الفصل 26
سمعها وهي تشهق بلا دموع وتطبّق عينيها بهدوء: أبي حُبي....ما ااااابييييكم ااانتم...مااااابيييكككم!
سبع دقائق من العواصف، من الجنون من التغلّبات والحديث المُثير للجنون، ضجّ في فؤاده غِيره وتساؤلات كثيرة ماذا حدث؟
ما كيميائية رحيل الجديدة؟ وماذا تقصد؟ لماذا يحاول ألا يستوعب الصدق في نبرتها في طلب حُبها المزعوم ، ربما تقصد والدها ولكن لا يظن لالا.....اقترب منها .....نظر لوجهها الشاحب بالصُفرة ، لأرنبة أنفها المحمرّة، لحاجبيها المعقودين لإرتخاء يدَيْها على جانبي السرير..وقعت عينيه على ساقُها الأيمن المثني بشكل جزئي....وإلى بقعة الدم....وجفاف الدم على ساقيها كلتاهما......شخصت عيناه....ثم ابتلع ريقه بجفاف حاد.....وأغمض عينيه بعد أن شعر بلذعة تسلع تفكيره بِلا رحمة، كنحلة مزعجة تدور تدور ثم تثبّت نفسها على الموضع الذي تُريده لتنتقم وتُغرس أبرتها الصغيرة فيه تأديبًا!
مدّ كفّي يديه ....ليُنزل طرف ملابسها ويغطي بهما ساقيها برجفة عميقة.....الآن لا يفكّر بشيء سوى......حديثها الذي قالتهُ ثم غابت في راحة النوم المجبورة عليه ......سحب الغطاء ووضعه على جسدها.....ثم انحنى مقتربًا من وجهها ، سمع صوت تنفّسها التي تُقطعه شهقة لا إرادية تخرج لتُقطع عليه ضجيج الأفكار......رمش مرتين ....بذهن شارد يسمع فيه
صدى صوتها (أبي حُبي....)، اقترب منها اكثر، يحدّق بها كالمجنون أي حُب تسلل في قلبكِ وأنتِ في ظلمة السجنون؟ أي حُبٍ امتلكتيه وأنتِ بلا حريّة؟
وأنا الطّليق الحُر لم أمتلك معانِيه؟
هل أنت متأكد يا ليث؟ هزّ رأسه بجنون واتكأ على مخدتّها بيده اليُمنى حتى جعل رأسها يتدحرج خطوة جنونية ليلتصق جبينها بقبضة يده التي ترّص على الوسادة، تنّهد بصوت مسموع يُريد أن يُسمع العالم عن ضيقته، دائمًا وأبدًا تأتي الإعترافات واحدة تلو الأخرى عليه ، حديث محمد افلق جزء من قلبه وحديثها أخرس كيانه كلّه وقَسم ظهره !
شدّ اكثر على المخدّه ليقترب رأسها منه.......
همس: حُبك؟
وبنبرة مخيفة ، ومن المؤكد إنها ستهابها لو كانت في وعيها وفي شخصيتها التي يعرفها في السّابق!: شتقصدين يا رحيل؟
ثم طبّق وجهها بيديه بشكل سريع وبردّت فعل انفعالية للغاية لو كانت في وعيها لصرخت به بالابتعاد
همس كالمجنون: ما اسمح لك تقولين لي هالكلام وكأني جدار....حتى لو تقصدين ابوك......ما تقولين له حُبي.......ما تقولين له!
هو يعلم انها لا تقصد ابيها، يعلم هي مكسورة من ابيها ولكن ما الشيء الذي يُثبت ذلك لا يدري شدّ على وجهها قليلًا بجنون وبعثرة ما يفكّر به
لا لا هي تقصد ابيها! ضاع....حقًّا ضاع ....
شتم بصوت مسموع: الله ياخذ بو سلمان.....الله ياخذ اللورد....الله ياخذ......ستيفن..الله ياخذني وافتك!
شدّ على اسنانه وهو ينظر لها بعينين حاقدتين انحنى ليقترب من شحوب صُفرة وجه ذبل من لؤمه وفقد طعم الحياة!
هز رأسه يمنةً ويسرى: إلا الخيانة يا رحيل...إلا الخيانة!
