الفصل 7
أما عند نورة في السيارة، فحست بالسيارة اللي تلحقهم لفت وناظرت وباقي تلحقهم.
سندت ظهرها عالمقعد وكفوفها على شنطتها البُنية الجلد وهي مبتسمة.
جاها مـراد الفجر، وخبرها إنه اتصل على عمها لافي وطلب منه يقابل نورة في أحد المطاعم، وقبل ما يروح اعطاها فلوس.
أمرت سواق " الأجرة" يدخل في شارع ضيّق بين بيوت مو مرتبة، امرته يسرع ويحاول يضيّع سواق عمها.
وقفته مقابل مكتبة واعطته الفلوس ونزلت بخطوات سريعة، دخلت المكتبة وخشت بين الكُتب وصغرت من فتحة نقابها وأخذت تناظر الشارع من النوافذ اللي كانت عبارة عن "زجاج".
لمحت سواق عمها وقف السيارة يناظر كانوا فيه منعطفين يمين ويسار، شافت عقدة حواجبه وحيرته مايدري فين يروح.
ثواني ونزل من السيارة ويد على خاصرته ويده الثانية يمسح بها شعره مايدري ايش يسوي.
وبحركة عفوية لف يم المكتبة وطاحت عينه بعينها، شهقت وبسرعة بعدت عن النافذة.
بلعت ريقها وهي تركض بين الرفوف وشادة على عبايتها كل خوفها إنه عرفها.
طلعت من المكتبة مع البوابة الثانية وهي تهرول وكل شوية تلف وراها تشوف يلحقها او لا.
تجاوزت شارعين وهي تشتم في نفسها وغبائها، وصلت لعند كوفي ووقفت ساندة كفها عالجدار ومنحنية بظهرها تلقط أنفاسها ومغمضة عيونها بتعب.
فتحت عيونها على همس هادي:
أختي فيك شيء ؟
اومت براسها بالنفي وهي تناظر حولها وللحظة سرى في قلبها الرعب والخوف باين انها بعدت كثير وضيّعت نفسها.
مد لها علبة مويا عقب ما راح يشتريها لها، شكرته بهمس وفتحتها وشربت لنصفها دفعة وحدة.
سكرتها وقبضت عليها بكفها وأخذت نفس عميق وصارت تمشي بخطوات هادية تحاول تتعرّف على المكان إللي هي فيه.
صغّرت عيونها وهي تتذكر المطعم إللي قالها عليه مُراد، رفعت معصم يدها وهي تشوف الساعة حول ٩ عضت شفتها:
أوف تأخرت، بدت تتوتر وهي تنتظر سيارة أجرة تمرّ توقفها.
لكن مافيه، لفت بيأس وكان باقي الرجال إللي ساعدها قاعد على الطاولة ومقابلة كوب قهوة ولابس نظارته الشمسية.
وله عارض تغزوه بعض الشعيرات البيضاء.
مشت له بتردد وبربكة وقفت جمبه وأخذت تفرك بيدينها.
رفع راسه عقب ما حس فيها وبهدوء:
هلا أختي بغيتي شيء ؟
رفعت عيونها للسماء ثواني ونزلتها ناظرته:
آممم أبغى اعرف فين مطعم الـ..
إبتسم ورفع سبابته:
قريب من هنا، في الشارع الثاني ناحية يدك اليسار، لافته كبيرة وواضحة بسهولة بتعرفينه.
ابتسمت وشكرته ومشت عنه.
قطعت الشارع عقب ما وقفت الإشارة، والجوء مغيّم ويشرح الصدر وهواء بارد خفيف يحرّك أطراف عبايتها.
تنهدت بفرحة وهي توقف عند باب المطعم:
أخيييراً.
دخلت وبنظرات عيونها تدوّر عمها، شافته قاعد باليمين يطقطق بجواله، وله لحية قصيرة سوداء.
وقفت جمبه وبهمس:
عمي لافي ؟
ابتسم ووقف لها صافحها بحفاوة.
أشر بيده:
إقعدي.
تركها وقام يطلب لهم فطور، رجع لها وجلس مقابلها وبإبتسامة:
حيّ الله بنت الغالي، شخبارك هاتي علومك عسى مرتاحة ؟
ابتسمت من حنيتة إللي التمست فيها الصدق:
الحمدلله بخير ماعلي خلاف، وانت كيفك ؟
اومى براسه وناظر فيها عقب ما وصل طلبهم:
أفطري وعقب هاتي موضوعك.
عقب ما أفطروا مسحت فمها بالمنديل وناظرته وهو يرتشف من الشاي، رفع راسه ونزل الكوب ومسح كفوفه ببعض:
هاتي إللي عندك.
أخذت نفس عميق وبدت تتكلم بربكة وقلبها ينبض بققوة:
علمت إنك الموكل على ورثي صح ! استرسلت بكلامها عقب ما اومى براسه وهو ساكت، وانا ابغى أشوف أهل أمي الله يرحمها لكن عمي حامد يقدر يوصلني لهم لكن أشترط علي شرط !
عقد حواجبه وهو مرجع ظهره ومتكتف:
ايش يبغى ؟
شبكت أصابعها ببعض وقربت منه وبهمس:
يبغى الورث.
ثواني واكتسى الغضب ملامحه وبحدة:
يخسسسى ! عسى ما وافقتي !
حركت راسها بالنفي:
فالبداية وافقت بعدين خطرت ببالي فكرة" وتجنبت ذكر مراد عنده" وجيتك أبغى تعطيني وثائق مزوّرة أوهمه فيها إني سلّمته الورث.
