زراثيل - من اكون | روايتك

اسم الرواية: زراثيل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: من اكون

من اكون

اسمي صخر، وهذا الاسم الذي ألقته عليّ أمي، لأنها تقول إن قدومي إلى هذه الحياة دمر وحطّم كل شيء عملت عليه طوال سنواتها. وكان أبي يوافقها الرأي. على العكس، كانت أختي الكبيرة ليارا تقول لي دوماً إن اسمي يدل على قوتي وصلابتي، مثل الصخور بالضبط. كنت أعلم أنها تقول ذلك لتواسي جروحي التي سببها لي كره والدي لي بلا سبب مقنع. عشت وتعلمت أن أتقبل فكرة كرههما لي، وحاولت أن أثبت نفسي لكي يحبانني مثل ليارا، أو يعترفان بأنني ابنهما على الأقل. كانت ليارا من ضحايا مرض القلب المزمن. كان الأطباء يقولون إن قلبها ضعيف جدًا لأنها تأخرت في العلاج، لكني كنت أؤمن بأنه قوي. منذ أن وعيّت على الحياة، كان يراودني سؤال لم أكن أملك الجرأة لسؤاله لوالدي: "أي عملية يتحدث عنها الطبيب؟ ولماذا تأخر والدي في علاج ليارا رغم أننا كنا من أثرياء المدينة قبل أن يفشل المشروع الذي كان يعمل عليه؟ لماذا؟" مرت السنوات هكذا، طفل يعيش داخل أسرة تنفي وجوده. عندما بلغت سنّ الـ22، دخلت كشرطي في مركز الشرطة القريب من منزلنا. في أحد الأيام، خرجت من المركز ووقفت على الرصيف. لمحت سيارة أجرة تقترب، لوحت بيدي كي تتوقف، ركبت السيارة، وانطلقنا نحو منزلي. عدت إلى المنزل وأنا أحمل في قلبي شعورًا غريبًا، مزيج من التوقعات والأمل بخروج والدَيّ عن برودهم. فتحت الباب، ورغم أن النسيم الدافئ دخل معي، شعرت بثقل الجو داخل البيت، كأن جدرانه تمتص أي محاولة للفرح. — "أه، هذا أنت؟" قالت أمي بنبرة عابرة، دون أن ترفع عينيها من الورقة التي كانت تمسكها. — "صخر… لم أتوقع أن تعود اليوم!" قال أبي ببرود شديد، لم يكن في صوته أي فرح، بل استهزاء خافت. ابتسمت ابتسامة صغيرة، حاولت أن أبدو طبيعيًا: — "جئت لأشارككم أخبار مركز الشرطة… وجئت لأراكم." لكن ردود أفعالهم كانت أقسى مما توقعت: — "أخبارك؟ وما أهمية أخبارك؟" قالت أمي، كأن وجودي لا قيمة له. — "صخر، أنت دائمًا ما تفشل في إرضائنا، حتى لو عملت في الشرطة، ستظل مجرد عبء علينا." صمتت الكلمات كرصاص يخترق قلبي. — "ربما كنا مخطئين حين أسميناك هكذا… اسمك لا يدل إلا على مشاكلك!" تابع أبي، وعيناه مليئتان بالبرود. انكمشت نفسي داخليًا، شعور الإهمال والجروح القديمة عاد يعتصر قلبي. لم أجد الكلمات، لا شيء يمكن أن يخفف هذا الثقل. صمت طويل ساد الغرفة، كان صدى كلماتهم يلاحقني مع كل خطوة أخطوها نحو غرفتي. أغلقت الباب خلفي بصمت، جلست على سريري، استندت على الوسادة، والدموع لم تمهلني. كل شيء بدا مظلمًا أكثر من أي وقت مضى، حتى أصوات المنزل العادية تحولت إلى جدران من البرود والرفض. وفي تلك اللحظة، دخلت ليارا بهدوء، كنسمة دافئة في عز الشتاء. — "صخر… لا تبكي. أنا هنا معك." قالت بصوتها المعتاد الدافئ، تلمس شعوري بطريقة تجعل قلبي يهدأ قليلًا. لم أستطع إلا أن أستند إلى كتفها، وسمعت همساتها المطمئنة: — "تذكر… دائمًا ما أؤمن بك، أنت أقوى مما تتصور." ابتسمت وهي تخرج شيئًا من حقيبتها، كانت كاميرا صغيرة قديمة، ابتسمت قائلاً: — "تذكر هذه؟ كانت هدية لك يوم كنت عمرَك 7 سنوات… وكل نجاح لك كنا نصورك بها. لا تنسى… كل إنجازك، مهما كان صغيرًا، له قيمته." أمسكت الكاميرا، ودفعتني إلى الوقوف. ابتسمنا سويًا، وطلبت مني أن أبتسم للعدسة، شعرت بالدفء يعود إلى قلبي، وكأن اللحظة جمعت بين الماضي والحاضر، بين الجروح والآمال. كانت الغرفة مظلمة قليلًا، لكن وجود ليارا والكاميرا والذكريات أشعل شعورًا خفيًا في داخلي، شعور بأنني قادر على مواجهة هذا البرود، وأنني لست وحيدًا حقًا. جلسنا قليلًا، نتحدث ونضحك بخفة، وكنت أسمع صوت قلبها يطمئنني، صوت مليء بالحياة، صوت يجعلني أصدق أن هناك مكانًا لي في هذا العالم، مهما كانت مواقف الآخرين قاسية. في تلك اللحظة، علمت شيئًا واحدًا: مهما حاول العالم أن يجرحني، سأبقى صخر… صلبًا مثل الصخور، ولن أفقد قوتي، ولن أفقد ليارا بجانبي.