مقدمه
تشعر أنّ روحها الخفيفة تتجدد كلما عبروا في هذا الطريق تُبحلق في كل الأشياء وكأنّها تريد بعنينها البريئتين أن تلتقط صورًا مثاليّة للمناظر التي تحبّها، فهي اصبحت تعشق الصّباح وتعشق إجازة الاسبوع للخروج مع جدّها للإمضاء في طريق الأحساء التي استطونت قلبها بحُب المزارع والنخيل، سيذهبون جميعهم في رحلة انتظرتها مُنذ بداية الأسبوع، كانت متحمسة في إنهاء واجباتها، انجزت واجب "الخط العربي" في تكرار حرف الثاء وانهت واجب الرياضيات في تعلم كيفية جمع الأعداد وانهت واجب العلوم سريعًا دون عناء كل هذا فعلتهُ يوم الأربعاء من أجل ألّا يكون لديها شيء في يوم الخميس، فقلبها طرب ومتشوّق للذهاب للـ"نخل" كما تسميه بل هي مزرعة متوسطة تقبع في شمال الأحساء على الطريق الرئيسي المؤدي للدمام أغلب الاراضي هُناك مزروعة بالنخيل آنذاك.
نظرت للدخان المتصاعد والغيوم تُلاحقهما وهما يسيران بالسيارة، شهقت لتلطب من جدّها: جدي نزّل النافذة ابي اشم الريحة.
ضحك وهو ينظر لها، حفيدته مجنونة بحب رائحة"الطّبينة" والتي هي عبارة عن حرق سعف النخيل وقطع اللحاء"الكرب" والشوك وبعض الحشائش حيثُ تتم تغطيتّه بالتراب الرطب قبل اضمار النّار فيه لكي لا تنتقل النّار لبقيّة الزرع ثم يتصاعد الدّخان ويبث راحة يحبّها اهالي الأحساء وتحبها هي بل تعشقها تغمض عينيها تستل نفسًا عميقًا، يضطرب قلبها النّجدي للرائحة، تُبدي أهازيج السعادة تُغني في آذانيها تكرر
" هذا بخور النخل جدي"
يبتسم جدّها يبدأ بتفهيمها لِم المزارعون يشعلون النّار ويضرمونها لتكوين هذه الطّبينة هي طفلة ولكن تفهم جدّها جيّدًا فهو لهُ القدرة على التخاطب معها بمنطق يوصل لها الفكرة سريعًا دون ان تجد صعوبة في ذلك.
فهمت أنّ هذه الأدخنة المتصاعدة لها فائدة كبيرة في قتل الحشرات الضارة ومنح النخلة القوة وفهمت ايضًا لا يحرقون معها أوراق أو قطع بلاستيكية تحرّك رأسها بفهم وألتفت على الطريق من جديد ليركن السيارة أمام باب المزرعة نزلت معه ونزلوا البقيّة من سيارتهم خلف سيارة جدّها(الددسن)، اخذت تركض تفرد يديها في الهواء الطلّق وتدور لكي تجعل فستانها ينفرج قليلًا، تُفيدها الطبيعة ...يفيدها النّظر في النخيل العملاقة لتُجدد عليها حلاوة الحياة في أوّج طفولتها التي تعيشها بهناء بالقرب من جدّها ووالدها اللّذان يسعدا قلبها بالمجيء لهُنا، أخذت تركض وراء الفراشات السوداء المرقطة بالأصفر، تحاول من إمساكها لتضعها في علبة وتأخذها معها في الخُبر ولكن الفراشة اسرع من وصول يديها إليها، تطير وهي تركض وتصرخ بحماسة طفولية عالية...ينظر لها الجد بقلب مطمئن وسعيد يهمس لها
"تعالي شوف الارنب اللي طلبتيه مني"
