الفصل 8
نزلت تحت بخطوات بطيئة مُرتبكة تحاول قدر إستطاعتها تلبيس روحها بالقوة.
وصلت للصالة واول ماوقعت عينها وقعت على عمها حامد.
ناظرته لثواني بنظرات جامدة، قابلتها نظراته القوية الحادة، مد لها ظاهر كفه لجل تبوس يده.
مشت وتجاوزته بكل تجاهل، قعدت جمب جدتها وهي تناظره وقلبها ينبض بقوة.
رص على أسنانه بغضب من حركتها وارتخت يده رجعها مكانها.
التفت عليها وبحزم:
بغيتك بكم كلمة، ماني بجاي أخذك لكن عندي شرط بمقابل قعدتك عند جدتك، ناظر فيها وبحزم أكثر، تتنازلين عن نصف ورثك لي.
بورثك أرض خصبة تنفع للزراعة وموقعها جيد جداً وهي اللي انا باغيها.
أنتظر منها رد لكن التزمت الصمت، وشابكة يدينها ببعض ومرجعة ظهرها على ورى وتناظره بهدوء وملامح جامدة جداً.
همس بغضب:
انا أكلمك !
رفعت يدها اليمين وحطتها مقابله وسكتت تحت نظرات جدتها اللي تتنقل فيما بينهم.
ناظر يدها حامد بعدم إستيعاب وتدريجياً فهم واتسعت حدقة عيونه، وقف بكل غضب وركض ناحيتها وسحبها بشعرهآ وبعصبية:
من تزوجتي يالخسيسة مييين !
وكيف اصلاً تتزوجين من دون شوري ! انا ولي أمرك.
تكلمت هي الثانية بغضب وتحاول تفك شعرها من يدينه:
إيه تزوجت ومن دون شورك، ومين انت اصلاً لجل اخذ شورك !
خسيت تكون بمقام أبوي خسيييت.
شد شعرها أكثر ورفع راسها والتقت عيونهم وبغضب شديد:
مين تزوجتي !
ناظرته بحدة وببطء لجل تلاحظ تأثير الإسم عليه:
يوسف.
تركها والتفت بسرعة من حس بالعصا انضربت بظهره بقوة وصوت حصة الجهوري:
ما اسمح لك يا حامد تمد يدك عليها، دخلتك البيت وقهويناك حسبالنا انك رجال لكن طلعت واحد ردي، ضربته بعد بالعصا وبحدة، ويلا الحين اطلع بيتنا يتعذّرك اطلع واترك نورة بحالها ياللي ماتخاف الله.
ناظرها بـ عصبية ومن دون أي إحترام لكبر سنها أو مُبالاة فيها دفعها على وراها، طاحت وارتطم ظهره بحافة الكنب وتأوهت بألم.
ركضت لها نورة وقعدت جمبها:
ييمة بسم الله عليك يممة.
نزل شماغه وفردها وسحب نورة بذراعها ورمى عليها شماغه وسحبها تحت صراخها وأنين حصة إللي تناظرهم بـ رهبة وخوف وضعف وقلة حيلة.
نزلوا موضي وبناتها على صوت الصراخ واندهشوا من الموقف إللي حاصل.
حاولت موضي تدخّل لكن سُرعان مادخلوا الحراس التابعين لـ حامد ومنعوها.
طلعوا كلهم وركبوا السيارة وأثنين من الحراس جالسين ورى مقيدين حركة نورة إللي تصرخ وتبكي وتشتم فيهم وتجرحهم بأظافيرها، ومن داخلها تشتم نفسها إللي ما أعطت يوسف خبر.
وبهذا الموقف انعاد لها كلام يوسف بالحديقة قبل ما يخطبها وصدق في كلامه، توقفت عن البكاء سكنت فقط شهقاتها يصدر لها صوت وهي تتذكّر إن وراها يوسف وما راح يسمح لـ عمها يسوي شي
-
.
~
"بيت أهل رياض".
$
فتح باب البيت وأخذ نظرة سريعة على أنحاء البيت، كانت الساعة حول مُنتصف الليل، ومعظم الأضواء مُغلقة.
بإستثناء ضوء بسيط جاي من الصالة وصوت خفيف، زم شفايفه ومشى للصالة وقف عقب ما شافها متربّعة على الأرض وبحضنها خُدادية وفوقهآ عبوة صغيرة مليئة بـ "الفُشار" وتاكل بإنسجام وإندماج تام وهي تتابع الفيلم والضوء مُغلق.
إبتسم ومسح على عوارضه الخفيفة وقعد وراها مُباشرة على الأرض من دون ما تحس فيه.
أخذ يتابع معها وعند لحظة مُربعة اتسعت حدقة عيونهآ معها نغزها بخواصرها بأطراف انامله.
فزّت بصصرخة ورمت إللي بيدها ورجعت كذا خطوة خلفها وصدمت بـ الطاولة وطاحت ودموعها متجمعة بمحجر عيونهآ، ثواني قليلة وعلت صوت ضحكته، طاح على الأرض وطاح شماغه جمبه وهو يضحك من قلبه وبصوت مرتفع على تصرّفها.
وقفت بغضضب وهي عاضة على شفايفها لا تبكي، جمعت حبيبات الفشار من الأرض وراحت له قعدت جمبه وهو باقي يضحك.
دخلت الفشار بـ فمه وعلى دفعه كبيرة وبرجفة:
كل يا حيوان لجل تغصّ كل، مسحت دموعهآ إللي شقوا طريقها على خدها وصدت عنه بقهر.
قعد وناظر فيها وأكل إللي بفمه وبضحكة:
شكلك وانتِ خايفة والله العظيم يقتل ضحك !
أعنبوك اندمجتي مع الفيلم وسويتي كذا من الخوف.
رجع يضحك وهي تتأمله، ثواني قليلة وإبتسمت من ضحكته إللي طالعة من قلبه، إشتاقت للحظات السعيدة اللي تجمعهم سوا، من طلع من السجن وهو هادي يطلع من البيت يداوم ثم يروح يصلي بالمسجد ويرجع ينام، تغيّر روتين حياته كلياً.
اقترب منها عقب ما لاحظ سُرحانها فيه وإرتسام خطوط الإبتسامة عليها.
مسح على خدهآ وبهمس:
إشتقت لك.
بلعت ريقها ونزلت نظراتها بخجل، رفع راسها بـ طرف سبابته وبهمس:
ناظريني لا تصدّين، ناظريني وبمتّع ناظري بحلو الخجل عليك يا سمحة المحيا.
ناظرته وصارت تتأمله، وتتأمل الحياة إللي تنبعث من ملامحه، من ترتيب عوارضه وإهتمامه بملامحه وجسده إللي بدا يزداد وزنه ورجع شاب فعلاً بجسده القوي وملامحه الجميلة.
تسنّد على الكنب بمرفقة وبهمس وهو يمسح على خدها بيده الثانية:
عيونك تقول حكي هاتيه.
قبّلت كفه إللي تمسح على خدها وبهمس:
أدري إن هذي دنيا مو جنة ما بنعيش فيها دايماً على وتيرة وحدة، لكن ارجو من الله ما يفرقنا ولا تعبس ملامحنا ولا تنكسر خواطرنا، مابي افقدك بيوم يارياض، إشتقت للحياة معك، إشتقت لك كلك.
اقتربت منه ووضعت راسها على صدره وغمّضت عيونها، مسح على ظهرها برِفق وإبتسامة طفيفة تزيّن محياه.
-
.
~
"بعد مرور ساعتين، ومشوار طويل قضوه خارجين من الرياض".
قفل حامد من المكالمة وبدا يوصف للسائق الطريق، بعد مرور ربع ساعة تقريباً وقفوا عند مستودع بنايته قديمة والبويا مايل لونها للصفار وعليها غُبار.
نزل وأمر الحراس ينزلون نورة معاهم، تقدمهم حامد وركل الباب الحديدي الكبير وانفتح.
دخلوا وأمر الحراس يقيدونها بـ الحبال الموجودة، قيّدوا كفوفها ورجولها.
تكلّم بصوت حاد للحارس وعينه على نورة إللي تناظره بشراسه:
فتشها وأسحب جوالها منها، بلعت ريقها بخوف جنوني عقب ما اخذه الحارس من جيب بنطلونها، مو خوفاً على الجهاز نفسه خوفاً على الرسائل لا يقراها حامد ويتورّط ولده مُراد.
غمضت عيونهآ بتوتر وبنفسها تدعي الله يستر ولا ينفضح مُراد ويناله بطش أبوه، فتحت عيونها بسرعة وخوف عقب ما وضع الشريط اللاصق على فمهآ.
ناظرت فيهم بخوف وهم يخرجون ومابقى الا حامد ناظرها لـ ثواني ولحقهم.
صارت تتحرّك بشكل سريع وجرحت كفوفهآ من إحتكاكها السريع فالحبل، خرجوا تاركينها لحالها ومن دون حِجاب، وبـ منطقة شبه مهجورة،
ولو سمحت لها الفرصة تهرب ما راح تقدر تهرب لأن مامعها لا حجاب ولا عباية، غمضت عيونها بغصصة وبهمس لـ نفسها مقهور ونار بجوفها تشتعل:
لا تبكين يا نورة لا تضعفين، ربك بياخذ حقك والظالم مصيره ويطيح بظلمة سواياه، لا تبكين ما بيطول الأمر يوسف بيدري ويجي ياخذك لا تبكين.
.
أمّا بالخارج فكان حامد واقف مقابل سيارته ويمسح على لحيته البيضاء وبهمس للحارس وعيونه شاردة تناظر بـ مكان معيّن بتفكير:
جبتها بـ مستودع واحد من معارفي ما باخذها للمدينة الحين إحنا بنرجع للمدينة وهي خلها هنا ما بيجيها شيء المكان بعيد عن المنطقة، وبضحكة سُخرية، خل يوسف يحترق قلبه عليها ويدورها، اذا درى إننا اخذناها بيلحقنا للمدينة وساعتها ما بيلقى لـ نورة أثر عندنا.
ضحك بـ خُبث وركب السيارة، سند راسه على المقعد وبنفسه:
إييه يا يوسف لجل تعرف مع مين تلعب.
.
"بأحد فنادق الرياض".
مستلقي يوسف على بطنه والجوال بيده يحركه بـ خفة ويفكر بنورة، إبتسم وهو يقعد ويرسل لها رسالة نصية
"صباح الخير.. صاحية؟".
وصلت الرسالة لـ جوال نورة اللي كان بجيب ثوب حامد عقد حواجبه من صوت الرسالة وطلع الجوال من جيبه ناظر بالإسم وضحك.
فتح الرسالة وكتب له
"إيه صاحية، ودّك تعرف حالي ؟
أنا بين السماء والأرض، بين الحياة والموت، بين العافية والسُقم".
أرسل الرسالة حامد على رقم يوسف وأطلق ضحكته الساخرة.
ثواني قليلة ووصلت الرسالة لـ يوسف، إللي ظهرت عليه كل علامات الإستغراب والذهول!
عقد حواجبه بإستغراب شديييد وبهمس:
معقولة ترد علي كذا!
هالبنت مو صاحية.
-
.
~
وقفت موضي عقب ما تركت أمها تنام بعد ساعات طويلة مُتعبة شاقة عليهم كلهم، تحديداً حصة إللي ألمها ظهرها من دفع حامد لها.
قعدت على الكنب وأطلقت تنهيدة تلتها بـ "لا إله الا الله". أزاحت شيلتها عن راسها وسندت راسها على ظهر الكنب وغمضت ترتاح لـ دقائق، فتحت عيونها بسرعة واتسعت حدقتها بصصدمة من طروا على بالها نورة، يوسف، حامد.
