الفصل 6
سييرا ..استيقظي هيا سييرا "تاليا" جاءت ! هيياااا
صوت أمي كان حنونا كعادته, لكنه اقتحم هدوئي الذي ألوذ به كل صباح . فتحت عيناي ببطء, لا لأنني نائمة , بل لأنني لم ارغب في العودة لهذا العالم بعد. أتنهد، استمع لوقع خطواتها في الممر و أفكر: لماذا يصرّون على سحبي من عالمي في هذه الساعة المبكرة؟
كنت مستيقظة طوال الليل, أفكر كعادتي و عقلي يدور حول أفكار لا تتوقف، على عكس ما تحب أمي التي كثيراً ما تفتح الباب و تدخل إلى غرفتي لتجدني اقرأ أو أكتب مُعلنةً أنني لا أزال مستيقظة .
خرجت من غرفتي على صوت ضحكات أختي "تاليا" تكبرني بأربعة أعوام . تبدو كما هي دائماً : دافئة,صاخبة , ممتلئة بالحياة . تزوجت قبل عامين و تعيش في مدينة أخرى بعيدة عنا، جلست بجواري تحدثني بلهجة تجمع بين العطف و الحزم , لكنها و على الرغم من طريقتها ما زالت تعاملني كأنني الطفلة الصغيرة التي كانت تمشط لها شعرها .
أحبها ..نعم . لكنني لست مثلها.
و على الجانب الأخر كان "مارتن ," و هو طبيب الأسرة , جلس يراقب الحوار بصمت المثقفين الذين يختارون كلماتهم بعناية، صحيح انه يكبرني بعامين لكنه اقرب إفراد عائلتي لقلبي, أعده الحامي لي ..نعم هكذا اسمه على هاتفي )حامي سييرا ( . كنت أرى في عينيه مزيجاً من الفخر بي و الدهشة من اختياراتي.
حسناً تركت تعريف أبي "فيكتور" أخيراً لأنه أكثر من مجرد أب؛ لم يكتفي بالمجهود الذي بذله جدي"أوتوو" ليجعل عائلتنا ذات مكانةً رفيعة ،بل تابع عمله منذ سنوات طويلة ليصبح من ضمن أكثر رجال الأعمال معرفةً في برلين ، كان منزلنا يطل على ارقي الأحياء السكنية في المدينة ، حيث كانت قاعة الاستقبال تعج بلوحات فنيه نادرة ، و أثاثاً فاخراً يعكس ذوقه الرفيع .كان دائماً حاضر بنصائحه و طيبة قلبه. يكفي حضوره الذي يشعرني بالأمان . لنكتفي بهذا الحد الآن لا أريد أن أطيل أكثر ف عائلتي تستحق كتاباً أخر .
أنا "سييرا " في العشرين من عمري، ندرة اسمي سببت لي بعض الشهرة على عكس ما كنت أريد و مع ذلك فأنا أحب اسمي الاسباني و الذي يعني "الجبال" و بين الحين و الأخر أتذكر مقولة إن الاسم يشبه صاحبه .. وأنا لا اعرف إن كنت قد شابهت الجبال فعلًا. ساكنةً في الظاهر، وداخلي .. فوضى لا تُرى .
في وجهي ظهر انعكاس أصولي العربية حيث تجلت في عينيّ الداكنتين، أما عن ملامحي ، كما يقولون ، مزيج من حدة الملامح العربية و نعومة الأوروبية شيء
جعلني أبدو مختلفة ملفتة ، لكنني لا ارتاح لتلك النظرات التي تحاول اختراق ما أخفيه. أحب شعري الأسود الطويل أيضاً الذي كان يُذكر أمي بجدتي.
و بمناسبة الطول هذا الموضوع يُعد حساس عندي ربما لأنني لا أتعدى158سم ، وعلى الرغم من قِصر قامتي، لكنني على مستوى عالي من الرشاقة يا رفاق.
الصغرى بين إخوتي..
لم التحق بالجامعة التي أردتها بالتأكيد حزنت لا تسأل اسأله غير منطقيه؛ بل ها أنا ذا بالفرقة الثالثة في جامعة أخرى و لا أزال اكره ما ادرسه .. كلية أصبح بعدها "معلمة"، مهنة شريفه و جميلة لكنه مسار لم اخططه له، في خلال الثلاث
سنوات الماضية حاولت في أشياء كثيرة لا احد يعلم عنها شيئاً سوى " آيلا"؛ صديقة طفولتي و رفيقتي في كل المراحل ، كانت دائماً جزء جميل في كل شيء لي .. فهمت صمتي و تحملت الكثير من قراراتي المجنونة، بل و تدعمني دوماً دون أن تسأل لماذا، هي أيضاً ستحتاج كتاب لها فقط .. جيد أظنني سأصبح كاتبة يوم ما و ستقرؤون لي أاتفقنا ؟! .
على الرغم من التحاقي بجامعة أخرى، لكنني أصبحت متفوقة .. ليس لأنني أحبت ما ادرس، لكنني ربما اكره الفشل . اللغة الانجليزية هذه هي اللغة التي تخصصت في دراستها، منذ الصغر تعلمت اللغة الاسبانية و الفرنسية ولاحقاً تعلمت لغات أخرى كثيرة؛ كنت اهرب إلى اللغات كما يهرب البعض إلى النوم و على الرغم من ذلك فلم أجد اللغة التي تُشبهني بعد، كل لغة كانت موطناً مؤقتاً، أعيش فيه قليلًا ثم ارحل .