تتوقف عن الرّكض لتتجهة لناحية الاقفاص...شعرت بإحدى الدجاجات الحُرّة والتي تركض هُنا وهُناك في المزرعة بلا قيود تطأ على رجلها...نظرت لها وودّت لو تمسكها ولكن الدجاجة ركضت لتسمع صوت نقنقتها( بِق بِق بِق باق) عقدت حاجبيها هنا وادركت انّ الدجاجة هاربة من الديك...واقترب صياحه منها هي في الواقع تخافه ذات يوم طبّق بمنقاره الصغير على صبعها بجلده الرقيق وادماه، لذا هرعت راكضة لناحية جدّها واحتضنها وضحك هنا، وطمئّنها لن يحدث لها ما حدث في السابق...وقدّم لها الأرنب...ابتسمت وابتهجت اساريرها هُنا....فتحت القفص ولكن قال "انتبهي لا يطيح في الثبر"
هزت رأسها برضى واقفلت القفص ليذهب جدها لناحية الشجيرات الصغيرة، نظرت للأرنب اعطته لقبًا"رجوى" اسمٌ ثمين على قلب والدها، نظرت "للثبر" وهو عبارة عن قناة صرف زراعي تتجمع فيها فوائض مياه العيون والنخيل...ولكنه وعر...وذو عمق مخيف....هو بعيد وجدّها واضعٌ سياج لكي لا يعبر احد امامه...انطلقت الفكرة في رأسها لن يحدث شيء للأرنب...فتحت باب القفص....ترددت في إدخال كلتا يديها الصغيرتان لسحب الأرنب لحريّته...تريد ان تطلقه ليركض وتركض وراؤه...اخيرًا مسكت اذنيه...واخرجته...تحسست نعومة فروه ودققت بنظرها على بياضه....ضحكت حينما حرّك رجليه وكأنه يريد الهرب...تركته...وانطلق بشكل سريع اذهلها....وركضت وراؤه وهي تصرخ وتضحك في آن واحد...اخذ يدور حول المبنى الصغير....انفتح شسع نعلها وهي تركض...توقفت عن الرّكض لتجد نفسها في التراب الرّطب....لقد اتسخ نعلها المفضّل عقدت حاجبيها وزمّت شفتيها الطفوليّتان لتنحني وتُغلق شسعُها ...استقامت بوقفتها واخذت تجول بنظرها تبحث عن الأرنب....اخذت تمشي بحذر لكي لا تنزلق رجلها وتسقط على الارض....اتجهة ناحية اليمن ونظرة لقفزات الأرنب الشاسعة نحو"الثبر" صرخت وخشت عليه من السقوط....ركضت وكادت تنزلق رجليها...اصبحت تسحب انفاس الخوف لا تريد ان يموت في اوّل يوم وجدته فيه، عقدت حاجبيها بغضب، نظر إليها ابن عمّها قائلًا"وين؟" ولكن لم تجيبه، ركضت للهاوية وهو عقد حاجبيه حينما ادرك إنّها تتجّهة لناحية الخطر...صرخ بها للعودة ولكن صرخت
"الارنب بطيح وموت"
فركضت حينما ركض وراؤها ابن عمّها الذي يصرخ بها غضبًا ان تتوقف...ولكن استمرّت في الركض...لتنظر للسيّاج هل تقفز منه....فالأرنب توقف بالقرب من "الثبر" تمامًا...لن يحدث شيء...رفعت رجلها اليسار والآخر كالأسد يصرخ بها للتوقف وألّا تتخطّى السياج...ولكن وضعت رجلها اليمين لتنزلق سريعًا في الطين
ويصرخ الآخر
"رحيل طاحت في الثبر"
.
.
نُقطة خوف
.
.
وكأنّ الأشياء بدأت تختفي
تتضاءل لكيلا يتم لها أثر ولا وجود
تتآكل على بعضها لتُحذف من وسائط الذكريات الشيء الكثير
لا شيء هُنا يواسي الشيء الآخر ولا يُخفف عنه
ظلام، وخوف وعينَيْن تترقبّان الفرج بلِا صبر!
تصطك العِظام ببعضها ليرتجف الجسد بلا إرادة من شدّت البرد
اليوم هو اليوم الثلاثون من الصدمة
ضجيج هُناك ضجيج مألوف آلفتهُ خلال هذه المدّة التي ارعدت قلبها الصغير....
صوت ضرب السلاسل على القُضبان الحديدية
صوت وطأ اقدام الوحوش البشريون....هذا صوت خوفها...
انفتح الباب....انكمشت حول نفسها بألم نفسي فظيع...