صغّر عيونه وأنامله على لحيته يمسح فيها:
مين عايلتك ؟
عقدت حواجبها وردت عليه بهدوء:
آل عمران، وكبيرهم عبدالعزيز.
ناظر في عيونها بتركييز وبهمس أردف:
أعرفهم عزّ المعرفة، استبشر وجههآ ولمعت عيونها من الفرحة، ابتسم وكمل كلامه، لكن بنكمّل اللعبة على حامد ولا بيدري عن شيء، وانا اوصلك لهم.
تنهدت بفرحـة وقامت وضمته بشكر، ضحك على عفويتها وضمها ومسح على راسها.
بعدت عنه ونظراتها كلها شكر وإمتنان، ابتسم ومسك يدها:
اليوم قولي له انك متنازلة عن نصف الورث، وهو يدري إني الوكيل وبيجيني وانا أجهز الاوراق ما يصير خاطرك الّا طيب.
وقفت على اطراف اصابعها وباست راسه:
ياعسى عمرك طويل، ضحك وهو يضمها مع كتفها ويمشي بها خارج من المطعم يوصلها للبيت.
.
.
وقفت سيارة السواق عند البيت نزلت ورنت الجرس ثواني وفتحت لها الخدامة ودخلت.
رمت شيلتها وحجابها على الكنب وبنبرة عالية:
يمة فينك ؟
طلعت أمها من المطبخ وهي تمسح كفوفها بالمنشفة، ومشت يمها قعدت جمبها:
متى جيتي ؟
أشرت على حجابها:
تو إللي جيت، تربعت قدام امها وبترجي وهي تمسك يدها، يمك داخلة على الله ثم عليك، تكفيييين ساعديني يمك رجيتك.
انخرشت أمها منها ودب في قلبها الرعب:
وش فيك وش داخلة على الله ثم علي !
وش مهببة انتِ وش مسوية ؟ طقتها على كتفها وبغضب، أنطقي.
تكلمت وهي عافسة وجههأ:
يمممة مب أنا، رياض اللي مهبب.
تنهدت أمها وناظرتها بنصف عين:
ماتستحين على وجهك فجعتيني، وش مسوي رجلك ؟
تكتفت وبحلطمة:
عليه ديون كثيرة، فزت بحضن أمها ومسكت كفوفها، تكفييين يمة قولي لأبوي يساعده.
ضربتها مع كتفها:
اوهوه روحي عني انتِ ما تعقلين، ورجلك طايش من يومه ولايحسب لخطوته حساب، مالي شغل فيه انتِ كلمي أبوك مع اني ادري انه ما بيوافق هو ما يطيق رجلك ف كيف تبغينه يساعده ! خلييه يتحمّل عقوبة سواته.
تكتفت بغضب وثواني ودمعت عيونها، زفرت بتنهيدة ولفت لامها وبنبرة مخنوقة:
يعني تبغينه ينسجن وتصير حالتي مثل قبل ؟.
تنهدت أمها وأخذتها بحضنها تطبطب عليها، باست راسها وبهمس:
يصير خير يا جاء أبوك كلمته.
.
.
وقفت السيارة ببداية الحي على طلب نورة ماتبغى عمها يشوفها وهي نازلة من سيارة لافي ويشك.
أخذت تمشي داخل الحي وهي متكتفة مستمتعة بالمشي وبالهواء الطلق والغيوم الملبدة.
-بسيطين جداً، لدرجة إنو غيمة وحدة وقطرة مطر وحدة قادرة على إسعادنا، وتغيير نفسيّاتنا-
دخلت البيت وصادفت بطريقها عمها حامد إللي ناظرها بنظرات حادة.
تقدّم منها وبحدة:
فين ذلفتي ؟
رفعت حاجبها وتكتفت:
وش هالنبرة إللي تكلمني بها !
لا تتجاوز حدودك وتعتبر إنك بمقام أبوي الله يرحمه وتسألني فين رايحة ومن فين جاية، مالك دخل أروح فين ما ابغى وانت زيك زي الغريب فقط الفرق النسب والمحرمية.
سحبها من شيلتها وانفك حجابها وبان شعرها وشدها به وبحدة وهمس:
إحترمي نفسك ولا تطولين لسانك، والله يا نورة لأربيك من اول وجديد أجل انا زيي زي الغريب !
بعدها عنه ودفها، وإحلمي إنّك تشوفين عايلة أمك، حسبالك طرطور عندك تضحكين علي بكم كلمة وتوافقين إنك تسلميني الورث ! ومن وراي تلعبين لعبة مانتي بقدها !
فارقي عني لا ابغى منك لا ورث ولاشيء، لكن تجهزي للعقاب إللي بيجيك.
تركها وهي طايحة على الأرض وخُصلات من شعرها طالعة من تحت شيلتها بعشوائية، بلعت ريقها وكلامه يدور ببالها !
مسحت وجههآ بأطراف اناملها اللي ترتجف وباردة وبهمس:
يالله هذا كيف درى ! مين إللي قاله مصيييبة حسبي الله عليه.
وقفت واخذت شنطتها ومشت للملحق وهي تدلك مكان مسكته لشعرها وخايفة من جواتها، كيف عِرف باللي كانت تسويه !
معقولة شك بتسرّعها وموافقتها على تسليمه الورث !
