الفصل 7: حلمٌ لا ينسى
في ليلةٍ تهطل فيها الأمطار بغزارة على الطرقات المبللة في شوارع يومي الصامتة، كانت الرياح تعصف بين الأزقة، والماء يتجمع في الحفر على جانبي الطريق. وفي ذلك الظلام الثقيل الذي يخترقه أحيانًا وميض البرق، كان فتى لم يبلغ العاشرة من عمره يركض بأقصى ما يستطيع، تتناثر من خطواته الصغيرة بقع الماء مع كل قفزة.
كان لهاثه يتقطع بأنفاسٍ مرتجفة، وقطرات المطر تختلط بالعرق على وجهه، بينما ينظر من حوله بقلقٍ شديد، كأن الظلال خلفه تطارده عند كل منعطف.
يا إلهي… لقد نسيت نفسي داخل مكتبة المدرسة… نمت هناك!
أمي بالتأكيد قلقت عليّ!
ازدحمت أفكاره وهو يزيد من سرعته، قلبه يخفق بقوة، وكأن المطر الغزير ليس إلا ستارًا يخفي خلفه شيئًا مخيفًا.
انزلق فجأة فوق بركة ماء كبيرة وسقط أرضًا. ارتطم جسده الصغير بقسوة، وتلطخت ملابسه بالطين والماء، وانجرحت ساقه اليمنى. لكنه تجاهل الألم تمامًا، دافعًا نفسه للوقوف بسرعة.
"ليس هناك وقت للألم الآن… عليّ العودة إلى المنزل."
كان المطر ينهال فوق رأسه كالسوط، بينما يتقدم وسط العتمة الخانقة.
لكن… شيء ما كان خاطئًا.
لاحظ أمرًا لم يعتد عليه في طريق عودته. أنوار الشوارع التي كانت تنير له الدرب كل ليلة كانت مطفأة بالكامل. بدا كل شيء مظلمًا على نحوٍ غير مألوف، وكأن المدينة أُطفئت عن قصد.
لماذا كل الأنوار مطفأة؟… هل انقطعت الكهرباء؟
تصاعد الخوف في قلبه وهو يلتفت حوله، محاولًا عبثًا أن يطمئن نفسه، لكن الظلام بدا كوحشٍ يبتلع كل ما حوله.
وأخيرًا، بعد أن قطع الطريق وهو يكاد يتعثر عند كل خطوة، رأى منزله في نهاية الزقاق، يقف كملاذٍ أخير.
"لقد عدت…" قال وهو يدخل لاهثًا، "لقد غفوت في المكتبة دون قصد."
مدّ يده إلى مفتاح الإضاءة وضغط عليه مرارًا… لكن شيئًا لم يحدث. لم يشتعل الضوء، وبقي المكان غارقًا في ظلمة خانقة لا يبددها سوى ومضات البرق المتقطعة من الخارج.
"لماذا الأضواء لا تعم—"
انقطع صوته.
في الظلمة داخل المنزل، وتحت ضوء القمر البارد المتسلل من النافذة، رأى ما جعله يتجمد في مكانه.
زوجًا من العيون البرتقالية المتوهجة، تتألق وسط السواد كجمرتين مشتعِلَتين.
"أمي؟ هل هذا أنتِ؟"
سأل بصوتٍ مرتعش، محاولًا التماسك، وعيناه معلقتان بذلك المجهول المتخفي بين الظلال.
لم يجبه أحد.
بدأت العينان تتحركان ببطء نحوه. خطوات ثقيلة، وصوت قطرات الماء المتساقطة من الملابس يبتلع الصمت. في يده اليسرى سيف ملوث بالدماء، وفي يده اليمنى—
رأسٌ بشري.
رماه بلا رحمة أمام الفتى.
تحت ضوء القمر، اتضحت الملامح… تلك الملامح التي يعرفها جيدًا.
"أ—أمي؟!"