لهت بأمها وإرتطام ظهرها ونسيت تعطي يوسف خبر لجل يلحقهم، وقفت بسرعة وأخذت جوالها أتصلت عليه وعقب ثالث رنّة وصلها صوته الهادئ:
هلا خالة صباح الخير، عسى ما شرّ متصلة بوقت متأخر! أحد فيكم تعبان!.
بلعت ريقها وسكتت لـ ثواني تجهل الطريقة الصحيحة في إخباره، وبعد ثواني وبنبرة مُنخفضة:
يمة يوسف نورة ماهي فيه، أكملت بنبرة سريعة لجل تتحاشى أسئلة يوسف إللي بتنهال عليها، جاء عمها قبل ساعتين كذا وصار نقاش بينه وبين نورة وأحتد النقاش وتضررت أمي حصة منه لأنها حاولت تدخل وأخذ نورة معه وطلعوا، سامحني يايمة نسيت اتصل عليك أقولك بس والله انشغلت مع أمي دفعها وتعوّرت حسبي الله عليه.
أنتظرت رد منه لكن وصلها الصمت وصوت انفاسه السريعة دلالة على غضبه، تكلم بهدوء مُصطنع:
زين خالتي سكري الحين، وماتشوف شر خالتي حصة ولا تخافون على نورة انا بشوف أمرها.
سكر من موضي من دون ما يسمع ردّها، رمى جواله على السرير وأخذ يمشي بـ الغرفة من دون هدف، شد شعره وهو مو عارف إيش يسوي والوقت متأخر!
ركل السرير بغضضب وأخذ جواله وأتصل على رقم نورة أعطاه مشغول ورجع يتصل عليه، رص على أسنانه بغضضب وبهمس:
رد يالخسيس رد، أجل نورة بين الحياة والموت بين العافية والسُقم، والله لأذوقك السقم يا حامد.
صرخ بقهر وهو يرجع يرمي جواله على السرير، يدري إن عمها نذل وقادر يسوي فيها أي شيء، فيه من الأنانية الكثييير وماتهمه غير نفسه.
قعد على السرير ودفن وجهه بين كفوفه يحاول يفكر بحل جيّد يتخذه، وقف وناظر بلبسه وكان لابس بيجاما، بدل ملابسه عالسريع وأخذ مفتاح سيارته وبوكه وجواله ونزل بخطوات سريعة متجهة للمدينه يلحق حامد.
حامد ساكن بـ المدينة وسبق وكانت نورة عايشة عنده فالأكيد إنه رجع للمدينة.
ماخطر ببال يوسف غير هذا الأمر وفكر بالحل السريع وهو إنه يمشي ورا حامد ويسلك طريق المدينة.
.
.
"فلّة حامد".
واقفة مقابل (الشُرفة) مزيحة الستاير البيضاء وتتأمل القمر ومتكتفة، غمضت عيونها بلوم شديد وهي تفتكر اخر موقف لها مع مروان.
عقب ما تجاوزت حدودها وضمّته بـ الشارع، ضربت حافة النافذة بكف يدها وما اهتمت لألم يدها.
ندمها جاء متأخر وشديد، أهانة نفسها وذلتها .
وليّا فات الفوت ما ينفع الصوت، كل هذا كان تحت نظرات بطلنا جابر الواقف بنصف الشارع بسيارته مقابل نافذتها.
إبتسم وهو يسند فكّه على الدركسون ويتأمل تحركاتها غضبها إنفعالها وعُقدة حاجبها، ترتخي مرة وتُعقد مرة أخرى بغضب شدييد.
أما عند إيثار بالأعلى فكانت في حيرة من أمرها، تفكر بحل تنهي به لوم نفسها وعُتابها، حل يمحي نظرة مروان البغيضة لها.
رفعت شعرهآ بكف يمينها وبهمس:
أعتذر له!
أرسله رسالة أقوله فيها إني كنت بـ مرحلة طيش وأعتذر وينسى ما حصل!
ظلت واقفة لثواني ثم تراجعت خلفهآ وأخذت جوالها فتحت على رقم مروان إللي حافظته عن ظهر قلب وبدت تكتب له ويدينهآ ترتجف وتبلع بريقها وكأن مشاعرها المدفونة فاضت وبدت تشتعل.
ارسلت الرسالة بإرتباك شديد ورمت الجوال على السرير وقعدت هي الثانية على السرير.
ناظرت بطرف عينها بالجوال وصدت بسرعة ما ودّها تشوف رده.
بدت تحرك رجلها وتقضم أظافيرها من التوتر.
.
.
"بـ يوم جديد.. وبأحداث رُبما تكون جديدة".
عند يوسف، بقي له نصف ساعة تقريباً على وصوله للمدينة، قضى الطريق مابين مشاعر مضطربة، وأخلاق "بدت تشين" ومابين شتايم قاصد بها حامد.
عقد حاجبه وتناول جواله من الإشعار اللي وصله، فتحه وبدا يقرا بصمت وكل شوي يرفع عينه عن الجوال ويناظر الطريق.
"السلام عليكم أستاذ يوسف.. أعتذر نيابةً عني وعن شركة الـ.. لكن تم إلغاء الصفقة والعثور على بديل أخر شراكته أقوى، شاكرين لك حُسن تعاملك".
نزل جواله على ثوبه ورفع راسه يسوق وعينه عالطريق ويفكّر، إيش السبب إللي خلاهم يلغون الصفقة!
ماهو بوقت يسمح له يفكّر فيهم او يتواصل معهم يسألهم، نزل جواله من سمع صوت إشعار الرسالة وقرا المكتوب من دون ما يفتح الرسالة وكان المكتوب كالتالي
"ضربتين عالراس توجع يايوسف، لكن إنت جنيت على نفسك، يلا من جهة تحاتي زوجتك ومن جهة تحاتي شركتك، وختم الرسالة (بفيس ضحكة).
رص على أسنانه يوسف بغضضب شديد وهو الحليم الهادئ الرزين.
ثواني قليلة ووصلته رسالة أخرى من نفس الرقم اللي رسل له حامد منه قراها وعاقد حواجبه
"أدري إنك قربت توصل المدينة لكن كسرت خاطري واحب اقولك نورة ماهي بالمدينة ارجع مع الدرب إللي جيت منه ويلا مهمتك عاد يا شاطر دورها بالرياض الكبيرة، أعثر عليها قبل ما تكون عشى للكلاب".
لبق السيارة على جمب ووقفها، أخذ يقرا بالرسالة بعدم إستيعاب، تنهد وهو يمسح على وجهه وبهمس:
شف الخبيث إيش سوا؟
خلاني أقطع كل هالمسافة ومن قرّبت أوصل يقول إنها مو فالمدينة، سند راسه على مقعد السيارة بـ حيرة، مايدري يصدّق كلام حامد ويرجع للرياض، تنهد بهم رُمى على عاتقه، نورة الآن بذمته وهو المسؤول عنها.
-
.
~
غمض عيونه لدقائق وده يصفي ذهنه محتار يكمّل طريقه ولا يرجع الرياض.
فتح عيونه وتقدّم بجسمه وحاوطت كفوفه الدركسون وسند فكّه عليه وبهمس:
الحين وش يضمن لي إنه صادق بحكيه!
يعني نفترض إني رجعت الرياض وماتطلع فيها، وأصلاً فين بتكون بـ الرياض الكبيرة !
تنهد وهو يمسح وجهه ويحرّك راسه بالنفي ببؤس وهم.
شغل السيارة ورجع للرياض، متوجّه لأقرب مركز شرطة يبلّغ على حامد والشهود خالتع موضي وحصة.
.
.
"فلّة حامد".
مرخي ظهره عالمقعد ويشرب قهوته مستمتع بجو هالصباح، وغليان دم يوسف.
أتسعت ابتسامته بـ خبث وتناول جوال نورة، فتش فيه بفضول وبهمس:
أكيد الرقم بإسم هالخرتيت يوسف، بدا يقرا بـ الرسايل وتدريجياً عقب ماكان يبتسم انطوت ابتسامته وارتسم الغضب على تقاسيم وجهه.
بدا يقرا بالرسايل تحديداً رسايل مُراد لـ نورة.
رمى الجوال على العشب ورص على أسنانه وبغضب:
أجل الخاين إللي ساعدها منا وفينا وولدي بعدين!
صرخ ينادي مُراد ودقايق وأجتمعوا أهل حامد من الأم والأخوات ومُراد.
تقدّم مراد بخطوات بطيئة، ويحس كل خطوة يخطيها يقترب من الجحيم.
كانت تراقبه نظرات أبوها الغاضبة، وقف قدامه وغمّض عيونه من الكف إللي انطبع على خده.
ابتسم بخفّة وهو المتوقع هذا التصرّف من شاف نظرات أبوه، انحنى أبوه وتناول فنجال قهوته إللي على الطاولة وسكب مافيه على رقبة مُراد إللي رص على أسنانه من حرارة القهوة وازاح ياقة لبسه عن رقبته.
صصرخ حامد والغضب مكتسيه:
تساعدها يالخسيس!
تهرّبها من بيتي وتفضحني، خليت هاللحية ما تسوى شيء، فضحتني عند القريب والغريب بنت اخوه هربت لأهل أمها من سوء معاملة عمها وبالنهاية تطلع أنت المهربها!
تفل عليه وبغضضب، أنقلع عيني لاتشوفك بغيتك لي عون وصرت فرعون، ياليتك صرت نسخة من ولد عمك نايف.
ناظر مُراد أبوه لثواني، مُلتزم الصمت، واقف بـ مكانه من دون ما يتحرّك وبعد ثواني طال صمتها:
الله رحمني وماجيت مثل طينتك، رحمني وجيت مثل طينة أمي.. طينة خير وتقوى، الله يكفيك شر هالظلم إللي تسويه بالأوادم.
غمّض عيونه بققوة من صينية القهوة اللي انرمت عليه وارتفعت صرخة أمه مُناديه بـ "ييييمة ولدي".
حس بتبلل بصدره ولا أكترث من الجرح إللي نزف، جرح قلبه أقوى.
نار تشتعل بـ جوفه، غضب من طيش أبوه.
"الأسف يكون عميقاً حين يكون الأب القدوة (طالح) والأبن (صالح)".
.
.
أمّا عند بطلتنا، ففتحت عيونها بتعب شديد وسُقم تربّع على اعضاء جسدها.
عطش، إرهاق، نومة بغيضة، حُزن الوحدة.
ناظرت حولها وعرفت إن الساعة تشير إلى مابعد الشروق، حاولت تحرر نفسها من القيود لكن الحبال مقيّدة عليها بإحكام، زفرت بهمس:
طيب شلون الحين أصلّي!
-
.
حاولت تحك الحبال في طرف الكرسي لجل يحتر ويرمت وينقطع، بعد مرور ربع ساعة او بالأحرى بعد محاولات نورة الفاشلة في فك قيد نفسها، سندت راسها على حافة الكرسي بقوّة.
عضت شفتها السفلية وأنهمرت دمعها وتفاقم حزنهآ، من حسن حظها ورحمة الله بها صار سندها يوسف، ولا لو أصرّت على رفض يوسف لخيّست فالمستودع من دون ما أحد يفقدها ويبحث عنها.
مررت لسانها على شفتها ومن خاطرها تدعي تمر هالفترة وترجع لأهلها، حينها هي بتطلب من يوسف يعجّل بالزواج.
فتحت عينهآ وسالت دمعتها وبهمس مُرتبك ضعيف:
رحت يابوي وراح من عقبك كل الأمان، كسرني موتك وتاليها كسرتني الحياة، أبكيك ولا أبكي حياتي، أستغفرت لا تتحلطم من قدرها وتفقد الأجر.