ثم عضّ على شفتيه ، لا يعرف ماذا حلّ به، موقف الشرطيّان ادخلا في قلبه غيره وغضب، وحالها وهلوستها...ادخلاه في عالم عدم تمالك الكيان ولملمت شتاته، ودّ لو يخنقها ...يريد ان تستيقظ...يريد أن يتحدّث معها الآن يريد أن يستفسر عن مقصدها ولكن ......اغمض عينيه......ثبّت جبينه على جبينها واخذ يتنفّس بنفس مسموع......لو كانت تعي ما يدور حولها وشعرت بلهيب انفاسه لصرخت ضاجة تُنهيه عن الإقتراب هذا!.....شدّ على رقبتها من الخلف بعدما وضع يده اليسرى خلفها.....أخذ يتذكّر وجهها ....وهي في المحكمة....صفعة والدها لها.......وقوفها ترتجف أمام القاضي....تذكر صفعته لها قبل خروجه إلى الجامعة!......شكلها المبهذل في الشقة....صراخها......واعترافها الآن الناتج عن كل هذه الكوارث......يريد أن ينتقم منها ....يريد أن يحرق قلبها كما احرقت قلبه بغيرة ومشاعر أخرى لا تتلّون في معانيها بشكل صريح!
همس: رحيل.....
شدّ على رقبتها: تكفين لا تخليني أجّن عليك ....تكفين ...لا زيديني هموم تكفين...يكفيني إللي فيني يا رحيل!
فتح عينيه ابتعد قليلًا ، ارتجف جفنه الأيسر ثم ....وضع رأسها على الوسادة......ابتعد ....واخذ يجول...في الغرفة ...يمشي.....بخطوات ثقيلة.....لن يبرح مكانه إلّا بعدما تجلس.....يريد أن يستوعب حديثها المُر.....وكلامها الذي بثّ بداخله سُّم عنفواني غريب....التفت عليها من جديد يُريد أن يستوعب لفظها في نُطق (حُبي..) يريد ألّا يتيّقن أن يكون لها حبيب بديلًا عنه!، مسح على وجهه وارتجفت أحاسيس الغضب بداخله
ثم تذكّر نزفها، وخشي هُنا ان تسوء حالتها فخرج لمناداة الطبيب بوجه عابس ونفس متسارع وعينين تسرقان النظر إليها بتوّعد عظيم !
.
.
.
.
التنّاقض يجعل من شخصيتنا الإنقسام إلى عدّت شخصيات غير معروفة يلتهم طمأنينة حياتُنا دون ان نشعر، يجعلنا نبحث عن بصيص أمل للخروج من قوقعة التلّون تارة نلوّن تلك الزاوية على مبادىء وتارة نمحي الوانها على مبادىء أخرى، يفهم حديث ابنه، ويعيه ، ولكن هذا ما آلت به القوانين التي التزم بِها مُنذ الصغر كيف يغيّرها الآن! دعوكم من القوانين
لا ينكر انّ رغبته صارمه في الأمر، لا يريد من إحداهنّ ان تخرج كليًّا مبتعدةً عنه!
تحدث صارم: يبه انا مو فاهم ليش رافض ولد خالتي....وانت اللي تعرفه زين.....وشاركت في تربيّته......ترفضه وتحطونها براس اختي وتقولون له هي رافضتك...ولا بعد مو قايلين لي......ليش؟
بو صارم : ولد خالتك رجال ما يعيبه شي.....بس عهود ما هيب نصيبه!
صارم وثار الدم في وجهه: ليش؟.....منو منتظر من عيالي عمّي يجي يطلب يدها......فهد ولا ريّان؟....ولا فيصل ؟
بو صارم رفع يده: صارم ....احترمني ولا ترفع صوتك.....وانا قلت لأمك تنهي الموضوع.....
صارم بجدية: يبه جالس تناقض نفسك.........رافض محمد......والحين ما تبي تزوّج اختي عشـ...
قاطعه بصرخة : صاااااااااااااااارم اقطع الكلام..ولا عاد تهرج فيه مرتن ثانية!
صارم سكت ثم اردف: يبه .....عهود من حقها تقرر موافقة ولا لا.......عهود من حقها تعرف....ذياب جا وتقدّم لها......ومو من حقنا نمنع نصيبها ......
بو صارم يشعر بالتعّب والإنهماك في هذه المواضيع التي بدأت تخرج من يدّه ومن قيد تخطيطاته لها
اردف: ومن حقي كأبو اتمنى لها الافضل!
صارم نظر لعينين والده: ما اظن في افضل من ذياب.....لا توقّف نصيبها على توقعات يمكن تصيب وتخيب.....بشوفة عينك...محمد رافض دانة....ودانة رافضته .....من حقهم يبدون رايهم والكل يحترم هالراي......
بو صارم خرج من طوره: يعني بكرا ...لم تجي تبي تعرس ما تبي من بنات عمّك؟
صارم حرّك يديه : مادري يبه مادري....وش يصير....مادري كيف راح أفكّر وقتها.....مادري......
