حين يعزف الخوف بنفسه
لم ينتهِ التصفيق.
كان مستمرًا، منتظمًا، كنبضٍ لا يخصّ جسدًا حيًا.
وضعتُ يديّ على أذنيّ، لكن الصوت لم يكن خارجيًا ليُحجَب.
كان يصدر من نقطة عميقة، حيث لا اسم للألم.
نهضتُ بصعوبة.
الأرض لم تعد تثق بي، كانت تميل قليلًا، كما لو أنها تختبر وزني الحقيقي.
خطوتُ خطوة واحدة، فتغيّر البيت.
الجدران اقتربت.
السقف انخفض.
والممر انقسم إلى ممرّين، كلاهما أعرفه… رغم أنني لم أكن هنا من قبل.
في أحدهما سمعت بكائي.
وفي الآخر سمعتُ هدوئي.
اخترتُ الهدوء.
كان ذلك أول خطأ.
الغرفة في نهايته كانت بيضاء تمامًا، بلا نوافذ، بلا ظلال.
في وسطها وقفتُ أنا.
أو… ما يشبهني.
كانت ملامحها أوضح مني، عيناها ثابتتان، تنفّسها منتظم، كأنها النسخة التي نجحت في البقاء.
قالت بصوتي، لكن دون ارتعاش:
“لقد تأخرتِ. السيمفونية اكتملت.”
سألتها:
“من أنتِ؟”
ابتسمت، وكأن السؤال ساذج.
“أنا ما كان يجب أن تكونيه لو لم تخافي.”
اقتربتْ، وكل خطوة منها كانت تسحب ذكرى من رأسي.
نسيتُ أول مرة ضحكت فيها.
نسيتُ صوت أمي.
نسيتُ لماذا كنت أكتب.
شعرتُ بأنني أفرغ…
لا جسديًا، بل معنويًا، ككلمة تُمحى ببطء.
صرختُ:
“توقفي!”
لكن الصوت خرج بلا صدى.
لا أحد هنا ليسمع.
حتى أنا.
على الجدار خلفها ظهرت نوتات موسيقية، تُكتَب وحدها، وكل نغمة كانت فكرة لم أفكر بها بعد.
فهمت أخيرًا:
السيمفونية لا تُخلق من الخوف…
بل من الاستسلام له.
قالت وهي تلمس صدري:
“دورك انتهى. الوعي مؤلم، وأنا هنا لأرتاح.”
في تلك اللحظة، انكسر شيء داخلي.
ليس شجاعة.
ليس أملًا.
بل الرغبة في الفهم.
ضحكتُ.
ضحكة قصيرة، مبحوحة، لكنها كانت لي.
قلتُ لها:
“إن كنتِ كاملة… فلماذا تحتاجينني لأختفي؟”
تراجعت خطوة.
أول اختلال في نغمتها.
أدركت الحقيقة الأخيرة:
هي لا تستطيع الوجود دون شاهِد.
دون عقلٍ يتذكّر أنها ليست الأصل.
بدأت الموسيقى تعلو، لكن هذه المرة… كنتُ أنا من يختار الإيقاع.
وضعتُ يدي على صدري، حيث بقي شيء صغير لم تستطع أخذه.
الخوف.
لكن ليس خوف الهرب…
بل خوف البقاء.
صرختُ باسمها، باسمي، باسم كل ما حاولت محوه.
فارتجّت الغرفة، وتشوّه اللحن.
قبل أن يبتلعني الظلام، سمعتها تهمس:
“السيمفونية لم تنتهِ…”
وأنا همستُ في المقابل:
“لكنني ما زلت أسمع.”