مؤمنة بأن الحياة "طريق عبور" ويلزمها تصبر على كل ما يجري فيها، لكن ثوب صبرها صار ضيّق، وماعادت تحتمل شيء.
.
.
"بيت أهل رياض".
~
متسطح على بطنه صحى وهي باقي ما صحت، ناظر فيها وهي مستغرقة بـ نومهآ، مد سبابته ومسح برفق على ملامحهآ الناعمة.
قرّب منها وقبّل طرف ثُغرها بعد عنها عقب ثواني بعد ما حس فيها تحرّك رمشها.
ناظرته وأستحت من نظراته المليانة حبّ، وحنيّة.
أقترب منها وحاوطها بـ ذراعيه حاولت تبتعد عنه لكن شدّها له وبهمس:
إنتِ مو شايفة صغر السرير !
ودك تطيحين!
دفنت وجههآ بـ صدره وسكتت من الحيا، إبتسم ومسح على ظهرها وببحّة بسبب النوم:
أبوك أمس أعطاني إجازة بخصوص اليوم وطلب مني أطلّعك واغيّر جوك، شفتي شلون يحبّك!
رفع وجههآ بسبابته وبهمس حنون، أبوك سندك إللي ما يميل، أبوك الوطن والحضن الآمان، على رغم ما فعلتيه وجرحتيه باقي يحبّك يا لينا.
قبّل جبينها وقام عنها:
بقوم اتجهّز وانتِ كذلك، بنطلع نمر أهلك ثم نطلع نتمشى.
.
.
قرأت الرسالة بإحتقان وملامح غاضبة بـ شدّة، أرتخى الجوال من يدهآ ووقفت تناظر بنفسها بـ المراية.
صرخت وضربت قبضة يدها بـ المراية وتطايرت إلى أشلاء وبصرخة أنوثية غيورة:
والله ما أخليك بحالك يا سلقة يا بنت الكلـ..، والله لأدفعك ثمن طيشك وقلة أدبك.
.
. -
.
~
"بحدود المساء، وقد حلّ الظلام الدامس".
أبلغ يوسف الشرطة، وبعث شكوى ضدّ حامد وأحضر موضي وحصة للشرطة لجل يشهدون، وكان الجُرم أكبر من جرم الإختطاف لأنه دفع حصة وتضرر ظهرهآ.
بدوا رجال الشرطة يبحثون عن نورة، بما إن أختطفها حامد منذُ يوم.
.
فتحت عينها ببطء وإرهاق شديد، تهاوى رمشها وأرتخى على عينهآ بوهن وضُعف.
عطش، جوع، إرهاق، عدم إرتياح بـ النومة.. كان حالها يكسر الخاطر جداً.
تحسست الحبال بطرف أناملها وكان بقي لها القليل وترمت ساعات قضتها وهي تحاول تفك نفسهآ من دون يأس.
حاولت بكل قوتها ضاغطة على نفسها وأخيراً رمتت الحبال وانفك قيدها، ضحكت بفرح وقامت بترنّح قعدت على الأرض وفكت القيد عن رجولها.
رمت الحبال على الكرسي وتشتم في حامد ورجاله.
ناظرت بـ نفسها وكانت لابسة بيجامة قطنية سوداء سادة خالية من أي رسومات.
تلفتت حولها بحيرة تدوّر شيء تستر به نفسها وتطلع، لكن مالقيت شيء.
مشت للباب حاولت تفتحه لكن مافتح معه الصقت وجههآ وناظرت مع الفتحة الصغيرة وكان مسكر الباب بضبة.
مسحت وجهها من الغبار اللي علق فيها عقب ما الصقت وجهها بالباب.
ركلت الباب برجلها وبصرخة:
الله ياخذك بديرة ما تعرف طريقها وتتعشى فيك الكلاب.
رجعت وراها بخوف من صوت الباب اللي صار يدوي بالمكان ويطلع له صدى وصوت الكلاب إللي بدت تنبح من ركلتها للباب.
قعدت على الأرض وفركت وجهها وبهمس:
أهدي أهدي لجل تعرفين تفكرين زين، فاتني كذا فرض ما صلّيته وجعل الذنب برقبة هالخسيس، بس انا أحس بجوع كيف فيني اخرج من هنا واقطع مسافة طويلة والمستودع خارج الرياض، وإحتمال كبير ما بلقى ناس فيها خير تساعدني، وقفت ومسحت دموعها بكبرياء.
أخذت تمشي بالمستودع تبحث عن مخرج ثاني، كانت فيه نافذة صغيرة وتبعد عنها كذا إرتفاع ما اكترثت لضيقها ولا لصعوبة وصولها لها.
وبتهوّر صارت تجمع الأغراض اللي بالمستودع وجمعتهم فوق بعض وثبتت الكرسي فوقهم.
صعدت عليهم وتحاول قدر استطاعتها تخفّف وطياتها وتثبت نفسها لعدم ثبوت الأغراض إللي مع كل حركة تصدرها تتحرّك معها.
تشبثت بأطراف اناملها بالنافذة ورفعت جسدها، وانامل رجولها مثبتتها على الجدار لجل توصلها زين.
طلّت براسها وكان فيه شبك خفيف، شدّته وطاح بسهولة، وواضح إن الدهر أكل عليه، وقدييم.
أخذت نظرة سريعة على المكان من حولها وبلعت ريقها بـ خوف، وللحظة تراجعت من فكرة الهروب تكون بمستودع مُغلق فيه آمان خير من تهرب وماتدري إيش مصيرها.
ثبتت أنامل يدينها على النافذة اللي بدت تعرق وترتخي من توترها، وبإصرار وتجاهل لصوت ضميرها وخوفها رفعت جسدها وطلعت راسها وأكتافها، وهالجزء يسير ما اشكل عليها صعوبة.
.
لكن من لحظة مرور خُصرها اتعبها هالأمر، عظمة حوضها فيها إتساع بعكس أكتافها وصدرها شدّت نفسها بعدم إكتراث ورصت على اسنانها بألم من ارتفاع بلوزتها وإحتكاك الجدار بـ جوانب خصرها.
ناظرت حولها عقب ما سقطت كلياً على الرمال، نظرات ترقّب، تفحّص، خوف، إزدراء من الحال إللي هي عليه.
وقفت ونفضت ملابسها من الرمال وتكتفت وأخذت تمشي ببطء وخطوات ترقّب على إستعداد لأي هجوم ممكن يداهمها.
بلعت ريقها من بدت تبتعد عن المستودع وتغوص بأعماق الطريق البري همست برعب:
الله حسيبك يا حامد، جعل هالفلوس إللي تطاردني لها ما تهنى فيها.
وقفت بعد ما قطعت مسافة أشبه بـ الطويلة دامت ربع ساعة تلفتت حولها لكن ما من فايدة.
بسبب الظلام ما تقدر تشوف المكان إللي حولها، وما تقدر تنتظر للصبح لجل إن ماعليها حجاب.
جثت على رُكبها وعيونهآ تلمع من دموعها المتحجّرة فيها وحابستها، ترفض السقوط ورفع راية الإستسلام والإنهزام همست بنبرة مهزوزة مكسورة:
ياربي الحين فين اروح!
مسحت وجههآ تحديداً دموعها وبهمس، يارب لا تختبر صبري أكثر من كذا، يارب أفرجها من عندك.
وقفت وكمّلت طريقها، بـ ضياع تسلك أي جهة تمليها عليها نفسها.
أسرعت خطواتها عقب ما سمعت نباح الكلاب قريبة منها وكأنها تشم ريحتها وتتبعها، أخذت تركض تنجو بنفسها تعثرت بأشجار صغيرة مليئة بـ الشوك الصغير، ومع حركة ساقها السريعة أحتك فيها وصارت لها خدوش صغيرة.
عضت على شفتها وما اكترثت بالألم وحاولت تزحف، ارتجفت برعب من صدم ظهرها بحاجة ثقيلة، لفّت بحركة بطيئة ومتسعة حدقة عيونها بلعت ريقها من شافت الكلب مكشّر عن انيابه ويلهث ولُعابه حول فمه وعيونه تلمع بسبب الظلام.
ناظرت فيه لثواني بعدم إستيعاب، وقفت وصرخت صرخة قويّة حست معها حلقها انجرح وركضت عنه لكن حست مامن نجاة وسرعته تتجاوز سرعتها بأضعاف طاحت على الأرض وأجهشت بالبُكاء ورجولها ما تشيلها.
حست نهايتها قرّبت وموتها حتمي من شافت الكلب جاي صوبها يلهث وخلفه ٣ كلاب وكلّهم يلهثون أخذت تجمع الرمال بكفوفها وترميهم وهي تبكي وتشتم بحامد وتشتم بـ الكلاب.
رمت الرمال على صدرها ووجههآ وبكت بنحييب وهي تضرب صدرها من حالها السيء، والأمر اللي وصلت له.
.
.
"بـ مركز الشرطة".
قاعد على كرسي الإنتظار وغافي بتعب، مرّ من عنده الشرطي ووقف كسر خاطره يوسف فاتح أزرّة ثوبه العلويّة وثوبه من عند مرفقه صاير فيه تعرّجات وشعره منكش وطايح على جبينه.
وساند راسه على الكرسي وفاتح فمّه ونايم، أبتسم وقعد جنب يوسف وحط كفه على كتف يوسف مسح عليه وفزّ يوسف وبنبرة متسارعة:
هاه لقيتوها عيّنتوا خبر عنها!
حرك راسه الشرطي بنفي وبأسى:
للأسف لا،
Like
للأسف لا، وجاري البحث عنها وبلغنا جميع المراكز إللي بالمنطقة والعساكر يبحثون عنها، وبإبتسامة، لكن قعدتك انت هنا مامنها فايدة قوم ارتاح شوف حول عيونك سواد ومصرّ انك تبقى هنا وضعك جداً مؤسف قوم بيتكم نام وأرتاح واذا اصبحنا تعال وان شاءالله يطوّر الوضع ونلاقيها او نلاقي خبر عنها.
ربت على كتف يوسف وقام ومد يده له، وضع كفه يوسف بكف الشرطي وقوّمه الشرطي، وسنده عليه وطلعوا.
لف عليه الشرطي من شافه يمشي لسيارته ويترنّح:
تعال معي اوصّلك مابتقدر تسوق بهذي الحالة تعال معي والصبح ترجع وتاخذ سيارتك.
ناظر فيه يوسف بتردد ومسح على عيونه إللي بدت تقفل من الإرهاق والرؤيا صارت ضبابية.
مشى للشرطي وركب معه، لف عليه الشرطي عقب ما حرك سيارته وطلعوا من المركز:
اوصف لي عنوان بيتك.
تثاوب يوسف وبنعاس بدا يوصف له الفندق اللي ساكن فيه.
تكلّم الشرطي بإستغراب:
ساكن بفندق!
اومى براسه يوسف وبهمس:
إيه ماني من اهل المنطقة اساساً، انا من الحجاز لكن اسبوع كذا وبدوّر لي شقة واستقر في الرياض وعقب شهر أتزوج.
ضحك الشرطي وبنصف عين:
يا عرييس مين قدك!
ضحك يوسف وعيونه على الإضاءات الخافتة المرصوصة بترتيب في الشارع:
العريس الأقشر، هالضايعة تصير زوجتي.
رفع حاجبه الشرطي وميّل شفايفه بأسى وبهمس:
تلاقيها إن شاءالله، وتقرّ عينك بشوفتها.
.
.
صرخت من أنغرز ناب الكلب في ساقها، وبدون تفكير سحبت ساقها ومع سحبتها أنجرح ساقها زود.
أخذت تبكي بصوت عالي وترمي التراب على الكلب وترفسه برجلها الثانية.
جمعت بقبضة يدها رمل وصوّبته على وجهه وتحديداً عيونه، تراجع على ورى الكلب من العمى المؤقت بسبب الرمال.