دخلت للتو.....إلى المنزل.....وصلت .....ودلفت الباب....وسمعت الحديث الذي افلق قلبها الى نصفين ( محمد رافض دانة...) لم يستوعب عقلها الجزء الثاني من الحديث بل بات مفقودًا، تنهّدت.....وسمعت البقيّة ...وفهمت ذياب متقدم لأختها........وهي تعلم بذلك...ولكن لا تدري انه يحاول من جديد.....اظهرت نفسها قبل أن يرد أبيها على أخيها.....ظهرت لهما بوجه محمر وعينين منتفختين ...وجسد منكسر من الدّاخل والخارج......نظروا لها ونظرت لهما.....
صارم عقد حاجبيه: منو جابك؟
ابتلعت حديث وغصّة، إلى الآن لم تخرج من صدمة اعتراف رعد....واسترجاع ذكرياتها واستيعابها لأمور كُثر
نظرت لأبوها وبنرة مخيفة : يبه وافق على ذياب.......ذياب رجال كفو......واسال عهود لو تبيه ولا لا.......لا توقّف رزقها ........عيال العم.......يمكن ما يبون من العيلة دام جدّي هذا تفكيره ودام هذا نظرته......راح الكل يعانده.......وأبي افهمّك شغله يبه
واشارت لنفسها بأصبها السبابة المرتجف: رفضت محمد لأني انا مابي ازوّج مو لأني ابي اعاند واكسر الكلام......بس تكفى يبه......اهتم لراينا......لا تصير مثل جدّي......واسال عهود ....عن اذنكم
بو صارم ازدرد ريقه ، نظره لها وهي تركض على عتبات الدرّج، ولحقها صارم سريعًا، تخبّط في نظرته للأمور لم تعجبه فعلت والده ابدًا ....ولكن "دام" إنها لم تُعجبه عليه أن يُعيد نظره في أمر رغبته بتزويج ابنتيه لإحدى ابناء عموتهم......وكيف يضمن ان يكون احداهم يريد الزواج منهنّ كيف؟ لا يريد ان يوقف نصيب الاثنتين ولكن يريد قُرب عائلته ، وابيه افسد الأمر كلّه!
.
.
.
ركضت ودخلت الباب، كانت ستُغلقه ولكن صارم وضع كف يده ودفعه بهدوء ودخل
يكرر بصرامة وعينين غاضبتين: مع من جيتي؟
لا تريد النقاش ولا تريد أن يراها أحد وهي في أوج ضعفها ، وفي ايلآن نفسه تريد من يُطبطب عليها ....لذلك نظرت إليه
: صارم....تكفى مابي اتكلم...تعبانة.....منهد حيلي.....مافيني على الكلام....المهم جيت...ووصلت هنا.....تكفى اعفيني من الكلام.....منهد حيلي....
سكت ونظر لوجهها الذي تحدّث له بالكثير من الألم ، ونبّههُ على وجعها الذي تحاول اخفاؤه
اقترب منها لَان صوته: اسم الله عليك من هدّت الحيل......
نزلت دموعها على خديها هزّت رأسها تؤكد : والله هدّوا حيلي يا صارم.......حاولت ابتعد بخيري وشري...وهم يلحقوني....جدّي .....يبي يدفني وانا حيّة......
اقترب منها مسح على رأسها مهونًا عليها: لا تقولين كذا يا دانة.....
دانة انفجر ينبوع الحديث من فاهها: خدعني....ووقفني قدام محمد...ارخصني....يا صارم...حسسّني وحده حقيرة...يبي لها الستر بأي طريقة.....
صارم اوجعه حديثها و أوصل لفؤاده شيئًا من قهر شديد وحنق على فعلت جده، غضب من الداخل وطبطب عليها من الخارج وقبّل جبينها مخففًا عنها: محشومة يا عين اخوك انتي....لا تقولين كذا وتقهريني عليك.....
ازدرت ريقها ثم ابتعدت وهي تمسح دموعها قالت: ابي انام......
صارم بتفهم : طيب.....لا تبكين....امسحي دموعك وسمي بالرحمن....
هزّت رأسها له ،بينما هو خرج غضبانًا من فعلت جدّه،
وتناقض ابيه ، سحب الهاتف من جيبه ، عازمًا على ان يحدّث اخته عهود ويجبرها على العودة إلى المنزل، لا يريدها ان تبقى هُناك يخشى من ان يجن جنون جدّه ويفعل ما يفعله في غفلتهم! الآن يجزم جدّه قادر على إقهار الجميع وإجبارهم على ما لا يريدونه.
اتصل عليها وهي كانت جالسة أمام جدتها تتحدث سمعت رنين هاتفها اجابت: هلا صارم....
اتاها صوته الصارم: اسمعيني ....الحين ارجعي بيتنا.....ارجعي.....
عهود بحلقت بعينها لبنات عمّها: طيب...