انتشلوها من على الأرض وحكّموا يديها بالأغلال....
كانت ترتجف...تحاول الصمود أمام الخوف...
تذكرت اليوم الموقف عشرات من المرات ليجعلها تهتز......بحلقت بعينيها كالفاقدة لعقلها ..ثم.....مشت معهما مرغمة عبرّت امام العنابر الأخرى......سمعت ضجيج بقيّة السجينات ....التفت يمينًا ويسارًا لتنظر لأعينهن التي تطّل من خلال فتحات الباب المستطيلة الضيّقة....تعثرّت بمشيها ولكن شدّا على اكتافها وانذروها لتنظر للأمام...ترقرقت عيناها بالدموع....خرجوا من قسم العنابر وقّع الشرطي على أوراق ليثبت خروجهما الى المحكمة في هذا الوقت.
ثم شد على يدها من جديد ...وعبروا الممر لتكسر اشعة الشمس عينيها كلما تقدما للأمام......شعرت لوهلة أنها ميتة والآن روحها ستُبعث للأماكن المناسبة لها ،باتت نبضات قلبها تُسمع....ضجّ في رأسها ألم...من شدّت التفكير اغمضت عينها .....وأخذت تتنفّس بصوت......ثم خرجا بها ليمشيا بها بالقرب من السيارة ..... وأركبوها داخلها....نظرت من خلال النافذة للشارع بتعب وخمول....تشعر ما زالت إلى الآن تحتاج وقت لتعدي هذه الأزمة ...تلفتت تبحث عن نجاتها .....تشعر بالاختناق.....حقًا تشعر انها ستختنق وتموت من هول ما يحدث لها ...نظرت لزاوية معينة من الشارع....
وشخصت عينيها حينما لمحتهُ ينظر لها بأسى.....بصدمة تُماثل صدمتها تمامًا....لكل الأشياء التي تحصل حولها...
ودّت لو تصرخ وتلومه على كل شيء، ودّت لو تخبره انّ السجن مخيف....وبارد......ومؤلم...وهي على غير استعداد تام للمكوث فيه لأيام اكثر!
اغمضت عينيها....تحاول أن تستوعب أي كارثة رمت نفسها بداخلها ....ولم تجد إجابة على ذلك....
شعرت بالاختناق....والاصوات بدأت تتداخل في بعضها البعض
شدّت على قبضة يديها حاولت استرجاع الأحداث ولكن لم تستطع
تشعر بالتّشوّش والخوف، ولكن استمرت في القَسم والتمتمات التي توضّح بها انها مظلومة!
كان الباب مقفلًا....زوجها اقفل عليها الباب.....كيف دخلوا؟ من الباب الخلفي.....ألم يقفله؟ ولماذا؟! أم انه نسى من شدّت غضبه في لحظتها؟
تكرر بداخلها
(اتصلت عليه...اتصلت عليه!)
ولكنه لم يُجيب!
.
.
فتحت عيناها لتنساب الدموع على خدّيها ......فتحوا الباب مجددًا وسحبوها....لتخرج أمام المحكمة!
متى وصلوا؟ لا تدري!
أخذت تجول بأنظارها تبحث عن الخوف والأمان!
وجدته يركن سيارته ترجّل منها
وثقبته من شدّت تحديقها فيه، الرجل الذي ترك في نفسها اثرًا سيئًا لمجابهة الحياة
هذا الرجل الذي انصاغت إليه لإرضاء الجميع وتشتملهم السعادة بحفوف الابتسامات المطمئنة!
لم تتمنّى يومًا ان يقترن اسمها بالزوجة، ولكن عجلُّوا بهذا اللقب
امتلكتهُ وهي ذات خمسة عشر اعوامًا!
سقطت دموعها من عينيها ، دفعوها قليلًا للأمام لتتحرّك ولكن شعرت بثقل جسدها وثبوته على الأرض وكأنّ هناك مسامير غُرزت من باطن رجلها وثُبتت على الأرض.....لم تزحزح ناظريها عنه....هو السبب لكل ما يحدث....هو الوحيد الذي جعل حُبها ينمو اكثر لذلك الشخص....لتستمد منهُ طمأنينة في ضوضاء السجن...لا تستطيع ان تنكر انّه سببًا لضيق حياتها....وسببًا في عدم قبولها للحياة!
