رواية من عقب يُتمها صرت أبوها - الفصل 9 - بقلم حروف خرساء - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رواية من عقب يُتمها صرت أبوها
المؤلف / الكاتب: حروف خرساء
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 9

الفصل 9

"نرجع بالأحداث لقبل يوم |فلّة حامد". دخل الغرفة بـ خطوات مُتزنة ويبحث بنظراته يدوّر عالجوال. تلمّس جيوبه وطلع جواله وإتصل على رقم نورة، ثواني وبدا جهازها يرن وهو يتتبّع الصوت لحد ماوقف عند التسريحة، فتح الدرج ولقاه موضوع على الأوراق. إبتسم وأخذه، ناظر فيه وبردة فعل تلقائية ضغط على الزر وفتح معه. رفع حاجبه بذهول بدون رمز! هذي البنت واضح إن ماعندها خصوصيات بـ جهازها. دخل على الرسائل ولقي رسائل من رقم غريب مو مسجل "كان رقم يوسف". وثم الرسائل إللي وصلت من رقمه، حذفها لجل مايشوفها يوسف، دخله بـ جيب ثوبه وطلع برا ويدور رقم عمه لافي. إتصل عليه وعقب ثالث رنة: السلام عليكم، صبّحك الله بالخير ياعمي، بخير الحمدلله، والأهل كلهم بخير إنت شحالك! الحمدلله المهم يا عمي إتصلت عليك بخصوص شغلة، جوال نورة بنت عمي كاهو معي لقيته مع أغراض أبوي تعرف عنوان شركة يوسف لجل أروح لهم أسلمه! أها تقول يوسف بالرياض! كويس وانت رايح له بعد، زين زين شوي وجايك أسلّمك إياه وصله لـ يوسف يعطيك العافية ما تقصر، بآمان الله. إبتسم براحة ودخل جواله بجيب ثوبه ونزل يشوف أمه وأخواته قبل يروح لـ عمه ثم الإستراحة. . *نرجع لـ واقعنا، تحديداً بالمقهى* فتح الشنطة لافي ومد لـ يوسف كيس أسود ملفوف، أخذه منه بإستغراب وفتحه وبهمس: أها جهاز نورة، شلون أخذته! لافي وبهدوء: أبد كان مع حامد ووصلوه لي، وجبته معي. ماحبّ يقوله من عند مُراد لجل ما يثير غيرة يوسف، أخذه بيده يوسف وتفحّصه وبإستفسار: مين جابه لها! هي إشترته؟ رفع أكتافه لافي ونزلهم: مدري، لكن على حد علمي ما أتوقع هي إشترته، ماكان حامد يدللها. أخذ نفس لافي وسحب الشنطة وطلع ملف بُني منها، قبض أنامله عليه ثم تركه على فخوذه وقرّب من يوسف وشبك أصابعه ببعض وبنبرة مُنخفضة جدية: هذي الأوراق تشتمل على ورث نورة، هو بالأساس مال أبوها، حصلت هوشة بين أخواني طبعاً عقب تأثير حامد وضغطه عليهم، رفضوا إنهم يعطون اخواتي حقهم الكامل، وسيّاف رحمة الله عليه ما رضي بالظلم، ووقف بوجههم وصدّهم، وقتها سحبوا عليه على رأسهم حامد الله يسامحه، وقسموا الورث. لكن انا هنا مارضيت، رفعت دعوى عليهم في محكمة الأحوال الشخصيّة ولمعرفتك السابقة هذي المحكمة متخصّصة بقضايا الإرث وغيرها. واجهت أمور كثييرة وعانيت بـ شدّة لجل أكسب القضية وينرد الحق لـ أصحابه. والحمدلله بفضل من الله قدرت أخذ نصيب سيّاف قبل اربعة أشهر تقريباً. من جاب حامد نورة عنده، الورث صار بإسم نورة، ولهذا السبب حامد يلاحقها. أكمل كلامه حامد وبدا يحكي لـ يوسف كيف جات نورة للرياض، ولاحظ إحتقان ملامح يوسف وإنعقاد حاجبيه من ذكر له لافي إن نورة راحت مع مُراد لحالهم الرياض. حاول يكبح لافي إبتسامته، كان هدفه يجس نبض يوسف. ويعرف مكانة نورة عنده قبل ما يسلّمه الورث. إقترب من يوسف أكثر وبهدوء: وانا الآن ببري ذمتي وبسلّمك ورث هالضعيفة، لكن هاه تراها بـ ذمتك ومال حلال لنورة فقط، قلب المؤمن دليله، وقلبي ما رفضك أستشعرت خوف الله فيك، وصحوة ضميرك. مد الأوراق له أمام صمت يوسف الشديد، أخذ منه الأوراق وبهمس: نورة من قبل تجي الرياض كان عندها رقم! رفع حاجبه لافي وبنفي: ما اعتقد لأنها مرة اضطرت تكلّمني من هاتف ثاني. أومى براسه يوسف ومييّل ثُغره، إبتسم بودّ لـ لافي وصافحه: نورة برقبتي قبل ماتكون برقبتك يا لافي، وصاني عليها أبوها وهو حيّ، كان يخاف عليها منكم، ومثل ما إنت حاس ورثها حمله ثقيل على عاتقك، أنا بعد حاسه ثقيل على عاتقي، عسى الله يقدرني وأصون الآمانة. أخذ الشنطة عقب ما مدها له لافي وحط الأوراق فيهم. إقترب من لافي وقبّل راسه بـ عُمق، وترك جوال نورة على الطاولة وبهمس: مشكور ردّه على أصحابه، نورة انا أجيب لها جوال ورقم بهويتي. إبتسم لافي وتنهد وبهمس: اللّهم لك الحمد. . . "بـ السجن". صادف يوم حامد الثاني في السجن اليوم المُخصص للزيارة، لا أعلم من حُسن حظه، أم من سوء حظ نورة، أو رُبما الإثنين معًا. وقف حامد عقب ما سمع إسمه يُنادى، تبع الحارس للمكان المُخصص للزيارات. دخل وعيونه تترقّب يناظر لـ نايف. إبتسم من شافه ومشى له، قعد جمبه وبدوا يتكلمون. بـ حوارات عادية عن أمور الشركة وهكذا، تقدّم حامد لـ نايف وبهمس مُنخفض جداً، خوفاً لا يسمعه الحارس: طلّعني من السجن هذا بأي طريقة، يخسون يقعد حامد فيه ثلاث لِيال. لاحظ عُقدة حاجب نايف وبهمس غاضب ويأشر على جانب جبينه: هذا المخ تبدّل بـ تنكة! علامك كذا صرت فاهي ومخك تنّح، عوّد نايف الفطين، المهم عندي فكرة انا براسي بس هقوتي إنها ماهي بـ ناجحة حيل لكن بقولها لك وإنت نفذها. بدا يسرد حامد الفكرة لـ نايف، بهمس شديد وترقّب، ونايف يستمع له بإنصات. . . "عقب مرور ثلاث ساعات |مكّة". ~ طلع من عند الحلاق ومسح بكف يده اليسار على رأسه، عقب ما حلّق شعره وأتبع هدي الرسول عليه الصلاة والسلام. مشى لناحية الشمالية حيث ما يقعدون أمه ولينا. وصلهم وإبتسم: شكلكم تعبتوا بـ الحيل. ناظرته لينا وحطت كفها على جبينها لجل تحجب الشمس عنها وتناظره زين، إبتسمت بإنبهار من ملامحه إللي صارت واضحة عقب ما خفّف شعره. مسح على وجهه وبهدوء: قوموا نروح الفندق نغيّر ملابسنا ونطلع نفطر. قاموا معه يمشون، والراحة النفسية ملازمة صدورهم. طمأنينة إيمانية، وسلام داخلي. "الساعة تُشير إلى الثانية عشر مُنتصف الليل". مُستلقية على ظهرها وشعرها مرفوع على شكل ذيل حُصان، ينمّ عن شخصية تبحث عن السلام الداخلي وتنشد السكينة، وتحبّ عيش حياة هادئة خالية من الإضطراب، هذا ما يقوله علم النفس تجاه من تفضّل النوم وشعرها معقود على شكل ذيل حُصان. تحرّكت الى جانبها الأيمن بإنزعاج من الأنفاس الدافئة التي أخذت تضرب وجههآ. فتحت عيونها ببطء لتتفاجا بـ بوجود رجل تعرفه جيداً واقف أمامها. مسحت على عيونها كود إنها تحلم أو من هذا القبيل. لكن واقع! بلعت ريقها بـ خوف من أن تُعاد اللحظات السيئة، وبهمس لا إرادي: إنت دعوة غمامها أسود لحقتني حيث ما أروح، عليك الله ما تأذيني ! إللي شفته من الحياة يكفي، إيه أرتجيك عليك الله ما تضرّني. لمعت عيونها بـ دموع الضُعف، المُشارفة على الإنهيار. تراجع على وراء بإستقامة عقب ماكان حاني ظهره يناظرها، تكلّم بهمس، رُبما ترجيها ليّن قلب نايف: ماني مأذيك، لكن بغيت منك شغلة وحدة عمك أرسلني وطلب مني أسويلك الأذيّة لكن ما أستقوي على حرمة ضعيفة. ناظرته بـ نُصف عين بسخرية وكأنها بنظرات عيونها تُعيد له ما جرى في بيت حامد. صد عنها وأردف: وقتها كنتي شامخة، قوية، عنيدة. ونويت أكسر راسك، لكن الآن إنتِ بأشد مراحل الضُعف وبصراحة ما أحس بإثارة إذا كان خصمي ضعيف. رجع ناظرها وبسرعة شديدة قبض أنامله حول فكها وبهمس جدّي: أطلبي من زوجك الخمة يتنازل عن الشكوى إللي ضد حامد، عمّك طلب مني أخطف جدتك وألوي ذراعك بها، وأخليك تطلبين منه يتنازل وإنتِ تبكين لكن أنا ما نفذت بكلامه، والآن أتصلي على زوجك وأطلبي منه يتنازل. ضربته على يده إللي حول فكها وابتعدت عنه، صدت عنه ورفعت اللحاف عليها. ما يحلّ لها، وحرام عليه يشوفها. فكّرت بـ كلامه لثواني، ثم ارتفع كفها اليمين لـ تمسح على وجهها بحيرة شديدة. أمر عمها بأن يأذي جدتها قاسٍ! لو موقف ثاني كان من المُحال تطلب من يوسف يتنازل عن شكواه. لكن الأمور لا تجري في صالحها، تكلمت بهمس وهدوء: طيّب أتصل عليه الصبح وأقوله، لو أتصل الآن طلبي بيثير شكوكه. اومى براسه وبإبتسامة وهمس: حلو حلو حتى تفكرين ما تقولين له إني طلبت منك! تنهدت وبهمس وأطراف اناملها تمررها على جبينها: ماودي بـ مشاكل ثانية، بطلب منه يتنازل وإنتوا بطريق وأنا بطريق. ناظرها لـ ثواني بنظرات عميقة، وكأنه يقول "لو عثرت عليك باكراً وكنتِ جوهرتي المصونة وفيك أكملت نصف ديني، لو كنتِ صدفة تسبق القدر". . أبتعد عنها بهدوء ومشى للنافذة، تبعته نظراتها وببالها تسأل كيف قدر يدخل ومن صار إللي صار ما تنام بدون ما تقفل باب غرفتها. فتح النافذة وأخذ راسه يتحرّك يمين ويسار بترقّب، ثواني وقفز من النافذة وإرتطم جسده بالأرض من دون إكتراث بالمسافة البعيدة. حركت راسها بالنفي بأسى وقامت خلفه، سكرت النافذة بغضب وقفلتها، وبهمس: باليوم إللي نسيت فيه أقفل النافذة جاء! مقدّر ومكتوب، قعدت على السرير، وسندت مرفقها على رُكبها وغرست أناملها بـ شعرها، بتضارب المشاعر داخلها، إللي بتسويه صحيح أم لا! رفعت راسها وناظرت السقف وبهمس مخنوق: يا رب خلّصني من هالكابوس، خل الأيام تزين. . . "صباح يوم جديد |الساعة ٨". خطت أقدامه خطواتها ببيت موضي، نزل نظارته الشمسية ورفع سبابته وضغط على الجرس. ثواني وفتحت له الخدامة، مشى خلفها وأسئلة كثييرة تدور بباله. أتصلت عليه نورة عن طريق هاتف البيت وطلبت منه يجي بأقرب وقت، وفعلاً لبّى طلبها. إبتسم وبنفسه: هذي النّوري شلون أردلها طلب! قعد على الكنب ومحتار بنفسه يتساءل إيش ورى طلب نورة لـ جيّته! مو بعادتها تطلبه يجي إذا غزاها الشوق. رفع راسه من سمع قرع خطواتها الهادئة البطيئة بسبب إستنادها على العُكاز أقبلت عليه لابسة فستان مخملي لونه عودي. بسيط وناعم، وجادلة شعرها جديلة فرنسية. وبشرتها خالية من أي مسحوق تجميلي، أقتربت منه ومدت يدها، حاوطها بذراعه، وضمّها لـ صدره قبّل راسها وبهمس: صبّحك الله بالخير يا وجه الخير وأسباب المسرّة. ابتسمت وبهمس: وصباحك كل خير. ابتعدت عنه وقعدت جنبه وشبكت أناملها ببعض، تأمل هيئتها البسيطة المتواضعة وإبتسم: مدي يدك وسلّمي على غيري، لكن انا مو كذا السلام معي. ناظرته وبسرعة نزلت نظراتها بـ حياء، تكلّم بهدوء: أفطرتي! اومت براسها بـ إيه، وأكمل كلامه، زين هاتي إللي عندك بس بالأول ناظريني باخذ أخبارك من عيونك. أبت أن ترفع وجههآ من حياها الشديد، وهو بادر ورفع وجهها بطرف سبابته. تأملها وبشوق فضييع أقترب وقبّل خدها، أحتوى وجهها بين كفوفه وبهمس وهو يناظر عيونها: نظرتك تبري كل علّة فيني! ما أبالغ وأحلف لك يمين، إنتِ مستوطنة الروح، وآسرة الفؤاد، بغيت الكثير الحلال، لكن رغبتي فيك كانت ألعظيمة والصادقة. قبّل طرف ثُغرها وبهمس، ولحاجة بنفس يعقوب بغيتك بالحلال، أحبك وخالق عيونك الناعسة. رفعت عيونها وأرمشت بإرتباك، والحُمرة تكسو وجنتيها. أردفت بـ همس: فيك دعيت الله أشوف العوض، أبغيك الشيء إللي أفوزه به على الحياة من بعد أبوي. قبّل عيونها وبحبّ عجز يسيطر على ثورته داخل جوفه: أنا أبوك، لا تناديني الّا يبه، وإنتِ بنتي وطفلتي. ابتعدت عنه وبخجل مسحت على أكتافها نزولاً الى أفخاذها وبإستحياء: ما ذكّرك الفستان بشيء! تفحّصها وهو عاقد حواجبه: لا، إنتِ قولي لي. قالت بإبتسامة خجولة: هذا الفستان من عندك إنت. صغّر عيونه يناظرها وفيه الضحكة رفع سبابته وبعصف ذهني: هذا إللي جبته لك بـ القرية لما جيت أشوف أبوك الله يرحمه؟ أومت براسها وباقي مُبتسمة، ضحك ومسح على كتفها: سبحان الله شوفي! كيف إني شريته لك وبيوم من الأيام اشوفه عليك وتحلين لي! إبتسمت بـ مُجاملة، ومزاجها قفز للجديّة، أخذت نفس وبهدوء: أتصلت عليك لجل موضوع. مد يده وحضن كفوفها لجل يشجعها وتتكلّم. استرسلت بكلامها ونبضات قلبها بدت بالإرتفاع: ابغى تتنازل عن الشكوى إللي قدمتها ضد حامد، لاحظت الغضب وعقدة حاجبه السريعة لكن كبحها لجل ما يخوفها ويخليها تسكت. شد على كفوفها وأومى براسه يشجعها تكمّل، أدري إنه غلط علي وقسى وإنت سندي وتحاول تاخذ حقي منه لكن ماودي يتجرجر فالسجون بسببي. أنا مب قاسية زيه! والدنيا دوارة، مصيره ويطيح بسوءة أعماله. رفع حاجبه وبغضب مكبوت: تبرير بايخ! نورة صاحية للحكي إللي قاعدة تقولينه! سوالك الأذية، وبغيتي تروحين وجبة للكلاب بسم الله عليك وتجين تقولين تنازل عنه! لا ما بقبل كلامك وما بتنازل، خليه يخيّس بالسجن. ترك كفوفها وقام غضبان. وقفت بسرعة ومشت خلفه خطوة متجاهله جرحها، ومسكت كفه، التفت عليها وناظرها، تكلمت بنبرة إستعطاف ورجاء: حامد ما يخاف الله، ما ودي يوصلك شر منه إنت إللي صفى لي بشكل حقيقي من عقب أبوي، صحيح جدتي وخالاتي حولي لكن إنت غير عنهم، إنت تداريني لو من وخزة شوكة، ماودي يصيرلك شيء خلاص انا متنازلة عن كل شيء بس لا تزيد مشاكلك مع حامد ويحقد عليك تكفى. عضت على شفتها بألم وفكت يده وقعدت على الكنب، رفعت ساقها وناظرت بالجرح من خلف الشاش، وكان الشاش نظيف وارتاحت، لو ضغطت على ساقها أكثر انفتح الجرح ونزف. تكلّم بعدم رِضاء وبنظرات عتبانة: طيّب بتنازل عنه والحين بروح. مشى عنها لكن قلبه ما طاعه يشوفها تناظر بساقها ويتركها حتى من دون ما يودعها. تنهد ورجع لها: وريني ساقك، نزف جرحك! حركت راسها بالنفي وحاولت تسحب فستانها القصير يستر ساقها وبإرتباك: لا ما نزف الحمدلله، طيّبة. ناظرها وزمّ شفايفه ومسح على شعرها: إهتمي بنفسك يروحي، ولا تمشين كثير، قبّل جبينها وبهمس أستودعتك الله. تبعته بنظراتها ومن أغلق الباب سندت نفسها على ظهر الكنب وغمّضت عيونها بإرتياح. لكن نورة أم قلب أبيض إعتقدت أن بتنازل يوسف بتنتهي المشاكل. لكن هذي شارة البداية. وقفت عقب ما خرج وقامت للنافذة، طلت معها وعيونها تتبع زوله وعُرض أكتافه، بذبذبات حبّ بدت تغزوها من دون إستئذان. مُعلنة عن قصة عشق تأخذ مجراها "كروميو وجوليت". لكن أرجو أن تكون نهاية قُصتهما رائعة، سعيدة وليست كقصة روميو وجوليت. أغلقت الستارة ومسحت بباطن كفيها على فُستانها، داهمها شعور قوي حين كانت ببيتهم تجمع أغراضها وأخذت هذا الفستان تلبية للشعور. رجعت جلست على الكنب وهي في حنين شديد لـ بيتهم ورائحة القرية. . . أما عن يوسف فلما خرج ركب سيارته وقبض أنامله حول الدركسون بـ حيرة. أسند جبينه على مقدمته، محتار مابين ينفذ طلب نورة ويروح يتنازل أو لا. لو تنازل شر عمهآ بيشتد بطشه، لكن هو الآن مُقيد ولا يقدر يسوي شيء. ولو نايف خلفه، لكن نايف انكسرت شوكته تقريباً من دخل يوسف حياة نورة. يعلم من يكون يوسف جيداً! ضغط على عيونه وبقلة حيلة توجه لـ مركز الشرطة يتنازل. فعل الأمر الذي لا يُحمد عقباه. . . نزل من السيارة وعيونه تتفحّص الرجل الواقف بمنتصف الشارع ويناظر في المنازل وعليه علامات الحيرة. بان له هذا الأمر من إنحناءات جلد جبينه. مشى له ومد كفه وبهدوء: السلام عليكم! ردّ عليه السلام الرجل، وأكمل كلامه لافي: واضح إنك تدوّر على شيء، شكلك مو مألوف علي ما إنت من سكان الحي هذا! وماودي اطول الكلام معك لأنك واضح انك مستعجل. ابتسم الرجل ومسح على لحيته البيضاء، بيده السمراء والمليئة بـ التجاعيد: إي والله اني ادوّر على أحد، لكن ياخوك ماني عارف أي بيتهم بالتحديد، انا ادوّر عن حامد أخو سيّاف. عقد حواجبه لافي وازاح النظارة الشمسية عن عيونه لـ تبان له تفاصيل الرجل أكثر: أنا أخوه، لكن تعال داخل وقول ماعندك، دامك تبغى أخوي حيّاك، لانوقف تحت الشمس. تبعه الرجل ودخلوا، قعد الرجل على الكنب في الصالة ولافي راح المطبخ يقدّم له شيء، دقائق معدودة وقعد مقابلة لافي عقب ما ترك صحن العصير عالطاولة. شبك أنامله لافي ببعض وبنبرة رجوليّة: أسلم هات ماعندك، وأخوي ترى مب هنا مو متواجد هذي الفترة. أرتشف "أبو مازن" من الكوب ومرر لسانه على شفايفه وأردف بهدوء: أنا أبو مازن، زوج نورة رحمة الله عليه، ولها معي وصيّة وأمانة ولازم أسلمها نورة بنفسي. عقد حواجبه لافي من الوصية إللي تكون عندهم لـ نورة وأفتكروها عقب أشهر: حيّاك الله، لكن البنت ماهي فيه، عوّدت عند خوالها أهل أمها، لكن ماقصرت هات الآمانة انا اسلمها إياها. ناظره أبو مازن لـ ثواني بنظرات غير مؤيدة لكلام لافي: جيت أمس لكن ما دلّيت البيت، وأعتذر منك الآمانة برقبتي لين أسلمها نورة بـ نفسي. ضحك لافي ضحكة ازاحت ما أُرتسم على ملامحه من إرهاق وتعب. لقدومه من الرياض قبل دقائق معدودة: ومن دون مدح بنفسي، لكن الله أرسل بطريقك الشخص الصحيح، أخرج جواله من جيب ثوبه، وعقد حواجبه لأن يوسف أعاد له جوال نورة، مايقدر يوصلها. التفت على أبو مازن وبهدوء: البنت ماقدر أتصل عليها الآن لجل تكلمك وتقنعك إنك تسلمني الآمانة، لكن خلاص من أقدر اتواصل معها أقولها عنك، وأقولها تجيك فالقرية، إنت ياعم كبير فالسن وتعب عليك هالمشاوير. إبتسم أبو مازن وقام ومد يده لـ لافي: يعطيك العافية وماتقصر، الله يرضا عليك. سلّم عليه لافي وقبّل راسه بإحترام. طلع أبو مازن والفرحة مُرتسمة على تقاسيم وجهه، مسك طرف الخيط، والخيط الجيّد. والباقي تساهيل. تسطح لافي على الكنب عقب ما أزاح طاقيته وشماغه وتركهم على جنبه. مسح على شعره وضغط على جبينه وأطلق تنهيدة، الوحدة رائعة، لكن قاسية، فـ لافي يسمع ضجيج نفسه كثيراً. فتح عيونه وتأمل البيت الهادئ الخالي من أي صوت بإستثناء صوت أنفاسه. صعوداً وهبوطاً. لا أبناء، لا زوجة، لا أصدقاء. . . "في بيت عائلة صغيرة قليل تواجدهم في أجزاء الرواية". ~ رفع حاجبه الأيمن بغضب من سمع حديثها مع إحدى النساء من خلال سماعة الهاتف. لم يقصد التنصّت، فهذي عادة الجُهلاء، وقليلي الأدب. لكن جذبه كلامها. دخل الغرفة بغضب وأشر لها بـ حواجبه وبحركة شفايفه: سكري المُكالمة، سكرييييها. سكرتها وتهاوى منها الجوال ببطء، وجحظت عيونهآ بـ خوف من ملامحه الغضبانة. رص على أسنانه وبإنفلات أعصاب: شلون تسوين كذا! شلون تفتحين جوالي قبل كل شيء وتقرين الرسايل، وشلون تروحين لبيوت خلق الله وتتهجمين عليهم، من دون ما تتأكدين من مصدر الرسالة متزوج بزرة أنا ! وقفت وبنبرة صوت عالية، ركلت معها إحترامها: ما تعمدت افتشه، ومافيه وحدة ثانية من الممكن إنها ترسلك غيرها، وأنا أدري إنك خطبتها كذا مرة ورفض أبوها، مافيه غيرها تحط عينها عليك. صفق كفوفه ببعض وبـ قهر مكبوت: سفيهة إنتِ! ترسمين الأحداث براسك وتصدقينها وتروحين تبلشينهم وتسوين لهم مشاكل ! طيّب إفرضي ان الرسالة اللي وصلتني من رقم غلطان، صغّر عيونه وببطء، وبعدين وش هالرسالة إللي وصلتني وخلتك تسوين كذا! انا ماشفت رسالة بجوالي غريبة، وبعد تمسحينها وتسوين هالسوالف من وراي! إيش أسويلك أنا ! عضت على شفايفها وببحّة تصف الغيرة الأنوثية المُشتعلة بصدرها: أنا أدري إني تسرّعت وإللي سويته غلط لكن شسوي، صدت عنه ومسحت دموعها. بـ كبرياء ولفت عليه، قريت الرسالة وتعتذر فيها عن شيء هي سوته بـ الماضي وتقولك إنها كانت بلحظات طيش، وجهل وكلام كثير، لكن ما قدرت أتحمّل إن كان بينكم شيء مضى، وهي سوت شيء كبير خلاها تعتذر الآن. أخذ نفس يهدي أعصابه وأقترب منها، مسك أكتافها وبهمس حنون: سُمية حبيبتي، وإن كانت هالرسالة من مصدر صحيح قاصدني فيها، فهو شيء مضى تحرقين روحك وتبكين لجل شيء مضى! مايصير يا عيوني، إللي مضى مضى، وأنا متأكد إن الرسالة من رقم غلطان، الله يصلحك بس. حاوطها بذراعه وأقربها من صدره، ضمها له وهي أجهشت بـ البُكاء. وإن غارت الأُنثى فهي كالطفلة، لا يحتويها شيء سوى الإحتضان. مسح على ظهرها وبهمس: خلاص إنسي ما حصل، وثاني مرة تعالي تأكدي مني، ولا تضايقين روحك، إنتِ زوجتي وأم عيالي بالمُستقبل إن شاءالله. ظل حاضنها ويمسح على شعرها وظهرها وبـ نفسه يفكر بكلامهآ. عرف إن الرسالة حقيقة ومقصودة ومن إيثار، من إعتذارها عن ما مضى وهو لحظة إحتضانها له بالغصب بـ الحفلة. شعر بأن الرسالة نُقطة وضعت نهاية السطر لتُغلق معها صفحة الماضي. وتكون علاقتهم على رفوف الذكريات فقط. أغمض عيناه وأحتضن سُمية بشدّة، مانع الحنين من التسرّب. لا رغبة لي فيك يا إيثار، فكرامتي قد جُرحت وقُدّ كبريائها. وأنا إنسان مليء بـ المشاعر، لا أرضى بالإهانة. إيثار محطة عابرة، كباقي المحطات العابرة في الحياة. . . تجاوزت قدماه حدود السجن، أغمض عيناه وتنفس الحياة بـ عُمق، وكأن تنفسه جذب الأمو السلبية لـ جوفه، لـ يُعيد أكمال مسيرته، بـ صفحات سوداء خيرها قليل.. وشرّها كثير. مسح على لحيته الطويلة وبإبتسامة خُبث: إيييه يا يوسف، وجيت خاضع وتنازلت عن كل شيء. ما توقف الأمور هنا، هذي بداية الأمور. وإن استعصى الأمر، مصيرك مصير الأول إللي وقف بوجهنا وأصبح من الغابرين. "يقصد مازن". ركب السيارة عقب ما جاه نايف، غافل إن الله يُمهل ولا يُهمل. وإن الحق مهما حدث لابد وأن يتهاوى ستار الظُلم ويبان. وأن المرء ولابد له أن يقع بسوءة أعماله، من عمل خير كان جزاؤه خيراً. والعكس. . "إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ". آل عمران.. (١٤٠). . . - . ~ "مكّة". ~ قام من عالطاولة تارك أمه ولِينا ياكلون، غسل يدينه وخرج برا لجل يرد على المُكالمة. فتح الخط وبهمس: هلا، وعليكم السلام، إيه اتصلت عليك قبل دقايق بس ما رديت، بخير الحمدلله، وإحنا في مكة مابعد جينا. ولينا بعد بخير الحمدلله ومبسوطة، الحمدلله المهم يا عمي كنت بفاتحك بموضوع لكن حسيته ما ينفع عالجوال وخلاص حبيت أفاتحك به وجه لوجه، على خير إن شاءالله. سكر من أبو لينا ورفع عينه للسماء، يتأمل سُحبها المتفرقة، بحبّ، فالسماء كالكون الفسيح، رائعة، مُبهرة تحتوي الكثير. مسح على رأسه ذو الشعر القليل وعاد إلى المطعم وفي نفسه يُقال هذا النص (وددتُ يا لينتي أن أكون نجماً في حياتك أُضيء عتمتك، وأجلو حُزنك بتوهجي، تماماً كما تفعل نجوم ربّك في سماءه). جلس أمامهم وبإنشراحة صدر ونبرة ودّ: كنت أكلم أبوك يالينا ويسلّم عليك. نبض قلبها من طرى أبوها، وصدّت بـ نظراتها هاربة من الحنين الذي يتدفّق لِ صوت أبيها. تلقائياً ومن دون جهد عاد إلى ذاكرتها حديث رياض، عندما أحتضن وجههآ الصغير بكلتا يديه وقال مُبتسماً: "كل بنيّة حبيبة أبوها.. وإنتِ يالينا حبيبة أبوك". وقفت بشوق وبنبرة مُنخفضة مرتجفة: أعطني جوالك بكلّم أبوي وأمي مشتاقة لهم. إبتسم ومده لها. ناظر أمه إللي تراقب الموقف بـ صمت، تبعت خطوات لينا الخارجة من المطعم كما فعل رِياض وبهمس: ماقدر يقسى عليها أبوها وأخذها بين ضلوعه، بنته وحيدته شلون يقسى عليها ! الأب إن كان صالح جمع حنيّة الدنيا كلها بصدره ياوليدي، وإن كان طالح جمع قسوة العالم بـ جوفه، عسى الله يصلح كل الأباء ويحنّن قلوبهم على عيالهم. أكتفى بالصمت وبـ ملامح مؤيدة ونظرات أخذت طريقها في الشرود. . . "بالليل | بيت حامد". مُستلقية فالحديقة، تأخذ خُصلات شعرها الناعمة وترميها على تقاسيم وجههآ. بـ طفش وروتين مُمل، فهي إيثار التي تعشق المُغامرة. نفخت خُصلتها وبهمس: حتى اللاشيء زين والحمدلله عليه، أهجد أحسن من تعلّم أمي أبوي باللي حصل وأشوف الأكشن الحقيقي. وقفت بـ عدم تصديق وصغّرت عيونها، من شافت أبوها يمشي بالحديقة، حكت فكّها وبهمس: معاذ الله بديت أتوهّم. وقفت ونفضت لبسها بباطن كفوفها ومشت له وبنبرة شك: يبه ! إبتسم وأومى براسه وفتح لها ذراعيه، جاته مهروله وأرتمت بـ حضنه وقبّلت كتفه. مهما كان قاسياً، مؤذياً، كحد السكين، فهي تراه والدها الذي لا غنى لها عنه. أرتفعت أطراف قدماها وقبّلت جبينه: الحمدلله على سلامتك. مسح على شعرها وبخفوت: الله يسلمك، لا تقولين لأحد إني جيت، بشوف أمك وأختك وثم بقعد لحالي أشوف أمور الشركة. أبتعدت عنه قليلاً وقبضت أناملها حول جوانب روبها بـ خوف. خوفاً من أن ينطلق لسان أمها وتخبره، خوف من العقاب الشديد الذي سوف تتلقّاه منه. دخل أبوها تاركها خلفه، تصارع صوت ضميرها، الذي يؤنبها، ويوبّخها. لكن "إذا فات الفوت ما ينفع الصوت". مشى بالبيت لكن كان خالي يبدو أن الجميع مُنشغل بـ نفسه. مال بشفتيه نحو اليسار ودخل مكتبه، إرتمى على الكرسي الذي كان عبارة عن جلد باللون البُني. مسح على وجهه وبهمس: من فين نبدا يا يوسف. أخذ نظرة سريعة والتقط الملفات إللي كانت مرصوصة على جانب الطاولة، بأمر من حامد، تصفّحها والإحتقان يعلو ملامحه تدريجياً. رمى الملفات وبهمس حاقد: حسبالك بتهزمني كذا! رص على أسنانه وعاد إلى الخلف وأستند بإرتياح، يفكّر بطريقة أُخرى تقضي على يوسف. . "بيت موضي". جالسين في الحديقة على فرشة صغيرة حياكتها مليئة بـ الورود. ضحكت نورة بخجل من حكي لمياء: أُخس مين قدك يا شيخة! جوال جديد وأيفون بعد، اهخ ياربي ترزقني بس بواحد طيّب يغرقني بـ الهدايا. ابتسمت وناظرت جوالها من إشعار الرسالة: "أفتحي الباب الآن". رفعت عيونهآ للباب إللي ينطق، ورجف قلبها. ليكون يُوسف. قامت لمياء وبشفاحة أخذت تركض وتضحك، فتحت الباب وتوسّعت عيونها بـ ذهول. من الكرتون الكبير المتروك عالباب، ومربوط بـ شريطة حمراء. شالت الكرتون وعبست ملامحها من ثُقله: يماه الكرتون ثقييل. قاموا اخواتها وشالوه معها، ومشوا وتركوه بوسطهم. عقدت حواجبها لمياء وأخذت الكرت الموضوع تحت الشريطة وبهمس: نورة سيّاف. ناظرت بنورة وبهدوء وإستغراب: لك يا نورة، وسُرعان ما تغيّرت نبرتها إلى الحماس، لكن بفتحه بشوفه، شدت الشريطة وضربتها أمها بكف يدها وبـ توبيخ: عيب لمياء! شلون تفتحينه وهو لـ نورة. زحفت نورة لين وصلتهم ومسحت على ظهر كف لمياء وبإبتسامة ونبرة هادية: سيبيها يا خالتي تفتحه، هذا شكله من يوسف قبل شوي أرسلي رسالة يقول أفتحي الباب. ناظرت لمياء بـ أمها، وتكلمت أمها بعقدة حاجب: دام نورة رضت تفتحينه