الفصل 1
.
.
مدى
ليل الرياض له سكون يخوّف… مو هدوء، كأنه يخبي أسرار بين نسماته.
مدى وهي واقفة عند الشباك وملامحها شاردة: ليه كل ما كبرت… كبر معي الخوف؟
الهوا البارد لفّ على أطراف ستارتها، بس اللي داخل صدرها كان أبرد.
من كان عمرها سبع سنين… وذكرياتها واقفة عند ليلة وحدة.
صراخ.
صوت باب ينضرب بقوة.
وأبوها يطلع بدون ما يلتفت.
مدى وهي تغمض عيونها وألم قديم يخنقها: ابوي ما كان يتركنا… مستحيل.
بعدها بأسبوع قالوا: حادث.
قضاء وقدر.
بس قلبها ما اقتنع.
---
أم خالد من تحت وصوتها هادي: مدى! تعالي سلمي على عمّاتك.
مدى وهي تعدل نفسيتها بسرعة: جاية يمه.
نزلت لقسم الحريم. الضحك يعبي المكان، وريّحة القهوة ثقيلة ودافية.
نجلاء وهي تبتسم: كبرتي يا مدى.
مدى وهي تجلس جنب أمها: هذا وأنا صغيرة كنت مزعجة.
ضحكوا… بس الضحكة ما وصلت لعيون أم خالد.
نجلاء وهي ترتشف قهوتها بنبرة عفوية: الظاهر الشراكة بترجع بين العايلتين.
مدى وهي ترفع راسها بسرعة: أي شراكة؟
نجلاء: شغل رجال… ما لنا فيه.
مدى وهي تتنهد بخفة: كل شي مهم بحياتنا يصير اسمه شغل رجال.
أم خالد وهي ترميها بنظرة تحذير: خليك بحالك يا مدى.
سكتت.
بس عقلها بدأ يشتغل.
---
بعد ما طلعوا الضيوف، طلعت غرفتها وقفلت الباب.
فتحت درج مكتبها ويدها ترتجف شوي.
طلعت ظرف قديم تخبيه من سنين.
مدى وهي تهمس: يمكن اليوم أفهم.
طلعت تسجيل صوتي قديم. ضغطت تشغيل.
صوت أبوها كان واضح… لكن فيه توتر: لو صار لي شي… لا تثقين بأحد.
وانقطع التسجيل.
مدى وهي تحبس دمعتها: لا أثق بأحد؟ حتى عمي؟
قلبها بدأ يدق بسرعة.
---
اليوم الثاني – الجامعة
مدى وهي تمشي بالممر وملامحها ثابتة: بعيش طبيعي… حتى لو داخلي مو طبيعي.
حست بنظرات تلاحقها.
التفتت.
كان فهد واقف بعيد، عيونه ثابتة عليها.
مدى وهي تشد شنطتها: وش يبي؟
فهد وهو يقرب بخطوات موزونة: نحتاج نتكلم.
مدى ببرود: ما عندي شي أقوله لك.
فهد وهو يثبت نظرته فيها: يمكن… بس عندي أنا.
مدى: عن وش؟
فهد وصوته أخفض: مو كل شي انقال لك عن ابوك صحيح.
الكلمة نزلت عليها مثل صدمة.
وقبل ما ترد… جاها اتصال.
رقم خاص.
مدى: ألو؟
صوت رجل كبير ونبرته باردة: لا تثقين بأي أحد يحاول يفتح لك الماضي.
وانقطع الخط.
مدى وهي تنزل الجوال ببطء: مين هذا؟
رفعت عيونها.
فهد كان يراقبها.
فهد بهدوء غامض: بعض الأبواب إذا انفتحت… ما تتسكر.
ومشى.
مدى واقفة مكانها.
الخوف اختلط بفضول.
وتحدي.
مدى وهي تهمس لنفسها: إذا فيه سر… أنا اللي بكشفه.
.