وهي استغلّت هذا الأمر ووقفت مشت بخطوات مترنّحة سريعة وتعرج من الم ساقها.
ابتعدت عن المكان اللي كان متواجد فيه الكلب، بالبداية اجتمعت عليها ٤ كلاب لكن أنانية الكلب اللي طاردها طردتهم أيضاً.
وتفرّد فيها ماوده باقي الكلاب تشاركه فيها.
قعدت على الأرض بتعب و ابتعدت عنه وماصارت تسمع أي صوت للكلاب، ناظرت بساقها والرؤيا معدومة بسبب الظلام.
تحسست ساقها بخوف وغمضت عيونها من الألم وقرف من لُعاب الكلب.
أخذت من الرمال وصارت تمسح بها جرحها، لُعاب الكلاب قذرة وسامّة وماحولها لا مويا ولا صابون.
والتراب طاهر.
رفعت عينها بتقوم واتسعت حدقة عيونها بـ صدمة شديدة من شافت نفس الكلب إللي طاردها قدامها همست برعب فضيع:
الله لا يوفقك يا شبيه حامد.
حركت راسها بـ النفي بجنون وحست هالمرة مامنه خلاص، بيقضي عليها بيقضي.
-ومو كل مرّة تسلم الجرّة-
~
على قارعة الطريق كان نازل من السيارة لجل يصلّح الكفر.
توقّف عن الحركة وأصغى للصوت، تراجع خلفه وقام ناظر بخويه القاعد بالسيارة وفاتح الباب ينتظره يخلّص ويشغل السيارة:
تسمع الصوت ياولد ولا انا اتوهّم!
ترك خويه الجوال وناظر فيه وهو عاقد حواجبه، نزل من السيارة ووقف جمبه ويدينه على خواصره.
غمّض عيونه وأنصت للأصوات إللي يجيبها الهواء، فتح عيونه عقب ثواني وبخوف:
ايه والله إني أسمعها، هالصوت صوت بنت تصرخ!
بنت ايش يجيبها للبر وبهذي المنطقة المهجورة يا دافع البلا، جيب جيب السلاح من السيارة وهات الكشاف وخلنا نتبع الصوت بسرعة لتكون البنت مخطوفة وأحد يحاول يعتدي عليها، هالمنطقة ماحد يجيلها كثير، الله يكفينا الشر ولا تكون من سكان الأرض.
أخذوا السلاح والكشاف وقفلوا السيارة ومشوا يتتبّعون مصدر الصوت.
وقفوا على مقربة منه وبهمس لخويه وهو يجهز السلاح:
أمش من هذي الجهة بسرعة صوت صراخها حييل قريب من هنا.
أمّا عن نورة فتدريجياً تعبت من المجهود إللي بذلته من جري ومن صراخ وعطش وجوع، أنهكها إللي حصل وببطء من شافت الضوء يقترب منها وهمسات رجوليّة وطلقة مُحترفة صوّبت على الكلي وطار عنها.
أبتسمت بتعب وارتمت بجزءها العلوي على الأرض وطاحت مُغمى عليها.
ماعاد فيها حيل تقاوم شيء، وخافت يكونوا الرجال نفس طينة الكلب وفضّلت الإستسلام.
ركضوا لها وقعد واحد منهم على الأرض جمبها والكشاف موجهه عليها يتفحّصها من أطراف يدينها الى رجولها.
ناظر بخويه الواقف وماسك السلاح وبأسى:
البنت حالتها سيئة ملامحها مُرهقة شفايفها متشققة وجهها مصفّر ذبلان وساقها مليان خدوش وفيه جرح ينزف والجرح مليان تراب.
حملها بين يدينه وأبتسم لخفّة وزنها، ناظر بخويه وناوله الكشاف امش قدامي لجل أعرف الطريق وماطيح بها وتتضرّر زود، خل نسرع خطواتنا نوديها المستشفى البنت وجعانة وياخوفي جرحها يتجرثم وتُبتر رجلها.
وصلوا للسيارة وسدحوها بالمقعدة الخلفية وتعانوا على تصليح الكفر وكمّلوا طريقهم على عجلة.
لف على خويه إللي يسوق وبإستغراب:
أسرع يرحم والديك لا يصير لها شيء وهي معنا نتوهّق نروح بسين وجيم، لف عليها ناظرها ثم ناظر خويه وبهمس، غريبة وش إللي جابها بهذا المكان!
حتى عباية ماعليها.
رفع أكتافه خويه ونزلها بمعنى "مدري" وبهمس:
خل خلق الله بحالها ولا تسيء الظن، والحمدلله اللي خرب الكفر وسمعنا صياحها وأنقذناها من الكلب.
.
.
"صباح يوم جديد.. يوم الأربعاء".
~
لبس ثوبه على السريع ولبس طاقيته فقط، صفف شعره من عالجوانب وأخذ جواله وبوكه ومفتاح سيارته ونزل بخطوات تسابق بعضها.
ركب سيارته وشغلها متوجّه لـ مركز الشرطة، وقف عند الإشارة وبدا يهز رجله بتوتّر، إرتباك، خوف من الأخبار السلبيّة.
تعوّذ من الشيطان ورفع صوت الإذاعة وصدح صوت القرآن بتلاوة أحد المشايخ على إذاعة القرآن.
وصل للمركز ونزل بخطوات سريعة متوترة ولسانه يذكر الله، وقفت رجله عن أمتداد خطواتها من شاف حارس حامد قاعد مقابل مكتب الضابط وناظر فيه وعرف إن الشرطة جابت حامد من المدينة وأكيد تستجوبه.
ألقى السلام على الحارس وقعد جمبه لكن بينهم كرسيين فارغين، زحف عنه الحارس بخوف وهو يعرف يوسف وهذا الحارس كان مع حامد لما أخذ نورة.
إبتسم يوسف من حركة الحارس التلقائية وسند مرفقه على رُكبه ومسح على وجهه وتكلّم بهمس:
لاتخاف مني ماني مثل عمّك أمشي وابطش بخلق الله، مشكلتي ماهي معك مشكلتي مع عمك ولا إنت عبد مأمور.
فرك كفوفه الحارس وبإرتباك شتت نظراته عن يوسف، ناظر فيه يوسف وكان الحارس نحيل ومن نحله عروق كفوفه بارزة وأسمر لكن ليس بالسمار الشديد.
تكلّم بعد ثواني طال فيها تأمل يوسف له:
عمك جوا عند الضابط!
حرك الحارس راسه بالنفي وبنبرة منخفضة:
لا ماهو جوا، أخذوه للسجن والضابط ماهو فيه اصلاً، قالهم حامد فين خبى نورة وطلع الضابط بنفسه ومعه كم دورية يدورونـ..
قاطعه يوسف ووقف وبنبرة سريعة:
إيش شتقول!
إعترف وفين اخذها قولي بسرعة لجل ألحقهم انا قول!
ميّل شفايفه الحارس بأسى وبخوف:
مالقيوها فيه، شكلها هربت سمعت الشرطي اللي هنا يقول هذا الكلام للشرطي الثاني عقب ما جاه إتصال من الضابط يطلب منه يرسل دوريتين تبحث معهم بنفس المكان.
رص على أسنانه يوسف وغمض عيونه ورفع راسه وشد شعره بققوة وبنبرة مغبونة:
يالله إيش هالحال!
لا حول ولا قوة الا بالله.
قعد على الكرسي وصد عن الحارس لجل ما يلمح دمعته الحارة، مسحها بقسوة ونار تشتعل بجوفه.
شهور أخذ يفكر فيها ومن صارت حلاله ضاعت من يده، مسح وجهه وطلع جواله من جيبه وشاف المتصل وكان أبوه.
وقف مبتعد عن الحارس ورد بصوت متحشرج مخنوق:
هلا يبه، مافيني شيء بخير.. يبه لا تحاتيني مافيني شيء، تنحنح لجل تثبت نبرة صوته وبهدوء، مشكلة صايرة وبإنفعال بدا يفضفض، هالسلوقي عم زوجتي يا يبه أختطفها هذا وأنا مهدده، يبه بالله يرضيك هالشيء يختطفها ويقهرني فيها !
يرضيك هالشيء، رصّ على أسنانه بحققد وعيونه تحرقه من دموعه إللي تجمعت فيها، والله يبه ما أمررها له، والله ليكون ردي عليه عسير لأحرق شركته عليه، إيه وأمس شركة الـ.. الغت شراكتها معنا لكن ماعليها حسوفة، يلا يبه بقفل بروح أشوف خالاتي وأكلّم الضابط عسى لقي خبر.
سكر من أبوه ومسح دموعه بأطراف أنامله وفرك وجهه وأخذ نفس عميق.
لف بيطلع ووقف من الكف إللي وضعت على كتفه ولف بإستغراب، إبتسم الشرطي ببشاشة إللي وصّل يوسف معه ليلة أمس:
أخوي يوسف جاينا بلاغ من أحد المستشفيات والبلاغ فيه بنت مُصابة، وانا الآن رايح للمستشفى تحبّ تروح معي تطمن ودي إنها تكون زوجتك لجل تلاقيها وودي انها ما تكون هي لأن هذي مُصابة وفي رجلها إصابة بليغة.
مرر لسانه يوسف على شفايفه وببطء:
إيه بروح معك، تلمّس جيوب ثوبه بحركة لا إرادية ومشى مع الشرطي.
،
.
"أحد مستشفيات الرياض |قسم الطوارئ".
فتحت عيونها بحركة بطيئة ناظرت حولها لكن الرؤيا ضبابية، إرتخى جفنها من دون أي مجهود ورجعت غمضت عيونها.
ناظرت المُمرضة بالدكتور وبقلة حيلة:
هذا وضعها من جابوها ليلة أمس بحدود الساعة ٢، من ٧ ساعات وهذا هو حالها تفتح عيونها ثم تسكرها ماعرفنا عنها أي شيء، حتى إسمها ماعرفناه.
.
أمّا خارج قسم الطوارئ فخطت أقدام يوسف والشرطي بوابة المستشفى وكل خطوة يخطيها يوسف يحس فيها ثقل وصعوبة.
أخذ نفس عميق وفتح أول زرار من ثوبه جهة صدره، التفت عليه الشرطي وربت على كتفه:
إستهد بالله، ويلا وصلنا هذا هو القسم، أشر على كراسي الإنتظار، أقعد هنا أنتظرني أنا بسوي اللي علي وباخذ الإفادة وأجيك اقولك مين هي.
ناظره يوسف بنظرات رجاء، رفع الشرطي أكتافه ونزلهم وبأسف:
ماقدر أدخلك كذا، لازم أخذ الإفادة واقابل الدكتور إللي اشرف على حالتها.
قعد يوسف على الكرسي وتبع الشرطي بنظراته، ومن ابتعد عنه لحقه بخطوات خفيفة لجل ما يحس عليه.
ما يمتلك صبر أيوب لجل يقعد وينتظر الشرطي يجي يقوله، عقب ساعة رُبما ساعتين!
لا يملك هذا الصبر.
سند ظهره على الجدار بالقرب من الباب وطلع جواله يحوس فيه لجل ما حد يمرّ ويشك فيه.
أخذ يحوس بالجوال وأذنه داخل الغرفة إللي دخل فيها الشرطي، دقائق معدودة وبدا الدكتور يتكلّم ومرات تتكلّم المُمرضة.
سند الدكتور ظهره على الكرسي بإرتايح وشبك أصابعه ببعض:
المريضة إلى الآن ما استعادت وعيها وبكذا ماتقدر تاخذ الإفادة لكن بنحكيلك إللي نعرف عني، أنا أستدعوني من بيتي على عجلة من أمري وخيّط الجرح اللي بساقها وعقمته لها باقي التفاصيل ماعرفها، لف على المُمرضة وأشر بكفه، هذي ممكن تفيدك أشرفت على حالتها من البداية.