آخر ما سمعتهُ منه تهديدًا، ينّم عن ملله منها....شدّوا على يديها بقوة ودفعوها حتى كادت تسقط ولكن امسكوها جيّدًا ...وبدأت تخطو خطواتها على السلالم
وهو يتبعها ....ويرى تقلبات وجهها بهدوء!
.
.
.
تمضي الأيام، لتهدينا دروسًا مجانية ، تمضي بسرعة مخيفة......كانت تشعر بسرعتها في المضي...ولكن الآن....الثانية الواحدة عبارة عن دقيقة والدقيقة عن ساعات كثيرة والساعات عن أيام طويلة.....مشت بثقل في الممر.....والكثير من الناس يحدقون بها......بحجابها الذي لم يوضع بشكل صحيح....لخصلات شعرها الطويل الظاهر للعلن ليتمتعوا بالنظر إليه!.....لجسدها الذي يرتجف جنونًا مما قد يحصل حينما تقف أمام القاضي!......لعينيها التائهتين .....ولجسدها الضئيل بين هاذين الشرطيين اللذان يمسكان بها كالقاتل الحقير!
لفوا يمينًا ثم دخلوا القاعة الكُبرى ...مشوا بخُطى تنظر للأمام بذهول وحينما وصولوا للمكان المطلوب...اجبروها على الجلوس في أول الكراسي أمام القاضي.....اغلقوا باب القاعة
وضرب القاضي بالمطرقة الخشبية على الطاولة ....وبدأت الرسميات للتناقش في الأمر
لم تسمعهم......ولم ترى وجوههم.....عينيها ما زالتا تبحث عنه.....وجدته في تلك الزاوية....يختبأ خلف صمته.....وتحت نظرات والدها الذي لا تدري متى أتى إلى هذا البلد....انسابت دموعها.....ودّت لو تحتضنه...وتخبره أنها بحاجة كُبرى لمعانقته......ودّت لو تخبره عن مدى خوفها.......نظر إليها....بعينيه المحمرتين......رمشت مرتين ثم أشاح بنظره عنها....
وضجّ فؤادها لماذا؟
اجابها الشرطي حينما اجبرها على الوقوف للاستماع للحكم...هل سيعدمونها؟
هي لم تقتله؟ ها هو جالس أمامها.....يبتسم....يحدّق بها مطوّلًا...يرسل إليها رسائل الانتصار...رغم أنه هو المخطئ هو الجاني والمدمّر، هو من تهجم عليها...وهو من حاول التحرش بها.....كيف آل بها الأمر لِأن تكون هي الجاني وهو المجني عليه كيف؟
ارتجفت سواعدها حينما نطق القاضي بصوته الغليظ
(صدر الامر العالي من المحكمة العُليا بمدينة كامبردج .....بمحاكمة المدعوّة رحيل عبد الرحمن عبد العزيز السامي البالغة من العمر ستة عشر أعوامًا في يوم الثلاثاء الموافق لتاريخ 1\1\2013 ..بالسجن لمدة لا تقل عن ثمان سنوات ...رُفعة الجلسة)
التفتت على والدها سريعًا بسبب صوت ارتطام جسده على الكرسي من شدّة صدمته بالحكم ونظرت لأخويها اللذان يحدقان له بخوف....التفتت كالبلهاء عليه من جديد.....تريد ان ترى صدمته ولكن رأت شحوب وجهه...
ثم نزلت عيناها على المجرم الحقيقي....لترى ابتسامته المستفزّه!
همست كالمخبولة: ليش؟!
نهض القاضي ليخرج .....وامسكاها الشرطيان لنقلها للسجن الخاص للمراهقين.....وسيتم نقلها فيما بعد للسجن الذي يضم بداخله اشكالًا والوانًا من المجرمين الحقيقيين!
لم تستطع التحرّك....لم تستطع.....سقطت انظارها على اب زوجها وعمها......وصُعقت ...من نظرات الحُزن المرتسمة في عينه....هل العائلة جميعها هنا؟
اخذت تُداري شهقتها بالعض على شفتها العلوية بأسنانها السفلية!
