أسرار الماضي: لعنة لا تموت - بين يديك - بقلم Laalia La | روايتك

اسم الرواية: أسرار الماضي: لعنة لا تموت
المؤلف / الكاتب: Laalia La
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: بين يديك

بين يديك

كان المساء ثقيلاً، والسماء ملبدة بغيوم رمادية تحجب آخر خيوط الشمس. جلست "رينا" قرب النافذة، تتأمل قطرات المطر التي تكسو الزجاج، وكل قطرة تحمل معها ذكرى من زمن بعيد. تأملت رينا انعكاس وجهها الشاحب على زجاج النافذة البارد؛ وجهٌ بدا كأنه صفحة من أسطورة قديمة. كان شعرها الكستنائي الطويل ينساب على كتفيها كجدول من حرير بلون الغروب، وعيناها العسليتان الحادتان تشبهان جمرتين تخفيان خلف بريقهما أسراراً لا تنطفئ. رغم رقة ملامحها وتوازن أنفها المستقيم، إلا أن فكها الحاد كان يمنحها هيبة ملكة خرجت من رحم الظلال، وكأن نور القمر الذي ينساب على وجهها الآن يزيدها رقة سماوية. منذ رحيل والديها، لم يتركها الفراغ يوماً. كان البيت واسعاً، لكن صوتهما غاب، وضحكاتهما لم تعد تتردد في الأرجاء. ورغم ذلك، لم تكن وحدها تماماً.. لأن "هارو" كان هناك. "هارو"، الأخ الأكبر الذي لم يولد من دمها لكنه احتل مكانة أعمق من كل الروابط. تتذكر كيف كان يمد يده الصغيرة يمسح على شعرها بخفة، فيربطها بحياة كانت على وشك الانهيار. تتذكر ابتسامته التي اعتاد أن يرسمها؛ نصفها صدق، ونصفها حزن لا تفهم معناه. تلك الليلة الباردة من طفولتها لا تزال عالقة في مخيلتها.. كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء شمعة واهنة تتمايل مع أنفاس الريح. جلست على السرير، تضع وجهها بين يديها وتبكي بصوت مكتوم: "أريد أبي وأمي..". فتح هارو الباب بهدوء، واقترب منها بخطوات بطيئة. رفع وجهها الصغير، ونظر في عينيها بعمق وهمس بجملته الأثيرة: "حتى لو انطفأ كل شيء.. سيبقى ضوء صغير يقودك." مرت السنوات، والجروح لا تلتئم. ظلت علامات الاستفهام تلاحقها: لماذا كان والدها المحامي يتحدث مع الغرباء في الخفاء؟ ولماذا بدا الخوف في عينيه قبل الحادثة؟ ولماذا كان هارو يراقبها أحياناً بصمت ثقيل، وكأنه يحمل سراً أكبر من عمره؟ كل ما بقي معها هو رائحة المطر، وصوت أوراق الكرز، ولمسة يد هارو على شعرها.. إلى أن جاء ذلك اليوم. اليوم الذي فتحت فيه درجاً قديماً من مكاتب والدها، لتجد صندوقاً خشبياً صغيراً، تتآكل حوافه وكأنه حُمل من زمن آخر. صندوقٌ غير كل شيء.. وفي تلك اللحظة.. بدأت اللعنة تتحرك.