أسرار الماضي: لعنة لا تموت - ميزان الخيانة - بقلم Laalia La | روايتك

اسم الرواية: أسرار الماضي: لعنة لا تموت
المؤلف / الكاتب: Laalia La
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ميزان الخيانة

ميزان الخيانة

في القبو، كان الهواءُ ثقيلاً، كأنه عطرٌ معتق برائحة الموت والنسيان. الظلام هنا ليس مجرد غيابٍ للضوء، بل هو كائنٌ حيّ يلتف حول عنقك، يهمس لك بخطاياك التي ظننتَ أنك دفنتها. كنتُ أقبض على الميدالية المعدنية في كفي حتى غرزت حوافها في جلدي، لكنني لم أشعر بالألم؛ فالألم الذي كان يمزق صدري كان أقوى بكثير. نظرتُ إلى ظهر "كايزو" وهو يتحرك بحذر وسط الركام، يبحث عن مخرجٍ ما، أو ربما يبحث عن مهربٍ من نظراتي. — "كايزو.." نطقتُ اسمه، فخرج باهتاً، مكسوراً، كأنه استغاثة غريق. توقف مكانَه. لم يلتفت، لكن كتفيه تشنجا. — "لماذا تملك هذا الشعار؟" رفعتُ يدي بالميدالية، فبدا لمعانها المعدني في الظلام كعينِ وحشٍ تتربص بنا. التفتَ إليّ ببطء. كان وجهه مشوهاً بظلال القبو، ونظرته لم تكن نظرة حليف، بل نظرة رجلٍ حاصره ماضيه في زاوية ضيقة. — "هناك أشياء يا رينا، رؤيتها بوضوح تعني العمى للأبد. لا تنبشي في القبور.. فالموتى لا يحبون من يوقظهم." ضحكتُ بمرارة، ضحكةٌ لم أعرف أنها تسكن حنجرتي: — "والدي لم يمت يا كايزو.. والدي قُتل! وهذا الشعار كان في رسالته الأخيرة. أخبرني.. هل كنتَ معه لتحميه، أم كنتَ القيد الذي يمنعه من النجاة؟" اقترب مني بخطوات سريعة، حتى شعرتُ بأنفاسه تضطرب فوق وجهي. أمسك بكتفيّ بقوة، وصرخ بصوتٍ مخنوق: — "كنتُ مجرد قطعة شطرنج في لعبة أكبر مني ومنكِ! والدي ووالدكِ بدآ شيئاً لم يستطيعا إنهاءه.. وهذا الصندوق الذي تحمله يدكِ الآن، هو ثمن دماءٍ لن تتوقف عن السيلان حتى يُغلق الحساب." في تلك اللحظة، اهتز سقف القبو بعنف. أصواتُ أقدامٍ فوقنا.. أقدامٌ لا تمشي، بل تركض بانتظامٍ عسكريّ مرعب. ثم انقطع التيار الكهربائي تماماً عن البيت، ليغرق العالم في صمتٍ مطبق، لم يكسره إلا صوتُ "هارو" مجدداً.. لكنه لم يكن همساً هذه المرة. كان صوتاً قادماً من زاوية القبو المظلمة.. خلفنا تماماً: — "الهاربون لا يصنعون التاريخ يا رينا.. إنهم فقط يطيلون أمد المعاناة." تصلب جسدي. التفتُّ ببطء، وقلبي يكاد يتوقف عن النبض. في الزاوية، وسط العتمة، كان هناك "خيال" يجلس فوق صندوق قديم. لم أرَ ملامحه، لكنني رأيت بريق عينيه.. كان بريقاً أعرفه جيداً، لكنه كان خالياً من أي رحمة. — "هارو؟" همستُ، فكان رده ضحكةً باردة هزت أركان روحي: — "هارو القديم مات في تلك الليلة يا صغيرة.. من يقف أمامكِ الآن هو ما تبقى من "اللعنة" التي لم تُدفن." مدّ يده من الظلام، ورأيتُ وشماً على معصمه يشبه تماماً ذلك الذي على الميدالية. في تلك اللحظة، أدركتُ الحقيقة المرة: العدو لم يكن يطرق الباب بالخارج.. العدو كان معي في القبو منذ البداية.