تحدث الشرطي آمرها بالتحرك...ولكن لم تستطع تريد العودة معهم للوطن....لا تريد ان تتجرّع مرارة غربة الوطن وغربة الأهل في السجون !
سحبت قدمها اليسرى وهي تحدّق بهم وكأنها تودعهم جميعًا ....ودّت لو يأتي والدها أمامها وتحتضنه لتبكي براحة....
ولكن لم يفعل
مشت بخطى ثقيلة وهي تتكأ على اطراف أصابع رجلَيها....كلما سحبت هواء...انتشلتها رجفة بكاء لتخرج شهقة خفيفة من صدرها...لتُخرس لسانها عن رغبته في نطق الحروف....
العالم كلّه اظلم في عينها.....ثمان سنوات ستبقى هُنا ثمان سنوات...الآن عمرها ستة عشر...ستخرج ليصبح عمرها ثلاثة وعشرون سنة....هزت رأسها تنفي الأمر برمته لا تريد أن تتخيّل انها ستنام مطولًّا على سريرٍ حديدي تضرب حدائده الصغيرة في ظهرها كلما تحركّت، وتشتم رائحته النتنة كلما خبأت وجهها في وسادته، وتشد على لحافه بقوة لكي يدفئها ولكن كان يعريها اكثر ليشعرها ببرودته .......هل ستأكل طعامهم الذي لا طعمه له لمدة ثمان سنوات!
والاهم ....هل ستبقى هنا بعيدة عن والدها وخالتها زوجة ابيها لمدة ثمان سنوات......هل ستضيع من عمرها ثمان سنوات بلا طموح...بلا تحقيق ما تريده وإن كان سخيفًا؟!
ارتجفت شفتيها......الممر طويل...حقًّا طويل.....تريد الخروج تريد اكسجين...تريد سحب الهواء لرئتيها...تريد حياة!
ولكن سمعت صوت يناديها.....وقفت واجبرت بحركتها وهي تلتف للوراء أن يشدّا الشرطيان على عضديها!....ولكن لم يأخذ الأمر إلا ثوان واصبح أمام وجهها....يعني هي لم تسير لمسافة طويلة ؟ كانت ثقيلة لدرجة لم تعبر كليًّا من أمامهم!
نظرت إليه.....تنتظره يحتضنها.....يقبّلها ...يطبطب عليها....ويسم بالله عليها ....ويهدّأ من روعها....تريد أن يطمئنها ..تريد أن تسمع منه كلمة واحدة لتزيل هذا الجمود والخوف من عليها ولكن...ما حدث خلع قلبها من مكانه من جديد....
رأت يده كيف كانت ترتفع وتهوي....لتصطدم وتضرب خدها الأيمن ....لتترك اثرًا قاسيًا على قلبها الغريب......
لماذا يضربها والدها؟ ألم يصدق أنها مظلومة؟
لماذا؟
همست: يبه...
وباعداها الشرطيان عنه ولكن تحدث قبل ان يمرراها عن وجهه وعمها واخويها وحتى زوجها يستمعون لِم يقول!
: ليتك متي بدل امّك!
اهتّز كيانها بأكمله، واشاحت بنظرها عنه لا تريد ان ترى تجّهم وجهه ولا تريد ان تستمع صوت أنفاسه الغاضبة
هو غاضب منها؟
ولكن هل يعلم انها مظلومة؟
هل سيتخلّى عنها؟ ولكن هي لم تتخلّى حتى بها ضحّت من اجل سعادته وقبلت بالزواج من ابن عمها ولم ترفض ولم تخبره انها لا تريد الزواج ......خفق قلبها بشدّة.......شدّت على قبضة يديها.....واستسلمت للأيادي التي تسحبها للخارج.....خرجت معهما دون ان تلتفت للوراء......
مشت في الطريق الجديد ، في الطريق الذي يحمل بين طياته غصّات لم تتجرعها يومًا.....الجميع سيتخلّى عنها....الجميع
وربما حتى ليث!
.
.
التخلّي عنك وكأنّك هامشًا لا يُعني.. شيء مؤلم، أن يتركوك تُعاني الألم وحده موجع، أن يوجعوك بعتاب لأمر ليس بيدك فيه شيء مُرهق!