انحنى بسرعة، أمسك الرأس بين يديه الصغيرتين، وكأن لمسةً واحدة قد تكذّب ما تراه عيناه.
"مستحيل…! هل هذا كابوس؟!"
اختلطت دموعه بالمطر، بينما تتسع بركة الدم على الأرض، والجثة المقطوعة الرأس ملقاة هناك، والقاتل يحدق به ببرود، كأنه يتلذذ بانهياره.
"من أنت…؟!"
سأل، والدموع تنهمر من عينيه، صوته بارد من شدة الصدمة.
لم يأتِه رد.
"قلت لك… من تكون؟!"
صرخ بأعلى ما يملك، واندفع نحوه غاضبًا، رغم الارتجاف الذي يهز جسده.
وفجأة، اندفعت قدمه بقسوة وحشية.
ركلة واحدة أصابت الفتى في صدره وأرسلته بقوةٍ هائلة نحو الخلف. اصطدم بالحائط بعنفٍ كاد يكسر عظامه، وانفجر الهواء من رئتيه، وبسق دمًا وهو يهوي أرضًا.
لثوانٍ، لم يتحرّك.
ثم— وبعنادٍ يائس— شدّ جسده المرتجف واستقام مجددًا. عيناه محمرّتان، أنفاسه متقطعة، لكنه اندفع نحو القاتل صارخًا، هجومًا أخيرًا بلا عقل ولا خطة.
القاتل لم يتراجع خطوة واحدة.
أغمض عينيه بهدوء.
كغغغ…
ضغطٌ هائل انفجر من جسده. انطبق الهواء على الفتى كقبضة عملاقة، سُحق في منتصف اندفاعه، وارتطم بالأرض بقوةٍ عنيفة، وتشققت الأرضية تحته بينما عجز جسده عن الحركة.
شفتيه تحركتا… بلا صوت.
"يا للضعف…"
قالها القاتل ببرودٍ مطلق.
رفع الفتى نظره بصعوبة. عيناه كانتا مفتوحتين على آخرهما، تحترقان… غضبًا.
سأقتلك… سأقتلك… سأقتلك—
انقطعت الفكرة.
لم يتحرّك جسده.
لم تكن الصدمة وحدها، بل نظرة عيني القاتل المتوهجتين؛ حيث ارتسمت أربع دوائر سوداء داخلهما، إحداها تضيء بوهجٍ غير طبيعي، ومع تلك الهالة القاتلة التي كانت تتسرّب منه ببطء، كان ذلك كافيًا لتحطيم ما تبقّى من إرادته.
انسابت دموعه، وامتزجت بماء المطر تحت خده.
لماذا…؟
لماذا حصل هذا؟
ما الذي فعلته؟
هل هذا بسبب تأخّري؟
هل… أنا أحلم؟
تدفقت الأسئلة بلا نظام، بلا إجابة، كأنها وُجدت فقط للسخرية منه.
وفي ذلك الثبات القسري، مرّ شريط حياته أمامه.
لكن… لم تكن هناك ذكريات دافئة.
لا ضحكات.
لا دفء.
أنا فقط…
كنت أريد أن أساعد الجميع…
هل كان هذا خطأ؟
تذكّر كيف كانوا يبتعدون عنه.
كيف كانوا يتهامسون.
وكيف قالوا عنه ذات يوم—
شيطان…
شيطان بهيئة طفل…
الشيطان الصغير...
كان وحده دائمًا.
حتى وهو بينهم.
تلاشت المقاومة.
هذا صحيح…
حياتي…
وجودي هنا…
كلّه خطأ…
مدّ القاتل يده ببطء.
تجمعت في كفه هالة متوهجة، تتصاعد منها حرارة كأنها لهب من الجحيم.
حدّق الفتى إليها بلا حراك.
لا أريد… أن أموت…
انهمرت دموعه بلا توقف، تختلط بالمطر الذي يغرق تلك الليلة السوداء. لم يعد يملك سببًا للبقاء. كل ما كان يشدّه إلى هذا العالم قد سُلب منه. أمه… كانت كل شيء، المعنى الوحيد لوجوده.