اغلق الخط في وجهها
ووصايف تقول: يعني جدّه .....انتقلتوا هنا بسبب شغل جدي؟
الجدّه وهي تجدّل خصلات شعرها الأحمر ذلك اللون الناتج من وضعها للحناء لتصبغ به شعرها الأبيض: اي....جينا للخبر.....قبل حوالي اربعين سنة او اكثر....عشان شغل جدّك.....ولا حنّا ديرتنا نجد......هناك أرضنا وبيتنا..وصرنا نتردد لديرتنا زيارة الشكوى لله.....
اصايل دخلت في الجو: اجل اشتقتي لهناك يا جدّه...
الجدّه ابتسمت لتزداد خطوط تجاعيدها على خديها: اوه يا بنتي....كيف ما اشتاق....والله اني اشتقت لأرض لمتنا......واحفظتنا......وارسمت قصصنا وذكرياتنا.....عليها...سقى الله ذيك الأيّام..كّنها جميلة وما تنسي!
هيلة اخذت تصفّر بفمها: اوه اوه....على الكلام....
بشكل غير متوقع لسعتها جدّتها بالعصا على فخذها: قايلة الف مرة لا حد يصفّر ...يا قليلة الأدب....
عهود ضحكت هنا وهي تنهض: هههههههههههههههههه قلعه
ثم اردفت: انا بروح بيتنا....
وصايف نظرت لها بشك: قلنا بنمشي بعدين....
الجدّه : لا ما تمشون قبل لا تتغدون...
شعرت بالورطة: صارم اتصل علي....يبيني ضروري....
اصايل وكأنها فهمت الأمر: خلاص طسي....
هيلة تحرّك حاجبيها بعبث: بتفوتك قصة ......حسنا وعبد العزيز....
لم تتوانى الجدّه من ضربها بخفة مرةً اخرى ولكن هيلة صرخت: آآآآآآآآآآآي جدّه والله يعوّر.....
الجدّه: من يومنّك صغيرة عوبا عوبا يا كافي الشر....ما تعرفين الحياء والمستحى....
هيلة بدفاع : طيب انا وش قلت...
عهود وهي تهتز ضحكًا انحنت على رأس جدّتها وهي تسلّم عليها: يلا جدّه مع السلامة...
الجدّه: سلمي على امّك.....
اصايل بهدوء: ترا جدّه حتى حنا بنمشي...
الجدّه : والله ما تمشون لين تتغدون معي....
وبنظره حادة: ولا قمتوا تسّحبون خوفن من جدّكم وصراخه؟
وصايف فتحت عينيها على الآخر
وهيلة بضحكة تبرير: لالا.......مو عشان كذا....
الجدّه : والله اني اعرفكم.......بس ما راح تمشون....
اصايل بتنهد: خلاص ما راح نمشي....
.
.
بعض المشاعر تسحب صاحبها للتساؤلات، وللتوقعات التي تُثير القلق في الرأي، ومن الممكن أن تتحوّل إلى مشاعر أخرى بسبب تعقيدات التفكير، هو عقله معقّد، مشغول بالكثير، خائف ومتردد، من أن يُرد مرة اخرى لنقطة البداية، هو يقسم انه يحبّها ولكن جُرح منها كثيرًا بسبب رفضها له مرتين
.
.
.
"انا ذياب وأنتِ عهود قلبي"
.
.
.
.
تنهّد برزت عروق الغضب لتنبعج على طول جبينه، لا يريد ان ينكسر مرةً ثالثة، ولا يريد هذه المرة الاستعجال في إبداء ردّت الفعل المتسرعّة والحديث المطوّل مع والدته سيترك الأمور تسير، إلى أن تأتي إليه طوعًا
خرج من غرفته ليخرج قبل أن يتعمّق في تفكيره!
.
.
.
الأخذ بالثأر واخذ الحق بيديك، يجعل منك شخصًا تائهًا في هفوات اللاتفريق بين الحق والباطل، يجعل منك شخصًا ضعيفًا بردّات فعل تورّث الرّماد عقوبةً!
ولكن الشعور بالانتصار وقتها يُريح القلب، يجعل منّك شخصًا طائرًا على غيمات السرور،
وكيف لا يشعر بذلك والعقوبة أتت لهم دون جهد منه! دون عناء رغم تخطيطاته على الإيقاع بهم
مرّ في الممر الذي يؤدي إلى غرفة105 يُريد أن يرى كيف تجرّد من صّحته وكيف أُدميّ جسده!
ابتسم بسخرية طرق الباب خشيةً من أن تكون عائلته حاضره لديه
انتظر رده، لم يرى ولم يسمع إلا السكون
فدلف من الباب
واغلقه بهدوء،