نظراته خلال الزيارات التي حصلت خلال السنتين الماضيتين مجلبة للقهر لقلبها، ومدخلة لروحها في اوساع الاكتئاب
هو يعلم بالحقيقة ولكن يقسو عليها وكثيرًا على مبادئ كثيرة أهمها كلام الناس، والقيل والقال....لم يخبروا أحد بالحقيقة هذا ما فهمته من والدها...ولكن هو موجوع.....من هذه البصمة التي بقيّت في سجل حياتها حتى الممات!
زوجها كان يأتي مع والدها وعمها......والدها دومًا هو المتحدث...القاسي بكلماته...والذي يُصيب قلبها تمامًا....ولكن هي فرحه لزياراته خلال السنتين الماضيتين.....لا يهمها العتاب ولكن رؤيته هي الأهم....هي السعادة...وهي الأمر الذي تخشى من أن تفقده!... ولكن بعد ان مضت على محكوميتها ثلاث سنوات.....لم تراه....وتم نقلها إلى السجن الآخر التي عجزت من ان تصنفه....مخيف حقًّا مخيف.....لا يمر يوم عليها إلا وهي مضروبة....مشتومة.......ملّت من الأمر....تشعر بالحرقة من هذه الإهانة التي تعيشها....تعايشت معهن....واصبحت تشابههن في القساوة...خاصةً بعدما طُعِنت من قبل سجينة ...راودتها عن نفسها ولكنها رفضت!
حتى هاجمتها ، ودخلتا في شجار مخيف.....تلك تضرب...وتمزق ملابسها عنوة....والاخرى تشمّخ وجهها بعنف ......تلك تشتم والأخرى تسب بأقوى الكلمات ....اصبحت تفهم لغتهم جيّدًا أصبحت لديها طلاقة محلية سريعة........ضربتها لتفرّغ غضب الثلاث سنوات في هذه السجينة المقرفة ......تَذكر انها ضربتها بعلبة زجاجية رأتها مُخبأة تحت وسادتها وسادة السجينة التي طلبت منها المعصية!
ولكن الأخرى ....لم تفقد وعيها بل سحبت شظية حادة خّلّفت بعد كسر هذه الزجاجة ولم تتردد في طعن رحيل.....
شعرت وقتها رحيل انها ستفارق الحياة، ستحلّق في العالم الآخر براحة وسكون....حقًّا هي ملّت من الأمر....وتخلّي الجميع عنها حتى ذلك المشؤوم ....صعّب عليها فكرة تقبل الحياة.....
نقلوها للمستشفى .....تضررت من هذه الطعنة بشكل كبير......تضررت رئتها اليُمنى حتى نزفت .....دخلت في غيبوبة مدتها شهرين.......كانت تشعر بما حولها...ولكن لم تشعر به كواقع كانت تشعر به ككابوس ليس كحلم!...لا تدري هل زوجها زارها خلال تلك الفترة أم لا...ولكن تتيقّن انه لم يقم بالزيارة فحينما استيقظت.....لم ترى يزرها احد......
وتتذكر جيّدًا انها بكت لتخليهم عنها وكأنها غريبة لا تحمل بنهاية اسمها كنيتهم!
.
.
.
مضت تلك الأيام الصعبة،.....وتعايشت في السجن ....وتأقلمت على التضارب...والمضاربة...والتنا بز.....والتحرشات.....
هي لا تضرب احداهن دون سبب...من حاولت ان تضربها او التقرّب منها باشمئزاز ضربتها....بعنف مخيف.....كانت تفرّغ كآبتها.....وحزنها....وقهرها بضربهن حينما يعتادون عليها بكلمة او فعل.......حتى جاء يوم.....كسرت انف احداهن وعوقبت في السجن الانفرادي....دون طعامٍ وماء!
.
.
أصبحت تستيقظ من النوم على ضرب وصراخ وشجار....وفي بعض الحين تنام على قراءة كُتب توفر من قبل السجن.......كُتب علمية.....وبعضها دينية تنصيرية...او مسيحية...او علمانية وحتى سياسية قليلًا....شكّت كيف يوفرون كتب كهذه ؟....هل يهربونها؟......لا يهم...لم تهتم...ولكن كانت توّد لو يوفرون لها القرآن.....فهي تعبت طلبتهم به كثيرًا ولكن اخذوها بالسخرية.....
