بين القفل والمفتاح - الفصل الاول | روايتك

اسم الرواية: بين القفل والمفتاح
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

الساعة كانت داخلة على عشرة الصبح، والشمس واقفة قدام الشباك كأنها بتستفزها. سلمى كانت قاعدة على الكنبة، رجليها متنية تحتها، والتليفزيون شغال من غير صوت. مش محتاجة تسمعه… هي حفظت البرامج دي عن ظهر قلب. ستات بتطبخ، ستات بتعيّط، ستات بتشتكي من رجالة، وولا واحدة فيهم بتسأل: “أنا كنت عايزة إيه؟” سلمى عندها 17 سنة. يعني في عمر البنات اللي بتشيل شنط وبتجري على الدروس، بس شنطتها مرمية فوق الدولاب، والتراب بقى جزء من لونها. من أوضة النوم، صوت أمها طالع: – “سلمى! قومي شيلي الغسيل بدل ما ينشف زيادة!” ردّت من غير ما تبص: – “حاضر.” قامت، جسمها تقيل، مش من كتر النوم… من كتر القهر. وهي بتنشر الهدوم، عقلها سرح غصب عنها. آخر يوم مدرسة. آخر امتحان إعدادي. رجعت البيت وهي فرحانة، ماسكة الشهادة كأنها كنز. فاكرة نفسها دخلت البيت وهي بتقول: – “يا بابا أنا عايزة أدخل ثانوي عام.” ساعتها… البيت كله سكت. أبوها، الحاج رجب، بص لها نظرة عمرها ما نسيتها: – “ثانوي إيه؟ هو انتي فاكرة نفسك مين؟” افتكرت الضحكة اللي كانت على وشها وهي بتقع حتة حتة. رجعت للحظة. أمها خرجت من الأوضة، بصّت لها وهي بتنشر: – “افردي الملاية كويس، شكلها وحش.” سلمى سكتت. السكات بقى لغتها الرسمية. أخوها الصغير، محمود، داخل من الباب وهو بيقول: – “ماما أنا نازل ألعب.” الأم: – “بس ترجع بدري.” سلمى بصّت له. هو أصغر منها بس بيدرس. بيطلع. بيتحرك. وهي؟ كأنها اتشالت من العدّاد. بعد الضهر، قعدة الغدا. أبوها قاعد على رأس السفرة، وشه مكشر كعادته. سلمى بتاكل في صمت. فجأة قال: – “بكرة هتيجي أمك معايا عند طنط صباح.” قلبها دق. – “ليه؟” بص لها بحدة: – “علشان في عريس.” الكلمة نزلت عليها زي الطوبة. أمها حاولت تلطف: – “لسه كلام بس…” سلمى رفعت صوتها لأول مرة من سنين: – “أنا مش هتجوز.” السفرة كلها اتجمدت. أبوها قام واقف: – “انتي بتعلي صوتك؟” إيديها كانت بتترعش: – “أنا عايزة أتعلم.” ضحك. ضحكة قصيرة، قاسية: – “تتعلمي إيه؟ الطبخ؟ ما انتي قاعدة أهو.” السكوت نزل تاني، بس المرة دي كان تقيل. سلمى قامت من على السفرة: – “أنا شبعت.” دخلت أوضتها وقفلت الباب. قعدت على الأرض، ضهرها للحائط، وعينيها على الشنطة فوق الدولاب. مش عايزة معجزة. ولا فارس. ولا نهاية وردي. هي بس عايزة باب يتفتح. أوضة سلمى كانت ضلمة، مش علشان النور مطفي… علشان روحها كانت مطفية من زمان. قعدت على الأرض، ساندة دماغها على ركبها، والشنطة فوق الدولاب باصة لها كأنها بتتريق. همست: – “كنت شاطرة… كنت.” افتكرت المدرّسة وهي بتقول: – “سلمى لو دخلتِ ثانوي، هتبقي من الأوائل.” ضحكت ضحكة مكسورة. – “أوائل فين؟ أنا هنا.” خبط خفيف على الباب. أمها: – “سلمى… افتحي.” مردّتش. الأم كملت بصوت واطي: – “مش كل حاجة تتاخد بالعافية يا بنتي.” سلمى انفجرت: – “لا، بالعافية يا ماما! كل حاجة في حياتي بالعافية!” الباب اتفتح بهدوء. أمها دخلت وقعدت جنبها على الأرض. – “أبوكي راجل صعب… وانتي عارفة.” سلمى بصّت لها: – “وانا بنتك. مش حاجة.” الأم سكتت. والسكوت كان اعتراف. بعد شوية، صوت أبوها من الصالة: – “البت دي لازم تتربط.” الكلمة دخلت في ودان سلمى زي المسمار. قامت وقفت فجأة: – “أنا مش حيوان!” أمها مسكت إيديها: – “اسكتي!” سلمى زقت إيدها: – “لا! مش هسكت!” خرجت للصالة، واقف قدام أبوها لأول مرة. – “أنا مش عايزة أتجوز. ولا دلوقتي ولا بكرة.” أبوها قرب منها خطوة: – “غصب عنك.” قلبها كان بيخبط في صدرها: – “ليه؟ علشان أنا بنت؟” بص لها من فوق لتحت: – “أيوه.” الكلمة كانت بسيطة… بس كسرت فيها حاجة ما بتتصلحش. محمود كان واقف في الركن، بيبص بخوف. سلمى بصّت له: – “ذاكر يا محمود. علشان ما تبقاش زيي.” وسابتهم ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالمفتاح. قعدت على السرير، مسكت التليفون القديم اللي كانت مخبياه. فتحت شات قديم… اسم واحدة: هبة – صاحبة المدرسة كتبت: “انتي في ثانوي عاملين إيه؟” ردت بعدها بدقيقة: “صعب بس حلو. انتي فين؟” سلمى كتبت، ومسحت، وكتبت: “في البيت.” “ليه؟” سلمى سابت الموبايل، وعيطت. مش عياط بصوت… عياط يخنق. من برة، صوت أمها وهي بتقول لأبوها: – “حرام عليك يا رجب.” وهو: – “الحرام إننا نسيبها برا.” سلمى بصّت للسقف: – “أنا مش برا… أنا جوة قوي.” قامت، فتحت الشباك. الهوا دخل خفيف. سمعت صوت بنات بتضحك في الشارع. شنط على ضهرهم. مدرسة. قفلت الشباك. وقالت لنفسها بهدوء مخيف: – “أنا مش هموت هنا… بس لازم أستنى.” الصبح دخل من الشباك غصب عنه. سلمى كانت صاحية من قبل الفجر، بس مغمضة عينيها، مش علشان نايمة… علشان مش عايزة تقوم لنفس اليوم. صوت خبط على الباب. – “سلمى؟” الصوت كان مختلف. مش صوت أمها. فتحت عينيها بسرعة. – “مين؟” – “أنا منى.” قلبها دق. منى بنت خالتها، آخر مرة شافتها كانت لسه في المدرسة. قامت فتحت الباب. منى دخلت وهي بتبص حواليها: – “إيه القعدة الكئيبة دي؟ انتي عاملة زي السجن الحربي.” سلمى ابتسمت نص ابتسامة: – “هو كده فعلًا.” منى قعدت على السرير من غير استئذان: – “سمعت اللي حصل.” سلمى: – “سمعتي إيه بالظبط؟” منى: – “إنك مش هتكملي تعليمك.” الكلمة وجعت أكتر لما اتقالت بصوت حد تاني. سلمى بصّت للأرض: – “خلصت.” منى: – “خلصت إيه؟ انتي عندك 17 سنة مش 70.” سلمى: – “انتي مش فاهمة بابا.” منى قربت منها: – “لا فاهمة… بس مش قابلة.” في اللحظة دي، أمها دخلت الأوضة: – “منى؟ جيتي إمتى؟” منى بابتسامة مصطنعة: – “لسه دلوقتي، قلت أعدي أطمن.” الأم بصّت لسلمى بنظرة تحذير: – “خلي بالك من كلامك.” منى فهمت الرسالة، بس ما سكتتش: – “خالتي، هو حرام البنت تتعلم؟” الأم اتلخبطت: – “مش موضوع حرام… موضوع ظروف.” منى: – “دايمًا الظروف بتيجي على البنات.” قبل ما تكمل، صوت أبو سلمى جه من برة: – “منى، اقعدي في الصالة.” سلمى حسّت قلبها وقع. منى قامت: – “ماشي.” قبل ما تطلع، همست لسلمى: – “متسكتيش.” الصالة كانت مشدودة. أبوها قاعد، وشه مقفول. منى واقفة قدامه، مش قليلة الأدب، بس مش خانعة. – “خير يا حاج؟” – “خير لما كل واحد يعرف حدوده.” منى: – “حدود إيه؟ دي بنتك.” سلمى دخلت وراها: – “سيبي يا منى.” أبوها بص لها: – “انتي مالكش كلام هنا.” سلمى اتشجعت فجأة: – “لأ، ليا.” البيت كله سكت. حتى أمها. – “أنا مش عايزة أتجوز، ومش عايزة أقعد في البيت، وده حقي.” أبوها قام واقف: – “حقك أنا اللي أديهولك.” منى دخلت بينهم: – “لو سمحت…” – “انتي اخرسي!” الكلمة اتقالت بصوت عالي. منى اتجمدت. سلمى حسّت حاجة اتكسرت جواها للأبد. في اللحظة دي، صوت ست كبيره جه من الباب: – “إيه الصوت العالي ده؟” الحاجة زينب… جدتها. دخلت بعكازها، وعينها لفت على الكل. – “البيت مقلوب ليه؟” أبوها حاول يهدّي: – “ولا حاجة يا أمي.” الحاجة زينب بصّت لسلمى: – “تعالي جنبي.” سلمى قربت. الحاجة زينب: – “البنت دي شبه أمها… وانا كنت زيها.” أبوها: – “مش وقته الكلام ده.” الحاجة زينب ضربت العكاز في الأرض: – “وقته دلوقتي.” سكت. قالت: – “اللي يكسر بنته… ما يستناش منها تفضل سليمة.” الكلام نزل تقيل. سلمى لأول مرة حسّت إن في حد واقف في صفها. بس في نفس اللحظة، عرفت حاجة أخطر: المعركة لسه بتبدأ. بعد الغضب اللي حصل في اليوم اللي فات، سلمى قعدت في أوضتها تفكر. الموبايل جنبها، بس مش عايزة تكلمه، مش عايزة حد يدخلها جوة المشكلة… لكن المرة دي إحساسها مختلف، قلبها متوتر، دماغها مش ساكتة. في الصالة، أبوها كان قاعد على الكرسي الكبير، وشه مقفل كأنه حجر، وعينيه على التلفزيون اللي ما بيشغلش حاجة. أمها واقفة جنبه، كل شوية بتبص على سلمى، وبتحس بالقلق. وفجأة، الباب اتفتح… ودخل منى زي عاصفة: – “سلمى! يلا نخرج دلوقتي قبل ما البيت يقفل علينا تاني!” سلمى بصت لها بدهشة: – “تخرج؟ دلوقتي؟” منى ضحكت: – “آه دلوقتي… احنا محتاجين شوية حرية قبل ما الدنيا تشمنا.” سلمى فكرت شويه، حسّت بخطر، بس قلبها اتلجم: – “أوكي… بس لازم نكون حذرين.” خرجوا من البيت، الشارع كان فاضي شويه، الشمس لسه طالعة، والهواء باخد في وجوههم. منى بدأت تحكي: – “بصّي، أنا جبتلك حاجة… حاجة هتخليكي تحسي إنك مش قاعدة في سجن.” سلمى بصت لها: – “ايه الحاجة دي؟” منى حطت إيديها على شنطة ظهرها: – “هتعرفي لما تشوفيها، بس خليكي جاهزة للصدمة.” سلمى فضولها خلاها تبتسم شويه. بعد شوية، وصلوا لمكتبة صغيرة في آخر الشارع، مكتبة مروان. مروان كان واقف ورا الكاونتر، عيونه على سلمى: – “أهلاً… سمعت إن في حد محتاج يهرب من الروتين.” منى ضحكت: – “أه ده اللي جايلك.” سلمى دخلت المكتبة، ريحة الورق والكتب القديمة مليا المكان. حست بالراحة لأول مرة من أيام. مروان مسك كتاب من على الرف: – “الكتب دي هتكون بداية… مش بس للهروب من البيت، لكن لهروب من القيد اللي حواليكي.” سلمى لمست الكتاب، شعرت بشيء داخلي… إحساس إنها أخيرًا عندها مكان آمن، حتى لو كان مؤقت. فى اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة… أبوها واقف في الشارع. – “سلمى! فين رايحة؟!” القلب اتوقف… سلمى رجعت تبص لمنى، ومنى قالت لها بهدوء: – “دلوقتي يا سلمى، لازم تبيني شجاعة.” سلمى أخدت نفس طويل، وقالت بصوت ثابت: – “أنا عايزة أعيش حياتي… ولو حاولت تمنعوني، أنا هحارب.” أبوها اتجمد… محدش كان متوقع الكلام ده من بنت 17 سنة، ساكتة ومقفولة طول عمرها. منى أمسكت إيد سلمى: – “تعالي… احنا مع بعض.” سلمى مشيت وراها، وكل خطوة كانت شعور بالحرية لأول مرة، لكن في نفس الوقت خوف من العواقب. مروان سلمها كتاب صغير، غريب، عتيق: – “ابدأي بيه… هو مش مجرد كتاب، ده خريطة.” سلمى بصت له بدهشة: – “خريطة إيه؟” مروان ابتسم: – “خريطة الطريق للخروج من كل القيود… حتى اللي جوا قلبك.” سلمى ضحكت بخفة… لأول مرة الضحكة ما كانتش مكسورة، كانت بداية.