ومع ذلك—
شيء داخله أبى الاستسلام.
لم يكن أملًا.
ولا شجاعة.
بل عقلٌ يرفض الفناء،
حتى حين لم يعد للحياة ما يبرّرها.
ومع آخر شعاعٍ مفقود، شدّ رأس أمه إلى صدره بصعوبة، حتى مع احتراق جلده من الحرارة المتصاعدة—
بوووف.
————
اندفع نيرامارو جالسًا دفعةً واحدة.
كان ضوء الصباح الباكر يغمر الغرفة بهدوء، أشعة شاحبة تتسلل من النوافذ الواسعة وتنعكس على الأرض الخشبية. لم يكن هناك مطر، ولا ظلام… فقط سكون صباحٍ معتاد.
تنفّسه كان متسارعًا، صدره يعلو ويهبط بقوة، وعيناه تبحثان بلا وعي عمّا رآه قبل لحظات.
"هذا الحلم مجدداً..." همس نيرامارو مع نفسه.

فرك عينه بتكاسل، يحاول نسيان هذا الحلم الذي يلاحقه دائما.
لكن الغضب بدأ يتسلل تدريجيًا. شد على قبضته وأصبحت عيناه شديدة البرود.
أقسم، إن وقعتُ عليه مجددًا، سأجعله يندم على اليوم الذي بقي فيه حيًّا.
تنفّس بعمق، و أعاد قناع الهدوء إلى وجهه، ثم نهض متجهًا نحو باب الغرفة.
فتّحه ببطء، وألقى نظره عبر الرواق. هناك، في الصالة، جلست أكيرا على الأرض كالمعتاد، تخيط زي يعرفه نيرامارو خير معرفة.
"صباح الخير."
قالها بابتسامة خفيفة حينما دخل الصالة.
"صباح النور. استيقظت باكرًا هذه المرة."
"أجل."
نظرت إليه للحظة، وكأنها تربط الخيوط ببعضها.
"هل هذا بسبب حماسك للمشاركة في اختبارات الصيادين؟"
"يمكنكِ قول ذلك."
لم تُعلّق فورًا، بل انتقلت بنظرها إلى القماش الموضوع بعناية على الطاولة.
"أليس هذا زيّ ميساكي الذي تخيطينه؟"
توقّفت يدها عن الحركة فجأة.
"هاه؟ كيف عرفتَ أنه لميساكي؟"
نسيتُ الأمر تمامًا…
"هذا… إنه… مجرد حدس!"
"حدس؟"
"نعم. لا أذكر أنني رأيت هذا الزي هنا من قبل، فظننتُ أنه لها."
تأمّلته لثوانٍ بصمت، قبل أن تبتسم ابتسامة خفيفة.
"هكذا إذن."
تنفّس نيرامارو الصعداء دون أن يشعر.
ثم تغيّرت نبرة صوتها قليلًا، صارت أهدأ… وأكثر دقة.
"بالمناسبة، لماذا كان هناك جوّ من البرود بينك وبين ميساكي عندما عدتما البارحة؟"
"هل حدث ذلك؟" امال رأسه متسائلاً بجدية.
"أجل. منذ أن عدتما، لم يكن هناك حديث، ولا حتى تواصل بالعين بينكما. وحتى وقت العشاء… شعرتُ وكأنني أجلس بين روبوتات لا تقول سوى: نعم، صحيح، هذا ما جرى، ليس تمامًا."
خفض نظره.
تذكّر نيرامارو كل شيء منذ عودتهما إلى المنزل.
الصمت الذي سيطر على الجو، والكلمات التي لم تُقال، واللقاءات القصيرة التي لم تتجاوز النظرات العابرة.
كل شيء تغير بعد أن علمت ميساكي بحقيقة هدفه في أن يصبح صيّادًا؛ بدا كما لو أن حديثه لم يجد صدى لديها، وكان من الصعب عليه أن يجد الطريقة المناسبة للتحدث معها مجددًا.