فتحت الباب وسكرته ببطء وقلبها ينبض بققوة خافت من تهديده ولو مثّلت القوة من داخلها يرتجف !
ارتمت على فراشها وهي عاضة على طرف شيلتها ونار بجوفها، كيف يهددها بإعادة تربيتها وحرمانها من شوفة عايلة أمها.
حسّت بحرارة بعيونها وطفرت دمعتها، مسحتها بسرعة وهي تقوي نفسها وتاخذ نفس عميق وتذكر نفسها بان مالازم تسمح له يتمادى ويشوف ضعفها.
.
أمّا عن حامد فكان جالس في الحديقة والعصا مثبتها في الارض بشكل مايل وكفوفه عليها وساند فكه على كفوفه وداخله يغغلي.
زفر بققهر وهو يرفع العصا ويضربها بالأرض وعيونه حادة نظراتها.
كيف تلعب عليه وتحاول تخدعه !
غمضض عيونه وهو يشد على قبضة يده عقب ما طرى عليه إللي حصل.
"نرجع ورا لساعة ما كانوا نورة ولافي في المطعم".
رفع راسه وهو يرتشف من كوبه "الشاي" وصغّر عيونه بتدقيق وتفحّص للبنت إللي مع لافي.
فز عقب ما انسكب الشاي على ثوبه واجزاء من لحيته، مسحهم بسرعة بـ المنديل وتناول جواله إللي يرن.
وقف وهو يرد ويمشي لخارج المطعم وعيونه على لافي ونورة:
هلا، وعليكم السلام، إي موجود وكنت أفطر بالمطعم، لا لا ما قطعت علي ولاشيء خلصت من فطوري انا وخرجت أرد عليك، حاضر بحدود ٥ العصر جايك نتناقش بالصفقة.
عقد حواجبه وهو يستمع لـ "حامد"، تكلّم بهدوء مقاطع كلام حامد:
تو شفت بالمطعم وحدة مع أخوك لافي ! ماعرف بناتكم كلكم لكن استنكرتها عليه كانوا يضحكون ويفطرون، تنهد وهو يمسح على وجهه وبتراجع، استغفرالله ما بظن ظن سوء فيه، انسى ما قلت مالي شغل بأحد.
وقف ثابت بمكانه وهو يستمع لنبرة حامد السريعة إللي يطلبه فيها يروح يشوفهم بسرعة ويحاول يوصف له البنت إللي مع لافي.
وبنفس هالوقت كانوا نورة ولافي خارجين وصديق حامد معطيهم قفاه ما يشوفهم.
وبلحظة ما دار خلفه راجع للمطعم بينفذ كلام حامد، نورة ولافي ركبوا السيارة.
دخل المطعم وعقد حواجبه بإستغراب مالقيهم !
ضرب جبينه ورجع رد على حامد وهو زام شفايفه:
للأسف ما لقيتهم ! وانا أكلمك خرجوا.
اومى براسه حامد وبهدوء :
اها، يمكن وحدة من بناته ماعلينا لا أعطلك عن شغلك زي ما أتفقنا العصر تجي.
.
"نرجع للواقع".
وقف وهو يمشي بحيييرة شديدة، عنده إحساس إن اللي كانت مع لافي نورة.
عقد حواجبه وبتفكير، بس لافي ماجاء بيتهم أمس ! ونورة مامعها جوال لحتى تكلمه ولا عندها رقم لافي.
وبأثناء تفكيره دخل السواق وهو شايل أكياس، مشى صوب الباب ورن الجرس وفتحت له الخدامة واخذتهم منه وسكرت الباب.
دار خلفه راجع ورفع راسه على صوت حامد اللي يناديه ومشى بجهة يساره لـ حامد.
وقف مقابل حامد وهو شابك كفوفه ببعض ونظره في الأرض وخايف منه.
تكلّم حامد بعد ثواني طال صمتها:
بأي مكان ضيّعت نورة وسيارة السواق !
رفع راسه وحرّك اكتافه وبخوف:
انا مافي يعرف.
قرب من حامد وبهدوء؛
لا لا أخر مرة شفتها بأي شارع ! فين ضيعتهم !
بدا السواق يوصف له المكان، وإللي كان معروف بـ المكتبات والأسواق.
أمر السواق ينصرف وهو يفكر، ولو فرضاً قلنا تبغى السوق محتاجة شيء ليه ما تكلمت !
وليه ما اخذت سواق البيت ! وليه لما سألتها رفضت تقولي !
قعد على الكرسي وهو يتأفف ويمسح على وجهه من كمية الاسئلة اللي تنهال عليه ولا يعرف جوابها سوى "نورة".
.
.
واقف يلبس تيشيرته " الكُحلي" وهو يناظر في نايف، المنسدح ويد تحت راسه ويد فوق بطنه يفكّر.
قعد جمبه وأخذ الريموت، اخذ يقلب فالقنوات ولف عليه وبهدوء:
ايش شاغل بالك !
جاوبه بهمس وعيونه مثبته بنفس الزاوية اللي كان يناظرها:
بنت اللذينا حلوة !
ضحك جابر وبرفعة حاجب:
مين زوجتك !
جلس وهو يناظره وبنرفزة:
لا وييين زوجتي ! مسح على شاربه وهو يناظر بجابر بتركيز، بنت عمي سيّاف، حلوة حلوة جداً بس عوبا وعنيدة وانا إللي بروّضها.
ناظره جابر ثم صد عنه، رجع ناظره عقب ثواني وبعُتب:
ليكون تعرّضت لها !