أفتحيه، وأصحك تعودين هالحركة. فتحته وأرمشت بعدم إستيعاب، ضمّت كفوفها لـ صدرها وناظرت نورة بـ عيون مدمعة وبإنبهار: الله ! مدت يدينها وأخرجت الفستان وابتعدت عنهم وطرحته عالفرشة برقة، يماه شوفي كيف يبرق! الله يجنن، طمرت على نورة وحضنتها وبدت تقبّلها ونورة تضحك وتحاول السيطرة على خجلها: أحبك يا أحلى عروسة إنتِ. وقفت موضي ورفعت الفستان وبدت تتفحّصه. ناظرت بـ نورة وبنبرة عميقة كل ما فيها حبّ: قومي يا يمة إلبسيه. اومت نورة بـ راسها بخجل وتقاوم مشاعر مدفونة بدت تغزوها: لا خالتي مو لابسته الحين، ساقي ما بعد تحسن ماقدر اوقف زين وقفت وسندت نفسها على عُكازها وبنبرة خافتة: لمياء ما عليك أمر إنتِ وأي وحدة هاتوه لي فالغرفة. مشت من دون ما تسمع رد منهم تحاول حبس ما بدا يفور في داخلها. دخلت غرفتها وجلست على سريرها، دقائق قليلة وخشت لمياء ووحدة من أخواتها، تركوا الكرتون عالأرض وخرجوا وسكروا الباب. مشت للكرتون وبدت تفتشه. "فستان، مع شوز، مع طقم مجوهرات، مع طرحة بيضاء مُرصعة بالكرستال كبيرة". لم يكن الكرتون بهذا الثقل، لكن لمياء ليست قوية، بل ضعيفة تبعاً لجسمها النحيف. وضعتهم عالأرض وبدت تتأملهم ثواني قليلة وقبضت كفوفها حول فمها، لكي لا تنخرط في بُكاءها، مدت يدها وتلمست فستانها بطرف أناملها وأجهشت بـ البُكاء. تمنت لو أنها كانت كباقي الفتيات، ترتديه وحولها والديها يرشونها بـ الورد. وتقرا أمها عليها الأذكار، وأباً يتغنّى بوحيدته عروسة. لكن كانت وحيدة لا أباً ولا أماً. وضعت كفيها على وجههآ بمحاولة لتهدية نفسها والتوقف عن البُكاء. رفعت راسها وبهمس: إشش لا تبكين يا نورة إشش، إهدي المفروض تكونين مبسوطة لأن هذا إختبار لك وتعتبرين فتاة قوية بتقدر تتزوج وتنزف من دون أم وأب. لكن مواستها لـ نفسها كانت حبالها ضعيفة وسُرعان ما عادت تبكي. انحنت مُقبلة الفستان وبهمس مخنوق: يمه رحلتي وأنا صغيرة بالكاد أذكرك، يمة ما أرتويت من حنانك، يبه تركتني بعزّ شبابي عقب ما صيّرتني وردة زاهية، رحلت وماعادت هالوردة زاهية، رحيلك ذبلني وكسرني، يبه كان ودي تشوفني عروسة تزفني وتوصي زوجي علي. يبـ.. بُتر نداءها ودفنت وجههآ في قطعة القماش وباتت تبكي حزينة ومكسورة على حالها. لقد ذاقت شعور اليُتم بـ حذافيرة. . . أما عن يوسف فكان جالس ويده تحت فكه لحظة ينعقد حاجبه ولحظة تنحل العُقدة ويبتسم، يحتري كلمة وحدة من نورة تكون كردة فعل، لكن ماوصله من نورة سوى الصمت. تناول جواله إللي ناظره مرات عديدة على أمل إن نورة ترسل. ومن دون أي تردد إتصل عليها. . توقّفت شهقاتها من سمعت رنين جوالها تناولته بأطراف مُرتجفة مبتلّة من الدموع وفتحت الخط. راكلة كبريائها، حست هو الوحيد إللي بيفهمها ويحتوي ضعفها. أنتظر منها رد لكن كانت توصله أنفاسها الخافتة فقط. تكلّم بهمس والهواء الطلق يدفع خُصلات شعره للخلف لـ جلوسه في البلكونة: نورة ! وصلك شيء! إشبك ما تتكلمين. لم يصله رد، ثواني قليلة ولم تستطع كبح شهقاتها وأعتلت شهقتها ووصلت إليه. وقف بخوف شديد من سمع شهقتها وتوالت على مسامعه شهقاتها وكأنها أطلقت العنان لـ دموعها: نورة شفيك علامك! بنت أكلمك أنا ردي علي، نورة ردددي قوليلي أحد ضايقك أحد زعلك! طيّب ما تبين نتزوج هالوقت مو مستعدة! لكن لم يصله شيئاً سوى البُكاء والشهقات الضعيفة. ثم إنقطاع المُكالمة، ناظر بلبسه وكان عبارة عن "جينز بُني، وتيشيرت أسود". أخذ مفتاح سيارته ونزل يركض متوجه لـ بيت موضي. شهقات نورة أدمت قلبه، قبل أن تكون وصية رجل مات هي حبيبة خاطره. ركب السيارة وساقها بـ سرعة كبيرة يودُ أن يطوي هذه المسافات ويلتقي بها. وصل لـ بيت موضي، وقبل ما ينزل من السيارة حاول يهدي نفسه ويبان بشكل طبيعي. نزل ورجع شعره على ورى ومشى للبيت وظاهره ليس كباطنه، فقلبه تسارعت نبضاته خائف، قلق. وصل وطق الباب وثواني جات لمياء ومن خلف الباب: مين! تنحنح وبصوت جهوري: أنا يوسف أفتحيلي الباب وشوفيلي الدرب، أو نادي لي خالتي. اومت براسها وراحت تركض لهم، كانوا جالسين مكانهم كلهم: يمة يوسف برا يقول يبغاك روحي له شوفيه. قامت أمها بإستغراب ومشت له، لفت على بناتها وبأمر: أدخلوا داخل بسرعة. اكملت طريقها وقبل ما تفتح الباب لفت وشافت مافي أحد عالفرشة سوى حصة. فتحت الباب لـ يوسف وابتسمت: هلا يمة حياك. ابتسم بـ مُجاملة وقبّل راسها وكفها. دخل خلفها وبنظراته يدوّر نورة. مشى مع موضي وسلم على حصة المنسدحة ومتلثمة بـ شيلتها. صبت له موضي قهوة وبنبرة سريعة: لالا لاتصبين لي الحين، شوفيلي طريق لـ نورة هي فينها! تركت الدلة موضي وبشرحة صدر: ليه يمة! اقعد تقهوى وانا اروح انادي لك نورة. حرك راسه بالنفي: لالا لاتروحين لها انا بروح لها بـ غرفتها بس شوفيلي الطريق. ماحب إن موضي تروح لـ نورة وتكون الأسبق في مواساة نورة. حبّ يكون هو يواسيها ويطبطب عليها، لو راحت لها موضي وشافتها تبكي من المُحال بتتركها. مشت موضي لداخل البيت وهو يمشي خلفها، صعدت مع الدرج لين وصلت غرفة نورة وبإبتسامة: هذي غرفتها أدخل شوفها ثم تعال هاه ترى اتحرّاك بالقهوة. أشر على عيونه وهو مبتسم: حاضر من عيوني. مشت موضي وتركته، وهو أخذ نفس عميق والتفت انامله حول مقبض الباب وفتحه. دخل بخطوات بطيئة ووقف عند الباب، عقب ما شافها جالسة قرب السرير ومعطية الباب قفاها. والفستان بـ حضنها. ناظرها لـ ثواني ملاحظ صعود أكتافها وهبوطهم دلَالة على محاولتها في كتم شهقاتها. ماتبغى إللي خش الغرفة يشوفها تبكي. سكر الباب ومشى لها، جلس خلفها وحاوطها بذراعه. سحبها له وإحتواها سند فكه على كتفها ومال براسه وناظرها. ناظرته بـ عيون مدمعة وملامح محمّرة من البكي وسُرعان ما صدت عنه. ارتجفت من بُكاءها المتواصل وبلعت ريقها. تأملها بإبتسامة إنفتان، أزاح شعرها عن جانب وجههآ وبهمس: حلوة ويزيد حلاها ليّا بكت، الله يلوم إللي يلومني في حبّها، قرّب منها وقبّل أذنها وبهمس، غديتي حلوة يالحسناء. قوليلي إيش إللي خلى هالعيون الحلوة تبكي! همم قوليلي، سالت دمعتها ووقعت على ذراعه إللي محاوطة بطنهآ وتلاشت إبتسامته. لفها له ومسكها من فكها وبهمس: ما ودّك تقولين لي ليش بكيتي! نوري أنا أمك وأبوك، ناظريني لا تصدين وانا أحاكيك، إيوا كذا حطي عينك بـ عيني، وانا أخوانك وأخواتك انا كل صحباتك وأهلك كلهم. مسح على خدها بـ رِفق وبحنيّة: خفتي ما ودك نتزوج هالفترة ! ودك تقعدين مع موضي وحصة! حركت راسها بالنفي وثُغرها متقوس وعيونها تلمع بـ دموعها. تنهد ولف ذراعه حول أكتافها ويده الثانية تمسح على خدها: يلا قوليلي إيش ضايقك وخلاك تبكين ! انطوت ملامحها بألم وفردت ساقها عقب ما كانت جالسة عليه، ناظرته وبدون تكلّف بدت تتحدّث والكلمات تتزاحم عالخروج: ما بكيت من كل هاللي قلته، بكيت لأن كان ودي أمي وأبوي يشوفوني, تمنيت أكون مثل باقي البنات أمي حولي تخفف من توتري وأبوي يتغزّل فيني وانا أتغنج بـ فستان العروسة، كان خاطري أسمع غزل أبوي وأتخيّل نفسي ساندريلا، شعور النقص موجع، صحيح موضي وجدتي حصة شبه عوضوني, لكن من جواتي انا فاقدتهم تحديداً أبوي، إللي عشت طفولتي وشبابي معه. صدت عنه غير قادرة على إكمال حديثها وتسرّب دمعها. تنهد ووضع رأسها على صدره وإكتفى بالصمت. ظل ماسح على راسها وظهرها وهي تبكي. بعد دقائق معدودة بعدت عنه بـ خجل إعتراها وبعفوية مررت أناملها على تيشيرته وبحيا: أسفة ما حسيت بنفسي. إبتسم وحضن وجههآ بين كفوفه وبأطراف أنامله مسح دموعها. لامست سبابته رمشها تحديداً دمعها وقرب سبابته من ثُغره وقبّل دمعها وبهمس وهو يناظرها: والله عزيزة علي دموعك هذي، وياشيخة يفداك التيشيرت وافداك انا وراه أهم شيء لا تضايقين روحك. قام وشدها قومها. قعدوا عالسرير وحضن كفوفها له وبنبرة حنونة: أول شيء ادعيلهم بالرحمة، ومهما قلت وحكيت شعورك عنيد يا نورتي، لكن إللي أبيه منك لا تضعفين وتبكين، كلنا ماشين على هذا الطريق مسيّرين ولسنا مُخيرين، كلنا بنموت وشعور الفقد ماحد بشارد عنه لكن الواحد خلاص يقتنع بهذا الأمر ويطلب من الله إنه يربط على صدره ويصبر، كل ما حنيتي لهم إدعي لهم تصدقي عنهم، تواصلي معهم بهذي الأمور، يا حنيتي لهم لا تبكين قومي صلي وادعي لهم، تصدقي عنهم سوي أي معروف لجلهم. وفرد كفه على صدره وبنبرة مليئة بـ الأمل، وأنا جنبك ومعك، أنا أمنك وآمانك، ما بتركك لحظة تتخبّطين فالظلام، ما بخليك تتوجعين لحالك، أنا ظلك، أنا وطنك وملجأك بعد الله. ابغاك كل ما حسيتي بشيء تعالي لي اشتكي، حتى لو تعورتي من شيء بسيط تعالي قوليلي. عسى الله يقدرني وأعوضك عن كل شيء حزين مريتي فيه. ضرب خدها بطرف سبابته وبضحكة: خربتي علي فرحتي، كنت أنتظر ردك بلهفة، حجزت الفستان من كم أسبوع وتوه وصل. قرب منها ومسح على شعرها وبهمس: مادري إيش الدنيا مخبية لنا لكن ودي يكون الزواج قريب، عقب أسبوعين يرضيك؟ ناظرته بـ نظرات مُشتتة، ضائعة، في حيرة شديدة، بلعت ريقها وبنبرة مُنخفضة: إللي يرضيك بس بالأول لازم يشفى ساقي. ناظر لـ ساقها وناظرها وبهدوء: طيّب بتركك الحين، والصبح راجع لك باخذك وأخذ خالتي موضي ونروح المستشفى، نشوف جرحك طيّب! اومت براسها وبإبتسامة ودّ ونظرات عميقة: شكراً يوسف. كشر بـ تمثيل: على إيش تشكريني! ما بينا هالحكي ياروحي، الحين نامي إنتِ وارتاحي ولا تفكرين بأي شيء يضايقك، وإذا تضايقتي لا تترددين واتصلي علي. قبّل جبينها، قُبلة إحترام، وحب قد دُس في طيّات جوفه. وبنبرة هامسة: أستودعتك الله يا رمش هالعين. . طلع ونظراته بالأرض خوفاً من رؤية بنات موضي. طلع بـ الحديقة ولقي موضي تتقهوى ونظراتها شاردة تفكر، وحصة على وضعها متلثمة بـ طرف شيلتها ومتسطحة بـ جسمها الهزيل. قعد مقابل موضي بـ جانب رأس حصة وبهمس وهو يمد يده يتناول الفنجال: قواك الله، ناظر بـ حصة ثم موضي وبهدوء، ليه ما تخلينها تدخل داخل تنام أريح لها؟ ارتشفت من فنجالها موضي وبإبتسامة طفيفة: ما ترضى، عاجبتها النومة بالحديقة، تحبّ نسيم الليل. ناظر بـ حصة وإبتسم وانحنى قبّل ظهر كفها ومسح بأنامله على تجاعيد يدها، وبهمس: عسى الله يطوّل بـ عمرها. . . "صباح يوم جديد | على أبطالي الأخرين في طيبة الطيّبة مدينة الطمأنينة". ~ ناظر بـ لينا الغارقة بنومها وفاتحة ثُغرها فتحة صغيرة. دلَالة على إستغراقها العميق بـ نومتها، إبتسم وسفط شماغة، ومشى لها. عدلها على جنبها اليمين وقبّل خدها، وأخذ أغراضه وطلع. وصلوا المدينة بـ مُنتصف الليل، وأخذ غفوة كذا ساعة وقام بوقت مبكّر لجل يروح لـ دوامه. إبتسم وهو يفرك كفوفه ببعض ولينا تطري بباله. كزهرة أبت أن تذبل مهما عصفت بها الحياة، يعلم علماً شديداً بأنها تحمل له خزائن فائضة من الحبّ. قد أسرها حباً وعشقاً، (لا أدري يا لينا ماذا فعلتِ في حياتك كي تُبتلين بهذا الحبّ الشاق). . . "في نفس المدينة | ولكن في بُقعة أخرى- شركة حامد". ~ قاعد بإسترخاء على الكرسي وشابك كفوفه ببعض بـ تفكير عميق. وكأنه يبحث عن حلّ يقضي به على الضوضاء التي أسماها بـ يوسف. رفع حاجبه من الطرق الخفيف على الباب وبنبرة جهورية: أدخل. دخل جابر بـ خطوات ثابتة ورفعة حاجبه الأيسر التلقائية، ومن دون تكلّف، مد يده وصافح حامد بودّ مُبالغ فيه، وغير عفوي لـ مصلحةٍ ما: صباح الخير، والحمدلله على سلامتك. أومى براسه حامد وغمض عيونه وهو الأخر يرد بـ مُجاملة. قعد حامد ثم قعد جابر. فرد كفه حامد وبرفعة حاجب ونبرة ثقيلة: عيونك تقول إن عندك هرج، هاته ماحب المقدمات. ابتسم جابر وبوهقة مو عارف كيف يبدا، رد حامد ألجمه وبخّر كل المقدمات إللي كان مجهزها: بتستغرب مو من عادتي أجي شركتك، لكن قالي نايف عن إللي حصل، والخسارة الفادحة إللي تعرضت لها شركتكم، الآن أنا جايك ومعي عرض كبير، صفقة ربحية بتطيّر شركتك فوق وتعوّض كل خسارة. رفع حاجبه حامد والتزم الصمت، اردف عقب ثواني مقاطع كلام جابر، وكل تفكيره بـ كلمة جابر "صفقة ربحية".: إيش هالصفقة! اقترب جابر وشبك كفوفه ببعض وعيونه بـ عيون حامد وبجرأه توازي جرأة حامد: بس هالصفقة ما بتم الا بشرط! أكمل كلامه عقب ما شاف عُقدة حواجب حامد، أخطب بنتك إيثار وما تقول لا! تراجع حامد وسند ظهره عالكرسي، وظل يناظر جابر بـ نظرات ثاقبة، عرّت جابر من القوة والجرأة الى الإرتباك والتوتر. لو كان بـ ظروف ثانية كان طرد جابر ومن دون ما يتركه يكمل كلامه. لكن وكأن جابر مسكه مع اليد إللي توجعه. ولأن حامد يرفض رفض قطعي تزويج بنته من أحد خارج عن العايلة، صعب عليه الأمر أكثر. تكلم بـ همس وعيونه لازالت تتفحّص جابر: كم المهر قبل كل شيء! غير ٥٠٠ الف ما أرضا ! ضحك جابر ضحكة قصيرة سُخرية من جشع حامد، بدل ما يفكر