كل لحظة منذ عودتهما كانت مليئة بالتوتر والخجل، ولم يعرف كيف يعيد التواصل معها أو يكسر هذا الحاجز الصامت بينهما.
"تخاصمنا قليلًا قبل العودة، لكن لا تقلقي بشأن ذلك كثيرًا."
نظرت إليه بنظرة مباشرة، لا تحمل لومًا بقدر ما تحمل توقعًا.
"عليكما إصلاح هذا الخلاف بينكما إذن."
"بالطبع."
قالها بثبات هذه المرة.
"كنت أنوي ذلك منذ البداية."
ابتسمت برضا خفيف.
"هذا جيّد. سأذهب لإعداد الفطور. اذهب أنت لإيقاظ ميساكي."
"أنا؟!"
ارتفع صوته دون قصد.
"بالطبع. ألم تقل إنك تريد إصلاح الأمر؟ ابدأ من هنا."
تردّد لحظة، ثم شدّ قبضته بخفّة.
"…حاضر."
ذهبت أكيرا نحو المطبخ بينما أستقام نيرامارو للتوجه نحو غرفة ميساكي.
سار بخطوات بطيئة في الممر الهادئ باتجاه غرفة ميساكي، بينما اختفت أكيرا نحو المطبخ. توقف أمام الباب الخشبي، يحدق فيه كما لو كان يحاول قراءة ما خلفه.
من الغريب كيف تطورت الأحداث إلى هذا الحد بيني وبين ميساكي في يوم واحد فقط، لدرجة أنني أصبحت أيقظها، وسابقًا احتضنتها فجأة، والذهاب معها لتناول الحلوى، مع أننا لم نستطع، والتحدث معًا دون تحفظ.
تنهد قليلا وحذف هذه الفكرة من رأسه.
توقف عن هذا. إنها مجرد تمثيلية. كل هذه الأحداث حتى هذه اللحظة... كلها من أجل جعل السيدة أكيرا تصدق القصة. لا تخلط الأمور.
أخذ نفساً عميقاً ومد يده ليطرق الباب، لكن الباب انفتح فجأة قبل أن تلمس يده الخشب.
وقفت ميساكي في الإطار، مرتدية رداءً قطنيًا بسيطاً، لكن شحوب وجهها كان صارخاً. شعر نيرامارو وكأن قلبه تخطى نبضه.
"أوه... نيرامارو؟" صوتها كان خافتاً، يحمل نبرة إرهاق واضحة. "هل كنت تريد شيئاً؟"
"لا، فقط أردت إيقاظك لتناول الفطور." ثم أضاف بسرعة، "لكنك مستيقظة بالفعل."
ابتسمت ميساكي ابتسامة باهتة. "هكذا إذن... كح-كح."
لم تكن سعلة عابرة. انحنت قليلاً، يداها تضغطان على صدرها كما لو كانت تحاول منع رئتيها من الانفجار. التعب كان منحوتاً في كل خط من ملامحها - الهالات الداكنة تحت عينيها، الشحوب الذي طغى على خديها الورديين عادةً.
"ميساكي، هل أنت بخير؟" سأل، ونبرة القلق تتسلل إلى صوته رغماً عنه.
طبعاً ليست بخير، انظر إليها.
رفعت رأسها، محاولةً شديدة الوضوح لإظهار القوة. "نعم، نعم. أنا بخير. هذا فقط... نزلة برد بسيطة. لا تقلق."
لكن عينيها الزرقاوانِ وارتعاش شفتيها أخبرتا قصة مختلفة. دون تفكير، مد يده. كانت راحة يده تلامس جبينها الساخن، الحرارة تتسلل عبر جلده كما لو كانت تلمس فرناً خفياً.
"حرارتك مرتفعة!" كلماته خرجت بنبرة اكثر قلقًا.
"عليك العودة إلى فراشك والراحة، سأذهب لإخبار الجدة عن حالتك."
