدأت تتحكم في حياتها.
بعد ما سلمى، منى، دينا، ومروان اجتمعوا في أوضتها، كل واحدة فيهم حست بالمسؤولية.
منى بدأت بالحديث:
– “الخطوة الأولى… الدراسة السرية. مش هنخلي حد يعرف حاجة.”
سلمى بصّت لهم:
– “يعني أتعلم من غير ما أبين؟ بس إزاي؟”
مروان حط كيس صغير فيه كتب وأوراق:
– “هنا… كتب وملاحظات، هتتعلمي في البيت، أي وقت، أي مكان.”
دينا ضحكت بخفة:
– “ده أحسن من القعدة على الكنبة كل اليوم.”
سلمى أخدت نفس طويل، وقالت:
– “تمام… أنا معاكم.”
في نفس اللحظة، الباب اتفتح فجأة، وأبوها واقف فيه بعينين غاضبتين:
– “إيه الكلام ده؟! إنتوا بتخططوا إيه هنا؟”
منى حاولت تهدي الجو:
– “ولا حاجة… بنتك بس عايزة تتعلم.”
أبوها ضحك بسخرية:
– “تتعلم؟ أنا اللي هقرر ده.”
سلمى وقفت بكل شجاعة:
– “لأ… أنا اللي هقرر لنفسي. مش انت!”
الصمت عم المكان… حتى الهواء كأنه اتجمد.
أمها وقفت بينهما:
– “سلمى… افتكري إن كل خطوة ليها ثمن.”
سلمى بصت لها:
– “عارفة… بس أنا مستعدة.”
منى همست في ودن سلمى:
– “دلوقتي… لازم نحط خطة الهروب من المراقبة.”
مروان بدأ يشرح:
– “كل يوم ساعة، في أي وقت محدش يكون حواليكي… الدراسة هتكون هنا. أي سؤال… أنا هنا.”
سلمى حسّت أول مرة إنها قوية.
قلبها اتسارع، لكن عقلها كان صاحي:
– “أول مرة أحس إن في أمل.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح تاني، ودخل عصام، ابن عمها:
– “سمعت إن في حركة غريبة… أي حد يحاول يعمل حاجة من غير موافقة، هتبقى مشكلة كبيرة.”
سلمى بصت له بثبات:
– “أنا مش خايفة… كل خطوة محسوبة.”
منى ضحكت بخفة:
– “شايفة؟… دلوقتي إحنا فريق… مفيش حد هيوقفنا دلوقتي.”
أبوها زفر بغضب:
– “دي بداية العصيان… وأنا مش هسيب ده يعدي.”
سلمى اتنفسة عميقة، وعينيها كانت مليانة حماس:
– “أنا مش عصيان… أنا بس بتعلم أعيش.”
في اللحظة دي، مروان فتح الكتاب وبدأ يشرح أول درس:
– “الدرس الأول… التنظيم. كل حاجة ليها وقت… أي حاجة غلط هتكشفنا.”
سلمى سمعت، قلبها دق، إحساس جديد دخلها… شعور بالحرية لأول مرة، لكنه جاي مع توتر كبير.
منى قالت لها:
– “ده بس البداية… الفصل التاني خلص دلوقتي… بس الفصل التالت هيكون أصعب… وهنحتاج كل شجاعتنا.”
سلمى ضحكت بخفة:
– “أنا مستعدة… حتى لو البيت كله ضدنا.”