برأي إيثار والنتائج السلبية إللي ممكن تلحق بـ الزواج فكر بالمهر: إيه بالتأكيد ما بينقص عن ٥٠٠ ألف، أفا عليك هذي بنت حامد تبغى مهرها قليل! رفع أكتافه حامد بـ فخر من كلام جابر وبكبرياء مُتصنع فيه: خلاص الحين اطلع إنت وانا بفكر وأرد لك. . طلع جابر وأول ما سكر الباب ضحك ضحكة قوية خلت كل إللي قريب منه يناظرون فيه بـ تعجّب! قليل إللي يطلعون من مكتب حامد وهم يضحكون. طلع من الشركة ويحس بـ نشوة الإنتصار، ماكان وده يتزوج إيثار بهذي الطريقة إللي فيها إهانة! لكن الظروف حدته، هذا وقته المُناسب. . . "أما في شركة يوسف |الفرع الصغير". ~ فكان قاعد على الكرسي وأمامه الأوراق إللي تخص ورث نورة. وبعد قراءة طويلة، استنتج إن نصيب نورة أرض في شرق المدينة، لكن إللي معه وثيقة فقط! يعني إن نورة ما حصلت على ورثها بشكل حقيقي، والوثيقة ضعيفة، لازم صك لجل تثبت الأرض بإسم نورة. مسح على جبينه وبهمس: يالله الشغلة كذا مُعقدة، جمع الأوراق ودخلهم بالملف وبهمس، شغلتهم شغلة، عقب ما نتزوج بشوفها لها. مسح على وجهه وأطلق تنهيدة وتناول بقية الملفات يُكمل شغله. ويعوّض الخسارة الضئيلة إللي كان سببها حامد. . Like "عقب مرور أسبوع يتخلله أحداث رُبما تكون مهمة". . نورة ويوسف إتفقى على موعد الزواج وبقي عنه أسبوع فقط. أخذ يوسف نورة وعاينوا جرحها وسليم ولله الحمد، وما ظهرت عليها علامات داء الكلب. الذي يُصيب الجهاز العصبي المركزي وبالتالي يُصيب الدماغ، وتكون الوفاة في بضعة أيام فقط. ومن تلك الأعراض: الشعور بالضيق،الصداع والحمى، حركات عنيفة وتهيّج لا إرادي. والإكتئاب، ونوبات من الجنون والخمول مما يؤدي إلى حدوث غيبوبة. "توخوا الحذر". . أمّا رياض ولينا، فإستأذن رياض من أبو لينا وسافر خارج السعودية لـ أمرٍ ما. عقب ما ترك لينا في بيت أهلها. . "ببيت حامد". $ إستلقى على السرير ومسح على شعره إللي غزاه الشيب ولف ناظر زوجته وبهدوء: من أسبوع بغيت أكلمك بموضوع لكن انشغل. لفت عليه بـ عُقدة حاجب مستغربة: موضوع! عسى ما شر. ناظرها لـ ثواني بنظرات شاردة يفكر وبهمس: جابر صديق نايف خطب إيثار! مالت بشفايفها ناحية اليسار وصدت عنه بـ محاولة لتذكر تفاصيل جابر: وانت إيش رديت عليه. قعد وبهمس خبيث يدل على أفكار مُتسلسلة قد خطط لها حامد؛ ما رديت عليه، لكن ما بقول لا، لا تخزيني كذا صحيح ما ازوج بناتي من برا، لكن فرصة وجات لـ عندنا ومهرها بعدين ٥٠٠ ألف نصف مليون. سكتت ماردت عليه، وعيونها تتفحّصه، بإستنكار، كيف إنه صار يشوف الفلوس بدل إيثار. مسحت على وجههآ وصدت عنه وبنبرة هادئة: شاور البنت وشوف ردها. أعطته جنبها وتلحفت لجل تفكر براحة. وهي تعيد بذاكرتها أخر ما حصل بين إيثار وسمية. ترفض بشدّة إنها تقول لزوجها، تدري به كتلة غضب على خُبث. ودام إن إيثار رفضت تعترف ولمست بـ عيونها الندم فتترك الأمر زي ماهو. دام إن إيثار عرفت الصواب من الغلط فما يحتاج إنها تنصح لها. قلبها دليلها، خليها تعرف الصح من الغلط بـ نفسها. لجل تتعلّم وتفهم بـ الحياة. تكلّمت بـ همس وهي مغمضة عيونها: قالي مُراد إنك رجعت له بطايقة حقة الصراف! رد عليها بـ نبرة متجهّمة: إيه رديتها عليه، ما بخليه يحتاج لأخوياه وهو ولد حامد، صحيح إنه غلط لكن ما بدمّر ولدي لجل السلقة. رفعت حاجبها وضحكت بـ سُخرية من دون ما تصدر صوت وبنفسها: وصارت سلقة يا حامد! كله لجل إنها ما خضعت لك زي الباقين. . . "فلّة أهل لينا". ~ جالسة أمام المسبح وحاضنة رجولها لـ صدرها وساندة فكها على رُكبها، ولافة يدينها حول سيقانها وتفكر وعيونها تتأمل صفاوة الماء. أزرق كلون السماء. عدلت قعدتها ومدت يدها وصارت تحرّك الماء يمين ويسار. هذا حالها من سافر رِياض من دون ما يقولها عن سببه الرئيسي، تحجج بإنه سفر طارئ لأمر يخص الشركة. عارضت وجداً، لكن ما ترك لها مجال تعارض فيه. "نعود إلى الوراء ما قبل أسبوع". ~ طرق الباب بـ طرقات رقيقة مُحترمة، دخل عقب ما سمح له أبو لينا بالدخول. دخل ومد يده وصافحه بـ إرتباك. قعد على الكرسي مقابل طاولة أبو لينا. تكلّم أبو لينا بهدوء مُناسب لـ عمره وتجاوزه سن الشباب: الحمدلله على سلامتكم، وتقبّل الله منكم صالح أعمالكم، قلت لي إنك تبيني بـ موضوع مهم، هاته قبل لا يتوالى علينا الشغل. اومى بـ راسه رِياض بتأهب وبلع ريقه: ماني عارف كيف أبدا وماحس إن لي وجه أصلاً أفاتحك بهذا الموضـ.. قاطعه أبو لينا وبرفعة حاجب: أتركك من هذي المُقدمات، وإللي حصل بالماضي حصل. مسح على عوارضه بإرتباك واسترسل بـ كلامه: آممم أنا فيني نسبة عقم، والسبب إللي أخرنا عن الإنجاب هو انا، وجايك الآن أطلبك إجازة بسافر فيها برا أتعالج. ناظره أبو لينا ثم تقدّم منه وبعد ثواني طال صمتها أردف: ما بقولك لا، بقولك مسموح لك وبساعدك مو لجل شيء فقط لجل إن خاطري شفقان على شوفة حفيد لي من وحيدتي. وقف وتوجّه للخزانة، فتحها وطلع منها ثلاثة أظرف صفراء مصفوفة فوق بعض. مشى ووقف جنب رِياض ونزلهم على فخذ رياض الأيمن وبنبرة حزم وعيونه بـ عيون رياض الحائرة: هذي الأظرف إنت أدرى بها، حق ثلاثة أشهر، كنت بكل مرة تجيني تعطيني من الراتب لجل تسدد دينك كنت أحطهم بـ الخزانة، قعد على الطاولة ورُكبه مُلاصقة لـ رُكب رياض: ما عرضت عليك هالأمر لجل تسددني، عرضته عليك شفقة ببنتي، ولو إني وقتها عفيت عنك من دون ما اقولك هالشيء ما كان عزة نفسك رضت، وكنت ناوي أجمع لك الفلوس وبالنهاية أعطيك إياها وتسويلك بها مشروع، لكن دامك الآن ناوي تسافر تتعالج ومحتاج ما بتركها عندي، أنا سامحتك فالفلوس من لحظة ما سددت عنك، أبيها لـ وجه الله، ربت على فخذ رياض وأكمل كلامه: وإللي حصل خله يكون درس لك وما ترجع تهمل أمورك ومسؤولياتك، روح سافر تعالج وكمّل حياتك على الرتم إللي ودّك فيه. قام عن رياض ورجع مكانه وأخذ الملفات ينشغل فيها. أطلق تنهيدة رياض عقب نَظره في الأرض لـ ثواني، ناظر بـ أبو لينا بعجز، حرك راسه بـ النفي وأطراف أنامله يمررها على الأظرف. عاجز عن إصدار ردة فعل، عاجز عن شكره، أي إنسانية يحملها هذا الرجل! أي قلب تطوعي دفعه لـ فعل هذا الأمر، أي أب عظيم قدّم التضحيات من أجل سعادة إبنته! وقف ومشى له بـ خطوات ركيكة، قبّل راسه قُبلة طال بها الوقت. ثم إنحنى وقبل كف يده وبهمس: أعجز عن شكرك، أعجز عن قول كلمة تناسبك. إبتسم أبو لينا وناظره: مابي شيء منك سوى إني أشوف ضحكة لينا دايماً إللي انت وحدك سببها. أمام أحد محلات الأغذية". ~ خرج شايل أكياس فيها لوازم غذائية ولف من سمع إسمه يُنادى. رفع حاجبه بإزدراء ونفس شينة وبنبرة جهوريّة: هلاا يابو ريّان. صافحه أبو ريان وبإبتسامة وملامح فيها سُخرية: ها عاد يا حامد سمعنا إن بنت أخوك إللي هربت من عندك بتتزوج، لا وماشاءالله بتتزوج من خيرة الرياجيل. أبتعد عنه وضحكته الساخرة تصدح في المكان. رص على أسنانه حامد وكلام أبو ريّان يُعاد في باله: نورة بتتزوج ! إيه طبعاً بتتزوج أجل بيقعدون كذا، لالا بتتزوج من دون علمي وانا عمها الكبير أها طيّب. توجه لـ سيارته بغضب كبير وعقله يفكر بسرعة تلقائية، بحثاً عن أمر يرد له كرامته المزعوم بـ مساسها. . ركب السيارة وشغلها وأتصل على نايف، عقب كذا رنة رد: لا هلا ولا مسهلاً ولا حتى السلام، دريت عن إللي حاصل! وشهو إللي ما حصل سلقة سيّاف بتتزوج غصب عني وحتى من دون شوري، لو ما قابلت أبو ريّان السوسة ماكان دريت، علامك ساكت بلعت لسانك! أقولك بتتزوج يوسف ما غيره، إييه بنتصرّف بنفكر بحل لازم هالزواج يخرب تسمعني! لو نقتلهم ونرميهم للكلاب يخرب يعني يخرب، أجل يتزوجون من دون شوري حتى! سكر من نايف بغييض وأخذه التفكير لـ جابر مابعد فاتح إيثار بـ الموضوع ولا رد عليه. هو بالنهاية ما بياخذ برأي إيثار، بس فضول حبّ يفاتحها بـ الموضوع. . . "بعد مرور ربع ساعة | بيت حامد". ~ دخل البيت وهو للآن غاضب، مسكين حامد يسوي فعايله الشينة ويحتري الناس تقدّره وتحترمه، تعامله مُعاملة العم الأكبر. دخل وصادف زوجته قاعدة في الصالة، مشى لها وقعد جمبها وهو ينافخ: قولي لها تجيب لي مويا تجيب لي أي علة. لفت عليه زوجته وبنبرة هادئة: علامك يا حامد ! الواحد يخش يسلّم مو يقول كذا. لف عليها وكأنه لقي الفرصة المُناسبة إللي يفش فيها خلقه: وش إللي مابي! بنت سيّاف بتتزوج وجيرانا يدرون وانا ما ادري! انا عمها الكبير ولا يعطوني خبر! رفعت حاجبها الأيسر ولفت عنه وسحبت كرت من عالطاولة ورمته بـ حضنه، وعادت لـ وضعيتها وبنبرة مُنخفضه ساخرة: كاهو الكرت وصلنا قبل كم ساعة من أخوك لافي، هو إللي وزّع الكروت علينا وعلى جيرانا، لفت عليه وبإزدراء، وبعدين جاي تلوم فيهم وتهاوش تقول ما حطوا لك إعتبار ومدري ايش! إنت وش إللي ما سويته للبنت! ترى عندي خبر إنك حبستها بأحد مستودعات الرياض، سمعت الحراس وهم يهرجون، أذيتها كثير بدل ما تمسح على راسها مثل أخوك لافي وتقول يتيمة برأف فيها وبرحمها، والحين جاي تلوم فيهم! أستح على وجهك حامد أستح. مسح على لحيته وخمد البركان إللي بـ جوفه وعاد حامد إلى طبيعته وبنظرات شاردة وهمس خبيث: أها قلتي لي لافي إللي وزعها! يعني هو أكيد الولي. حك لحيته وبـ تفكير بنفسه: شلون أرد الجزا لـ لافي! يعني لو خطفته ما بيضرهم بـ شيء، يحتاجونه بعقد القران وهذا العقد تم. لف على زوجته ورفع سبابته: قومي ناديلي إيثار. طنشته ومسكت جوالها ورسلت رساله لـ إيثار، دقائق ونزلت إيثار جلست مقابلهم. لف عليها حامد وملامحه أكتسحتها الطيبة المُزيفة وبنبرة حنونة: إيثار يا بنتي إنتِ صرتي كبيرة ماشاءالله واندق بابنا وخطبك واحد ما عليه كلام، والمهر ويييين ! يعيّشك أميرة. سكتت من دون رد وعيونها تناظره بـ جمود. وبعد ثواني تكلّمت بـ همس: أندق بابك قبل للي أحسن وأخير منه لكن رفضته، والباب إللي اندق من صوبك ما أريده يا يبه. وقفت وبخطوات سريعة خرجت من الصالة، وقفت عقب ما سمعت صوت أبوها المُرتفع: ما تعصين لي كلمة، وإللي خطبك جابر وبتاخذينه غصب فاهمة! رفعت صوتها رادة عليه: ماني بماخذته لو إيش دامه جابر طينة نايف ولد عمي. ركضضت لجل ما تسمع حكي أكثر وتتجادل مع أبوها. لف على زوجته وضرب فخذه بـ راحة يده وبصرخة: سمعتيها إيش قالت! بتعصيني وتقول ما بتاخذه لجل إنه جاء من صوبي بنتك قليلة حيا تراددني! لكن جابر ياخذ وحدة من بناتي يعني ياخذها هو طلب إيثار بـ نفسها ما وده بـ الصغيرة، لكن إن لزم الأمر تراني بغشه وأزوجه ريّا. . . "بعد مرور ثلاثة أيام، بقي عن العرس أربعة أيام فقط". ~ حالة من الفوضى والتوتر والإرتباك عنوان بيت موضي. دخلوا البنات شايلين أكياس وارتمت نورة على الكنب بـ تعب. جلست جمبها موضي ومسحت على كتفها: قومي يا يمة أرتاحي فوق نامي ما يصير إنتِ عروسة وما تنامين زين وجهك شاحب وعيونك حولها هالات. زمّت شفايفها وبهمس مُتعب: فيني توتر وتفكير ما أقدر أنام شسوي يا خالتي، كل ما جيت بنام ما أقدر أفزّ، كل شيء صار بسرعة. ابتسمت خالتها وقامت ومسكتها بـ يدها، لفت على بناتها وبأمر: لا تزعجون خلوا نورة تنام، ولاحد يجيها يصحيها لحد ماهي تصحى بنفسها. مشت للغرفة ونورة معها، دخلوا ورفعت اللحاف عن السرير وتسطحت نورة عقب ما فصخت عبايتها. شغلت موضي المكيف وخفّفت من الإضاءة. تسطحت جنب نورة وأخذتها بـ حضنها ومسحت على راسها وبهمس حنون: نامي الحين إنتِ ولا تفكرين، حبيبتي التوتو طبيعي بس لا تسمحين له يتزايد ويوصل لـ مرحلة غير طبيعية، إشش يلا غمضي عيونك الحين ولا تفكرين بشيء ونامي. . . "فلّة أهل لينا". ~ متربعة على سريرها وتناظر النافذة المُزاح عنها الستاير ومفتوحة والهواء الطلق يحرّك الستاير البيضاء الخفيفة. تلفتت تناظر بـ أنحاء الغرفة، بـ ملل، بـ عوفة شديدة بحاجة للشخص إللي تقدر تقول عنه شمعة يضوي كل ما بداخلها. لفت ببطء من سمعت صوت الباب يُفتح، ابتسمت بذبول، ودخلت أمها، قعدت جمبها على السرير ومسحت على شعرها. وبإستسلام لينا وضعت رأسها على صدر أمها وبهمس: يمة رجعيني لك، كنت أحس بالآمان ببطنك، ردَيني لك. ضحكت أمها وباست راسها، بعدتها ورفعت راسها بطرف سبابتها وبهمس: بنتي الجميلة، رفعت حاجبها وبـ عُتب، ليه تسمحين لأحد يتولّى زمام مشاعرك! يغيب رياض وتغيب معه بشاشة لينا وروحها المرحة، يرجع رياض وترجع معه روحك، يمة ليه كذا تسوين بنفسك، الحياة ما توقف على عتبة أحد، بنتي الجميلة كلنا إشتقنا لك وفقدناك، تذكرين من كنتي تلبسين فستان قصير فيه فراشات وتروحين تلعبين بـ الحديقة بين الورد! تذكرين من كنتي تدلّعين على أبوك وتتمايلين بـ غنج من يطري إسمك، لينتي حبّوبتي، يمة أنا ماني قاعدة أشوفك وردة زاهية، قاعدة أشوفك وردة ذبلانة ! تنهدت