ضحك نايف وبرفعة حاجب:
تعرضت ! لا هذي بسيطة مسكتها بين يديني مو بس تعرضت لها.
عقد حواجبه جابر وهو يصد عنه، مو عاجبه تصرّف نايف الوقح جداً، لكن مابيده شيء هذا نايف وهذا طبعه وبوطبيع مايجوز عن طبعه.
.
واقفة خلف باب الصالة وهي تسمع ابوها يهرج مع أمها، فركت اصابعها ببعض إللي ترتجف بربكة.
دخلت بخطوات ثقيلة وهي تبلع ريقها، مشت ناحية ابوها وباست يده وراسه وهو ساكت.
ساد الصمت عقب ما دخلت وسكت ابوها، وكأن وجودها مقيّده.
قعدت جمب أمها إللي قاعده جمب أبوها، والتزمت هي الثانية الصمت.
بعد ثواني نغزت أمها بخصرها، ولفت عليها امها بنرفزة ورفعت حاجبها!
أشرت لها براسها وبحركة شفايفها بدون ما ترفع صوتها:
يمة قولي له تكفييين.
رفعت حاجبها لها وسكتت، تكلّم أبوها بعد ماحس فيهم:
فيه شيء !
اخذت نفس وناظرت فيه أمها وبهدوء بدت تسرد له إللي حصل لـ رياض.
بعد دقايق معدودة، أرخى ظهره على الكنب وناظرها من خلف ظهر أمها ونزل نظارته لنصف أنفه:
ولهالسبب انتِ جايتنا اليوم ! وحاشرة أمك !
نزلت نظرها عنه وفركت فأصابعها وسكتت.
قام بيخرج من الصالة، ولحقته بسرعة وقفت وراه وبهمس:
ما بتساعده يبه !
لف عليها وسكت.
رفعت عيونها له ودموعها بمحجر عيونها، وبنبرة مخنوقة:
يبه لا تساعده عشانه هو، ساعده عشاني انا مابغى ينسجن ويصير عليه شيء، الله يخليك تكفى، لفظت كلمتها الأخيرة بخنقة وطفرت دمعتها.
تنهد أبوها وتركها، بعد ما مد يده بيمسح دمعتها وتراجع.
بقت حركته حسرة بقلبها وبكت.
ابوها للحين يصد عنها، غضبان عليها.
مشت لأمها وارتمت بحضنها وهي تبكي.
طبطبت عليها أمها وهي تبوس راسها:
ابوك مايهون عليه يشوفك تبكين، لا تحاتين متأكدة إنه بيساعدكم.
قامت من حضن أمها على رن الجرس، قعدت ومسحت دموعها.
رفعت راسها وطاحت عيونها بـ عيون رِياض إللي واقف ببداية الصالة، لابس تيشيرت بيج وجينز أسود ومحلّق شعره على الخفيف ومرتب عوارضه.
ابتسمت بخفّة وهي تشوف أمها تسلم عليه، مشى ناحيتها وإبتسم لها وفتح يدينه وبهمس:
تعالي.
ضحك بعد ما فزت وتعلّقت برقبته وهي تضحك وبنفس الوقت تبكي.
حاوطها من ظهرها ورفعها له وهو يشد عليها ويضحك:
بس ياحبيبي وش له هالبكاء !
دفنت وجههأ برقبته وبهمس:
إشتقت لك كثير.
ضحك وبعدها عنه وبعثر شعرها بعشوائية، وشد أنفها وهو يضحك ويرفع حواجبه.
تأملته من تحليقة شعره، ومن ترتيبه لعوارضه، ومن تغيّر وزنه الواضح عقب ما نحف ورجع سمن، وسمنته كانت لايقه عليه.
ابتسمت وبهمس:
حليان كثير.
ضمها وهو يبوس راسها، قعد وقعدها جمبه بعد ما دخلت أمها وهي شايلة صينية القهوة.
حطتها عالطاولة وابتسمت واخذت تصب له:
حيّ الله رياض.
رد عليها ببشاشة وهو يتناول الفنجال من يدها:
الله يحييك ياعمة، أخذوا يتبادلون أخبار بعضهم والسوالف تدور بينهم ورياض محاوط لينا بيده اليسار واليمين يتقهوى بها.
التفت عليها بعد ما قامت أمها تاركتهم، ناظرها لثواني وهمس:
ليه كنتي تبكين ! مين مضايقك !
تنهدت واخذت تلعب بأصابعها وناظرته لثواني:
ابوي للحين ما رضي علي، باسها من بين عيونها وبهمس:
لا تضايقين خاطرك، من داخله راضي عليك، انتِ وحيدته ومابيقسى عليك.
مسح دموعها وبإبتسامة:
يلا قومي جيبي عبايتك بنطلع نغيّر جونا.
.
.
قاعدين على طاولة الأكل يتعشون، وكالعادة أم يوسف وابو يوسف يتبادلون السوالف بينهم ويوسف ملتزم الصمت وياكل بهدوء.
رفع راسه بعد ماسمع كلام أبوه:
انت صرت رجال ويعتمد عليك وماينخاف عليك، وانا ودي إني اشوف زوجتك معك ياولدي.
مضغ لقمته بهدوء وعيونه بصحنه، بلع لقمته ومسح فمه بالمنديل وقام تاركهم بدون مايرد عليهم.
ناظر ابوه في أمه وبنظرات عيونه يستفسر عن سبب تصرّف يوسف.
رفعت أكتافها بحيرة وقل معرفة.