.
.
عانت كثيرًا من ناحية الطهارة....من ناحية الصلاة في السجن.......حتى تطوّر الأمر وبدأ كوسواس ينهش قلبها.....كانت لا تنام....تخشى من ان يُبطل وضوؤها فهناك أوقات محددة للدخول للخلاء......ليس كل الوقت متاح لها ان تدخل لتتوضأ....فكانت تدخل من الساعة السادسة ليلًا.....وهذا الامر ليس به عناء....لتصلي.....المغرب.....تبق ى على وضوؤها للعشاء...ثم....يأتي وقت تناول العشاء...تدخل على هذه الأوقات الخلاء تجدد وضوؤها......تصلي صلاة العشاء...وتسهر الليل...لكي تعيد جميع صلواتها خلال اليوم كله!......بسبب شكوكها في الطهارة......ثم تقرأ الكتب محاولةً في اشغال نفسها بأي شيء ليمضي الوقت سريعًا كما تظن.....اصبح الامر مؤلم....لا تنم...تعيد الصلوات....تقرأ..إلى ان يحين الفجر .....تصلي الفجر.....تنام قليلًا ربما لأربع ساعات أو أقل.....تجلس...على أوامر لخروجهن.....لتنظيف ممرات السجن......وهكذا....
امر وسواسها استمر لسنتين آخرتين......استمر هذا الوسواس....وهذا الحزن...والتضارب....والشجار... ....استمر لأيام طويلة...
وكل يوم يترك في جسدها نُدبة .....
اثر الطعنة بالقرب من خاصرتها باقٍ
اثر الحرق السجائر التي تُهرّب للسجينات على كتفها باقٍ، اثر التخميشات بالأظافر و الموس الحاد الصغير بالقرب من رقبتها وحتى صدرها باقٍ ، شعرت انها تشوّهت.......خارجيا وداخليًّا!
تعايشت مع هذه الآثار التي قسّت قلبها وكثيرًا......كما ان التدقيق في امر الطهارة اصبح مرهقًا وأصبحت عاجزة امامه على تحقيق مطلبه على وجه الكمال!
بكت كثيرًا بعد ان منعوها من تغيير ملابسها وطلبها لملبس اخر بسبب التصاق الدم فيه....شعرت بالجنون......كيف تصلي بعد......هذه الدماء التي التصقت بها بعد قضاء عادتها الشهرية......اي قرف يريدون منها ان تعيشه اكثر؟
تريد الاغتسال....ممنوع....
التبديل ...ممنوع.....
لا تدري كيف عادت عليها بعض مضي عشرت أيام فقط لا تدري
اصبح كل شيء بها مضطرب...اصبحت تأتيها بآلام تجعلها تصرخ من شدتها.....اصبحت ايامها ثقيلة وممتدة لعشرة أيام.....يئست.......واستسلمت ولكن لم تتهاون في امر الصلاة ابدًا!
.
.
ان يكون يومك مثل الغد والغد مثل الأمس والأمس مثل اليوم أمر يدعوك للجنون قليلًا....ملّت من كل الأشياء التي تُحيطها....ملّت من التضارب...وتأمل السقف...ملّت من تدريبات ماري تلك الفتاة التي برحتها ضربًا في السنوات الماضية اليوم أصبحت صديقة مقربة .....تدربها على الملاكمة كونها مدربة سابقة......اتفقتا اثنتهما على بُغض المثليين في السجن!
ورأت ماري رحيل بحاجة كبيرة للدفاع عن نفسها دون إلحاق الضرر لجسدها الذي احتفظ بالكثير من الآثار والضرب.....لم تتقبلها رحيل...ولكن الأيّام كفيلة بأن تجعلها تتقبل أي شيء!