لينا ودفنت وجههآ بـ صدر أمها وبهمس حزين: يمة لا تلوميني بشيء ما أملكه، الله بثّ حب رياض بـ قلبي وبُليت به، وأنا مكسورة يا يمة من جواتي، ناظرت بـ أمها وبعيون بريئة مدمعة، يمة أنا ودي يكون عندي بيبي يقولي ماما، يمة أنا أحزن من أشوف طفل برا، ودي يكون عندي طفل يملى علي حياتي أنا ورياض، يسويلنا جو بالبيت، ودي أحضنه كذا أحسه بيدخل بروحي، ابتسمت لها أمها وبأمل وإِيمان كبير مسحت دموعها وبنبرة تفاؤليّة: يمة أمر الله كله خيرة، بس مشكلتنا إحنا ننظر للأمر من زاوية وحدة نظرة محدودية، نبغى العاجلة، ما نتأنّى ونصبر، طيّب بقولك يا بنتي، الحين أفرضي إنك كنتي حامل وأنجبتي قبل ما تصير المشكلة ويخش رياض السجن، ما فكرتي حينها لو كان عندكم ولد كيف بتكون النتائج سيّئة! كل تأخيرة فيها خيرة، إرضي بالمكتوب ولا تتعجّلين، رزقك بيجيك ولو إنك نايمة، لا أشوفك ثاني مرة كذا مكسورة وحَزينة، خليك مؤمنة بأن كل تأخيرة فيها خيرة. رفعت حاجبها لها وبإبتسامة: وانا الحين بطلع وإنتِ أتصلي على زوجك وطمني قلبك عليه. باست خدها وقامت ولينا تناظرها مُبتسمة. . *أُماه، لو وزّعت حنيتك على قُساة الأرض لأُغدِقوا من الرحمة*. . ناظرت بـ جوالها ومدت يدها بإيدين مُرتجفة، اتصلت عليه وبلعت ريقها بتوتر، ثواني ووصلتها نبرته المبحوحة، غمّضت عيونها برجفة عظيمة سرت بـ جوفهآ. رجفة الشوق والإلتياع: أهلاً وسهلاً بـ لينتي. رفعت كفها ببطء لـ يضم عيونها، تقوّس ثُغرها وبدا بالإرتجاف. غير قادرة على فرج شفتيها ونطق كلمة واحدة. الشوق إللي بـ جوفها له عظيم. أرتشف من كوبه وبنبرة هامسة وهو يتأمل المارة: لا تبكين ! أرفعي راسك ولا تبكين. وصلته كلمتها اليتيمة بنبرة مُرتجفة باكية: وينك ! إبتسم إبتسامة صفراء من أجل أن لا تشطر قلبه نبرة صوتها: ماصارلي ٤ أيام غايب بالحيل ولهتي علي! ما بطوّل عسى ربم ييسرهآ وأرجعلك قريب يا نور عيني. عض طرف شفته من سمع أنينها: لينا حبيبي الله يرضا عليك لا تبكين، لا توجعين قلبي أسمعك تبكين ومو قادر أسويلك شيء! أشش خلاص لا تبكين، قومي غسلي وجهك وتعالي، يلا بابا قومي. سمعت كلامه وتركت جوالها على السرير وقامت تغسل وجههآ، رجعت له وبنبرة مبحوحة: أسفة بس إشتقت لك، لا تطول تكفى ياليتك أخذتني معك، إف كل شيء طفش من دونك، إذا بتطول تعال وخذني ما بقعد هنا لحالي. إبتسم ومسح على شعر رأسه القصير بـ أطراف أنامله الباردة تبعاً لـ برودة الجو: أبشري ياروحي ماني مطوّل، وإذا طولت برجع أخذك، الحين حكيني عنك إيش تسوين بـ غيابي! تسطحت على السرير وغمضت عيونهآ بـ إستمتاع شديد بنبرة صوته إللي تردلها الحياة: ما أسوي شيء، تعرفني ماعندي صديقات ولحالي أقضي أغلب وقتي، لا طلعات ولاشيء، لكن أبوي يقول بكرا ماشين الرياض، مادري إيش السبب من ورى هالسفرة لكن عساها خير وأغيّر جوي أرفه عن نفسي. وقف وماسك كوبه بـ يده ثبّت جواله بكتفه وشد معطفه عليه وخرج من المقهى: زين يا روحي أهم شيء تنبسطون ولا تقعدين كذا حاولي تكونين لك صديقات. ابتسمت وبـ دُعابة: انت كل صديقاتي. ضحك بنبرة مُرتفعة وبحبّ: إي بالله أنا كل صديقاتك وهالعالم أجمع. . . "بـ صبيحة يوم جديد |فلة حامد". نزل مع الدرج بـ خطوات سريعة شايل شنطة صغيرة بـ يده، دخل الصالة وقبّل رأس أمه: يمة بتروحين فرح نورة ! أرتشفت من كوبها وبهدوءها المُعتاد ونبرة إتزان: مادري الفرح بقى عنه يومين، بشوف البنات إذا ودهم يحضرون نروح ليش لا، إنت بتروح مع مين! ناظرها مُراد ومسح على حواجبه المُرتبة لُ يزيدها ترتيب: بروح مع عمي لافي، إذا جاء قريب من البيت بيتصل علي، شوي وماشين. ميّلت شفايفها وبتفكير: أبوك يدري إنك بتروح! وقف بتهرّب وباس راسها: لا ما يدري يكفي إنتِ تدرين يلا كاهو عمي لافي يتصل, بطلع له لا اتأخر، استودعتك ربي يايمة أنتبهي على نفسك. طلع من بيتهم بـ خطوات سريعة لجل ما يقابله أبوه ويمنعه من الروحة، وقف في الشارع ثواني قليلة وجاه لافي. ركب والقى السلام ومشى لافي. التفت على عمه عقب ما ربط حزام الآمان: من بيروح يا عمي ! معقولة بس انا وأنت من أهل أبو البنت! قوّس شفته السفليّة لافي وبهمس: مدري، بس أكيد أختي هيلة وبناتها يروحون تدري بـ معزة نورة عندها، وأنت أقنع أمك وأخواتك يروحون، ماهي حلوة بحق نورة ما يجي احد من أهل أبوها الله يرحمه، وبشوف أخواني الباقين عسى يروحون. . Like "الساعة الرابعة عصراً بتوقيت الرياض". • بأحد حدائق الرياض، تناظر حولها بـ ضياع، ونبضات بدت بالإرتفاع، وخفقان بـ خوف. مسحت على عيونها وبهمس: لا تتوترين يا لينا هم بأحد هذي الأماكن، يالله أنا إيش خلاني اروح دورات المياة لحالي وأترك جوالي عندهم مو حافظة رقم أي أحد فيهم. رجعت لـ دورات المياة تغسل وجههآ من أجل أن تُحافظ على توازنها وقوّتها، بمثل هذا الموقف يلزمها شجاعة وقوّة، عضّت طرف شفتها السفلية وضربت المغسلة بـ راحة يدها بلوم شديد. تجهل الرياض، وتجهل طُرقها وشوارعها ضائعة كالطفلة الآن، حمّر وجههآ لـ محاولتها الكبيرة في مقاومة بُكائها. ترى بأن البُكاء في هذا الأمر ضعف وإستسلام، تريد التحلّي بالقوة، ولكن كعادة لينا إذا عجزت بكت. أجهشت بـ البُكاء متعطّشة لحضن أمها. في هذه الأثناء، دخلوا فتاتين في مقدمة العشرين، تقدّمت وحدة منهم ببطء وإرتباك، وضعت كفها على كتف لينا ولفتها ببطء، وبنبرة قد أكتستها الحنّية: ليه تبكين ياروحي؟ تقوّس ثُغر لينا ببراءة ولم ترد، تشعر بأن الكلمات تحتبس في حلقها. ابتسمت الفتاة ونزعت نقابها ببطء ومسحت دموع لينا بأطراف أناملها: لا تبكين حبيبتي قوليلي إيش فيك إنتِ؟ عضت طرف شفتها لينا وبـ خُنقة: جيت هنا لـ دورات المياة ولما جيت برجع لـ أهلي ماعرفت فينهم، يبدو إني نسيت فين كانوا جالسين، مادري بأي جهة الحديقة كبيرة، وما معي جوالي تركته عندهم. تكلّمت الفتاة وهي تُلاحظ أنامل لينا إللي تحوّل لونها من بياض إلى إحمرار بسبب فركها ببعض دلَالة على التوتر الشديد: أغسلي وجهك وألبسي نقابك وتعالي ندورهم، إنتِ أكيد مو من الرياض لهذا السبب خايفة ما تدلين الأماكن، ضحكت ولفت على الفتاة الأُخرى التي خلفها، أنا بعد مو من أهل الرياض من أهل المدينة، لوما لمياء بنت خالتي معي كان وضعي زيك ما ادلّ الأماكن. ابتسمت لينا بـ إطمئنان وبهمس: الحمدلله من مدينتي، وبإستحياء شديد مدت كفها وصافحتها. طلعوا من دورات المياة، وناظرت فيها الفتاة بـ عيونها اللوزية الناعسة: إيش إسمك إنتِ؟ ابتسمت لينا وببحّة: لينا إسمي، وناظرتها بـ طرف عينها، ويُقال معنى أسمي الفاتنة الجميلة، وإنتِ إيش اسمك؟ ابتسمت الفتاة وهي تقعد على الكرسي الموجود بطرف الحديقة تحت شجرة كبيرة: إسمي نورة، سمّاني أبوي رحمة الله عليه، وبنفس حركة لينا ناظرتها بـ طرف عينها وبنبرة ضاحكة رقيقة، ويُقال أن معنى إسمي السِّمة أو العلامة أو الأثر، وأيضاً الجزء المُتواجد في مُنتصف الزهرة. ناظرتهم لمياء وأردفت بعد صمت بـ سُخرية: تعرفتوا على بعض خلاص! عبّروني ياجماعة، أنا لمياء الجميلة الرائعـ.. وضعت كفها نورة بسرعة لـ تبتر كلمة لمياء: بس بس أسكتي، خلاص درت إنك لمياء علمتها أول، لا تخرشين الضعيفة. لفت على لينا وبشغف: قومي نمشي ندوّر أهلك، أهلنا بعد في الحديقة ما بنتأخر عليهم لجل ما يحاتونا، حاولي تتذكرين فين كانوا جالسين! يعني إيش قدامهم أو قريب منهم. ناظرت لينا بـ أنحاء الحديقة تحاول تتذكر، ضمّت نورة كف لينا بدون مقدمات، وشدت عليه لجل يخفّ توتر لينا وبهمس: لا تخافين حاولي تتذكرينهم بهدوء، وإن شاءالله بنلقاهم. اومت براسها لينا وأخذوا يمشون بـ الحديقة. مرت عشر دقائق وهم يمشون من دون أي فائدة. وقفت نورة بـ تعب وتحاول تستجمع أنفاسها: خلونا نقعد شوية نرتاح ثم نكمّل، صغّرت عيونها وهي تشوف أهلها قاعدين وقريب منهم بـ مسافة، خلونا نروح يم خالتي ثم نرجع نكمّل، ناظرت بـ لينا إللي مو عاجبها الكلام، وحدقة عيونها تتحرّك بسرعة على أمل أنها تجد أهلها. ابتسمت نورة من دون ما تفرج شفتيها ومسحت على كتفها: ما يجي المغرب الا وإنتِ عندهم تطمّني بس تعالي نجلس وهناك إنتِ تحاولين تتذكرين مكانهم. مشت معها لينا بـ خطوات بطيئة خائفة مُرتبكة. قعدوا وقعدت لينا جنب نورة، أمامهم تحسّ نورة هي الآمان. ناظروها بـ إستغراب وحصة تمضغ بـ الرطب: يمة هذي صديقتك يا نورة! ابتسمت نورة و بـ توضيح: يُقال أنها أصبحت صديقتي، وبدُعابة ناظرت بـ لينا بطرف عينها تقليداً لكلامها لما قالت أسمها، قابلتها صدفة بـ دورات المياة وهي ضيعت أهلها أنشغلنا معها انا ولمياء ندور أهلها ولكذا تأخرنا، مدت يدها وحضنت كف لينا وبنبرة هادئة، رب صدفة خيرٌ من ألف مِيعاد، وبتفاؤل لـ يخف إرتباك لينا، "ربّ ضارة نافعة". ابتسمت لينا من جُملة نورة الأخيرة، فعلاً رب ضارة نافعة، ويمكن تكون نورة هي الصديقة إللي تلوّن عالمها. تكلّمت موضي عقب ما صبت لـ لينا القهوة: لا تخافين يا بنتي، إن شاءالله بنلاقيهم، لابد ونلقى طريقة نلاقيهم فيها. التزمت الصمت لينا وهي ترتشف من القهوة وتستمع لـ حوارهم. تراجعت نورة خلفها ساندة أناملها خلف ظهرها على الفرشة وبـ ضحكة: التوتر كل ماله ويزيد من تطري علي ليلة الفرح، لكن لمياء لها قدرة خارقة على إزالته، وضحكت ضحكة طويلة. جعلت لمياء تضربها على فُخذها وبتهديد: لا تعلمينهم، سكري فمك. ناظرتها نورة ومازالت تضحك وغمزت لها. "ليلة أمس كان لها نصيب وافر من مرح لمياء، لما شافت توتر نورة، ارتدت ثياب بيضاء وأخذت دور يُوسف، لتبيّن الأمر لنورة بأنه بسيط لا يحتاج لأي توتر أو خوف، خُتم هذا المرح بـ جملة نورة التي ألجمت لمياء خجلاً: والله لو إنك ولد على هذا الأسلوب لـ اسرتيني وأسرتي البنات وصرتي "معذبة قلوب العذاري". . انتبهت نورة لـ نظرات لينا مُحدقة في خاتمها. ابتسمت نورة وحركته برفق وبهمس: أعزمك على زواجي عقب يومين. رفعت حاجبها لينا من تحت نقابها وابتسمت وبنبرة إندهاش: يومين وجاية الحديقة ! لو بنت غيرك كان من مشغل لـ مشغل وحالتها حالة. ضحكت نورة وطبطبت على فخذ لينا: قرب موعد فرحي ما يمنعني أطلع الحدايق وأتونّس مع أهلي، عادي نهايته فرح وحياة روتينية، ما أدري الناس ليه تسوي كل هالقروشة والإزعاج والعروسة ما لازم تطلع مكان ثاني غير ألاماكن إللي تهتم فيها بنفسها، عادي أطلع حديقة أغير جوي، أطلع يم أقاربي عادي. ضحكت لينا وبودّ: ماشاءالله عليك صدرك شَرح، وماخذة الأمور ببساطة، مين بتتزوجين ! عضت طرف شفتها السُفلية من الداخل نورة وبتوتر نطقت إسمه: يُوسف. فزّت لينا وبنبرة مُرتفعة خلت كل إللي قاعدين معهم يناظرونها: يوسف الـ..؟ اومت نورة براسها بإيه وسكتت بـ رهبة، ضمّتها لينا بردة فعل غريبة وبضحكة: إيش هذي الصدف ! بعد إحنا جايين لجل نحضر فرحك، أبوي يعرف يوسف أعتقد من شراكة وكذا، ابتعدت عن نورة وضمت كفوف نورة لها وبنبرة رجاء: زوجك أكيد له تواصل مع أبوي اتصلي عليه يتصل على أبوي بليز الآن. رمشت نورة ببطء كذا مرة بـ مشاعر مُضطربة، أومت بـ. راسها وقامت عنها: طيّب الحين أكلمه، أبتعدت عنهم بـ مسافة قصيرة وأتصلت عليه، بلعت ريقها من رده المُرحب بها: مسيتي بالخير يا نور هالكون، توك كنتي عالبال وهذا إحنا قربنا نوصلكم أنا وأمي، فعلاً ولأول مرة كان ودي أطوي كل هذي المسافات وألتقي بك. سكتت بـ خجل وهي تحرك رجلها على العُشب بخفة ونظرها مُعلق بتحرّكات رجلها. أخذت نفس وبنبرة حاولت جاهدة أن تكون مُتزنة: مسيت بالنور يوسفي، عضّت شفتها من ضحكته الرجولية وبحبّ: يوسفي ! يا حلوها من ثُغرك اليوسفي. وقف عند الحديقة وناظر أمه وأشر لها بـ حواجبه بمعنى "وصلنا"، وتكلم موجه كلامه لـ نورة: يلا حبيبتي وصلنا الحديقة، أرسلي لنا موقعكم على الواتس وأنا جايكم وتحكين لي سبب أتصالك. • رسلت الموقع وظلّت واقفة بـ مكانها مستندة على الشجرة وتناظر بـ لينا، أرمشت بسرعة من شافت يوسف يمشي صوبهم وأمه جنبه شايلين أكياس. تأملت قامته بإرتباك، لمحها ومشى صوبها. أعتراها شعور طفيف من الغيرة، والغيرة من علامات الحبّ، والتملّك، غارت من قامته الرجوليّة لا تناظره بنت وتوقع أسيرة بـ حبّه. وقف عندها ومد كفه وصافحها وبإبتسامة مائلة: سلام مؤدب لأننا بـ مكان عام. ضحكت بحيا وصدت عنه تناظر بـ الحديقة، نزل نظارته الشمسية عن عيونه وأخذ يناظر بـ مكان مُناسب له ولنورة. صعب يقعد مع موضي وحصة بنات موضي فيه ولا نفسه يضيّق عليهم. رجع شعره الكثيف على ورى وبهدوء: بجيب فرشة صغيرة من السيارة وجايك. بعد دقايق جاء وهو شايل مفرشة صغيرة وسلّة، ناظر بـ نورة: ألحقيني. مشت معه لحد ما وصلوا لـ مكان شبه بعيد عن الناس وقعدوا بين شجرتين ظلهم كبير. فرش الفرشة وقعد وقعدت نورة قدامه، طلع دلة القهوة من السلّة وباقي اللوازم. صب لها ومده وأخذته منه بأنامل مُرتجفة. ارتشفت من القهوة وشهقت من حرارتها. ضحك وناظرها بـ طرف عينه وهو يفتح عُلبة الكاكاو: على مهلك ما أكل اوادم أنا، وتعوّدي عالوضع يومين وإنتِ مقابلتني لوحدي والعُمر كله. أخذت نفس عميق تحاول فيه تهدي من نفسها، ثم ناظرت فيه وبهمس عفوي: إف نسيت لينا. عقد حواجبه: مين لينا ! قرّبت منه بدون شعور وبنبرة سريعة: هذي وحدة قابلناها هنا ومضيعة أهلها لكن تقول أبوها يعرفك ولكذا أتصلت عليك، يالله نسيتها تلقى الحين أهلها مشغول بالهم عليها، أرتشف من فنجاله وطلع جواله وتكلم وهو يدور بالأرقام: إيش اسم أبوها ! رفعت أكتافها وبلوم: نسيت أسألها بقوم أشوفها. حرك راسه بـ النفي وقام: اقعدي انتِ انا أروح لهم وأشوف خالتي موضي تسألها. تأملت مكان جلوسه عقب ما قام وبطرف أناملها تناولت نظارته الشمسية. تحسستها بـ تفكير عميق ومشاعر كالبحر في جوفها. تركت نظارته وبلا شعور منها تناولت فنجاله وبقي فيه القليل. غمضت وأرتشفت ما بقي منه بنفس مكان شُرب يوسف. ردت الفنجال مكانه بسرعة ولتو كأنها أستوعبت جرأة سواتها. وضعت كفها على قلبها لـ تهدي من نبضاته، وهي تذكر نفسها بأن يوسف حلالها ومحرمها، وإللي سوته مو جُرم كبير. لكن من خجلها أستنكرت الفعل. بعد مرور عشر دقايق رجع يوسف وقعد مكانه ومسح كفوفه ببعض وبإبتسامة مائلة: والحمدلله البنت وصلناها لأهلها، طلعوا هم بعد متقروشين يدورونها ومبلّغين الدورية. سكت عن الكلام وناظرها بـ غرابه، من شرودها وضغطها المُستمر على أطراف أناملها. وضع كفه على كتفها وحركها وفزّت تناظره وبنبرة مُرتجفة: هـ..