هزت رأسها بضعف، الابتسامة الباهتة لا تزال على شفتيها. "لا تقلق... حقاً، سأكون بخير. لا أريد أن أكون عبئاً على أحد..."
لكن قبل أن تكمل جملتها، انحنت فجأة في نوبة سعال أخرى، هذه المرة كانت عنيفة لدرجة أنها أمسكت بإطار الباب لتوازن نفسها. صوت السعال كان جافاً وممزقاً، يرتجف جسدها النحيل مع كل نوبة.
"ماذا يجري هنا؟"
تدخلت أكيرا بهدوء، لكنه حمل ثقلاً من السلطة والقلق معاً.
التفت نيرامارو نحوها، وكأنه وجد منقذاً.
"جدة، ميساكي... حرارتها مرتفعة جداً وهي تسعل بشدة."
أكيرا لم تنتظر تفسيراً أكثر. اقتربت في خطوتين، ووضعت ظهر يدها على جبين ميساكي ثم على خدها. عيناها تضيقتان قليلاً.
"نيرامارو محق. أنتِ محترقة، يا عزيزتي."
"لا، جدتي، أنا..." حاولت ميساكي الابتسام، لكن نوبة سعال أخرى قصّ كلامها، أجبرها على الانحناء مرة أخرى.
"كفى."
قالت أكيرا بلطف لا يقبل الجدل. ثم نظرت إلى نيرامارو.
"ساعدها في العودة إلى الفوتون."
كانت التعليمات واضحة. وضع نيرامارو ذراعه برفق خلف ظهر ميساكي، ممسكاً بذراعها من الجهة الأخرى، وقادها بثبات نحو الفوتون بينما كانت أكيرا ترفع الوسائد وتعدّها.
"أنت، يا نيرامارو، اذهب وأحضر منشفة نظيفة وبللها بماء بارد – ليس مثلجاً، بارداً فقط. واجلب كوباً من الماء النقي."
كانت أوامرها مباشرة وعملية.
"فهمت."
غادر الغرفة مسرعاً.
التفتت أكيرا إلى ميساكي التي كانت الآن تحت الأغطية، عيناها الزرقاوان تنظران إليها بشيء من الخجل. جلست أكيرا على الأرض بجانب ميساكي، وأخذت يد ميساكي بيدها ومن ثم أغمضت عينيها وبدأت بإستشعار الآنا.
أيعقل بأنه...
"ميساكي منذ متى وأنت تشعرين بهذا التعب؟!"
"منذ البارحة، و تماما منذ أن قاتلت اللص الذي سرق الخريطة الضوئية."
"كما توقعت..."
عاد نيرامارو حاملاً المنشفة المبلولة وكوب الماء. سلمهما لأكيرا التي وضعت المنشفة برفق على جبين ميساكي، ثم ساعدتها على شرب رشفة ماء.
ثم نظرت أكيرا إلى نيرامارو بجدية.
"نيرامارو يمكنك الشعور به صحيح؟"
"الشعور به؟"
نظر إلى ميساكي وزاد من حدة إدراكه قليلا فشعر
بـ آنا غريبة داخلها تمتص الآنا الأصلية بشكل مريب.
وقف نيرامارو متجمداً في مكانه، عيناه مثبتتان على ميساكي النائمة بقلق. كان يشعر بها الآن بوضوح: تياران متناقضان داخل كيانها الواحد. أحدهما هو الآنا الطبيعي الدافئ الذي تعود عليه، والآخر... شيء بارد، زاحف، كأنه بقعة حبر سامة تنتشر ببطء في مياه نقية.
"هناك شيء غريب داخل ميساكي."
اومأت أكيرا ببطء، وكأنها تؤكد أمراً كانت تخشاه منذ البداية.
"هذا ليس أثرًا عشوائيًا… ولا طاقة وحش."
فتحت عينيها، ونظرتها أصبحت حادة.
"إنه إنسان."
تصلّب نيرامارو في مكانه.
