ضريبة الحقيقة
لم تكن تلك الطرقات مجرد اصطدام خشب بخشب، كانت طبولاً تُعلن نهاية السلم وهبوب العاصفة.
سحبني "كايزو" من معصمي بقوة لم أعهدها فيه، كانت يده باردة كالموت، وعيناه تلمعان بذعرٍ لم يستطع قناعه الهادئ حجبَه هذه المرة. انحشرنا في زاوية الغرفة المظلمة، حيث يلتهم الظل أجسادنا، وصرنا نتنفس الصمتَ بدلاً من الهواء.
— "لا تصدري صوتاً.. حتى لو شعرتِ أن قلبك سيقفز من صدرك، إياكِ والتنفس." همس كايزو في أذني، وكان صوته يرتجف مثل ورقة شجر في مهب ريحٍ عاتية.
توقف الطرق فجأة. ساد سكونٌ مرعب، ذلك النوع من السكون الذي يسبق الصرخة. وفجأة، انزلق من تحت الباب شيءٌ نحيف. لم تكن ورقة، ولم تكن رسالة.. كانت خصلة شعر مربوطة بخيط أسود، ورائحة الحريق تنبعث منها.
اتسعت عيناي، وشعرت بغثيانٍ يكتسح حواسي. تلك الخصلة.. أعرف لونها جيداً. — "هارو.." تمتمتُ بلا وعي، فكتم كايزو فمي بيده بسرعة وهو يهز رأسه نفياً.
— "ليس هو يا رينا.. إنهم يتلاعبون بعقلكِ. الماضي لا يعود ليطمئن علينا، الماضي يعود ليأخذ ما تبقى منا." قال كايزو بنبرة فلسفية حزينة، وكأنه يتحدث عن نفسه.
وفجأة، تحطم زجاج النافذة الجانبية. لم يدخل منه شخص، بل دخل منه "صوت". صوتُ ضحكةٍ خافتة، باردة، تشبه احتكاك النصال ببعضها. — "الحقيقة مُكلفة يا ابنة المحامي.. هل أنتِ مستعدة لدفان ثمنها؟"
لم ينتظر كايزو ثانية واحدة. سحبني نحو الممر الضيق المؤدي إلى القبو. كنا نركض، والظلال من خلفنا تبدو وكأنها تطول، وكأن الجدران تضيق علينا. وقبل أن نهبط السلم، تعثر كايزو وسقط منه شيءٌ من جيبه.
انحنيتُ لألتقطه بسرعة بينما كان يحاول النهوض. كانت ميدالية معدنية قديمة، محفوراً عليها شعارٌ غريب: ميزانٌ مكسور يلتف حوله ثعبان. نفس الشعار الذي رأيته في إحدى أوراق والدي الملطخة بالدم.
توقفتُ في مكاني، وتجمدت الدماء في عروقي. نظرتُ إلى ظهره وهو يفتح باب القبو بلهفة، وسألتُ نفسي سؤالاً واحداً، سؤالاً كان أشد رعباً من الذين يطرقون الباب: هل يهرب كايزو بي.. أم يهرب بي إليهم؟
التفتَ إليّ، وجهه غارقٌ في العرق ونظرته متوسلة: — "رينا، هيا! ليس لدينا وقت!"
في تلك اللحظة، أدركتُ أن "اللعنة" التي يتحدث عنها الجميع ليست في الصندوق.. اللعنة هي أنك لا تعرف من هو العدو، ومن هو الصديق، حين يرتدي الجميع قناع الخوف نفسه.
قُفزنا إلى ظلام القبو، بينما كان صوت الباب العلوي يتحطم تماماً.. لقد دخلوا.