يا زمان العشرة وين اللي يقولون الصديق وقت الضيق - الفصل الثاني - بقلم كاتــــــب مؤشــــ(حزن)ــــرات - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: يا زمان العشرة وين اللي يقولون الصديق وقت الضيق
المؤلف / الكاتب: كاتــــــب مؤشــــ(حزن)ــــرات
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

بعد الخذلان، لم ينسحب خالد من الحياة دفعةً واحدة، بل تراجع خطوةً خطوة، كمن يخشى أن يوقظ ألمه إن تحرّك سريعًا. صار يختار العزلة لا هربًا من الناس، بل حمايةً لما تبقى فيه من اتزان. اكتشف أن الصمت أصدق من كثير من الكلمات، وأن الوحدة أرحم من صحبة لا ترى فيك إلا وقت الرخاء. كانت أيامه تمر ثقيلة، لكنها واضحة. لم يعد يجمّل الوجوه في ذاكرته، ولم يعد يبحث عن أعذار للغائبين. تقبّل الحقيقة كما هي: بعضهم لم يكن صديقًا، بل عابر طريق، وبعضهم لم يخنه عن قصد، بل كان هشًا أكثر مما ظن. هذا الفهم لم يخفف الألم، لكنه جعله أقل فوضى، أقل قسوة على القلب. في وحدته، تعرّف خالد على نفسه من جديد. جلس طويلًا مع أفكاره، استمع لصوته الداخلي الذي كان يؤجله دائمًا لأجل الآخرين. سأل نفسه أسئلة لم يجرؤ على طرحها من قبل: لماذا أعطي أكثر مما أحتمل؟ ولماذا أظن أن الجميع يشبهونني؟ ولماذا أحمّل الآخرين مسؤولية إنقاذي؟ كانت الأسئلة موجعة، لكنها صادقة، والصّدق وإن آلم، يحرر. بدأ يرمم خسارته ببطء، لا بالإنكار، بل بالاعتراف. اعترف أنه انكسر، وأنه ضعف، وأنه وثق في غير موضع الثقة. لم يعد يخجل من جراحه، بل تعامل معها كندوب تعلّم، لا كعلامات هزيمة. فهم أن الخسارة لا تعني النهاية، بل تعني أنك عشت، وأنك خاطرت بقلبك، وأنك دفعت ثمن الإيمان بالناس. لم يعد خالد يبحث عن صديقٍ يشبه الأمس، بل عن إنسان يشبه الحقيقة. لم يعد ينتظر وعودًا كبيرة، بل أفعالًا صغيرة صادقة. صار يقدّر من يبقى، ولو بصمت، ويغفر لمن رحل دون أن يسمح له بالعودة إلى ذات المكان في قلبه. تعلّم أن بعض الأبواب تُغلق لا انتقامًا، بل حفاظًا على السلام الداخلي. وفي أعماقه، كان يدرك أن ما مرّ به سيغيّره إلى الأبد، لكنه لن يجعله أسوأ. سيجعله أعمق، أهدأ، وأكثر انتقاءً. سيجعله يعرف أن الصديق وقت الضيق ليس من يقف بجانبك حين تكون قويًا، بل من لا يختفي حين تنكسر، وأن الزمن لا يسرق منا الناس، بل يكشفهم. وهكذا، لم يعد خالد ذلك الرجل الذي يثق سريعًا، لكنه أيضًا لم يصبح حجرًا. ظل قلبه حيًا، يتألم، يتعلم، وينتظر… لا عودة الماضي، بل قدوم حقيقةٍ لا تخذله.