"إنسان؟"
"اللص الذي قاتلته ميساكي... لم يهرب بالكامل."
"ماذا تقصدين؟"
"دخل اللص جسد ميساكي عندما حوّل آناه المتبقية إلى ضباب غير محسوس، فتسلّل مع أنفاسها إلى رئتيها واستقرّ داخل مسارات الآنا دون أن تشعر به."
خفض نيرامارو رأسه قليلًا.
إذن لم يكن شعوره وهمًا.
"هل هو خطر؟" سأل، وهذه المرة لم يستطع إخفاء القلق في صوته.
"إن تُرك دون تدخل؟ نعم."
قالت ذلك بهدوء مخيف.
"سيواصل امتصاص آنا ميساكي ببطء، إلى أن يضعف جسدها… وقد تموت."
ساد الصمت الغرفة.
الصمت الثقيل الذي يسبق العاصفة.
فتح نيرامارو عينيه على اتساعهما.
"مالذي سنفعله إذن لإخراجه؟!"
"دع الأمر لي."
أغلقت أكيرا عينيها، وانخفضت أنفاسها حتى كادت تختفي.
الهواء في الغرفة تغيّر ببطء، لا عاصفة ولا اندفاع، بل تحكّم دقيق.
بدأت الرياح تدور حول جسد ميساكي في مسار معاكس لتنفسها، ضغط خفيّ لا يُرى.
تشنّج صدر ميساكي فجأة، وانقطعت أنفاسها للحظة قصيرة.
"هاه…"
خرج الصوت ضعيفًا من شفتيها.
فتحت أكيرا عينًا واحدة.
"الآن."
زاد الضغط الهوائي داخل الغرفة، لا نحو الخارج… بل من الداخل.
الرياح تسللت إلى رئتي ميساكي، ثم انعكست فجأة، سحبٌ قسري.
اهتزّ جسد ميساكي، وارتفع ظهرها عن الفراش للحظة قبل أن يسقط.
انفجرت سعالها، حادًّا، متتاليًا.
في الزفير الثالث،
اندفع ضباب داكن من فمها وأنفها، ملتفًّا على نفسه ككائن حيّ.
تراجعت ميساكي، تلهث، واللون يعود تدريجيًا إلى وجهها.
شدّت أكيرا قبضتها.
الرياح تكاثفت، أحاطت بالضباب، ضغطته، ومنعته من التشتّت.
تشكّل الصوت.
أنين مكتوم، غير واضح.
فتح نيرامارو عينيه بحدة.
"خرج."
أبقت أكيرا يدها مرفوعة، والهواء ثابتًا حول الكيان.
"لم ينتهِ بعد."
تكوّن الضباب الداكن تدريجيًا، وأخذ شكله الكامل شيئًا فشيئًا، ملامحه غير ثابتة لكنها بدأت تتضح.
وقف أمامهما، ظلّه يلتف حوله كالوشاح الأسود، عيناه تتوهجان بلمعان قاتم.
ميساكي تلهث على الفراش، وجهها شاحب، بينما نيرامارو وقف بثبات، عيناه ثابتتان على اللص، وحركة جسده متوترة قليلًا، لكنه لم يبدُ خائفًا على الإطلاق.
ثم ارتفعت ضحكة حادة، شريرة، مزّقت صمت الغرفة:
"هاهاها… أخيرًا! لقد كُشف أمري!"
الضباب الداكن تمدّد، ثم انضغط على نفسه فجأة، كأنه يتكثّف قسرًا.
في ثوانٍ، أصبح شكله أوضح، أكثر ثباتًا، وأكثر… حضورًا.
مدّ ذراعيه ببطء، وكأنّه يتذوّق الهواء.
"آه… هذا أفضل بكثير."
خفض نظره إلى كفّيه، فتحهما وأغلقهما.
الآنا من حوله لم تعد مشتّتة، بل تدور حول جسده بانسجام غير طبيعي.
