أصدقاء السوء - الألم - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أصدقاء السوء
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الألم

الألم

اسمي هدى. لم أتعلم الألم من الكتب، بل من الأشخاص الذين حسبتهم أصدقاء. كنت أؤمن أن الصداقة تعني الأمان، وأن القرب لا يؤذي. كنت أظن أن من يضحك معك اليوم، سيحميك غدًا. لم أكن أعرف أن بعض القلوب تُجيد التمثيل، وأن بعض الضحكات تخفي نوايا ثقيلة. تعرفت عليهم في مرحلة كنت فيها ضعيفة، أبحث عن الانتماء. كانوا كثيري الكلام، سريعي الوعود، يبدون كأنهم يعرفونني منذ زمن. قالوا إنني لطيفة، وإن وجودي يضيف شيئًا جميلًا. صدّقتهم، لأنني كنت أحتاج أن أصدق أحدًا. أول موقف كشف لي الحقيقة كان بسيطًا، لكنه مؤلم. شاركتهم حلمًا صغيرًا، شيء كنت أخجل حتى من التفكير فيه. ضحكوا يومها، وقالوا إنهم فخورون بي. بعد أيام، سمعت الحلم نفسه يُحكى بصيغة سخرية، وباسمي. ابتسمت أمامهم، وعدت إلى البيت مثقلة. قلت لنفسي: “ربما فهمتُ الأمر خطأ”. ثم تكرر الأمر. كنت آخر من يعلم، وأول من يُلام. إذا أخطأ أحدهم، وجدوا طريقة لربط الخطأ بي. وإذا نجحتُ في شيء، قالوا إن الحظ هو السبب. تعلمتُ أن أُقلل من إنجازاتي، فقط كي لا أُزعجهم. في إحدى المرات، احتجت دعمًا حقيقيًا. كنت متعبة، محبطة، وكل ما أردته أن أتكلم. جلست بينهم أشرح، كلمة كلمة. كانوا ينظرون إلى هواتفهم. أحدهم قاطعني بنكتة، والآخر غيّر الموضوع. شعرتُ حينها أن صوتي لا يصل، وأن حزني ثقيل عليهم. بدأ تأثيرهم يتسلل إليّ ببطء. صرت أشك في نفسي. أعيد التفكير في كلماتي قبل أن أنطقها. أراقب ضحكاتهم لأتأكد أنها ليست عليّ. خسرتُ عفويتي، وخفّ صوتي، وتعلّمت الصمت. أسوأ موقف كان يوم واجهتهم. لم أصرخ، لم أتهم. سألت فقط: “لماذا؟” أنكروا، ثم قلبوا الطاولة. قالوا إنني حساسة أكثر من اللازم. وإن المشكلة في فهمي، لا في أفعالهم. خرجت من ذلك اللقاء وأنا أشعر بالذنب، رغم أنني المجروحة. ابتعدتُ قليلًا، فاقتربوا حين شعروا أنني أفلت. عادوا بكلمات جميلة، ووعود جديدة. صدّقت مرة أخرى، لأن القلب يتعب من الحذر. لكن السقوط الثاني كان أقسى، لأنني كنت أعلم. عندها فهمت. أصدقاء السوء لا يضربونك دفعة واحدة، بل يُنهكونك. يأخذون ثقتك، ثم وقتك، ثم صورتك عن نفسك. يجعلونك تشعر أنك المشكلة، وأن وجودك عبء. انسحبتُ بصمت. لم أشرح، لم أبرر. اخترت نفسي لأول مرة. كان القرار مؤلمًا، لكنه ضروري. اليوم، أنا هدى، أقل ثقة، لكن أكثر وعيًا. أقل ضحكًا، لكن أكثر صدقًا. تعلمت أن الوحدة أرحم من صحبة تؤذي، وأن السلام الداخلي لا يُشترى بكثرة الوجوه. قد لا أملك أصدقاء كثيرين الآن، لكنني أملك نفسي… وهذا، بعد كل ما حدث، يكفيني.