همس بهدوء.
ليكون زالة نفسه ؟.
عقدت حواجبها بإستغراب:
كيف زالة نفسه ؟
جوابها وهو يناظرها بتركيز:
يعني ممكن كانت بنفسه وحدة وراحت عليه ! ولا ودّه ياخذ غيرها.
ناظرت في مكان يوسف وبهمس :
لا فال الله ولا فالك، الله لا يذّوقه الحسرة.
كمل أكله وبهدوء:
المهم انتِ استفسري منه واسأليه، وان ماكانت بنفسه وحدة بنزوجه.
.
.
بالمُلحق، وقفت بخوف وشك وهي تسمع طرق الحجرات الصغيرة على النافذة الخلفية.
وقفت وأطرافها ترتجف خوف يكون نايف !
ازاحت الستارة وهي تبلع ريقها،
صغرت عيونها وهي تلمح مُراد واقف خلف الأشجار، ومن شافها أشر لها تجي.
سكرت الستارة بسرعة وضربت جبينها، شافها من دون حجاب !
لبست جلالها وتلثمت به، وخرجت مع الباب الخلفي، مشت له ووقفت قريب منه.
بحركة تلقائية مسكها من يدها وسحبها، ضربته على يده بقوة وسحبت نفسها منه وناظرته بحدّة.
غمض عيونه ومسح حاجبه:
أوه أسف نسييت، مو قصدي والله.
زم شفايفه بوهقه وهي باقي تناظره بحدّة غضبانه:
خلاص نورة قلت أسف والله العظيم بدون شعور مني، شفت إيثار فيك.
صدت عنه وتكتفت:
قول إللي عندك.
تنهد وبرجا:
هنا أحد يشوفنا تعالي ورا الأشجار.
خزته بعيونها وبحدة:
ماني مسوية شيء غلط لجل تخاف احد يشوفنا.
تربع على الأرض وزفر:
يا عنادك يابنت، خلاص اقعدي هنا بس وقولي لي ايش سويتي !
اخذت نفس وهي تقعد مقابلة على مسافة منه وتضغط بأصبعينها على عيونها:
مدري ما نجحت الفكرة.
عقد حواجبه وبهدوء:
ليه ! شصاير.
زمت شفايفها وبهمس وهي تناظر النجوم:
مدري ايش اللي صار لكن من دخلت البيت وأبوك قام يسألني وتهاوشنا، حطت يدها على راسها ولمعت عيونها وبنبرة بريئة مخنوقة التمس فيها مُراد الضعف، وشد شعري عوّرني وقام يهدد فيني ويخاصمني.
لانت ملامحه وانكسر خاطره عليها:
ليه سوى فيك كذا ! حكيني بالتفصيل مين وصلكم ايش سويتي !
بدت تسرد له من خروجها من بيت عمها وملاحقة سواق حامد لها، لين ما وصلت البيت.
دنى براسه وغرس انامله بشعره الكثيف ومسح عليه، تكلم بهدوء وحيرة:
كيف درى!
رفعت أكتافها بـ مادري، وأخذت تحدّق بالنجوم وعيونها تلمع تحاول تحبس دمعتها.
طفرت دمعتها وماخفت عن عيون مُراد وبهمس:
ليه عيونك تبكي !
رصّت على أسنانها وبنبرة مرتجفة حاولت توازنها:
مدري.
ناظرها وطالت نظراته، لفت عليه وطاحت عيونها بـ عيونه، ارتبكت وهو مازال يناظرها وترتها نظراته.
مسح على عوارضه وبهمس:
عندي فكرة، ولو إنها شوي مجنونة بس ماعليها بنسويها والله ما أخليك تبكين وانا قاعد كذا.
ناظرته بخوف وبهمس:
وشهي !
ابتسم وبدا يسرد لها الفكرة, وقف بعد دقايق وهو ينفض لبسه من العشب الصغير اللي علق بثوبه:
قومي لجل تجهزين أمورك، ناظرته وهو يمشي وبقلبها تشكره وتدعيله.
اقفى زوله عنها، وعيونها تتبعه وتشكر الله عليه، حسّسها بمعنى الأخوه وهي فاقدتها.
.
.
رجعوا لشقتهم وهم يضحكون، تلاشت ضحكة رياض وهو يشوف الورقة المعلقة على باب شقتهم.
قراها بهدوء ولينا واقفة جمبه تقراها معه، أمهلهم صاحب العمارة يومين يخلون فيها الشقة والّا غصب يقلعهم.
ناظر بالأرض ثم رجع ناظرها بقل حيلة وتنهد، ابتسمت له وحضنته مع ذراعه:
تنحل لا تشيل هم، وقفتنا هنا مو حلوة خلينا ندخل.
قعد فالصالة وساند مرفقة على رُكبه وراسه بين كفوفه، وهي دخلت الغرفة ترتب ملابسهم وتغسل إللي مو نظيفة منهم.
بعد مرور دقايق جات وجلست جمبه ويدها على ظهرها.
ابتسم لها إبتسامة صفراء:
سلمتِ.
ردت له الإبتسامة وهي تسند راسها عالكنب وتطالع بالسقف، بلعت ريقها خوفاً إنه يدري انها كلمت أهلها عنه.
أخذها بحضنه وأسندها على صدره وأخذ يمسح بشعرها وبهمس:
لا تشيلين همي، بتهون.
زمت شفايفها وهي تدفن راسها بصدره تستنشق عطره وريحته الدافية، ماتبغى شيء يحول بينها وبينه.