"من كان يظن أن فتاة بهذه النقاوة… تمتلك هذا الكم الهائل من الآنا؟"
تمتم، صوته مزيج من الدهشة والتعجّب.
تقدّمت أكيرا خطوة واحدة، لكن ملامحها بقيت ثابتة، هادئة لا تتزعزع.
"تفاخرُك لا يغيّر الحقيقة بأنك سرقت هذه القوة."
ابتسم اللص بابتسامة ساخرة، حاقدة.
"عجوز شمطاء حكيمة… وطفل آخر يتصنّع الثبات."
في لحظة واحدة، أطلق اللص دفعة آنا شديدة.
لم تكن هجومًا، بل استعراضًا.
اهتزّت الغرفة، وتشقّقت الأرضية الخشبية تحت قدميه، وانطفأت الشمعة القريبة من الفراش.
"أشعر بها الآن."
قال وهو يضع يده على صدره.
"الآنا تتدفّق… بلا مقاومة. بلا قيود."
سكن الجو.
ثم تحرّك نيرامارو خطوة واحدة للأمام.
"هل انتهيت؟"
نظر اللص نحوه.
"أوه؟"
رفع نيرامارو رأسه، عيناه باردتان على نحو غير طبيعي.
"لأنك تتكلم كثيرًا لشخص دخل جسد فتاة مريضة… وهرب."
للحظة، اختفت الابتسامة.
ثم ظهرت… أوسع.
"استفزاز؟"
ضحك بخفة.
"جيد. كنت أملّ من الكلام."
وقف بثقة، ورفع يده قليلًا كمن يقدّم نفسه على مسرح.
"قبل أن نبدأ…"
قال بنبرة متباهية.
"انا كنت بين الصيادين المنبوذين وأدعى كاغِتسو."
استقام الضباب الداكن، واتخذ هيئة أكثر وضوحًا.
وقف بثقة، ورفع يده قليلًا كمن يقدّم نفسه على مسرح.
انحنى انحناءة خفيفة، ساخرة.
"اللص الذي لا يُمسك."
لم يتحرّك نيرامارو.
ابتسم كاغتسو، ومدّ يده جانبًا.
الضباب تكاثف فورًا، وانضغط، ثم تشكّل خنجرًا أسود، حدّه غير ثابت، كأنه يتنفّس.
"دعنا نختبر—"
لم يُكمل الجملة.
الخنجر انطلق.
لم يكن رميًا… بل ومضة.
خط مستقيم، مباشر، نحو رأس نيرامارو.
لكن—
نيرامارو لم يقفز، ولم يتراجع.
لم يرفع يده.
فقط…
حرّك رأسه قليلًا.
انزلق الخنجر بمحاذاة خده، شقّ الهواء خلفه، وارتطم بالجدار متفجّرًا إلى ضباب.
ظلّت عينا نيرامارو ثابتتين عليه.
باردتين.
غير مندهشتين.
توقّف كاغتسو.
رمشة واحدة.
ثم اتسعت عيناه قليلًا.
"…هاه؟"
قبل أن يتكوّن أي ضباب آخر—
اختفى نيرامارو.
لا أثر لآنا، لا صوت.
كأن الفراغ ابتلعه.
وفي اللحظة التالية—
كانت يد نيرامارو على وجهه.
قبضة واحدة، ثابتة، أصابعُه غارسة في وجهه، تضغط بقوة كافية لشلّ الحركة.
انحنى نيرامارو نحوه، صوته منخفض، قريب من أذنه.
"إذا كنت تريد اللعب…"
تصلّب كاغتسو، ولم يعد يضحك.
"فأفضل أن نفعل ذلك بالخارج."
وفي اللحظة التالية—
اختفى الاثنان.
لا صوت تحطم.
لا انفجار آنا.
فقط فراغ مفاجئ في الغرفة، جعل الهواء يرتد بعنف.
انخفضت حرارة الغرفة.
وأكيرا، التي كانت تراقب بصمت، ضيّقت عينيها قليلًا.