البيت الذي يتنفس - الفصل 4 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: البيت الذي يتنفس
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 4

الفصل 4

تجمّد جسدي عندما سمعتُ الصوت. — «تأخرتَ كثيرًا يا بني.» لم يكن صدى، ولم يكن وهمًا. كان صوت أبي… بنبرته نفسها، بذلك الثقل الهادئ الذي طالما شعرتُ معه بالأمان. قلتُ بصوت مرتجف: — «أبي؟ أين أنت؟» أضاء المصباح فجأة، فعاد الضوء خافتًا كما كان. نظرتُ إلى سامر، فوجدتُ وجهه شاحبًا أكثر من قبل. قال بصوت منخفض: — «لا تجبه.» — «كيف لا أجيبه؟ هذا أبي!» أمسك بذراعي بقوة، وكانت يده باردة على نحو غير طبيعي. — «إن أجبتَه، ستُكمل ما بدأه.» سُمعت خطوات من أعلى الدرج. بطيئة، ثابتة، وكأن صاحبها يعرف أننا ننتظر. ظهر ظلّ رجل عند بداية السلالم، لم تتّضح ملامحه، لكن طوله، وطريقة وقوفه… كلّها كانت مألوفة. قال الصوت: — «عدتَ أخيرًا. البيت لم يكتمل بدونه.» سألتُ بصعوبة: — «ما هو النفس الأخير؟» ساد صمت قصير، ثم أجاب الصوت: — «هو العهد. حين يسلّم الأب ما لم يستطع احتماله لابنه.» تدخّل سامر، وقد ارتعش صوته: — «هو يريدك بديلًا عنه.» التفتُّ نحو سامر بصدمة: — «بديلًا؟» قال: — «كل من بقي هنا، جاء لأن أحدًا قبله حاول الهرب. البيت لا يسمح بالنقص.» تقدّم الظلّ خطوة، وقال أبي: — «لم أهرب… حاولتُ أن أنقذك.» وفجأة، انفتح باب في الجدار لم يكن موجودًا من قبل. دخلنا الغرفة خلف الظلّ، وكأن أقدامنا لم تعد تطيعنا. كانت غرفة مليئة بالدفاتر، أوراق مبعثرة، ورسومات غريبة للبيت من زوايا مختلفة. على الطاولة، دفتر قديم، عرفتُه فورًا. كان دفتر أبي. فتحتُه بيدين مرتجفتين، وبدأت أقرأ. > «البيت ليس حيًّا… لكنه يتنفّس من خلالنا. كل شخص يدخل وهو يحمل سرًّا ثقيلًا، يصبح شقًّا جديدًا في جدرانه.» رفعتُ رأسي وقلت: — «كنتَ تعرف الحقيقة.» ظهر أبي أمامي، هذه المرّة بملامحه كاملة. لم يكن شبحًا، بل صورة ناقصة… كأن الزمن نسي أن يُكمله. قال: — «عرفتُ متأخرًا. حين أدركتُ أن البيت اختارك من طفولتك.» — «اختارني؟ لماذا؟» أجاب وهو ينظر إليّ بحزن: — «لأنك كنتَ تسمع تنفّسه… وأنا حاولتُ أن أقطع الرابط.» صرخ سامر: — «وأنا؟ ماذا عني؟» نظر إليه أبي وقال: — «أنتَ بقيتَ لأنك رفضتَ الحقيقة.» التفتُّ إلى سامر، فلاحظتُ أنّ صورته في المرآة خلفه لم تكن تتحرّك. قال سامر بهدوء مستسلم: — «أنا لم أمت… لكنني لم أعد حيًّا أيضًا.» فهمتُ الآن. البيت لا يقتل… هو يُعلّق الأرواح بين الرحيل والبقاء. قال أبي: — «إما أن تأخذ مكاني، أو ينهار البيت بمن فيه.»