.
.
عقب حلول صلاة العشاء، كانوا راجعين من المسجد والبنات قاعدين في الحديقة ومعهم نورة، رفعت راسها وطاحت عينها بـ عين مُراد وبسرعة نزلتها.
إبتسم وهو يقعد جمب أبوه فالحديقة مقابلهم. ماخفت هالحركة عن عيون سارة إللي ابتسمت ورفعت حاجبهآ.
دنى براسه مُراد وهو يفكر كيف يقدر يهرّب نورة !
أما عن نورة ففزّت لوهلة وشهقت بصوت واطي عقب ما تذكرت كلام عمها لافي
"صغّر عيونه وأنامله على لحيته يمسح فيها:
مين عايلتك ؟
عقدت حواجبها وردت عليه بهدوء:
آل عمران، وكبيرهم عبدالعزيز.
ناظر في عيونها بتركييز وبهمس أردف:
أعرفهم عزّ المعرفة، استبشر وجههآ ولمعت عيونها من الفرحة، ابتسم وكمل كلامه".
ناظرت في مُراد السرحان وهي ودها تقوله إن عمها لافي يعرفهم ولا يحتاج انه هو يدور عليهم.
قامت للملحق وهي كل شوية تلتفت على مُراد تناظره، دخلت المُلحق وازاحت جزء من الستارة وبحذر صارت تناظر لـ مُراد، ثواني ورفع راسه وإبتسمت.
ضربت كفوفها ببعض بحلطمة لأنه ما ينظر ناحيتها، ثواني قليلة ودار وجهه وطاحت عيونه بـ عيونهآ، إبتسمت بنصر وقامت تأشر له بيدها يجي.
إبتسم وتنحنح وقام، التفت عقب ماسمع كلام أمه:
فين رايح ! تقهوى .
ابتسم وهو مدخل كفوفه بجيوب ثوبه، بتمشى بـ الحديقة بغيّر جوي.
تبعته سارة بنظراتها لحد ما راح خلف المُلحق وقامت وراه بحذر تمشي.
ابتسمت على جمب وهي تشوفهم واقفين مقابل بعض نورة ومُراد وهو مبتسم.
تسندت على جذع الشجرة وهي تناظرهم بحذر وتسمع كلامهم وبهمس:
أها أجل كذا يا كنّاري العشق.
عقدت حواجبها بإستغراب وهي تسمع كلام نورة:
ما يحتاج تدوّر عليهم، عمي لافي حكالي اليوم انه يعرفهم زين، وبإبتسامة واسعة، يعني اكيد يعرف فين مكانهم.
ضحك ضحكة قصيرة بفرحة وبهدوء:
بكرا انا أحاكي عمّي لافي او لا ليش بكرا الحين اكلمه، طلّع جواله واتصل عليه.
"فلّة حامد".
عقب حلول المغرب قاعدين في الحديقة وبيد مُراد فنجال قهوة، رفع راسه وهو يرتشف ببطء وعيونه على نورة أخذ يناظر فيها بـ سُرحان وتفكير عميق وهو مو حاس بنفسه.
ارتبكت من نظراته لها إللي حسّوا عليها أهله وصاروا يناظرون فيه وف نورة.
نزلت نظراتها بتوتر وهي تشد قبضتها عالفنجال، نغزته إيثار مع خصره وبهمس:
بس أكلت البنت بعيونك شوف كيف يناظرونك.
ناظر بأهله وشافهم يطالعونه وإبتسم وهمس لها:
ماحسيت بنفسي كنت أفكر.
وقف وبهدوء:
يمة الساعة ٩ انا ماشي الرياض.
ناظرته أمه وبإستغراب :
ليش بتروح الرياض ! وليش هالوقت تحديداً
لا ماني راضية انتظر الصبح وروح.
تنهد ورفع راسه يناظر أبوه، تكلّم أبوه بهدوء:
أتركيه يا مرة خليه يروح لا تمنعينه ومانتي رادة القضاء لا الحين ولا بعدين.
ميّلت فمها وبهمس:
ماني رادته بس نفعل الأسباب.
قرب منها وقعد يم رجولها ومسك كفوفها إللي بحضنها وبحنيّة:
يمة يا عيوني لا تمنعيني أروح، مو صاير شيء بإذن الله واول ما اوصل اكلمك لا تقلقين علي، باس كفوفها ودفن وجهه فيهم، وماني مسرع لا تخافين، عندي شغلة بسيطة فالرياض وراجع.
اومت براسها وهي تمسح على شعره ووجهه وملامحها حزينة ماتبغاه يروح وجوده فالبيت مصدر أنس لها.
.
.
"شقة رياض ولينا".
قامت من سريرها بـ نُعاس ويدها تمررها بشعرها، وقفت مقابل المراية وهي تربط حزام قميص نومها على خصرها وتتكف وتتأمل ملامحها.
مررت أناملها على تقاسيم وجههآ إللي شبه ذبلت وغمضت عيونها، تنفست وهي تحس بالدفى يحاوطها وصدر يلتصق بظهرها ويدين تلم خصرها تحاوطها.
باغتها بـ قُبلة على رقبتها من ناحية أذنها اليسار وبهمس:
صح النوم يا حلوتي، شد عليها وهو يرجع يقبّلها.
ابتسمت بحيا وهي تفتح عيونها وتناظره بنظرات مرتبكة متشتتة من خلال المراية.
