حين يبدأ العقل بالعزف
لم تعد الموسيقى تزورني ليلًا فقط.
صارت تنتظرني في التفاصيل الصغيرة:
في ارتطام الملعقة بالكوب،
في حفيف الستارة،
في دقّات قلبي حين أحاول تجاهلها.
اكتشفت أمرًا مرعبًا:
اللحن لا يُسمع بالأذن…
بل يُستَحضَر.
كلما حاولت التفكير في طفولتي، ظهر مقطع جديد من السيمفونية.
كلما تذكّرت وجهي القديم، انحرفت النغمة، كأنها ترفضني.
ذهبتُ إلى المكتبة الوحيدة في البلدة. كانت فارغة إلا من رجلٍ لا يرفع رأسه.
سألته عن تاريخ المكان.
أعطاني دفترًا بلا عنوان، صفحاته صفراء، ورائحته تشبه الخوف القديم.
في الصفحة الأولى كُتب:
«الذين سمعوا الموسيقى ظنّوا أنها قادمة من الخارج… حتى اكتشفوا أنها تُعزف فيهم.»
بدأت أقرأ الأسماء.
اسمٌ بعد اسم.
أشخاص اختفوا، أو بقوا دون أن يكونوا موجودين حقًا.
ثم…
رأيت اسمي.
لم أصرخ.
الرعب الحقيقي لا يصرخ،
إنه يبتسم بهدوء ويجلس بجانبك.
عدتُ إلى البيت أركض، لكن البيت لم يعترف بي فورًا.
الباب تأخر في الانفتاح.
الممر أطول من المعتاد.
والمرآة… كانت تنظر إليّ أولًا.
سمعت صوتي من الغرفة المجاورة.
كنتُ أتحدث، أضحك، أعزف اللحن.
دخلتُ ببطء.
الغرفة فارغة.
لكن الكرسي كان يتحرّك وحده، كأن أحدهم نهض للتو.
في الدفتر الأسود ظهرت صفحة جديدة:
«الموضوع الرئيسي للسيمفونية ليس الخوف…
بل استبدالك.»
عندها فهمت.
البلدة لا تقتل.
البيت لا يطارد.
والموسيقى لا تُجنّ.
إنها تُعيد الترتيب.
تأخذ نسخة أنقى منك،
وتترك لك الوعي فقط…
لتسمع