بدت المُمرضة تتكلّم:
على الساعة ٢ بأخر الليل جوا رجلين تقريباً هم بنهاية العشرين ومعاهم هذي البنت ماعليها حجاب فقط بيجامة سودا، كان مُغمى عليها من جابوها وكان بساقها جرح عميق وخدوش أيضاً، سألناهم عنها وهم كذلك مو عارفين حالتها قالوا إنهم لقوها في منطقة مهجورة خارج الرياض وكان عندها كلب، وعرفنا إن سبب الجرح عضّة كلب والأثر من نابه.
سوّينا اللازم علينا لكن البنت للأسف ما استعادت وعيها، تفتح عيونها وسُرعان ما تغلقهم تركناها ترتاح وتاخذ كفايتها وإذا صحت إن شاءالله نعطيك خبر وتجي تاخذ الإفادة.
ناظر الشرطي فيهم لثواني واومى براسه.
ناظر حوله يوسف وماكانت في القسم غرف كثيرة، وماسمع رقم الغرفة من الدكتور والمُمرضة وهالشيء سبب له بعض الصعوبة.
مشى بخطوات سريعة مبتعد عن الغرفة وبدا يدخل الغرف الباقية يدوّر نورة.
فتح ٣ غرف وكلها فارغة، وقف مقابل أخر غرفة بالصف غمّض عيونه ووضع قبضة يده عالمقبض وخايف يفتحها وتكون أيضاً فارغة.
فتحها ببطء وطلّ براسه، هبطت أكتافه بخيبة أمل وترك المقبض ودخل الغرفة، أخذ يناظر بأنحاء الغرفة تحديداً السرير ومافيه أحد.
مسح على شعره وزفر:
المُمرضة تو تهرج عنها شلون ما تكون موجودة!
أخذ نفس عميق وطلع وهو يجرّ خطواته، وملامحه راسمها العبوس.
قعد على الكرسي ثواني وطلع الشرطي من غرفة الدكتور ومشى لـ يوسف، قعد بجمبه والأوراق بيده:
ماقدرت أخذ إفادتها البنت مابعد وعت.
صدّ عنه يوسف بقهر وظل ساكت.
رفع حاجبه الشرطي وبهدوء وقف:
البنت نقلوها للدور الثاني الدكتور يقول وجودها بقسم الطوارئ ماله لزمه، وهي تحت المراقبة بصعد فوق أشوفها.
فزّ يوسف ومسك ذراع الشرطي، مرر لسانه على شفايفه وبشفقه:
قولي كم رقم الغرفة !
أول ماسمحت لي والآن ما بخليك تروح لين تعلمني.
ناظره الشرطي بجمود:
وانت ليش متلهّف كذا يمكن ماتطلع زوجتك!
أنصدم يوسف من كلامه وارتخت قبضة يده من على ذراع الشرطي وابتعد عنه خطوتين.
ضحك الشرطي وضرب كتفه:
وجهك يجيب الضحكة، تعال معي وان شاءالله تكون زوجتك ياخي كسرت خاطري.
مشى خلفه يوسف وهو يفكر بكلام الشرطي:
صادق يمكن ماتطلع هي ليه علّقت نفسي بأمل ممكن يخيب! نسيت هالشيء وتشفقت على شوفتها، ياربي تطلع هي حتى لو فيها إصابة قابل فيها بس تطلع هي.
.
وصلوا للغرفة ووقف الشرطي وأشر على يوسف:
أدخل انت أسبقني وشوفها يمكن تكون زوجتك.
بلع ريقه وقبضه قلبه، ناظر في الشرطي بملامح مخطوفة ورفع قدمه اليمين متجه للباب تلتها قدمه اليسار في الخطوة.
فتح الباب ورياح من التفكير تعصف ذهنه، ومشاعر فائضة تجتاحه مليئة بالتناقُضات
فرح، حُزن، خوف، أمل، إرتباك، توتّر.
وقف مكانه وهو يشوفها مُسترخيه على السرير فاقدة للوعي وشعرها الأسود مسدول حولها ووجههآ على جنبها اليمين مقابلة.
حس رجوله مو قادرة تشيله، غير قادر على الحراك والتقدّم نحوها خطوه وإلتهامها داخل أضلُعه.
رفع راسه وبهمس مخنوق وهو يغمّض عيونه ويمسح على وجهه:
نورة يالله.
سكت بعجز،كلماته في هذي اللحظة تخونه،الجُمل تفلّتت منه، أحرف الأبجدية أعلنت عصيانها.
خرّ ساجد ولامس جبينه الأرض بدا لسانه يهتف بالحمد لله والثناء عليها، فرحة عظيمة وهبه الله إيّاها تستحق الخضوع، التذلل، السجود شكراً.
وقف ومشى لها، وقف عند راسها وأخذ يناظر فيها بتأمل، خاطره متشفّق ولهان فتح كف يده الكبير وقبضه على وجههآ، إبتسم ومرر كفه على وجهها، مال ناحيتها وأخذ يقبّل فيها.
من وجههآ الى رأسها، نزولاً الى أكتافها وختاماً بكفوفها، جمعهم بوسط كفوفه برفق لأن الإبرة مغروسة بظاهر يدها، قبّلهم برفق ونفخ فيهم.
تركها وقعد جمبها ومسح على شعرها وبهمس:
قومي يالنوري قومي، عليك الله قومي لجل أكحّل عيوني بشوفتك، فتحي عيونك وأروي ظمأ شوقي رجيتك.
ناظر فيها على أمل إنها تصحي لكن ما صحيت، إبتسم ووقف بيطلع من الغرفة، تنهد بفرحة داخلية حاوطت قلبه وفتح الباب وطلّ براسه:
الحمدلله أبشرك انها هي اللهم لك الحمد، لكن على وضعها الى الآن ما صحيت بلّغ الضابط وباقي الدوريات إنها موجودة هنا ومشكورين يعطيكم العافية.
ابتسم الشرطي:
ولو هذا واجبنا، وإذا صحت لا تنسى تتصل تعطينا خبر إفادتها مهمة خصوصاً إنك مقدم شكوى على عمها.
اومى براسه يوسف وروح الشرطي، دخل يوسف وبخطوات سريعة سحب الكرسي وقعد مقابلها قريب منها.
تناول كف يدها وبكف يده الثانية طلع جواله، أخذ يكتب يرسل لـ خالاته ولأبوه يبشرهم إنهم لقيوها وبيده الثانية يمسح على كف نورة.
.
.
"فلّة حامد".
قامت بخوف وجوالها بيدها من الأصوات العالية الصادرة من المجلس، وأصوات أنوثيّة!
وضعت كفها على بطنهآ بخوف ومشت للمجلس، أول ما فتحته وقعت عيونها على المرأة العشرينية الواقفة مقابل زوجة حامد وتتحدّث بصوت مرتفع، لفت ناحيتها ورمقتها بنظرات شرسة وبحقد:
هه كاهي بنتك شرّفت، اسأليها عن خزوتها واذا كنت غلطانة فأنا أعتذر منك ومستعدة ابوس يدينك وراسك.
ناظرت زوجة حامد بـ إيثار بنظرات عجزت تفسرها إيثار لكن التمست فيها جملة " تكفين لايطلع كلامها صحيح".
بلعت ريقها إيثار وتقدّمت نحوهم بثقة وقوة مُزيفة.
تكتفت وبهدوء:
علامك صوتك مرتفع وكلن يسمعه!
أحترمي حرمة هالبيت ولا ترفعين صوتك فوق صوتها.
ضحكت "سمية زوجة مروان" بسُخرية شديدة:
لا والله بتجين إنتِ تعلميني الإحترام "وببطء" يا شريفة.
ناظرت بأمها:
يمة إشبها هذي ايش تبغى!
ناظرتها أمها لثواني نظرات عميقة وبهدوء:
تقول إنك على علاقة مُسبقة مع مروان والى الآن تتواصلين معه.
لفت إيثار ناحية سُمية وبهدوء أبت أن تزعزعه سُمية:
قبل كل شيء مروان قريبي وسبق وخطبني وكذا مرة يكون بعلمك يخطبني لكن أبوي يردّه
طفولتنا قضيناها سوى وماهي ببعيدة تكون بيننا علاقة، طبعاً علاقة إرتباط وتآلف بين القلوب.
قعدت جنب أمها وصبت لها قهوة وأرتشفت منها، رفعت نظرها لـ سُمية الباقي واقفة تناظر فيها ووجههآ غضبان وماسكة نفسها ماتبكي من إعتراف إيثار، وبكذب مُتقن:
لكن من تزوجك ماعدت أعرف عنه شيء، الله يستر علينا وعليه وانتِ المفروض تتأكدين من السالفة زين مو تجين بيوت خلق الله وتنافخين وتحطين نفسك بموقف غبي.
قربت منها سُمية وبتبرير لـ نفسها سحبت جوال إيثار من يدها وبعصبية:
أفتحيه أشوف وادخلي على الرسايل نشوف مين الصادق.
فتحته إيثار فقط بضغطة إبهامها وإبتسمت بـ ثقة ورجعت تتقهوى وجوالها بيد سُمية.
ناظرت سُمية في إيثار بعد دقيقتين وبغبنة:
أكيد ماسحة الرسايل لكن أنا اعرف كيف أسوي، بدت تسجّل رقمها لجل تتصل ويطلع رقم إيثار وتعرف إذا كانت هي او لا.
من تطابق الرقم إللي ارسل الرسالة لـ جوال مروان ومن تطابق الرقم في الإتصال.
ناظرت فيها إيثار بصدمة ومن غباءها ما فطنت لها الأمر، وقفت أمها وبسرعة سحبت جوال إيثار من يد سُمية
عقب ما لاحظت الصدمة على إيثار، ماهم ناقصين فضايح
يكفي الفضايح إللي جالبها لهم حامد، الأب بالسجن والبنت تغازل قريبها!
تكلّمت أمها بحدة لـ سُمية:
الى هنا وبس ما أسمح لك، أحترمي نفسك ولا تتبلّين على أحد كاهو زوجك عندك روحي إسأليه،
أستفسري منه، ويمكن هاللي مرسلة الرسالة مقصدها تخرّب بيتك وانتِ بتصرفك هذا حققتي لها مُبتغاها.
أطلعي من بيتي وأنتبهي لبيتك ولزوجك.
لبست حجابها بإهمال واخذت شنطتها وطلعت وهي ترمقهم بنظرات شرسة.
التفتت على إيثار وبحدة:
وانتِ يا طلع أبوك من السجن نفتح السالفة، والله ياويلك لو تكون صادقة وانك على علاقة قبل مع مروان.
وانتِ تعرفين أبوك زين، وتعرفين ايش ممكن يسوي.
طلعت من المجلس وجوال إيثار بيدها تاركتها خلفها تراجع حساباتها.
.
.
"بيت أهل رياض".
صاد معطيها ظهره ومغمّض عيونه بكفوفه وبضحكة:
هاه لبستي!
ترى والله أفتح عيوني طفشت وانا مسكرها.
جات قدامه وبنرفزة رمت الفستان بـ حضنه، تربعت على الأرض مقابله وبحلطمه بدت تعض أصابعها.
ناظرها وناظر الفستان وبضحكة من إعتفاس ملامحها:
علامك !
ماعجبك الفستان!
خزّته بنظراتها وصدّت عنه، ثواني ورجعت تناظر فيه وعيونها مجتمع فيها دمعها وبغبنة:
ما قدرت البسه، ضيق قليل الأدب ما قدرت.