ناظرها هو الثاني مع المراية وباقي دافن وجهه برقبتها وبين شعرها وبهمس:
متى صحيتي !
مسحت على وجهها وبإبتسامة وبحة:
تو صحيت حتى مابعد غسلت وجهي.
ضحك وبعد عنها وقعد عالسرير:
قومي غسلي وبدلي ملابسك بنطلع.
ناظرته وهو صاد بنظراته عنها ودافن وجهه بين كفوفه وشناطهم عند الباب، تنهدت وراحت يم شنطتها فتحتها وطلعت لها لبس، مشت للحمام وبهدوء:
ببدل وأطلع ما بتأخر وانت شيل الأغراض حطها بالسيارة.
دخلت الحمام وغسلت وجههآ وناظرت بنفسها بالمراية بتفكير، فين بيروحون الحين !
أهله بيتهم مو ذاك الكبر ومو وسيع مرّة، حتى مُلحق كبير ماعندهم.
تنهدت وهي تسحب المناديل وتمسح وجههآ من المويا وتتناول ملابسها تبدل.
"فلة حامد".
طلع من غرفته وهو شايل شنطة صغيرة فيها كم لبس له، نزل تحت ولقي امه قاعدة بالصالة.
راح لها وباس كفوفها وراسها وحضنها وأستودعها الله.
طلع مع الباب الخلفي وهو يتلفّت خايف أحد يشوفه.
مشى لباب المُلحق الخلفي وطرق الباب ثواني وفتحت له نورة ناظر بيدها وكانت شايلة شنطتها أبتسم وهمس:
على بركة الله، خليك واقفة بهذي الجهة وأشر لها على جهة مقابلهم كلها أشجار بجانب الجدار.
ناظرها لثواني وهمس:
يمديك تتسلّقين !
ناظرت بالجدار وناظرته وبهمس:
إيه أقدر.
ابتسم وبحماس:
خلاص خليك هناك وانا بطلع واجيب السيارة بهذي الجهة من الشارع وتتسلقين وتطلعين ! لأن مع البوابة ماقدر فيه الحراس ومابغى أحد يشوفك طالعة !
عطاها قفاه ولف عليها بعد ماهمست له:
وشنطتي !
ابتسم وبهدوء:
وشنطتك هم بعد ارميها من فوق الجدار، ماقدر اطلع بشنطتين اذا احد شافني بيشك.
ابتسمت بهدوء ودنقت براسها وهو روح، بعد دقيقة كذا رفعت راسها عقب ماسمعت صوت البوري.
طفت اللمبات إللي على الباب وسكرت الباب وأخذت تمشي ببطء وحذر.
مسكت شنطتها ورفعتها رمتها من فوق الجدار وطاحت بالشارع ابتسمت وحاولت تنط وتتمسك بطرف الجدار لكن قامتها قصيرة ولا قدرت.
لفت ناحية الشجرة وتسلقت فيها وقدرت توصل لطرف الجدار مسكتها بيدينها وبتهوّر وسرعة سحبت نفسها ناحية الجدار ومع سحبتها كان فيه غصن ثقيل مكسور نصفه علق بعبايتها وشقها وجرح بطنها.
تأوهت بألم وغمضت عيونهآ، حاولت ترفع نفسها للجدار وكل ما وصلت لنهاية يثقل عليها جسمها وماتقدر ترفع نفسها أكثر، ارتخت يدينها وطاحت على الأرض تأوهت بألم عقب ما صدم ظهرها بجذع الشجرة ومن قوة الألم حسته جرح ظهرها.
أمّا عن مُراد فأخذ شنطتها ودخلها بالسيارة وقفل النور حق السيارة وأخذ يمشي بالشارع رايح جاي وكفوفه عند فمه متوتر تأخرت، وخايف يجيهم أحد يشوفهم.
قرب من الجدار وسمع صوت أهاتها الخفيفة، عقد حواجبه وهمس:
نورة إنتِ بخير ! جاوبيني !
وقفت ثاني وهي متألمة من ظهرها، حطت يدها على بطنها وعضت شفتها من بلل أناملها بطنها مجروحة !
تجمعت دموعها بـ عيونهآ وهي تحرك راسها بالنفي وبهمس:
لا ياربّ لايصير شيء يخرب علينا لا يارب !
ناظرت بالجذع ورجعت تسلقت ووصلت بصعوبة للجدار وتمسكت فيه وصعدت بعد جهد وتعب.
ناظرها مُراد وهي فوق الجدار وابتسم، فتح لها يدينه وبهمس:
بسرعة نطي.
ناظرته وهو فاتح يدينه واستصعبت فكرة إنها ترتمي بين يدينه، حركت راسها بالنفي وناظرت بالأرض وهي شبه دايخة.
عصب وبهمس:
مافي وقت يا نورة بسسرعة نطي تأخرنا ! قبل لاحد يفقدك بسسرعة !
بكل عناد وكبرياء رمت نفسها على الأرض وطاحت، وارتطم جبينها بكفر السيارة وتأوهت بألم، عضت شفتها بقققوة من ظهرها إللي يزيد ألمه أثر ارتطامها بالأرض !
عقد حواجبه وهو ينحني لها وملاحظ المها:
نورة فيك شيء !
وقفت بصعوبة وبهمس:
مافيني شيء يلا.
فتحت باب المقاعد الخلفية وركبت، ركب قدام وحرّك السيارة وكل شوي يلف عليها يناظرها.
منسدحة وملتمة حول بعضها وتتألم.
