الفصل 2
دخلتُ.
لم أُجبر على ذلك، ولم يُسحب جسدي إلى الداخل، لكنني شعرتُ بأنّ البيت انتظر هذه اللحظة طويلًا. ما إن تجاوزت العتبة حتى أُغلق الباب خلفي بهدوء، لا بعنف، وكأنّه يخشى أن يوقظ أحدًا نائمًا.
كان الداخل مظلمًا، لكن ليس ظلامًا كاملًا. ضوء خافت يتسرّب من مصباح يتدلّى في منتصف الصالة، يتأرجح ببطء، رغم أنّ الهواء كان ساكنًا.
ناديت بصوت حاولتُ أن أجعله ثابتًا:
— «أبي؟»
ارتدّ الصوت إليّ ضعيفًا، مشوّهًا، كأنّ الجدران لم تُحسن تقليده.
تقدّمتُ خطوات قليلة. الأرضية الخشبية أصدرت صريرًا خفيفًا، فشعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري. هذا الصوت أعرفه… كم مرّة وبّخني أبي لأنني أركض هنا؟
قلت في نفسي: هذا مجرد بيت قديم… الذكريات تلعب بعقلك.
لكن البيت لم يدعني أكمل كذبتي.
سمعتُ صوتًا من خلفي يقول بهدوء:
— «كنتُ أعلم أنك ستعود.»
استدرتُ بسرعة.
كان شابًا يقف قرب الباب، في مثل عمري تقريبًا. ملامحه شاحبة، وعيناه غارقتان في سواد عميق، لكنه بدا حقيقيًا… واقعيًا أكثر مما ينبغي.
قلت بحدة:
— «من أنت؟ وكيف دخلت؟»
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— «سؤالان، لكن جوابهما واحد. اسمي سامر… وأنا هنا منذ زمن.»
— «هذا مستحيل، دخلت قبل دقائق فقط.»
هزّ رأسه ببطء.
— «الوقت هنا لا يُقاس بالدقائق.»
سكت قليلًا ثم أضاف:
— «وأنت ابن نادر، أليس كذلك؟»
انقبض قلبي.
— «نعم… هل تعرفه؟»
نظر إلى الأرض قبل أن يجيب:
— «كان آخر شخص رأيته قبل أن يُغلق البيت فمه.»
— «ماذا تعني؟»
رفع نظره إليّ وقال بصوت خافت:
— «أعني أنّ البيت… يبتلع.»
جلستُ على أقرب كرسي، محاولًا استيعاب كلامه.
— «لماذا أنا هنا إذًا؟ ولماذا أرسل لي أبي رسالة؟»
اقترب سامر خطوة واحدة، ثم قال:
— «لأن البيت لا يحتفظ بمن لا ينتمي إليه… وأبوك كان ينتمي أكثر مما يجب.»
صمتُّ.
تابع سامر:
— «كان والدك يبحث في أشياء لا ينبغي البحث فيها. ظنّ أن البيت مسكون، لكنه اكتشف الحقيقة متأخرًا.»
— «وما هي الحقيقة؟»
تردّد، ثم قال:
— «البيت ليس مسكونًا بالأرواح… بل بالأسرار. كل سرّ غير معترف به، كل ذنب لم يُغفر، يجد له مكانًا هنا.»
وقبل أن أسأله أكثر، سمعنا صوتًا قادمًا من الطابق العلوي.
خطوات.
ليست سريعة، ولا بطيئة، بل محسوبة… متعمّدة.
قال سامر بصوت متوتر:
— «لم يكن يجب أن تدخل هذه الليلة.»
— «لماذا؟»
— «لأن الليلة… هي ليلة النفس الأخير.»
انطفأ المصباح فجأة.
وفي الظلام، سمعتُ صوتًا أعرفه أكثر من نفسي:
— «تأخرتَ كثيرًا يا بني.»
تجمّدت الدماء في عروقي.
ذلك الصوت…
كان صوت أبي.