طاح على السرير يضحك بصوت مُرتفع ويده على بطنه وبنبرة يادوبها تبان من ضحكته:
لالالا مو من جدك ما جاء مقاسك!
تكفين قولي أمزح.
بكت بقهر وغطت وجههآ بكفوفها، نزل وقعد جنبها عالأرض ويحاول قدر إستطاعته ما يضحك:
خلاص يابوي تبكين عشان الفستان ماجاء مقاسك!
وطبيعي ما يجي مقاسك هالفستان جايبة لك هديه قبل كم شهر وتوك تقولين بتلبسينه.
وطبيعي يا حُلوتي ما يجي مقاسك الجسم يتغيّر، ضمها وضغط عليها وبضحكة مُستفزة:
وانتِ ماشاءالله سمنتي وتربربتي.
ضربته على كتفه بقبضة يدها وضحك، سند جبينه على جبينها وبهمس وهو يمرر أبهامه برفق على خدها:
يلا أشوف عاد أضحكي لجل تضحك هالحياة بصدري، وتبني السعادة أعشاشها بجوفي،
وبدال الفستان ثلاث فساتين، أضحكي بس يا كربوجتي.
ضحكت بحيا من كلامه ودفنت نفسها بصدره، سمع تنهيدتها المنبعثة من إرتياحها النفسي وقبّل راسها:
الله يديم علينا هذي اللحظات الهادية المطمئنة، ويبعد عننا كل المنغصات.
بعدها عنه وقبّل خدها وبحنيَة:
بعد يومين إن شاءالله رايحين عُمرة نقابل ربنا ونطلبه يغفر ذنوبنا، وبناخذ أمي معنا.
أومت براسها بإبتسامة دافية خجولة وشتت نظراتها عنه، لف وجههآ بأطراف انامله وبهمس:
صارلنا سنتين أو أكثر متزوجين وللحينك تخجلين وعيونك ما تحطينها بـ عيوني،
ناظريني.
ناظرته وسُرعان ما صدّت بضحكة خجولة، ضربته على ذراعه وأخذت فستانها من عالأرض وقامت تضحك:
إف منك لا تخليني أستحي، علقت فستانها بالدولاب ورفعت شعرها بـ عشوائية.
التفتت عليها وكان باقي قاعد مكانه عقدت حواجبها وبهدوء:
علامك!
تفكر بإيش!
إبتسم لها وبهدوء وقف يرتب لبسه بيطلع من الغُرفة:
ولاشيء أفكر فقط برحلتنا، بطلع يم العيال من زمان عنهم لا تنتظريني عالعشاء يمكن أتأخر.
تعشي ونامي لا تسهرين، وبنصف عين، ها وإن لقيتك سهرانة بخوّفك زي قبل كم يوم.
رما لها قُبلة بالهواء، وضحك خرج.
.
.
"بالمُستشفى".
فتحت عيونها بتعب وتحرّكت بسرعة وأطلقت آهه من ثُقل راسها.
ابتسمت ببطء من شافته قاعد عالكرسي وراسه جنبها عالسرير فوق كفهآ ونايم.
تأملته بمشاعر حلوة بدت تجتاحهآ،
سحبت كفها ببطء من تحت خده لجل ما يصحى،
وبتردد شديد مسحت على شعره بإمتنان، كيف إن صار أحد خلفها سندها يهتم لأكلها ولـ شُربها يعتني بأبسط تفاصيلها.
تنهدت وناظرت بإبرة المغذية ونفسها تنزعها تقوم وتتنشط تحس جسمها ثقيل وكل مافيها ثقيل.
فتح عيونه من الحركة وناظرها وهي تحاول تنزع الأبرة فز ومسك يدهآ وصدره ملاصق على جمبها وذراعها اليسار:
لا لا أتركيه، خليه لين يفضى ويفيدك.
ناظرت فيه وأرمشت بربكة، شبكت كفوفها ببعض بإرتباك وخجل وصدّت عنه.
تمغّط وضغط على ظهره من نومته المُتعبة، فتح الستاير وأنبعثت إضاءة الشارع وصارت الغُرفة شبه مُعتمة.
رجع لها وجلس مقابلها عالسرير، رفع وجههآ بـ طرف سبابته وتأملها بصمت.
تكلّم بعد ما تفحّصها:
حكيني إيش إللي حصلك بالتفصيل.
بلعت ريقها وبدت تسرد له بخوف ونبرة مُنخفضة وعينها عالستاير والأحداث تُعاد بـ مخيّلتها.
ناظرته وبخنقة وعيون تلمع:
خفت حييل، خفت تاكلني الكلاب وهذا نهاية قدري لكن كنت أقول بنفسي إنت بتجي وتساعدني ما بتسمح لأحد يأذيني أنت وعدتني، خفـ..
بتر كلمتها بسبابته إللي طبقت على ثُغرها وبهمس وهو يمرر عيونه بين عيونهآ:
إششش،
خلاص إنسي إللي حصل، لا تفكرين وتخافين وتسببين لنفسك الرعب إشش
خلاص إنتِ عندي بآمان ماحد يقدر يوصلك
أهدي.
حاوطها بذراعيه وضمها له وسند فكه على كتفها يهدي فيها.
أستمع لها مع إنها ذكرت له نفس ما سمع المُمرضة تقول مع بعض الزيادات، لكن حبّ يسمع منها
حبّ تتكلم وتفضفض عن نفسهآ، ولا تظل حابسة الكلام بجوفهآ وتبقى خايفة.
أبتعد عنها لكن سُرعان ما تشبّثت فيه رافضه بُعده.
إبتسم وبهمس:
ما بروح مكان بعيد، بروح دورات المياة ثم بطلع أشوف مطعم فاتح بجيب لك أكل الوقت متأخر وقرّبت المطاعم تقفل.
ناظر فيها وحس بعيونها خوف وكأنها تترجاه يبقى ما يروح لكن كبريائها يمنعها من النطق.
أخذ نفس ومسح على شعره:
حاضر، ما بروح مكان أصلاً انا مابعد أرتويت منك
بشوف مطعم يوصّل أكل لهنا وانا بعدين أنزل له،
أرخت راسها على الوسادة وتثاوبت، حرّك راسه بالنفي وبإبتسامة:
لالا يا حُلوة مافي نوم خلاص أكتفيتي، شغل الضوء وراح يمها قعد مقابلها ومسك كفوفها وبحبّ:
ما تتخيلين قديش خفت عليك وحاتيتك وفقدت أعصابي،
وحلفت يمين لأحاسب عمك وشوفيه كاهو مقطوط بالسجن،
تحسين بوجع يا روح يوسف!
ودك بشيء طيّب ساقك يوجعك!
عقدت حواجبها ولتو تتذكّر ساقها، حركته بشويش وعضت على شفتها وبهمس:
أهخ يعورني.
قرّب منها وبهمس:
ناظريني برتوي منك، ناظرته وطبق ثُغره على ثُغرها بطريقة مائلة ورقيقة.
أبتعد عنها وقام لدورات المياة، وهي أكتست وجهها الحُمرة وحكت حاجبها بردة فعل تلقائية وخجل شديد.
شتت نظراتها وأخذت نفس عميق.
.
.
"أحد شوارع المدينة".
تمشي بخُطى سريعة، تدل على خوفها ورغبتها الشديدة في الوصول للمنزل بأقل وقت.
لفت عالسيارة إللي تراقبها وتمشي وراها بسرعة قليلة وكأنها قاصدة تتبّعها.
لكن وبسبب إنارة السيارة القوية ما تمكّنت من رؤية السائق.
عقدت حواجبها بـ عبوس من دخلت بين بيوت مُعتمة وقديمة ولحقتها السيارة بسرعة رهيبة وأعترضت طريقها.
بلعت ريقها دلَالة عالخوف وشدت قبضتها على معصم شنطتها.
نزل من السيارة وأستند على سيارته وناظرها بتفحّص، تكلم بهدوء وبحّة دقيقة:
مُمكن أعرف ايش سبب خرجتك بهذا الوقت المتأخر، وبطرف سبابته يضرب على ساعته وعيونه عليها.
ناظرته بإستحقار من أبواته البيضاء صعوداً إلى وجهه، من عوارضة إلى نظارته الطبية وشعره المُصفف بترتيب.
صدّت عنه لايلمح بنظراتها الإعجاب ويغتر، ماقدرت حتى ترمقه بنظرة إستحقار، لأنه وببساطة رجل تشعّ منه الوسامة.
تكلمت بهدوء وهي تنظر لناحية اليمين:
هالسؤال يوجهه لي أبوي أو مُراد مب إنت!
تكتّف وبرفعة حاجب:
أبوك وبالسجن وأخوك ومختفي أقدر أعرف فين رايحة لا حسيب ولا رقيب!
رمقته بنظرة إستحقار مُزيفة وأعطته قفاها، لكن سُرعان ما سحبها من ذراعها بقسوة:
أكلمك انا لا تعطيني ظهرك وتمشين إحترميني !
وجاوبي على سؤالي إيش مطلعك هذا الوقت.
سحبت ذراعها منه وبصرخة ضربته بشنطتها على صدره:
حلّ عني إفففف، وليش تسأل !
مالك صلاح فيني لو أروح لقعر جهنم إيش لقفك فيني ها إيش !
ناظرها بإشمئزاز وبهمس غضبان:
صحيح مالي صلاح فيك، وجعلك تروحين فين ماتروحين ما أهتميت لك.
ضحكت بسُخرية وتكتفت وبجرأة وعيونها بـ عيونه:
ليكون الأخو عشقان!
وصاير بمثابة حارسي الشخصي تتوبعني، فين ما اروح الاقيك!
لاتقول صدف، فيه فرق بين اللقاءات الصدفة وبين اللقاءات المُتعمدة!
إلتزم الصمت لثواني واردف بنبرة هامسة والهواء يداعب خُصلاته القصيرة:
أنا جابر إللي مصيرك حينكتب معه.
ناظرته لثواني حاولت تخفي إرتباكها لكن قوّة كلامه أجبرتها على الخضوع.
وكعادتها لاذت بالهروب وهرولت مُبتعدة عنه، مشت للبيت وقلبها ينبض بقوّة شديدة.
دخلت البيت ومشت لـ غرفة أمها وطلعت كيس الصيدلية من شنطتها:
خذي يايمة هذا دواك،
ابتسمت أمها واخذته منها وتناولت كوب المويا:
الله يصلحك ليه رحتي انتِ.
ابتسمت وقعدت جمبها:
الحراس نايمين والسواق برضو، وانا محتاجة أطلع أشم هواء ولو إن الوقت متأخر، بس ماعليه خذي المُضاد لجل سخونتك تخف.
انحنت وقبّلت جبين أمها وحست الحرارة لامست شفايفها، أخذت تضغط على جبين أمها وتدرايها لا تتعب عليهم.
هي وإللي بدت تمرض من عدة ساعات، من تغيّر الجوء.
.
.
"المستشفى".
جلست على العربية وبدا يوسف يدفها وكيس الأدوية بيده وكل شوي يناظرها منطوية على نفسها ساكتة
وشابكة كفوفها ببعض، طلعوا من المستشفى وسندها عليه لجل ما تضغط على ساقها وركبها السيارة.
رجع العربية للمستشفى وركب فالسيارة، ناظرها ثم شغل السيارة ومشى لـ بيت حصة.
التفت لها وتفحّصها وإبتسم:
والله يطلع مني أجيب لك عباية زينة، طلعت السوق وجبت لك من دون ما اسألك عن رقمك شفتي شلون حافظ تفاصيلك!
ابتسمت بحيا وصدّت تناظر النافذة، مد يده وتناول كفها وشبكه بكفه.
رفعه وقبّله ببطء تكلّم بهمس:
متى جاك الشرطي!