ربما كنت ابحث عن لغة لا تحمل الكذب.. لغةً لا يُتقنها أحد سواي.
جلست بصحبتهم أراقب الأحاديث وهي تنتقل بين تفاصيل الحياة اليومية ، ثم تعود لتستقر كعادتها عندي.
سألتني"تاليا" كأنها تسأل نفسها :
"-وماذا بعد؟" سألت و هي تميل برأسها نحوي، عيناها تبحثان عن إجابتي بجدية غريبة.
"-ماذا بعد؟" حاولت التهرب بسؤالي، لكنني كنت اعلم جيداً ما تقصده.
"- بعد كل هذه السنوات..الدراسة، المحاولات، التغييرات التي لا تنتهي. ما الذي ستفعلينه لاحقاً؟"
شعرت للحظة أن الغرفة أصبحت اصغر، و كأن كل العيون تلتفت إليّ، حتى مارتن رفع نظره من هاتفه ليصغي.
اكتفيتُ بابتسامة باهتة، و أخفضت بصري نحو فنجان القهوة في يدي و قلت:
" لا اعلم تاليا .. لم أصل لتلك الإجابة بعد".
أخي بصوت هادئ يحمل شيئاً من المزاح الخفي ليخفف من التوتر قليلًا : "هل أتيتما لتناقشا خططكما المستقبلية، أم لتقلقا والدتي أكثر؟"
رمقته بعينين ضيقتين، لكنه ظل محتفظاً بتلك الابتسامة الصغير التي لا تعرف إن كانت سخرية أم عطف.
"لا تقلق يا مارتن نحن نتحدث فقط". ردت تاليا وهي تمسك بيدي كما لو أنها تأكد على كلامها.
كانت دائماً ترى هي و عائلتي فيّ"الفتاة الذكية" التي تُضيع وقتها في دوائر لا تشبهها. تُحدثني عن طموحي الذي لم أصل إليه بعد ..عن واقعي الذي لا يليق بي ، و تُقسم أنّني اظلم نفسي كثيراً.
تذكرت كلمات والدي التي كان كثيراً ما يرددها على مسامعي " ما يهم أن تكون خطواتكِ محسوبة، مهما كان الطريق".
"- لماذا لم تحضري ماثيو معكِ تاليا؟"
سألت أمي لتغير الموضوع ، و كنت حقاً أريد أن اعرف أنا أيضاً فهو الطفل الأول
في العائلة و أكثر الأطفال لطافةً ، صحيح انه لا كثير البكاء مثله مثل الأطفال بعمره و لكنه لا يزال طفلي العزيز الذي أحب خدوده أكثر من أي شيء.
"- أاشتقتِ لبكائه أم سبب كونكِ جدة صغيرة أمي؟" قالها مارتن وهو يضحك
"- تركته مع عمته حتى آتي إليكم بسلام ؛ أنتِ تعلمين كم هو مشاغب ولا يكف عن البكاء".
- " لا تقولي هذا على حفيدي أيتها الفتاة"! قالتها أمي محذرةً ليعم الضحك بيننا.
بقيت جالسة معهم حتى انتهت الزيارة و غادرت أختي و في قلبها نفس الأسئلة و نفس القلق المُتعلق بمستقبلي ، حيث أنها عاشت معي الكثير من القرارات التي سبق و أن اتخذتها .
لأعود إلى غرفتي؛ مقارنةً بالمنزل كانت غرفتي هي أكثر مكان يشبهني ، واسعة تحتوي على حمام داخلي و مكان مخصص للقهوة المشروب المفضل لي .. نافذة تملأ الجدار، سرير كبير يكفي لثلاثة أشخاص، مكتب خشبي وغرفة مخصصة للملابس و الأحذية، مرآة أرضية كثيراً ما أنظر فيها لأجد نفسي و بالطبع مكتبة
صغير صممتها بنفسي لكتبي العزيزة. كان الهدوء فيها يشبهني نظرت إلى الجدران البيضاء كما لو أنها تحفظ أسراري لأردد في نفسي .. أنا لا اكره واقعي؛ أنا فقط لا انتمي إليه !
*****
ها أنا ذا امسك بهاتفي لأبدأ كعادتي بالبحث و الأسئلة التي تخص المحتوى الجديد الذي جاء إلى رأسي .. كما قلت سابقا فالأفكار لا تتوقف عن التدفق إلي ولكن ، دائماً ما يوقفني شيء و لا تكتمل الفكرة أو بالأحرى المسار الأخر الذي أحاول فيه.
اسأل جيداً قبل أن اهرع إلى "آيلا" لأخبرها بكل جديد فربما تضيء شمعة ما في ذهني أسعى خلفها .
"-آيلا هل أنتِ مستيقظة؟"
أرسلت الرسالة و وضعت هاتفي بجانبي، ظننت أنها ستتأخر كعادتها، لكن
لم تمضِ دقيقة واحدة، حتى أضأت الشاشة فجأة و ظهر الردّ: - " سييرا.. هل حدث شيء؟"
- " يمكنك القول انه .. شيء جديد". اتبعتها برمز تعبيري يغمز، لأثير فضولها أكثر..
"- حسناً، ما هي الفكرة الجديدة عزيزتي؟"