لا، قطعت أحرف كلمتها من بلعها لـ ريقها المتوتر. عقد حواجبه وبهمس: إشبك ! أحد مر وسوالك شيء! حركت راسها بـ النفي وعيونها تناظره بـ خوف. مسك أناملها وشد عليها وبخوف: نورة أشبك كذا خايفة ! قوليلي اذا صايرلك شيء. ابتسمت إبتسامة صفراء وبكذب: لا مافيني شيء، بس تخيلت نفسي مكانها وخفت. ابتسم وأطلق تنهيدة: أوف خفت عليك، خفت أحد مار ومسويلك شيء، قبّل كفها وبحنّية، لا تحطين نفسك بـ مكانها إنتِ جوهرتي إللي ما بضيعها بيوم. رجع مكانه وجاء بيصب له قهوة، ولدقّة مُلاحظته إنتبه إن فنجاله فاضي، وهو تركه وباقي فيه القليل، تفحّص جوانبه ولمح روج بُني خفيف جداً على حافة الفنجال. ناظر نورة بـ طرف عينه وكبح إبتسامته وبنفسه: أها أجل اللي مضيّع علومها هذا الشيء! ياحليلها طلعت رومانسيتها قوية وتستحي. عض طرف شفته لجل ما يضحك، ودنق يناظر بـ فنجاله. صب له وأخذ يرتشف وهو ساكت وصاد عنها يناظر بـ الحديقة وهي كذلك صادة وساكتة. . . "بعد مرور يومان | اليوم العظيم المُنتظر". ~ الحال معروف جداً في كل ليلة زفاف. القصر مُمتلئ بالحضور. من العائلات صديقة أبو يوسف، ومن قرابة حصة جدة نورة، ومن أهل أبو نورة. وقفت هيلة بـ شموخ إمرأة أربعينية، صادفت بـ طريقها لمياء، مسكتها مع كتفهآ وبإبتسامة: إنتِ من بنات خالة نورة ! ابتسمت لمياء ببشاشة وأنفرجت شفتيها المُزينة بروج عودي: إيه وأنا بنت موضي الكبيرة إسمي لمياء، وإنتِ شكلك من قرابة نورة. ضحكت هيلة وبودّ: إيه أنا عمتها هيلة، ما عليك أمر وديني لـ نورة بشوفها، هي بتنزف ؟ حركت راسها بالإيجاب ومبتسمة بـ حماس: إيه بينزفون سوى هي ويوسف، تعالي أوديك لها قبل تجي المصوّرة وتلتهي معها ويجي يوسف. مشت معها هيلة ودخلوا على نورة، تأملتها هيلة بحبّ، ووقفت عند الباب، تنفست بـ عُمق وبهمس ماسمعها أحد: وبنتك يا سيّاف كبرت وصارت أميرة. مشت لها وسلّمت عليها ونورة قاعدة بـ فستانها الساندريلا. رفعت وجههآ هيلة بـ طرف سبابتها وبهمس: عسى الله يحرسك يا حبيبة عمتك، قديش طالعة قمر، ضحكت ولفت للمياء، شوفي نظراتها يالمياء، رجعت تناظر بـ نورة وشدت على كفوفها يا روحي لا تبدين تتوترين تخافين، كلنا حواليك أنا وخالاتك ولمياء، وبعدين إللي بتنزفين له من خيرة الرجال، بسم الله عليك يلا جات المصورة بـ نخرج لجل ينادون يوسف يخش، ومن تخلصون بنجيك ونوقف عندك لا تخافين. اومت براسها نورة وبلعت ريقها وهي تتأملهم، وقفوا معها وما تركوها لـ وحدها، ولا حسّت بفقده لأحد. . طلعت هيلة وقربت منها لمياء بسرعة ورشت لها من العطر وأخذت نظرة سريعة على مكياجها وبهمس: أوك كل شيء تمام، يوسف الحين جاي. • طلعت لمياء ودقائق معدودة ودخل يوسف، ناظرها وإبتسم من دون أي شعور، بـ ثوبه الأبيض وغترته البيضاء وبشته الأسود. مشى لها من دون أي تكلّف، وقف أمامها ورفع وجههآ بـ طرف سبابته. قومها وفتح بشته وأخذها بين يدينه. ضمّها لـ صدره ضمّة العطشان إللي وجد ظالته عقب سنين عجاف. غمضت عيونها بـ شعور يراودها لأول مرّة، شعور الآمان والإستسلام. أبتعد عنها قليلاً وأخذ يحدّق فيها، مال ناحيتها بـ تجاهل كبير للمصوّرة وقبّل طرف ثُغرها، أبتعد عنها ووضع طرف سبابته مكان قُبلته ومرر سبابته برفق وبهمس مفتون: ثُغرك خمر مُباح، شربه وحدة منه تروي الظمآن. أبتسمت المصوّرة وهي تلتقط لهم بعض الصور بـ إنسجام تام بينهم، ودون إحساس بها. • • "أكملوا بقيّة لقطاتهم وأنزفوا، بعد مرور ساعتان على بوابة القصر". ~ ركبوا السيارة نورة ويوسف في الخلف والسواق لافي. مشى من عند القصر عقب وداع كبير لـ نورة وتوصيات كثيرة رُميت بعنق يوسف. رفع راسه لافي وناظر بيوسف من خلال المراية وتكلّم بهدوء: ما توقعت هالفرح ينتهي بـ سلام، توقعت حامد بيسوي شيء. صغّر عيونه يوسف بـ تفكير وبهمس: أنا بعد توقعته يسوي شيء يخرب الفرح، لكن أمره غريب وحاس إنه مخبّي الأعظم. ربّك يستر يا لافي. لف يوسف يناظر نورة إللي ساندة راسها على النافذة وتقاوم النوم لكن عيونها تقفل من نفسها وترجع تفتحهآ. ابتسم وهو يتأمّلها، داخله مُزدحم بالمشاعر والكلمات، يجد صعوبة في صياغة ما بجوفه، لخّص كل ما بجوفه بـ "الحمدلله". مرر لسانه على شفته السفليّة بتفكير وبنفسه: الارزاق يا يوسف تجي للإنسان، عاجلاً أم أجلاً، جات بـ نفسك بنت سيّاف لكن حالت بينكم الظروف، ظليت أيام أمنع نفسي ما أفكر فيها لجل إنها ما تحل لي، وهذي هي الآن قدامي وحلالي. لفت له نورة بـ عيون مُحمرة مقاومة للنوم، ابتسمت وعيونها بـ عيونه. كلاهما يقولان الكثير عبر الإتصال البصري، فالعينان أسرع وسيلة في إيصال المشاعر. أمّا نورة فكان يدور بـ مخيّلتها الحلم إللي راودها قبل أشهر، كيف إن يوسف وضع كفه على قلبها المجروح وتشافى، هذي الليلة تحقّق الحلم. رزقها الله بـ يوسف كتعويض لكل ما مرّت به. والعوض لا جاء من الله جاء وفير. • وقف لافي أمام شقة يوسف ونزلوا، نزع يوسف بشته وطبقه على كتفه. وشال فستان نورة من تحت لجل تمشي بـ راحتها. دخلوا ومشت للصالة وقفت تناظر فيهم ثم خرج لافي وأغلق الباب خلفه. ومع إغلاقه للباب غمضت نورة عيونها بـ خوف طبيعي من الحياة الجديدة. ترك بشته على الكنب ثم نزل عقاله وشماغه وأخرهم طاقيته، رفع حاجبه بـ تعب ومسح على شعره، ناظرها ولازالت واقفة، مشى لها ووقف مقابلها وإبتسم بهدوء لجل تطمن: شوفي الغرفة هناك -وأشر لها ناحية اليمين- بدلي ملابسك وتعالي نتعشى. اومت براسها ومشت للغرفة. • Like "صباح يوم جديد على أبطال روايتنا كُناري الحبّ". • واقفة على باب الغرفة متكتفة تتأمله، نايم على الكنبة وذراعه اليسار طايح بـ ميلان من فوق الكنب. مسحت وجههآ بباطن كفوفها وجمعت شعرها بـ عشوائية. دخلت الغرفة ووقفت أمام المراية تتأمل بنفسها، بقميص نوم من الحرير اللؤلؤي، إبتسمت وهي تناظر بـ عيونها، من لطف يوسف الشديد، كيف إنه تركها أمس تنام من دون ما يلمسها ونام على الكنب، عقب ما لاحظ خوفها الشديد وتهرّبها من العشا بحجة إنها ما تبغى وهي بالأساس خايفة منه. مشت للدولاب وطلعت لها لبس ناعم بدلت وطلعت، قعدت على حافة الكنب جنب راس يوسف، مدت يدها وبرفق هزته: يوسف، قوم يوسف أذن الظهر قوم. فتح عيونه ببطء ومسح على عيونه، قعد وحرك رقبته بـ الجهتين وعاقد حواجبه بتعب. ناظرها وإبتسم، مسك كفها وقبّله، مسح خده بـ ظهر كفها، قام ومال ناحيتها وقبّل خدها. مشى لدورات المياة وبنفسه: نيّالك يا يوسف، تصحى على وجه تحبه أي دعوة طيّبة رُميت بطريقك وجابت نورة من نصيبك ! وقف تحت الدُش، رفع راسه والمويا متوسطة الدفى تضرب وجهه بـ رقة، تحمّم على السريع، وخرج لابس الديشمبر وماسك منشفة صغيرة ينشف بها شعره. مشى للباب وقفله لجل ما تخش عليه نورة وهو يلبس ملابسه وتنحرج. لبس ملابسه، ثوب من دون باقي المُلحقات طاقية وشماغ..الخ رجّع شعره على ورى بترتيب ورش له من العطر، فرش السجادة وصلى الظهر، ثم طلع من الغرفة. قعد على الكنب وهمس بهدوء: جيبي عبايتك، رفع راسه وناظرها، وبدلي لبسك بنطلع لبسك فيه قُصر ألبسي لك جينز، اومت براسها ومشت للغرفة، أما هو سند راسه على الكنب وأخذ يفكر بليلة أمس. عقب ما شافها تتهرّب من العشى حطلها الأكل بالغرفة وخرج أنسدح على الكنب، ولطفاً منه تنازل عن حقه بأول ليلة لهم، حبّ يقدم عليها وهي مو خايفة منه. • طلعوا من الشقة وركبوا السيارة، بلعت ريقها بخجل من داهمتها ريحة عطره ودفى سيارته، أخذت نظرة سريعة على سيارته وناظرته، ابتسم لها بحبّ وشغل السيارة. التفت لها عقب ما قطع نصف المسافة: فين تبين نروح ! حركت أكتافها بـ مدري وبهمس خجول: مدري ما أعرف شيء بالرياض. تنهد وبنبرة مليئة بـ المشاعر: ودي أوقف السيارة وأقعد اتأمّل فييك، تمضي هالأيام والسنون وانا باقي في حسنك مفتون. • ‏"لاتٌصدقي أولئك الذين يقولون /الزواج مقبرة الحٌبّ! ‏الزواج ميلاد الحٌب ياأسماء" ‏-أدهم شرقاوي. - . ~ "أحد مُستشفيات برلين | الساعة ١٢:٠٠ مساءً". جالس في حديقة المستشفى يتأمّل السُحب المتراكمة في السماء مكوّنه طقس رائع، وحاجبه ضوء الشمس الساطع، وبخفّه يضرب الملف بـ فخذه، سند رأسه على حافة الكرسي وغمض عيونه بتذكّر لـ كلام الدكتور؛ أنخفاض عدد الحيوانات المنوية هو العامل الرئيسي لمشاكل الخصوبة لدى الرجال، وأسباب العقم عند الرجال عديدة، منها الشيخوخة، والتدخين، وسوء التغذية وإلى غير ذلك. مسح على شعره رِياض بلوم شديد وهو يتذكر أيامه السابقة إللي كان فيها يدخّن. بعض الأمور نفعلها وعلى علمنا اليقيني بأن لها ضرر كبير، لكن نتهاون فيها لأننا ما لمسنا الضرر بشكل عاجل ومُباشر، لكن الأمور السيئة عواقبها وخيمة، وضررها أتٍ عاجلاً أم آجلاً. فتح عيونه وأطلق زفير من فمه تبعه دُخان بسبب برودة برلين الشديدة، إذ أن درجة الحرارة ١٨. طلع جواله ورفع حاجبه بـ عصف ذهني لـ توقيت السعودية. إذا الوقت مُناسب يتصل على لينا، أومى براسه بالإيجاب وبهمس: إيه إحنا بالسعودية متقدمين على برلين بـ ساعة، يعني الآن عندهم الوقت عقب صلاة الظهر. أتصل وعقب رابع رنة ردت بنبرة مليانة نوم: هللا.. أتصل بعدين. ناظر بالجوال بـ صدمة ورافع حاجبه كابح ضحكته، ضحك وبهمس: إيش هذا قفّلت بوجهي وتقول أتصل بعدين! وبعناد رجع يتصل عليها، موعده بقى عنه ساعة وحبّ يقضي وقته مع لينا. ردت بطفش: هلا، ضحك ودخل كفه تحت معطفه لجل يدفى: قومي صحصحي وردي علي، أجل يالي ما تستحين على وجهك تقولين لي اتصل بعدين وتقفلين بوجهي ! فزّت لينا بإستيعاب وتربّعت وبنبرة منخرشة: هاه ! والله ما حسيت بنفسي، أصلاً ما كنت بوعيي ما قصدت. ضحك وبحنيّة: أمزح معك، قوليلي إيش اللي خلاك تنامين هالنومة الثقيلة ؟ سندت ظهرها على السرير وبنبرة مبحوحة بدت تتكلّم: أمس حضرنا عرس واحد من أصدقاء أبوي في الشراكة وكذا، وبالصدفة تعرفت على عروسته قبل يومين وحضرنا فرحهم مع أبوي، وجينا متأخر. أومى براسه وبتأييد: كويس عسى بس تعرفتي عليها ! شيء حلو لو تصير عندك صديقة. إبتسمت ورجعت شعرها خلف أذنها: إيه أخذت رقمها من بنت خالتها قبل ما أطلع من القصر، وأسبوع كذا بكلمها، البنت ارتحت لها ونفسي تكون صديقتي. إنت إيش سويت ؟ متى بتجي ؟ ناظر بالملف وعبست ملامحه وإكتئب، صوت لينا أبعد عنه أفكاره السوداوية، ومن سألته رجعت له هالأفكار: للآن أشتغل، ربّك كريم ويعين.. • - "بأحد فنادق الرياض". ~ أخذت نظرة سريعة في إيثار الجالسة وتناظر بـ أظافيرها من دون رِضا على رجعتهم السريعة للمدينة. تكلّمت بهمس صادم لـ إيثار وهي تنتظر ردة فعلها الغاضبة: أبوك أعطى موافقته لـ جابر. وجابر جاي بكرا يشوفك نظرة شرعية، ولهذا السبب مجبورين نرجع بسرعة. ، تكتفت وصدت عن أمها وبهمس غير مسمُوع: ماهو شبع من شوفتي وش له شوفة شرعية ! ناظرت بـ أمها وبهمس وإستسلام: أبوي بيزوجني إياه بالرضا او بالغصب، لكذا أتقبّل الأمر أفضل من أعاند وأتلف اعصابي والنتيجة معروفة، أبوي قال اتزوجه يعني أتزوجه مهما سوّيت ما بيتغيّر قرار أبوي. . . "بعد أسبوعان نصف شهر ". الحال كما هو عند أبطالي الثنائي رِياض ولينا. • كُناري الحبّ يوسف& ونورة.. خارج السعودية. لـ قضاء شهر العسل. • اليوم هو اليوم المحدّد لـ خروج تحاليل جابر& إيثار. • دخل المستشفى بـ ملامح أقل ما يُقال عنها سعيدة، شغوفة بـ الحياة، خطواته سريعه متلهّف لأمرٍ ما. لكن كل مافيه يدعو للحياة قد صُعق وذبل، بـ مجرّد إستلامه لأوراق التحاليل وكانن النتيجة "سلبيّة". ناظر بـ المُمرضة وأطرافه إللي ماسكة الأوراق ترتجف وبهمس مخنوق: متأكدة هذي التحليل لنا ؟ متأكدين ما حللتوا لـ بنت ثانية ؟ رفعت أكتافها المُمرضة بـ قل حيلة: إيوا متأكدين، ونعتذر منك النتيجة زي ماهي موضحة عندك سلبية، معوّض خير أخوي. مشت عنه تاركته، جسد بلا روح، عقل يشتغل من دون تركيز وإنتباه. طلع من المستشفى بـ شرود وأحلامه إللي بناها خلال هالأسبوعين صارت هباءً منثورا. رسم حياته مع إيثار، وأكمل رسم حياته للمشيب. وأتاه الواقع المرير كالصفعة. جرّته أقدامه لـ بيت حامد وبكل ضعف أعطى الأوراق الحارس يعطيها حامد. ومشى راجع لـ بيتهم بـ خيبة. ومازال باب الحياة مؤصد أمام جابر، كما يعتقد. • *أمر الله كله خيرة.. لا ينبغي أن نحزن ونتحسّر كثيراً عزيزي جابر*. • • "في مجلس حامد". ~ جالس بإستقامة عاموده الفقري على الكنب، وأمامه نايف. حك لحيته الخفيفة نايف وبهدوء: توقعتك تسوي شيء بفرح يوسف ونورة ما توقعته بيعدي على خير كذا. إبتسم حامد إبتسامة خُبث ودهاء، وناظر نايف بـ تركيز: خله يحسب إني مشغول بشركتي، وبتغدّا به قبل يتعشا بي، نصيبه جاية وهذا اليوم تحديداً. رفع حاجبه نايف وبضحكة: أنا من الحين أقولك سحبت نفسي، انا صحيح ألعب وطبعي به خبث، لكن أسحب يدي من الطعم إللي يكون اقوى مني، ويوسف ماهو بخصم ضعيف، خله لك سو فيه إللي تبي. - " فرنسا | مدينة شاموني". ~ بأحد المناطق الريفية، وعلى إطلالة الكوخ، واقفة تتأمّل الطبيعة الخلّابة من حولها, ولا توقّعت بيوم إنها راح تشوف مثل هالأماكن، لفظت بـ همس مُعجب جداً: خلق فأبدع في صنعته، سبحان من خلق كل هذا، جنّـة الله في أرضه. غمّضت عيونها من حست بالجسد الدافي إللي التصق بظهرها والذراع اليسار إللي أحتوت خصرها، والكف اليمين إللي مسحت على وجههآ بـ عشوائية. ضغط خدودها بأصبعيه وضحك. فتحت عيونها ولفّت وجههآ تناظره. تبيّن لها إنه توه صاحي، من ملامح وجهه ونكوش شعره وبهمس ناعم: صحّ النوم. لفّها له وسند جسدها على حافة البلكونة ومحاوط خصرها، مال براسه ناحيتها وسند جبينه على جبينها وبهمس: يصح بدنك، أخذ يناظر عيونها وتفاصيل الليلات الماضية تُعاد في مخيّلته، أسبوعين من الحبّ، واللحظات الدافئة. أردف بعد صمت طويل أمام نظراتها الخجولة، تشرق هالشمس ويحلّ النور بأرض ربك، أمّا أنا تبتسمين وتشرق شمس الحياة بـ جوفي، هاتيلي إنتِ بكل مافيك. ختم كلامه بـ قُبلة عميقة على ثُغرها. أبتعد عنها وهو ملاحظ رجفتها منه، يعلم أنها بدت تهيم فيه عشقاً، وتموت في تفاصيله حباً، لكن تُكابر، رجفتها هذه خير مؤشر. مشى عنها بيدخل ثم لف لها: ألبسي زين بنطلع نتمشى، خذيلك جاكيت أو معطف شيء ثقيل. أومت براسها وتبعته بـ خطوات سريعة مُرتبكة. نزعت روبها النيود ببطء، ولفّت بسرعة لـ تصدم بصدره من دخل البلوزة الصوفية في رأسها. غمضت عيونها من مرور البلوزة على وجههآ، ولبسها إياها ودخل يدينها بالأكمام تحت صمت شديد من نورة، وعيون متوسّعة، أي نعمة أنت ! أي عوض كنت أنت يا يوسف، أي عمل خير قد أتت بك بركته. تجاهل نظراتها وأخذ معطفه وطلع من الغرفة تاركها تكمّل لبسها. قعد على الكنب الأبيض وأحتضن الخُدادية المُزينة بالورود الزهرية، فتح جواله وأخذ يتصفّح يقرا بالأماكن الترفيهية الموجودة بـ المدينة. دقائق ورفع راسه بشكل تلقائي من سمع باب الغرفة يفتح، طلّت بـ حجابها الزيتي، معطف طويل إلى نهاية كعبها. بأزارير كبيرة بشكل دائري من الرقبة للأسفل، وشيلة زيتيه وطرفها تتلثّم به، وشنطه بسيطة باللون اللؤلؤي، إبتسم وقام: يلا توكلنا على الله. طلعوا من الكوخ، وحاوطها بـ ذراعه يقربها له وهي ما عارضت بالعكس قربت منه زود. يدرك حاجتها الشديدة للحنان، يحاول يعوّضها قدر إستطاعته عن حنان أمها وأبوها. متأكد طفولة صعبة عاشتها بفقدانها لأمها، وأيضاً مرحلة بلوغ كانت قاسية عليها، لا أم لا أخت لا صديقة لا أي أحد يوجههآ. ناظرها وإبتسم لها وبنفسه: الله يقدرني وأعوضك عن كل شيء. بعد مرور ساعة من التنزّة والترفية، وقفت على الجسر ، ساندة كفّيها على سور الجسر تتأمل البُحيرة الساطعة زُرقتها. قبّل كتفها وبهمس: أتمنى أن تفاصيل هذا اليوم كانت رائعة بما يكفي لـ ترسخ في رفوف ذكرياتك. التفتت عليه وقبّلت ظهر كفه وإبتسمت. ضمّها بـ ذراعه ورفع حاجبه من توافد الرسائل على جواله. طلعه وقرا الرسالة بـ صمت "أنت الآن أمام بحيرة ... برفقة زوجتك، أتمنى لك رحلة مُمتعة". • أخذ نظرة سريعة على المكان من حوله وبلع ريقه بـ خوف، ما يقبل فكرة إن يحصله مكروة وهو خارج البلد، صعوبة شديدة بتواجهه. لاحظت نورة أنخطاف لون ملامحه والخوف إللي يكتسح عيونه: إيش فيه يوسف ! صاير شيء لأهلنا ؟ حرك راسه بالنفي وبهمس: لا بس فيه رقم فرنسي من نصف ساعة يرسلي رسايل وأطنشه، والآن مرسلي المكان إللي احنا فيه. خفت ليكون شخص يترقّبنا ناوي لنا الأذية. شد عليها ومشى بها وهو كل شوية يتلفّت خايف تباغته هجمة. وقف على نهاية البُحيرة على مقربة من الشارع العام ونزل شريحته كسرها ورماها ومسك يد نورة وبنبرة مُرتفعة: أركضي. • بعد مرور ساعة تقريباً وقفت السيارة عند فندق في وسط قلب المدينة. نزلوا ودخلوا يحجزون لهم غرفة، عقب دقايق صعدوا الغرفة. مسح على شعره بوهقة وتفكير شديد وهي قاعدة على السريرة تناظر فيه. التفت لها وشبك أصابعه حول راسه: هذا أكيد واحد يتتبّعني يا من خلال الشريحة يا من خلال الفنادق إللي رحنا لها، سائلهم عن إسمي، مدري مدري بهذي الحالة مانقدر نرجع للكوخ، قعد جنبها بتوتر، ماني عارف إيش اسوي يا نورة، خايف عليك أكثر من خوفي على نفسي، لو كنت لحالي ما بتوتر كذا بس إنتِ بقعد طول وقتي قلقان افكر فيك لا يصيبك مكروة. مدت يدها حضنت كفه وبإبتسامة هادئة ونبرة أشبه ما تكون بـ طبطبة: ما بتقدر تتوصّل لحل وإنت متوتر كذا، إيش فالكوخ ! مسح على وجهه وبنبرة مخنوقة مقهورة: فالكوخ أشياء مهمة، وأهمهم جوازاتنا وهويتي وباقي فلوسي. ما بقدر أتحرّك خطوة من دون الجواز، حرّك راسه وزفر، لازم أروح للكوخ أجيب اللازم. تشبّثت بذراعه ونظراتها كلها خوف: لا ماتروح الكوخ، يرحم والديك ما تروح لو صارلك شيء إيش بسوي أنا. حضن وجههآ بين كفوفه وبنبرة مُرتفعة: بطلب من السفارة تحميك، انا لازم أروح قبل ما يفقدون أثرنا ويروحون للكوخ وياخذون جوازاتنا وقتها بناكل تراب هنا، لازم أروح، أفهميني لللللازم، ما بسمح لهذا إللي يراقبنا يعبث فينا. ضمّها بقوة وقبّل جبينها وسط بُكائها إللي يشطر القلب وكلماتها الغير مفهومة تترجاه فيها ما يروح ويتركها. قلبها مو مرتاح لـ روحته. داس على قلبه وتركها وطلع، أمّا هي فتهاوت على السرير بـ روعة تدبّ في قلبها. خافت أن تبكيه فقداً كما بكت قبله أبيها، ثم مازن. يوسف فرصة الحياة الأخيرة، شعلة الأمل التي أشتعلت بين رُكام اليأس. مرّت الساعة الأولى تليها الثانية ونورة تعيش أصعب فترات حياتها مُضطربة جداً، طلعت من الغرفة بتهوّر ومن دون وعي لخطورة خروجها، وقفت على بوابة الفندق وهي تتأمل بالمارة وتبكي، تقدمت كذا خطوة ووقفت بنصف الشارع تدور يوسف بـ عيونها، ثواني قليلة وبدا المطر ينزل، بدا الشارع يفضى من الناس يحاولون يتخبون عن المطر، أما هي فكانت تبكي وحجابها طايح على أكتافها وتناظر حولها مثل الطفل الضايع إللي يبحث عن أمه يلتقط حنانها وتحتويه. جثت على رُكبها بإنهيار وصرخات عالية أفزعت إللي واقفين عند بوابة الفندق من الداخل، أخذت تضرب الأرض بكفوفها وبكلمات عربية غير مفهومة للفرنسيين: وييينك يوسف ويييينك ! ليه تروح! رحت روحة أبوي ومازن الروحة اللي ماعقبها لقى، قلت لك لا تروح لييييه رحت ! أخذت تبكي بنحيب ورافعة راسها للأعلى وكفوفها مازالت تضرب فالأرض من دون إهتمام للضرر إللي ممكن يلحق بها. ركضوا لها ٥ من العرب عقب ما فهموا كلامها وإنها عربية، كان من ضمنهم رجال سعودي وزوجته، والبقية واحد كويتي وأثنين جزائريين. قعدت جنبها الحرمة وضمّتها، والرجال الجزائري رفع كفوفها عن الأرض وقيّدهم بين كفوفه، نفرت منه وحاولت تبتعد عنهم وتصصرخ من دون أي احساس بنفسها أعصابها منهارة، ضمّتها السعودية بإيدينها الثنتين تحاول تهديها: أهدي حبيبتي أهدي لا تسوين بنفسك كذا أهدي وفهمينا إيش صار معك، قومي حبيبتي داخل قومي لا تمرضين من المطر. حركت راسها بالنفي وخُصل من شعرها على وجههآ وعيونها محمّرة: لا اتركيني هنا أتركوني حتى لو امرض أترككككوني. رجعت تبكي وتشهق بصوت عالي، تخلّت عن رُشدها وصبرها. شعور الفقد يشطر القلب ويكون أثره قوي مؤلم مثل أثر السوط على الجسد. لكن الفرق بينهم الفقد وجع يأكل القلب من الداخل وناره ما تطفيها الأيام. • • على بعد مسافة يمشي بهرولة ومخبي شنطة سودا تحت معطفة لجل ما يوصلها المطر ويتضرر إللي فيها. توقّف من شاف التجمّع مقابل باب الفندق رفع أكتافه ونزلهم بقل حيلة ورجع كمل خطواته لداخل الفندق. لو كان بوضع ثاني ما بيخطي خطوة من دون ما يساعدهم لكن وضعه الحالي ما يساعده. خطت رجله اليمين باب الفندق وتوقّف وهو رافع رجله اليسار من سمع النبرة المبحوحة المكسورة: يوسف فين راح يوسف، وأخذت تردد إسمه. بلع ريقه وببطء لف يناظرهم، تهاوت الشنطة والأكياس من يده وهو يشوفها ساندة نفسها على حرمة، وحجابها طايح عن وجهها وراسها، ركض لها بدون شعور وقعد على رُكبه جنبهم وحضن وجههآ بين كفوفه وبنبرة خايفة: نورة يا عين أبوي يا نورة جيت انا ايش مطلعك برا ايش فيك ليه صاير معك كذا ! ضمّها وهي تشبّثت فيه تبكي، ناظرهم وبنبرة مخنوقة بدا يسألهم عن سبب حالتها المُنهارة ! رد عليه السعودي وهو يتحاشى يناظر فيها: ماندري بس سمعناها تبكي وتنادي واحد إسمه يوسف وتقول كلام ما فهمناه بس زين شكله انت إللي تناديه. ارتخت بين يدينه ونزل نظراته يناظرها أُغمي عليها، تنهد بلوم وعتب على نفسه، حملها ووقف وبهمس: مشكورين ما قصرتوا. مشى للفندق والمطر ينزل عليهم بـ غزاره، كغزارة لوم ضمير يوسف عليه. انحنى وتناول شنطته وأكياسه، وكمل طريقه لغرفتهم وكل شويه يشد عليها وينحني يقبّل جبينها. مدين لكِ بالأعتذار يا نورة. أمن أن تركه لها كان أكبر غلط سبب لها تضرر نفسي، فتح الباب ودفه برجله، تركها على السرير، ونزل معطفه المتبلل رماه عالأرض، ومسح شعره المبلول بحييرة وهو يشوفها باقي ما وعت، عض قبضة يده بخنقة، حالها كان يكسر القلب، عرف قد إيش هو يعني لها عرف كبر قيمته عندها، أكتوت البنت بنار الفقد مرّتين ورديت لها هالكوية يا يوسف، فتح الأكياس وتلمّس إللي فيهم وكان جايهم بلل خفيف من المطر، طلعهم وكانت كذا لِبس له ولنورة، بدّل على السريع، وراح لنورة قعد جنبها ولمس ملابسها كانت مبلولة حيل، تراجع على أخر لحظة عقب ما كان ناوي يبدل لها ملابسها، طبطب على خدها وبهمس: نورة حبيبي قومي شوفيني جنبك قومي، انحنى يقبّل رموشها العالق فيها دمعها ويقبّل خدودها ويمسح دموعها بـ قُبلاته. قام عنها وبلل كفوفه بالمويا وراح لها يبلل وجههآ، ثواني وفتحت عيونها ببطء، ناظرته بـ لوم وتجمعت دموعها بـ عيونها وتقوّست شفايفها، انحنى بسرعة وقبل عيونها: لا لاتبكين دخيييلك لا تبكين، هذا أنا جنبك وعد ما اتركك أسف سامحيني حقك علي يا أبوي، أسف اني تركتك لكن لا تبكين، لا توجعين قلبي زيادة فوق ماهو موجوع من حالتك ومن ضميري، حضن كفها وشد عليه وأخذ يحكي لها من الجُمل الرقيقة والوعود المُعتاد على قولها بين العشّاق. مسك كفها وقومها: قومي ياعيوني غيري ملابسك لا تمرضين، انا بكون موجود برا في الصالة غيري وتعالي لي بسرعة. سحب اللبس وحطه بين يدينها وطلع تاركها تبدل ملابسها. ناظرتهم وكانوا جينز فاتح قماشه رطيب، وبلوفر صوفي لونه تفاحي. ومشت للأكياس وفتشت فيهم، ابتسمت بخجل بوسط ملامحها المحمّرة من البكي من شافته جايب لها ملابس داخلية. لبست على السريع وطلعت من الغرفة تاركه شعرها كما هو مبلول وفاتحته، وشابكة كفوفها ببعض، وقفت مقابله ورفع راسه، إبتسم بشحوب ومد يده وسحبها من يدها، جلّسها على رجوله، مسح على شعرها نزولاً إلى وجههآ، همس بهدوء وعيونه بـ عيونهآ: خوفتيني عليك وأسف لأني أوجعتك، لكن اخذك معي للكوخ مو تصرّف كويس وبنفس الوقت تركك هنا مو كويس، يلا مر الحمدلله، وبكرا وإحنا راجعين للسعودية، تأخرت عليك لأني رحت ضبيت الأغراض وجهزتها بشناطنا وطلعت لي شريحة وحجزت لنا تذاكر. سكت من شافها تتأمله وباين إنها سرحانة، سندها على صدره وأخذ نفس عميق: أعذريني يا حبيبتي. • • "السعودية | فلّة حامد". $ ناظر بـ نايف ثواني وأطلق ضحكة عالية مُستفزة، ضحك نايف ومسح كفوفه ببعض: ليه سويت كذا ! رفع كفه وأشر بـ "لا" وبضحكة: تخويف بس، مانويت أضرّه.. مو خوفاً منه بس لأنه بفرنسا خفت أنا أتضرر بالنهاية، أكيد من الرسالة تلقاه تقروش وحالته حاله والدليل يقولون انقطعت الإشارة اللي تتبعه بمنطقة معينة، يعني كسر شريحته، مسح على لحيته وعاد لـ جديته وبهمس خبيث: الأيام بيننا خله يرجع السعودية، دربه درب الأول إللي قبله. رفع سبابته بوجه نايف وبتهديد: شايفك بديت تنسحب وحالك ماهو عاجبني لكن لا تنسى إنك انت إللي قتلت مازن، أقدر البّسك الجريمة كلها واخليك انت تاكلها. بلع ريقه نايف وصدّ عن حامد، ثواني وقام وبخطوات سريعة: بطلع بشوف الشركة. حامد وبنبرة ساخرة: إيه اطلع وسكر الباب وراك بتصل أشوف جابر. • أتصل على جابر وعقب رابع رنة رد بصوت مُنخفض بائس: هلا. حط رجل على رجل حامد وأخذ يناظر بالأوراق مرة ثانية: خطوة وحدة تسويها ونقدر نقول الله يتمم لنا على خير، ونزفك سوى أنت وإيثار. غمض عيونه جابر وبهمس كابح فيه غضبه: إيش خطوة وحدة ثم تزفنا ! بتزوجنا غصب ! التحاليل تقول ما نتطابق. ضرب حامد الاوراق بفخذه وبغضب: وش ازوجكم غصب أهبل انت ولا تتهيبل ؟ وش التحاليل تقول مافي تطابق بينكم ! أخذ نفس عميق جابر وبهدوء بدا يتكلم: ايه النتيجة سلبية يعني مانقدر نتزوج، ما يصير نتزوج دامها سلبية انا بطريق وبنتك بطريق. رمى حامد الاوراق بالأرض وبغضب: غبي إنت ! إذا النتيجة سلبية مايعني انكم ماتقدرون تتزوجون لا، يعني أحدكم فيه مرض مُعدي ولازم يتشافى منه قبل يتم الزواج، والنتيجة سلبية من ناحية بنتي، لكن بنتي ماهقيت ان فيها أمراض ابداً، باخذها بنفسي واوديها المستشفى يفحصونها إذا فيها امراض معدية او لأ، او اقولك ! لالا ماني موديها بنعيد التحاليل بمستشفى ثاني. غمض عيونه جابر بإبتسامة مُشرقة وطاقة إيجابية رُميت بقلبه عقب ما ظلّمت الحياة بعيونه ظان إن إيثار راحت منه للأبد: طيب تحت أمرك نروح نفحص الحين ماعندي مشكلة. ضحك حامد: نروح الحين ليش لا. • • "بعد مرور أسبوعان". اليوم هو يوم عودة رِياض من ألمانيا، حال لينا كحال أي فتاة أو زوجة تنتظر عشيقها زوجهآ بـ مشاعر شديدة مُتناقضة. فرح، على حزن إشتياق، إرتباك، توتر. • نورة&يوسف رجعوا السعودية منذُ ليلة غد الحادثة قبل أسبوعان، مستقرين في شقة قريبة من حيّ أهل نورة، ويوسف يشتغل في الفرع اللي بالرياض. • جابر& إيثار أعادوا التحاليل وكانت النتيجة إيجابية كلا الطرفين سليمين، وحامد يبحث عن سبب النتيجة الأولى وشاك في إيثار، مستغرب سبب قبولها السريع لـ جابر من أعطى الموافقة له. وبكرا عقد قرانهم، حال جابر مثل إللي طاير بـ الغيوم، شغف، توهّج، إبتهاج، كل مُفردات السعادة تلخّص شعوره. إيثار حال مشاعرها كانت باردة جداً، جامدة. • تسابقت قدماه على تجاوز درجات سلّم الطائرة، شوقاً لـ وطنه الحبيب. أخذ شناطه وطلع من المطار وقف بالمُنتصف فاتح ذراعيه يستنشق الهواء بـ عُمق. وطني الحبيب لا مأوى يشعرني بالآمان سواك. أستقل تاكسي وركب معه أعطاه عنوان بيت أهله وخلال دقائق وصل للبيت، نزل عقب ما حاسبه وبخطوات سريعة دخل البيت، ترك الشناط عالأرض وبصوت مرتفع: يمممممة وينك أنا رجعت يمممة. طلعت أمه من المطبخ بسرعة وبضحكة أمومة حنونة أستقبلته، أحتوته بين ذراعيها وقبّلت كتفه: هلا يمة الحمدلله على سلامتك، يابعد عيني ولهت عليك حيل فقدنا حسك كلنا، إشتقنالك كثير طمني عنك ايش سويت عسى كنت تاكل زين مانقص عليك شيء ! ضحك وجمع كفوفها قبّلهم: يابعد روحي يا يمة الحمدلله بخير انا شوفيني قدامك، قبّل جبينها ثم بعد عنها، أخواتي وأخواني فينهم وأبوي ! ابتسمت أمه وهي تمسح على كتفه: اخواتك نايمات وأخوانك مو فيه وأبوك بالشغل. قبّل كفها إللي تمسح على كتفه وبحبّ: بطلع أشوف عمي أبو لينا ثم امر أخذ لينا، وعفيه يمة خاطري بأكل من يدينك حييل اشتقت لطبخك، أشرت أمه على عيونها ومشت للمطبخ بخطوات سريعة تسويله الأكل إلل يحبه. مهما كبروا الأبناء، الأمهات بحنيّتهم الشديدة ينظرون لهم على أنهم أطفال بحاجة للعطف والرأفة. • طلع من البيت وهو مُرهق من السفر لكن يحس بفضل كبييير تجاه أبو لينا. لولا الله ثم هو ما مداه راح يتعالج. ركب سيارته وبباطن كفه وبضربة خفيفة وعلى شفتيه إبتسامه، ضرب الدركسون: حتى إنتِ اشتقت لك يا رفيقة دربي. أستنشق ريحة سيارته وضحك. . ~ "في منزل أخر | وفي غرفة حضورها قليلاً". كان مُستلقي على السرير ويده فوق رأسه يحركها صعوداً ونزولاً، كلما أشتد به التفكير زادت سرعة حركة يده، في تفكير عميق يُعيد تفاصيل تلك الحادثة، • *نعود بالزمن إلى الوراء / يوم زواج يوسف ونورة*. . دخل صالة عشاء النساء يشرف على الأطباق مع لافي وإثنين من عيال عم يوسف بأمر من أبو يوسف. وفي أثناء إشرافهم وهم واقفين عند طاولة معينة لفتت إنتباهه شهقة أنوثية نبرتها مُنخفضة. تلّفت يناظر الباب المؤدي لقسم النساء مقفل يعني مستحيل تكون جاية من برا، هذي وحدة هنا جاية تشرف على العشاء، ميّل شفايفه للجانب اليسار من لمح طرف الفستان المخملي العودي، أخذ يمشي ببطء لجل ما يحسون عليه ويناظرونه، مد رجله ودخل الفستان تحت مفرش الطاولة، ولجل يتأكد دنق ورفع طرف المفرش، والتقت عيونه بـ عيونهآ قاعدة وضامه رجولها لـ صدرها ويدها الثانية حاطتها على فمها وعيونها تلمع بدموعهآ. نظرات خوف، وإحراج، وفشيييلة. همس برفعة حاجب بسيطة: وش جايبك هنا ! ما قالوا لكم إن الرجال بيدخلون ! سالت دمعتها وغطت وجههآ صادة عنه، عدل المفرش ومشى لهم: خلونا نطلع دام العشا جاهز، يلا لا نتأخر نترك أبو يوسف لحاله. • *نرجع للواقع* أستعدل بقعدته وأطلق تنهيدة عميقة من جوفه، همس بحيرة وأنامله النحيلة ضامه جوانب فمه: ماعرف عنها شيء، سوى إن لها شامه فوق شفتها العلوية ناحية اليمين، أنا ناوي أكمل نصف ديني ودامها جات بنفسي أبغيها هي بس شلون أعرفها. هي من قرابة يوسف او من قرابة نورة من قرابة مييين ! ولو سألت أمي عنها بتدخلني بسين وجيم وتحقيق. تأفف وقام أخذ شماغه ورماه بإهمال على كتفه اليسار وطلع من الغرفة. • "فلّة أهل لينا". وقفت برهبة من سمعت صوت الجرس، وبحركة تلقائية قبضت أناملها على جوانب فستانها. ناظرت بأمها، وإبتسمت أمها: قومي أفتحي الباب شكله زوجك جاء. وبربكة دارت على نفسها: ها يمة كل شيء تمام ! ضحكت أمها واومت براسها، ولينا بخطوات سريعة راحت تفتح الباب. رمشت ببطء وإبتسامتها تتسع تدريجياً من باقة الورد إللي أنمدت بوجههآ. طل من خلفها رِياض وبإبتسامة وبحّة رجولية: مافيه الحمدلله على السلامة ! ضحكت ولفت يدينها حول رقبته، وهو ضمّها وأخذ يمسح على ظهرها وتارة يقبّل عنقها وتارة كتفها: يابعد هالدنيا القلب بالحيل ولهان عليييك، كن لي عنك سنين مو شهر. قبّلت خده وبهمس ناعم: ياعسى ما عقبك أحد، الحمدلله على سلامتك وياعساها أخر غيبة. أخذت منه الباقة وشبكت كفها بـ كفه ومشت به للصالة، سلّم على أمها وقعد، صبت له قهوة.. أخذ يتقهوى وهو يهرج مع أمها وكل شوي يناظر في لِينا، وده يختلي بها ويطفي ما بـ جوفه من شوق، لف عليها وبهمس: روحي جيبي عبايتك، باخذك نطلع وناخذ راحتنا سوى. لف يم أمها بيتكلم الا على دخول أبو لينا الصالة، وملامحه مبتهجة ترحّب بـ رياض مو مثل ملامحه بالشهور الماضية. تفاجئ رياض من مُعانقة أبوها له وبنبرة ثقيلة: الحمدلله على سلامتك، حياك الله. قعدوا وقامت لينا تجهز أغراضها وتجيب عبايتها، وأمها قامت المطبخ تجدّد القهوة. لف عليه وبهمس: كل شيء مشى زي ما خططت له ! تنهد رياض وبنبرة مُشابهه لـ نبرة أبوها: تمت زراعة خلايا جذعية، والنتيجة تبان عقب ٨ شهور، عسى تكون النتيجة إيجابية. طبطب على فخذه وبهمس: عسى الله يكتب لك إللي فيه الخير. وقف رياض عقب ماشاف لينا جايتهم وقبّل راس أبوها: مابنسى لك معروفك، ياعسى خيرك سابق. • "في فلّة حامد /تحديداً غرفة إيثار". . تسطحت على السرير بـ ملل، غمضت عيونها من صوت ريّا وأمها وهم ماسكين ثلاث فساتين وثلاث فساتين ثانية موجودة صورتها بـ جوال أمها، صدت عنهم وفتحت عيونها ببطء، تعلقت عيونها بالسقف وبهمس بنفسهآ: حاولت أخرب النتيجة، لكن انعادت النتيجة وطلعت الصحيحة، الا مصيري وينربط فيه ! وليه مو متقبلته يا إيثار، من ناحية ملامحه فهو مملوح، ومن ناحية أخلاقه مُراد يقول زينة ولاهو بنفس طينة نايف، صحيح إنه خويه لكن مب زيه، ومروان ماعدت أحمل له مشاعر، ولا يستحق أي مشاعر ودودة أبداً. تنهدت ومسحت على وجههآ وبهمس: "وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خيرُ لكم". • قامت ومسكت فستان من درجات الوردي الباهت مُناسب لـ شبكة، موديله ساندريلا: بختار هذا، الباقية رجعوهم ما عجبوني. مشت عنهم وراحت تتحمّم، تغيّر نفسيتها، غاصت بـ مويا البانيو، وهي تحاول تقنع نفسها تتقبّل جابر، يمكن هو العوض بدال مروان. • "في شقة يوسف&نورة". ~ طلع من المكتب وبيده كوب قهوة ولابس بيجامة بُنية، وشعره منتثر حول وجهه بـ عشوائية. تأملها وهي مُسترخية تتابع فيلم إنمي. مشى لها وقعد على حافة الكنب جنبها وأخذ يتابع معها، إبتسم عقب ماحست فيه وناظرته وإبتسمت. ترك الكوب عالطاولة وقعد جنبها، حاوطها من أكتافها وقربها له، أخذ يمسح على شعرها وبهمس: إحتمال نرجع نسكن بالمدينة، ناظرته نظرة سريعة غير مؤيدة وبهمس: بس انت وعدتني. زمّ شفايفه بقل حيلة وبهمس: وعدتك صحيح، بس حالياً أشوف هذا الأنسب لنا نرجع نعيش بالمدينة وبفلّة أهلي، ولما اطلع الدوام تقعدين مع أمي وبكذا ما أقلق عليك. انا كل ما اطلع الدوام افكر فيك وأخاف عليك، ومو كل يوم بنزلك عند جدتك وخالتك. سكتت من دون ماترد عليه، وفعلاً كلامه صحيح. أرتشف من كوبه ورجع ناظر فيها، رفع وجههآ بـ طرف سبابته وبنبرة مُستفسرة أربكت نورة: نرجع بالزمن لورى ورى كثير، هو إنتِ اللي شفتها مرة بالمطعم مدري المقهى؟ رمقتيني وقتها بـ نظرة جامدة وتجاوزتيني، وقتها كان بفصل الشتاء والمطر كان قبل كم دقيقة نازل ! رفعت حاجبها وضحكت بـ دهشة: للحين الموقف راسخ ببالك ؟ ضحك واومى براسه: إيه وربك للحينه براسي وانا متأكد انها انتِ. مثّلت الحزن وصدت عنه وبهمس: يعني لو ما طلعت انا نفسها، هذيك البنت تفكر فيها للحين ! لفها عليه وبضحكة: ما تعرفين تمثلين وانا متأكد إنها إنتِ، شوفي عند عينك اليمين شامة جداً صغيرة مب واضحة. سكتت بإندهاش، كل يوم يفاجئها بشخصيته أكثر وأكثر، أي رجل أنت يايوسف مازلت تذكر أبسط تفاصيلي ومن نظرة عابرة. تنفست بـ عُمق وهي تحس نفسها ما تستاهله على كل هذا الحب والمودّة إللي يحملها لها: إيه أنا، شبكت اصابعها ببعض وأخذت تحركهم وتناظر فيهم ماتبغى تحط عينها بـ عينه، وقتها كنت طالعة مع بنات جيرانا، ما كنت أطلع كثير وبمرة طلبوا أطلع معهم واستأذنت من أبوي الله يرحمه وطلعت معهم. رفع راسها وأقترب منها كثيراً، الصق جبينه بـ جبينها، نطق بـ مشاعر صادقة تتدفّق من أعماق قلبه: أحبك، إيه أحبّك يا نورة، كثر الفضاء وكثر ما أمطرت سماء الجنوب. • "صباح يوم جديد / يوم عقد القران". ~ أخذ شنطته بيطلع لـ دوامه، ألتفت عليها وباقي تفطر، ناظرته وبسرعة مضغت لقمتها وقامت، غمض عيونه وفتحها وبهدوء: وهذا أيضاً من أحد الاسباب إللي تخليني اقول لازم نرجع للمدينة، برضو هناك أمور مهمة، الورث لسى ماصار بيدك، إللي معنا وثيقة ولجل ناخذ الصك يلزمنا أمور من بيتكم، كملي فطورك عالسريع، والبسي عبايتك والحقيني. • نزل للشارع، وركب سيارته فتح درج السيارة وطلع منه دهن العود، دهن باطن كفوفه وخلف شحمة أذنه وأخذ يفكر. لازم يستعجل بقضية إستلام الصك، وإستلامه يستلزم شهادة وفاة أمها وأبوها لجل القاضي يسلمها الورث إللي هو عبارة عن أرض فقط. ناظرها عقب ما ركبت وشبك كفها بـ كفه، رفعه وقبّله وبهمس: بفتح موضوع لكن ماودي أضايقك به، تهقين شهادة وفاة أمك عند جدتك ولا ببيتكم إللي بالقرية. شدت على كفه وإبتسمت ورفعت أكتافها: مادري والله، بس بسأل جدتي إذا عندها، واذا مو عندها اكيد تلاقيها بالبيت إللي بالقرية، مرة إشتقت له واشتقت لأهل القرية. صحيح ارتحت بالحياة هنا كل شيء متوفر، بس ريحة هواء القرية اجواءها بحزّة المطر، ضحكات الأطفال، ريحة الخبز الصبح إللي تفوح من المخبز، لعب الصغار بالكورة، أشياء كثيرة اشتقت لها.