يا زمان العشرة وين اللي يقولون الصديق وقت الضيق - الفصل الثالث - بقلم كاتــــــب مؤشــــ(حزن)ــــرات - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: يا زمان العشرة وين اللي يقولون الصديق وقت الضيق
المؤلف / الكاتب: كاتــــــب مؤشــــ(حزن)ــــرات
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

لم يكن خالد ينتظر عودة أحد، فقد تعلّم أن الانتظار باب إضافي للخذلان، ومع ذلك فإن الماضي يملك قدرة غريبة على الظهور حين نظن أننا تجاوزناه. جاءه على هيئة لقاءٍ عابر، نظرةٍ مألوفة في مكانٍ لم يتوقعه، وصوتٍ أعاد إليه ثقل الذكريات دفعةً واحدة، كأن الزمن قرر أن يختبر ثباته من جديد. وقف خالد هناك، ثابت الجسد مضطرب الداخل، يحدّق في وجهٍ كان يومًا قريبًا حدّ الاطمئنان، وبعيدًا حدّ الخيانة. لم يشعر بالغضب كما ظن، ولا بالحنين كما خاف، بل بشيءٍ أقرب إلى الفراغ. أدرك في تلك اللحظة أن بعض الأشخاص يسقطون من القلب دون ضجيج، وأن الخسارة الحقيقية تحدث حين لا يعود للغياب معنى. تحدثا قليلًا، كلمات عادية، مجاملة باردة، وأسئلة لا تبحث عن إجابات حقيقية. كان خالد يسمع، لكنه لا ينصت، يبتسم، لكنه لا يشارك. رأى أمامه إنسانًا تغيّر، أو ربما كان دائمًا كذلك، لكنه لم يكن يراه بوضوح. فهم أن الخذلان لا يصنعه موقف واحد، بل تراكم نوايا ضعيفة اختارت الهروب في اللحظة الحاسمة. بعد اللقاء، لم يشعر خالد بثقل كما توقع، بل بشيءٍ يشبه الإغلاق. كأن دائرة قد اكتملت أخيرًا، وكأن قلبه قال له بهدوء: هنا انتهى الدرس. لم يعد بحاجة إلى أسئلة، ولا إلى عتاب، ولا إلى تفسيرات متأخرة. بعض الحقائق لا تحتاج شرحًا، يكفي أن تُعاش مرةً واحدة لتبقى. عاد خالد إلى وحدته، لكنها لم تعد مظلمة كما كانت. صارت مساحةً للفهم لا للحزن، ومكانًا لإعادة ترتيب الداخل. صار يعرف أن الخسارة لا تُقاس بمن رحل، بل بما بقي فيك بعد الرحيل، وأنه رغم كل ما مرّ به، لم يفقد نفسه، بل استعادها. في تلك الليلة، أدرك خالد أن النجاة ليست في كثرة من حولك، بل في صدق من يبقى، وأن القوة لا تعني أن لا تنكسر، بل أن تنهض دون أن تحمل معك حقدًا. اختار أن يمضي قدمًا، لا لأنه نسي، بل لأنه تعلّم، ولا لأنه سامح الجميع، بل لأنه سامح نفسه أولًا. وهكذا، أغلق خالد صفحة الماضي دون ضجيج، وفتح صفحة جديدة لا يعد فيها بشيءٍ سوى الصدق، ولا يمنح قلبه إلا لمن يثبت أن العِشرة ليست كلمات تُقال، بل مواقف تُحفظ في الذاكرة… أو تُمحى إلى الأبد.