تكلمت بهمس مُرتبك:
جاني لما طلعت انت السوق سألني عن الحادثة وجاوبته، وأكدت شكواك على حامد ثم طلع.
اومى براسه وبهمس:
بنزلك عند خالتي وثم بروح المركز بشوف عمّك، وبفكر له بعقاب يناسب خُبثه.
التفتت عليه وبعدم رِضا:
لا تطلخ يدينك لا تتبع طريقه وتصير طينتك زي طينته، لا تجاريه فالخُبث يايوسف.
إبتسم وببحّة متجاهل كلامها:
أول مرة أدري إن اسمي كذا حلو، يوسف الله يا زينه وإنتِ تنطقينه يابعد يوسف إنتِ.
.
.
"ببيت موضي".
ريحة البخور تحوم في الهواء، والترتيبات قائمة إستعداداً لسلامة نورة.
أنطق الباب وفتحت الخادمة ويوسف ساند نورة عليه ويمشون ببطء، أرتفعت زغاريد حصة وسُرعان ما ناظرت نورة بـ يوسف بضحكة فرح.
حاوطهآ ولخفتها رفعها ببساطة وأكمل طريقهم، دخلوا الصالة وتركها على الكنب وجنبها ترك الأدوية.
قربوا منها حصة وموضي وسلموا عليها وتحمدوا لها بالسلامة.
وسلموا على يوسف، قعدوا وأخذوا يرتشفون من قهوتهم مابين السوالف وسؤال نورة عن تفاصيل حادثتها وهي ترد بهمس خجول من نظرات يوسف إللي عليها.
وقف وباس راس موضي وحصة والتفت عليها وباس راسها وهمس بإذنها:
لا تخافين من شيء عمّك بالسجن، ولا تمشين كثير او تضغطين على نفسك لجل جرحك وعكازتك بنزلها وأعطيها الخدامة تجيبها لك ماني مطوّل ساعة كذا وبرجع لك.
التفت لموضي وحصة وبإبتسامة:
يلا أستأذنكم انا بأمان الله ونورة برقبتكم.
تقدّمت منها جدتها حصة وبدت توكلها برِفق:
كلي ياحياتي إنتِ شوفي كيف نحفتي وهزل جسمك كلي.
ضحكت وبلعت لقمتها:
جدتي الله يصلحك وش نحفت!
ترى كلها يوم وشوية.
ناظرت بـ جدتها وبأسف:
أسفة لأن هاللي ما يتسمى عوّرك بسببي، أسفة لأنك تأذيتي.
تركت جدتها الأكل على الطاولة ومسحت على شعرها وبنبرتها الباين فيها كبر السن وبحس شاعري:
اه يالبيه شوفتش راحه وانتعاش
واه واعزاه منش ويا وجدي عليش
هاش قلبي يا غرامي و روحي هاش هاش
و رددي بالصوت يا روح روحي عيش عيش.
فتحت فمها نورة بذهول وبضحكة أنحنت تقبّل كفوف جدتها المُجعدين وفيها حنّاء:
آه يا روحي منك يا تاج هالراس، ناظرتها وبنبرة سعيدة وعيون متوهجة، عليك صوت فالشعر ياجدتي ولا ينافسه شاعر،
ياوجدي عليك هاتيلي من حلو القصيد.
ضحكت جدتهآ ومسحت على شعرها وهكذا مرّ وقتهم بين أحاديث لطيفة.
.
.
طلع يوسف من الفندق عقب ما غيّر ولبس ثوب وطاقية وشماغ، أتصل على لافي وبعد كذا رنة رد:
السلام عليكم، كيف حالك عساك بخير!
الحمدلله كلنا بخير، أنت علومك وعلوم الأهل، أها إيه أدري انه بالسجن وانا المبلّغ عليه
أسف لكن أخوك خسيس وحاول يختطف نورة لجل يقهرني فيها ورماها بـمستودع خارج الرياض وربك كان عليم بحالها وقتها،
وبدا يسرد باقي التفاصيل يخبّر لافي، عقب دقايق، المهم خلنا من أخوك لا أنسى سبب إتصالي
هاليومين جايك المدينة أو إنت تعال الرياض ودي أحكي معك بموضوع بخصوص ورث نورة.
أبغى أخلص منه ويصير كله بذمتها، كافي أخوك أذاها
ومنها كمان تشوف أخوك، أوك ما تقصر يعطيك العافية حيّاك انا بإنتظار إتصال منك، في آمان الله.
سكر من لافي وأطلق تنهيدة عميقة:
وها ورث نورة بدينا بـ خطوته الأولى، التالي حامد.
أتصل على أحد حرّاسه إللي بالمدينة وركب سيارته ومثبت الجوان بـ كتفه،
شغل السيارة ووصله صوت الحارس:
أهلاً، مساء الخير،
سُلطان بغيتك بشغلة إنفرادية خلال هاليوم أبغى تبحث لي عن جميع أو مو جميع لا كذا صفقة تخص شركة الـ..
المتعلقة بـ عايلة الراشد، أبحث لي بمصادرك الخاصة وشوف.
الساعة ٨ الليل لازم الأخبار تكون عندي طيّب!
سكر من الحارس وإبتسم:
وهذي الخطوة الثانية وشركة حامد، ماني ردي لجل أعتدي على أحد من أهله لكن أمسكه مع اليد اللي توجعه
وشركته وفلوسه تعزّ عليه أكثر من أهله."المساء".
قاعدين بـ مجلس جابر ونايف دافن وجهه بين كفوفه، رفع راسه وبصدمة وملامح باهتة:
خسرنا، صفق كفوفه ببعض وببطء، خسرنا والله.
صغّر عيونه جابر وعود الأسنان بفمه تكلم بهدوء وهو مُراقب حركات نايف:
من خشيت عندي وإنت تهلوس خسرنا ماخسرنا، يارجل أخلص علي وقولي علامك!
بلع ريقه نايف وبدا يتكلّم بنبرة مهزوزة:
قبل ساعتين بدت الإتصالات تتوافد على شركة حامد وإللي لي فيها نصيب، المهم كل هذي الإتصالات كانت ترفض عروضنا والصفقات إللي معنا.
خسرنا مُعظم الشُركاء إللي شراكتهم قوية، الشركة خسرت أسهم كثيرة الوضع كذا سيء وحيزداد سوء بالأوقات الجاية.
وقف وأخذ يمشي بـ المجلس من دون هدف ويتأفف ويمسح على شعره يفكر بحلّ،
التفت عليه وأردف بهمّ:
الحين شلون بقول لـ حامد هذي الأخبار إللي تسد النفس.
رفع حاجبه جابر وببرود وهو يقولب عود الأسنان بفمه:
مو تقولون تحدّيتوا يوسف ولد الأكابري، وعمّك خطف زوجته خلاص تحملوا عقوبة سواتكم
الجزاء من جنس العمل.
ناظره نايف وبغضب سحب شماغه من عالكنب:
بغيتك عون وصرت لي فرعون، الشرهه مهيب عليك علي أنا.
رمقه بنظرة غضب وطلع.
ضحك جابر وأرتشف من قهوته بتلذّذ وبرود:
ههه يزعلون من كلمة الحق!
خبزن خبزتوه كلوه.
سند ظهره عالكنب ومُبتسم برفعة حاجب يفكر وبهمس:
فرصة وجاتك يا جابر لجل تزيّن مقعدك عند حامد، مسح على عوارضه وبتفكيير، إيه كذا
عقب ما يقوله نايف، أزوره بالسجن وأعرض عليه شراكة قوية ومُساعدة مقابل يعطيني بنته إيثار.
.
.
"بيت أهل رِياض".
رجع من برا مُرهق، دخل وكانوا أهله ومعهم لِينا مجتمعين عالسفرة المفروشة عالأرض ويتعشون.
غسل يدينه وألقى السلام بهمس وقعد جنب لينا ياكل وماله نفس.
التفت على أمه وبنبرة مُنخفضة:
عقب العشاء بريّح شوية وعلى الساعة ١ نمشي مكة إن شاءالله.
تكلمت أمه بعدم رضا:
لا ماتشوف حالتك مُرهق ونفسك بالنوم، مايصير.
ابتسم وبتثاوب:
ماعليك باكل وثم أروح انام كم ساعة والساعة ١ صحوني لجل نروح نعتمر.
أكل وقام بتعب، مسح على شعر لِينا برفق وراح يغسل يدينه ثم توجه للغرفة.
أرتمى على السرير بإرهاق أرتفعت أنامله وبدا يضغط على جوانب جبينه.
أنهكه التفكير، يفكّر برحلة علاج يعالج فيها نفسه من العُقم
لكن من أين له المال! وهو قاعد يشتغل لجل يسدد دينه.
غمض عيونه وسحب الخُدادية الصغيرة وضغط على وجهه لعل التفكير يروح عنه.
يحزّ بنفسه كل ما يشوف طفل بالشارع مع أبوه، وهو لا.
.
-
.
~
"بيت موضي".
قاعدين بالحديقة على فرشة كبيرة "حصة، موضي، جميلة أم يوسف، نورة، يوسف".
ويوسف قاعد يشوي لهم وهم يتبادلون أطراف الحديث.
التفتت جميلة على نورة وبحنيّة:
لا تستحين مدي رجولك لجل الجرح إللي بساقك.
مسحت على شعر نورة وأكملت كلامها، من قالي يوسف عنك ما رضيت أقعد بالمدينة وجيت أشوفك يا بعد عيني إنتِ.
خجلت نورة وإبتسمت من دون ما تُفرج شفتيها وتبان أسنانها وبهمس:
عسى عُمرك طويل، الله لا يفقدنا إياك.
جاهم يوسف وقعد على الفرشة، تناول دلة القهوة وبضحكة وهو يصب له:
اوه ريحتي كلها شوي، أرتشف من قهوته ورفع راسه يناظرهم.
تكلمت حصّة:
قرّرت متى يكون الزواج؟
رفعت حاجبها نورة بإرتباك وصدت عنهم تناظر بالشواية وتفرك أصابعهآ.
إبتسم على إرتباك نورة:
بعد إللي حصل لازم أقرر وأقدمه بعد، ما بتهنى لي عين ونورة بعيدة عني، بظل أحاتيها واخاف عليها، عمّها شيطان ويجي منه كل شيء.
سكت وأخذ يشرب بقهوته وساهي، وأمه وخالاته يهرجون وعيونه على نورة.
إللي تناظر بشرود، وباين إنها منفصلة عن عالمهم وغارقة بـ خيالها.
قرّب منها وبطرف إبهامه وسبابته قبض خدها، فزّت وناظرته.
وسكتت عن الكلام، لكن عيونها بدت تتحدّث ويوسف ساند كفه عالأرض وجالس بـ ميلان ويناظرها ومُبتسم.
تكلّم بهمس وصد يناظر الشوي:
بتاكلين أصابعك وراهم، وبتقولين لي كل يوم إشو لنا.
إبتسمت ودنت براسها ودنا معها شعرها.
قام من جاه إتصال وعيون نورة تتبعه، تنهدت وبهمس:
يالله إجعله العوض.
.
.
"بين قُضبان الحديد".
متسطح على ظهره ويمرر شعره على ورى وذراعه فوق جبينه ويفكر.
التفت على جمبه الثاني وغمّض عيونه وبنفسه:
أول يوم أقضيه بـ السجن، أول مرة بحياتي أجرّبه لكن ما بقعد وقت طويل بالسجن، ومسح على لحيته، هذا وجهي يا يوسف إن قعدت بالسجن أكثر من ثلاث لِيال.
وقف بغُبنة وأنامله التفت حول القُضبان:
ولا أحد زارني أو أتصل كأن عاجبتهم جلستي هنا، حتى ولدي الزفت، وعضيدي نايف.
