الصندوق الذي يهمس
كان الليل ثقيلاً، يهبط على البيت كستارة سوداء كثيفة، فيما جلست "رينا" قرب النافذة، تُحدق في العتمة وكأنها تنتظر منها جواباً يروي ظمأ حيرتها. لم تكن الوحدة تؤلمها بقدر ما كان يؤلمها ذلك الفراغ الذي تركه "هارو" في حياتها. "حتى لو انطفأ كل شيء... تذكّري كلماتي".. رددت العبارة في سرها، فشعرت بحرارة تسري في قلبها، كأن تلك الكلمات كانت الشعلة الوحيدة التي تنقذها من الغرق في بحر الظلام.
التفتت نحو الصندوق الخشبي الموضوع على الطاولة. بريقه الخافت تحت ضوء القمر أثار في نفسها قشعريرة غريبة. منذ أن وجدته، وهي تشعر أنه ليس مجرد جماد؛ بل كأنه يملك روحاً، أو لعله يخبئ سراً أعمق من مجرد خشب وأقفال قديمة.
اقتربت ببطء، أناملها ترتجف حين لامست سطحه البارد: — "ماذا تخفي عني؟" همست بصوت واهن كاد يختنق.
في تلك اللحظة، دوّى صوت خافت في الحديقة. تجمدت "رينا" مكانها، وقلبها بدأ يخفق بعنف حتى شعرت أن جدار صدرها لن يحتمل ضجيجه. اقتربت من النافذة بحذر، أزاحت الستارة قليلاً... ورأت ظلاً. شخص واقفه بين الأشجار، يراقب بصمت مطبق. لم يتحرك، لم يلمح، لكنه كان هناك كشبح يتربص.
تراجعت بسرعة، كادت تسقط من فرط الرعب. هل كان يتوهم عقلها؟ أم أن أحدهم يتربص بها فعلاً؟ رفعت يدها إلى عنقها، تلمست السلسلة الصغيرة، هدية "هارو" في طفولتها. كانت دائماً عكازها الذي يمنعها من الانهيار.
بينما كانت عيناها عالقتين بالخارج، لمح بصرها شيئاً صغيراً على العشب يلمع بضوء غامض. ترددت، لكن فضولها غلب خوفها. فتحت النافذة، مدت يدها والتقطت الشيء: كان مفتاحاً أسود صغير، نقوشه غريبة وكأنه صِيغ في عالم آخر.
أدارت نظرها إلى الصندوق. قلبها يخفق بجنون. اقتربت، وضعت المفتاح في القفل.. لحظة صمت كأن الكون توقف فيها عن الدوران. ثم انفرج القفل بصوت حاد، وفتح الصندوق لأول مرة.
ارتجفت أنفاسها وهي تُحدق فيما بداخله: رسائل قديمة، صور باهتة، وأوراق محروقة الأطراف، بعضها ملوث بآثار دم بني جاف. رائحة عتيقة انطلقت من جوفه كأنها صدى من زمن غابر. مدت يدها وسحبت أول رسالة، كانت الحروف مهترئة، لكنها استطاعت تمييز جملة كتبت بيد والدها: "ما مات... لم يُدفن بعد."
تجمد جسدها بالكامل، شعرت أن الكلمات تخترق قلبها كخنجر مسموم. — "أبي... ماذا كنت تعرف؟"
لم تمهلها اللحظة وقتاً أطول، فجأة، دوّى طرق عنيف على الباب. شهقت، وأسقطت الرسالة أرضاً. — "رينا! افتحي الباب، أنا كايزو!"
ترددت، ثم أسرعت بخطوات مرتبكة نحو الباب. فتحته، فاندفع "كايزو" إلى الداخل، أنفاسه لاهثة وعيناه متسعتان بقلق مميت: — "هل أنتِ بخير؟ رأيت ظلاً قرب الحديقة... شعرت أن شيئاً ليس طبيعياً!"
صمتت رينا، لم تعرف بماذا تجيب. نظر كايزو حوله، فلمح الصندوق المفتوح والأوراق المتناثرة. تجمد لوهلة كأن الزمن توقف لديه: — "من أين لكِ هذا؟" جاء صوته حاداً، يكاد يخفي ذهولاً حقيقياً.
ارتبكت رينا، ترددت بين الصدق والكتمان، لكن كايزو اقترب أكثر، وعيناه تلمعان بخوف لم تره فيه من قبل: — "هذا الصندوق... خطير، كان يجب أن يظل مغلقاً!"
تراجعت رينا للخلف، رفعت الورقة التي كتبت بخط والدها وصرخت بصوت متهدج: — "قال: ما مات لم يُدفن بعد. ماذا يعني ذلك يا كايزو؟ أجبني!"
حدق في الكلمات، ثم في عينيها. لم ينطق أول الأمر، كأنه يحارب شيئاً بداخله لا يريد الخروج. ثم قال بصوت مبحوح: — "يعني أن الماضي... لم يختفِ بعد. وأن بعض الأشباح لا ترحل حتى تُقتل مرتين."