بينما هي لن ولن تنسى يوم الثلاثاء من السنة السادسة من محكوميتها....أتى إليها في ظهيرة ذلك اليوم ....أتى ولا تدري هل توافقهم للخروج ورؤية الزائر قبل معرفته أم لا؟
لن تنكر كانت تتمنّى ان يكون الزائر هو والدها فقد اشتاقت إليه مضت ثلاث سنوات دون أن ترى وجهه تخشى من نفسها من نسيان ملامحه التي تجلب في قلبها الراحة والطمأنينة، ابتهجت ومنّت نفسها من رؤية احباؤها....تنفست بعمق.....
وعادت لصلابتها التي اكتسبتها بسبب الأيام القاسية......مشت معهما...وقلبها يخفق الحانًا كُثر......ألحان شوق، حنين وخوف.....تريد ان ترى وجهه الحنون ويحتضنها بأبوّته....تريد أن يُمسد على ظهرها ...ويخفف من أوجاعها .....تريد أن يمسح بكلتا يديه الحنونتين دمعها...تريد تبكي ....بلا حواجز معه......
فتحوا لها الباب الحديدي......لم يفكوا الأصفاد من يديها.....تذكر بأول سنتين حينما يأتي والدها يحررون يديها...ولكن الآن لماذا لم يحررونهما؟ هل تغيّرت القوانين؟!
لا يهم ....ما يهمها الآن رؤيته.....كانت متيقّنة من رؤيته.....ولكن حينما شرّعوا الباب لها......وتقدمت بخطواتها للتقدم للداخل......مشت وهي تحتفظ بنصف ابتسامة....حقيقةً نست كيف تبتسم...كيف تضحك.....وتهز المكان بسعادتها...نست كل هذا!.....لذلك اكتفت بنصف ابتسامة....لا تريد أن يراها عابسة دخلت ...نظرت للمكان ...بشوق ادارت عينيها تبحث عنه....وسقطت عيناها عليه.....توقفت عن المشي....وسمعت إغلاق الباب.....خلفها.....
شعرت وكأنّ احلامها هُدمت امامها......اصبح وجود ابيها امامها كالحلم!
تنهدّت بضيق....وأشاحت بنظرها عنه.....لماذا اتى؟
ألم يختفي عنها خلال الثلاث السنوات الماضية ...لماذا اتى الآن....كان عليه أن يأتي في الأيام الصعبة التي تجاوزتها دونه.....هي ليست بحاجة لوجوده .....ولرؤيته.....يكفيها الحُب الذي تُخبأه في ثنايا صدرها فهو وحده من يجعلها دافئة ومطمئنة ....ويجلب لها الأمل الذي تقتله جدران السجون!
ماذا يُريد؟.....هل تاق قلبه للشجار؟.....للتجريحات.....والك لام الفارغ؟
عادت خطوة للوراء ، تحت انظاره التي تحدّق في تغيّر ألوان وجهها وعبوسه!
نظر لتنهيداتها....لشكلها الذي تغيّر عليه...كبرت....اصبحت شهية اكثر وهي حزينة بهذا الشكل العنيف القوي!....لم تُخفى عليه قوتها .....وشراسة نظراتها .....هُناك شراسة تنبعث من عيناها حينما تحدّق للمكان بشتات.....جسدها ضئيل ولكن التمس قوّته بوقوفها هكذا بظهر مستقيم وشامخ ربما بسبب التمرينات التي تعملها مع ماري......جعل من جسدها النحيل....قويًّا ومستقيما وشامخًا....بشكل واضح لمرأى العين!
حينما نظر لقدمها اليسرى تعود خطوة للوراء نهض
سريعًا
ليقول: رحيل.....
توقفت، ونظرت في عينيه، كانت تنظر لعينيه بشكل اشعره بالقشعريرة والألم على حالها....قرأ كل شيء من خلال عينيها.....متتبع بقيّة القراءة من خلال الآثار المرتسمة على شكل جروح وندم متفرعة بالقرب من خدها وانفها الشامخ وحتى رقبتها المكشوفة.....جروح طويلة....بتعرجّات كثيرة لترسل لهُ أغنية ألم تجرعة نوتاتها خلال السنوات الماضية، اخذ نفسًا عميقًا......
فقال: لو سمحتي تعالي جلسي....
وأشار للكرسي.....لم تُشيح بنظرها عنه ، كانت تحدّق به ، تغيّر في ا