رجع مكانه وهو يفكّر بـ حيلة يساعده فيها نايف وتطلعه من السجن.
.
.
"بالإستراحة".
قاعد مع أخوياه والشماغ على كتفه بإهمال ويرتشف من قهوته وساكت.
التفت عقب ما انوضعت كف خويه على كتفه وبهمس:
أبوك أكيد بحاجتك يا مُراد دريت إنه بالسجن لا تتركه بأمسّ حاجته.
ناظره بطرف عينه وبهدوء:
وقع بشرّ أعماله، أسف لكن ما بساعده خل جزاء أعماله تربيه، هو ما يسمع لا مني ولا من أحد ولا من ضميره.
-
.
~
وضع يده على جبينه وبنبرة مُنخفضة:
لا تحاول فيني يا منصور، أعرف نيتك الطيّبة لكن أبوي الله يهديه هذا اللي اقوله بس.
إبتسم بـ مُجاملة وقام للغرفة الثانية، علّق شماغه ونزل ثوبه وتسطح.
مسح على شعره ويفكر بحياته، من تهاوش هو وأبوه طلع للإستراحة وتفاجئ بعدها إن حسابه فالبنك وقفه أبوه وهو يشتغل بشركة أبوه.
والبيت مايقدر يخشه خاطره مابعد طاب، أنعكف بالإستراحة ويّا خويه منصور،
إللي يشوفه أقرب اخوياه ويفضفض له ويعلمه بكل شيء.
صغّر عيونه وبلّم لثواني وبهمس:
دقيقة دقيقة الحين أبوي كيف عرف!
كان بيده جوال، وهالجوال لـ نورة إللي جبته لها.
فزّ وسحب ثوبه لبسه وترك شماغه معلّق، وخرج متوجه لبيتهم.
يشوف أمه وأخواته ويدور جوال نورة.
.
.
"عقب ثلاث ساعات | بيت أهل رِياض".
ماسكين خط مكة وأمه قاعدة قدام بعد إصرار من لينا،
ولينا متسطحة ورى، ناظرها مع المراية الأمامية وكانت نايمة.
التفت على أمه وبهدوء:
يمة يا عمري إذا فيك نوم نامي ماعليك، انا مصحصح ومنتبه للطريق.
حركت راسها بالنفي:
لا ياوليدي ما غمضت وتركتك لحالك، اخاف تغفى ويصيرلنا شيء، عسى الله يحمينا ويوصلنا بأتم عافيتنا.
.
.
"بين قُضبان الحديد".
فتح عيونه من الحارس إللي جايب له أكل، مسك ذراعه وبسرعة الحارس نفض ذراعه من قبضة حامد وبهمس:
اعوذبالله من الشيطان وأعوانه.
ضحك حامد وبهمس خبيث:
تسمح لي أتصل بـ مقابل !
ناظره الحارس ورفع حاجبه:
لا.
تحسس جيوبه لكن تذكر إن أغراضه مأخذوه عند الضابط، وبوهقه ومحاولة إقناع:
إتصال واحد ما يضر بس مقابله مال كثيير، هالمبلغ يخليك تستغني عن راتبك شهر !
بلع ريقه الحارس من عرض حامد المُغري، وبخوف وتردد طلع جواله مده لـ حامد.
أخذه منه حامد وبحركة سريعة سجل رقم نايف وأتصل، مارد نايف ورجع يتصل حامد،
عقب كذا رنه وصله نايف المُستغرب:
هلا.
ناظر بـ الحارس وبنبرة ثقيلة:
نسيت إن لك عم من خشيت السجن!
تنهد نايف وسكت، وصوت حامد أعاد له المُصيبة اللي حلّت عالشركة.
رفع حاجبه حامد وبغضب:
انطرمت!
تحكّى، وش مسوية الدنيا من وراي، هات علومك.
أخذ نفس نايف وببطء:
خسرنا نصف مال الشركة، طاحت علينا مصيبة يا حامد.
فزّ حامد واقف وقبض عالجوال وبغضب:
شلون !
كيف خسرنا، ما وصيتك على الشركة!
بدا يسرد له نايف ويبرّر ويأجج نار الحقد ويحط اللوم على يُوسف.
.
.
"على قارعة طريق مكة".
فتحت عيونها وتمغطت بـ نُعاس، أخذت نظرة سريعة وناظرت بـ رياض بسرعة خوفاً عليه.
موقفين بنصف الطريق والطريق برّ!
ورياض ساند راسه عالمقعد ونايم، تقدّمت وضربت خده بشويش لجل ما يرتعب:
رياض .
هزته مع كتفه أقوى وبخوف، رياض قوم إشبك ليش موقفين هنا.
صحت من سُباتها على نبرة لينا الخائفة وبهمس:
لا تخافين عليه غارق بنومه، صحيت قبل ساعتين وحسيته مُرهق وطلبت منه يوقف على جنب كود إنه ياخذ له غفيّة يرتاح فيها.
التفتت عليها وبإبتسامة وهي تربت على كتفها:
قومي يا بنيتي خلينا نتيمم ونصلي الفجر، الساعة ٥، قرّب الشروق.
نزلوا من السيارة ولينا تشكر الله إللي مو صاير شيء لـ رياض.
تيمموا وكبّروا جنب بعض وصلّوا.
أكملوا صلاتهم وجلسوا على الرمال، إبتسمت مريم "أم رياض"
وبهمس وهي تتأمل السماء الباقي مُعتمة وتزينها النجوم:
المكان هنا يجيب الراحة النفسية، شوفي السماء والنجوم، استنشقي الهواء البارد النظيف والهدوء.
تلفتت حولها لينا برعب وبهمس وهي تضحك:
وين الله يهداك المكان حلو!
لا بالله يدبّ الخوف بالنفس، خلا خلا معاذ الله.
نزل من السيارة رياض وهو يتمغّط ثم مسح وجهه، ناظرهم وبعُتب:
ليه ما صحيتوني!
لو كملنا طريقنا مدانا وصلنا.
ابتسمت أمه وبحنّية:
خلك ترتاح ثم نكمل طريقنا، محنا بمستعجلين، صلينا وبنريح شوية ثم نكمل.
.
.
"على الساعة ٧ صباحاً".
لبس ثوبه بـ روقان وتروية، ثم طاقيته وشماغه وعقاله، تعطّر بدهن العود
لامست سبابته خلف شحمة أذنه ومرر سبابته برقه على جلده لجل تثبت الريحة.
مسح كفوفه ببعض، وأخذ جواله وبوكه ومفتاح سيارته وطلع،
لجل يقابل لافي بأحد المقاهي، بعد مرور ربع ساعة تقريباً،
وصل وسمّى بالله ودخل، ناظر حوله بترقّب لكن ما شاف لافي.
إبتسم ودخل وبهمس:
إذاً انا بختار المكان المُناسب.
جلس ومسح على عيونه وأطلق تنهيدة، ورث نورة صار حمل ثقيل على عاتقه.
هو المسؤول عنها وقبل كل شيء أبوها وصاه عليها وهي برقبته.
دقائق معدودة وخطت قدم لافي بهيبته وشموخه المقهى،
رفع كفه يوسف برحابة صدر وإبتسامة صافية وأشر لـ لافي.
بادله لافي الإبتسامة وتقدّم نحوه، جلس وترك الشنطة السوداء العبارة عن جلد على الطاولة.
تكلّم يوسف بنبرة جهورية وصلت لـ مسامع لافي نبرة أوضحت له مدى جديّة يوسف:
نفطر ثم نبدا نتكلّم عن الورث، وإيش لازم اسوي وايش المطلوب الى الأخير.
أومى براسه لافي بـ الموافقة وأزاح الشنطة جانباً.
.
.
"بـ قرية الهضباء، ذات الرائحة الدافئة، وأول خيوط الروايـة".
~
جالسين بـ الحوش كالمُعتاد، بأجواء عائلية عنوانها البساطة ويتناولون وجبة الإفطار،
بـ حُزن تحكيه عيون "أم مازن"
فقد، إشتياق.
ناظرتهم كلهم موجودين على السفرة، بإستثناء فلذة كبدها، وبُكرها.
غاب عن السفرة وغابت البهجة خلفه في حادثة مجهولة تفاصيلهآ.
لكن حادثة صادمة، مؤلمة.
تكلّم بهدوء أبو مازن من لاحظ شرود زوجته وعرف إللي يدور بـ خيالها:
سألت الشيخ بخصوص نورة إذا لها مهر أو لا عقب ما تأكدت إن مازن ما عطاها المهر، لأنه كان رحمة الله عليه حاطه بـ صندوق بخزانتي،
وسألت الشيخ قال لها مهر وكامل حتى لو ما دخل بها،
وأخبر إن سيّاف رحمة الله عليه كان قايلي عن سكن أخوانه، عقب الفطور بتوكّل على الله وبشوف نورة وبشوف عمّها.
وإن الله أحياني سلّمتها المهر بـ نفسي، حقها ونصيبها،
وهو عندنا زي الأمانة، ما يحل لنا نفرّط فيه.
ناظرته زوجته والدمعة عالقة بـ رمشها وبهمس:
ماكنت أعرف إن لها عدّة ومهر وميراث، معاذ الله من الجهل.
إبتسم أبو مازن وبهدوء:
الّا يام مازن، لها حتى لو مادخل بها.. تبعاً لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام لمّا سألوه عن إمرأة توفي عنها زوجها وما سمى لها صداق ومادخل بها وهذا كان ردّه
":لها مهر نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث". وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
*المصدر*
(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء).
صدّت عنه زوجته غير قادرة على إكمال حديثها، وأجهشت بـ البُكاء
من تشكّلت صورة إبنها أمام عينها، بـ ملامحه المتشبّعة رجوله، وقوّة، وشباب
لابس ثوبه ولاف عمامته حول راسه
ومُبتسم بإنفراج شفتيه وتباين أسنانه.
ربت على كتفها زوجها وبـ حُزن مدفون بغيّة ثواب الصبر:
ترحّمي عليه وأصبري، عسى الله يحدث بعد هذا أمر، ويعوّضنا بخير من إللي فقدنا.
وقف بنفسيّة مسدودة، وقام للغرفة ياخذ الصندوق ويمشي للمدينة،
وأبناءه يناظرون فيهم وفي حالتهم السقيمة غير قادرين على إكمال فطورهم.
.
.
"بيت موضي".
صحت بـ نشاط غير مُعتاد، ربما أحداث ليلة أمس جلبت لـ صدرها الراحة.
استندت على عُكازها تمشي ببطء، متوجهه للحديقة عقب ما صلّت
وطلبت من الخدامة تلحقها بـ الفطور.
الجو صحو رائع، يدعو الإنسان للجلوس مع نفسه ومُراجعة حساباته
قعدت على الكرسي، وأطلقت تنهيدة من ألم ساقها.
تحسّست ساقها وبخوف من الفكرة إللي تدور براسها.
"داء الكلب".
مرض ينتقل للإنسان عن طريق لُعاب الحيوان من عضة.
غالباً يُصيب الكلاب، والقطط، وغيرها من الحيوانات.
يُصيب الحيوان فينتقل للإنسان، مرض مُميت
ونسبة النجاة نادرة، بلعت ريقها ببطء وخوف شديد لا يكون الكلب إللي عضها مُصاب بالمرض
فينتقل لها.
مسحت وجههآ ونفضت الأفكار السوداوية من راسها وناظرت بـ الخدامة وهي قادمة لها بصينية الفطور.
وضعته أمامها على الطاولة ومدت نورة يدها تاكل عقب ما سمّت.
لكن وبصعوبة قدرت تبلع لقمتها الأولى، تلمّست جيوبها وبحلطمة:
يالله نسيت جوالي أخذه مني هاللي ما يتسمّى.