حين تثقل الأيام - الفصل الثالث - بقلم أميرة - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين تثقل الأيام
المؤلف / الكاتب: أميرة
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

خرجت ليلى من المقهى مسرعة، وقلبها يخفق بعنف، كأن شيئًا في داخلها كان يدفعها إلى الأمام دون تفكير. الهواء البارد لفح وجهها، والضباب الذي بدأ يتكاثف جعل الشارع يبدو أطول وأكثر غموضًا. نظرت يمينًا ويسارًا. كان الشخص الذي رأته قبل لحظات قد اختفى. تقدّمت بضع خطوات، ترددها واضح، لكنها لم تستطع التراجع. إحساس غريب سيطر عليها، إحساس بأنها اقتربت أكثر مما ينبغي… أو ربما أقل مما يكفي. – كان هنا… تمتمت بصوت خافت. لم يكن في المكان سوى صمت ثقيل، تقطعه أصوات بعيدة لسيارات تمرّ، وكأن العالم كله يحدث في مكان آخر. لفت انتباهها شيء قريب من الرصيف، شيء صغير بالكاد يُرى. انحنت والتقطته ببطء. كانت ورقة مطوية بعناية، تحمل الرمز نفسه الذي رأته في الرسالة الأولى. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم تعد تشك. هذا ليس عبثًا. سمعت خطوات خلفها، فاستدارت بسرعة، لتجد أصدقاءها يقتربون منها بوجوه قلقة. سارة: – ليلى! ماذا فعلتِ؟ خرجتِ فجأة وأخفتِنا. فارس (ينظر إلى الورقة في يدها): – هل هذا ما كنتِ تتحدثين عنه؟ لم تُجب ليلى فورًا. كانت تحدّق في الرمز، وكأنها تحاول انتزاع معنى مخفي منه. ليلى: – هذا الرمز… هو نفسه في الرسالة الأولى. والآن يظهر هنا… في المكان نفسه الذي اختفى فيه ذلك الشخص. تبادلت مريم وجود نظرات صامتة، نظرات لم تمرّ على ليلى دون أن تلاحظها. مريم (بحذر): – ربما هي مصادفة؟ رفعت ليلى رأسها ببطء، ونظرت إليها نظرة ثابتة. – لا أؤمن بالمصادفات بعد الآن. ساد صمت قصير، قطعه فارس وهو يقول بنبرة أقل هدوءًا: – إن كان هناك من يراقبك، فعلينا أن نكون حذرين. في تلك اللحظة، شعرت ليلى بأن شيئًا ما تغيّر. لم يعد الخوف مجرد فكرة، بل أصبح حاضرًا، ملموسًا، يتسلل إلى أنفاسها. عادت إلى البيت في وقت متأخر. كانت الأنوار مطفأة، والهدوء يخيّم على المكان. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه للحظة، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث. أخرجت الرسائل كلها، وضعتها أمامها: الرموز، الكلمات، الورقة الجديدة. وبينما كانت تقلبها، لاحظت شيئًا لم تنتبه له من قبل. تفصيل صغير… حرف مكرر… إشارة خفية. شهقت بخفة. كانت الرسائل مترابطة… وكأنها أجزاء من لغز واحد. سمعت صوتًا خافتًا في الخارج. اقتربت من النافذة بحذر، لكن لم يكن هناك أحد. غير أن قلبها لم يهدأ. في تلك الليلة، لم تنم ليلى. وفي الصباح، حدث ما لم تكن تتوقعه. كان والدها يجلس في المكان نفسه، يحمل ورقة قديمة، ملامحه مشدودة أكثر من المعتاد. وما إن رآها حتى قال بصوت منخفض: – آن الأوان أن تعرفي بعض الأشياء… قبل أن تعرفكِ هي. توقفت ليلى في مكانها. – ماذا تقصد يا أبي؟ نظر إليها طويلًا، ثم قال: – ما يحدث لكِ الآن… بدأ منذ سنوات. قبل أن تتخيلي. في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن الظل لم يظهر فجأة، وأن الرسائل لم تُكتب من فراغ، وأن الأيام… حين تثقل، لا تفعل ذلك عبثًا.