قطع ربع المسافة وخطوا خطواتهم خارج حدود المدينة، وهي مابين ألمها خايفة !
خايفة من ردة فعل حامد لو يدري إنها هربت !
واللي هربها ولده مُراد ! خافت على مُراد منه
خايفة من عدم تقبّل أهل أمها لها، وخايفة من مشوارها مع مُراد لحالهم !
طفرت دمعتها وهي بدوامة مابين ألمها ومخاوفها.
وقف بمحطة، ثواني وركب السيارة التفت عليها وبهمس:
نورة انتِ بخير !
فنحت عيونها وبتعب:
إيه.
عقد حواجبه وبهدوء:
فيه قدامنا مسجد ودورات مياة بوقف عندها انزلي لها غسلي وجهك انتِ واضح إنك مو بخير !
تقدّم بالسيارة ناحية المسجد ووقف، التفت عليها وبهدوء:
قومي يلا.
رفعت نفسها وعضت شفتها بقققوة تحاول تكتم ألمها وشهقتها، قعدت وفتحت الباب ناظرت بالمكان أللي حولها وكان المسجد قدامهم.
مشت له، ووقفها صوت مُراد المستغرب:
يانورة هذا قسم الرجال شوفي هناك قسم النساء ويأشر ناحية اليمين، اشبك انتِ !
مشت لقسم النساء وماردت عليه، دخلت لدورات المياة ونزلت عبايتها.
رفعت بلوزتها ببطء وعضت شفتها من جرحها، فتحت المويا وناظرت بيدينها إللي قست من تسلقها بالشجرة وبالجدار وفيها جروح خفيفة وغُبار عالق فيها من الشجرة.
غسلتهم وبللت اطراف اناملها ومسحت على جرحها، وهي مغمضة عيونها بقوة ورافعة راسها.
سحبت المناديل وبللتهم ومسحت جرحها زين وهي تقسى على نفسها وتحاول تتحمّل:
يلا يانورة هانت هانت.
عدلت لبسها ولبست عبايتها وغسلت وجههآ وخرجت.
ركبت فالسيارة والقت السلام بهمس، شغل الإنارة اللي بسقف السيارة ونقص صوت الإذاعة، مد لها علبة مويا وبهمس:
خذي بللي ريقك، تكلم بعد ثواني وبهدوء، مشيتك ماهي تمام قوليلي ايش يوجعك !
شربت من المويا وبهمس وهي تتسطح وتغمض عيونها:
مافيني شيء بس وانا أحاول أتسلّق طحت على ظهري وارتطم بالجذع وتعوّرت، وزاد الالم من عقب ما ارتميت على الأرض.
تنهد وبعُتب:
عنيدة الله يهديك، ارتاحي انتِ ومن نخش الرياض ادورلك صيدلية اخذلك منها كريم لظهرك.
تكلّمت بعد دقايق طال صمتها ومُراد يسوق ومستمع للإذاعة ومتوقع انو صمت نورة خلفه نوم:
مشكور مُراد.
ابتسم وبهدوء وهو يناظرها مع المراية:
على إيش تشكريني !
رفعت كتوفها ببرائة وبهمس:
على كل شيء سويته.
قعدت وناظرته لثواني وبهدوء:
خايفة عليك بعدين من أبوك.
ضحك ضحكة جانبية خفيفة وبهمس وهو يطالعها بطرف عينه ويسوق:
إيش بيسوي مثلاً !
رفعت اكتافها ونزلتهم وبهمس:
مدري، بس خايفة اكيد ابوك ما بيسكت وبيدورني لحد ما يلقاني.
.
.
"نُورة".
فتحت عيونهآ على أنفاس دافية تضرب بوجههآ ونبرة مبحوحة تناديها وكف دافي يحضن كفها.
ناظرته لـ ثواني بإستغراب شديد، التفتت حولها وبدت تستوعب !
متسطحة على ظهرها فوق جبل صخري مايل للسواد جمب الشاطئ والطيور تحلّق فوقهم والجوء أشبه ما يكون فجر.
ولابسة فستان ناعم من القطن مورّد وقصير، ناظرته وتأملت تقاسيم وجهه من عوارضه الخفيفة وشعره الكثيف المرفوع فوق وإبتسامته إللي تزيّن محياه.
إبتسمت من إبتسامته، ناظرها بنظرات عمييقة ويده ترتفع لناحية يسارها ويضعها على قلبها.
ناظرت بناحية قلبها وكان ينزف !
بدا كفه يتمرّر على قلبها ومع مروره يبرى جرحهآ، ويتلئم، وعيونه بـ عيونها مبتسم.
ناظرته وتدريجياً تتسع إبتسامتها من دون ما تظهر أسنانها، مرّت نسمة هواء باردة ارتفع معها جزء يسير من فستانها وتبعثر شعره المُرتب بـ عناية.
رجعت تناظر عيونه وهي متعجبة منه ! كيف ليده قدرة عجيبة بأنها تبري جرحها وتزيله ولا كأنه موجود.
قرب منها لين التصق أنفه بأنفها، غمضت عيونها بخجل وتوتر.
ثواني قليلة وفتحت عيونها وفزّت قاعدة بشكل سريع مما خلاها تتأوة وتوضع كفها على بطنها.
بلا شعور رفعت يدها لقلبها تتحسس وماكان فيها لا جرح ولاشيء.
ناظرت حولها وكانوا موقفين امام مسجد ومُراد مو فيه، ثواني وارتفع صوت الإمام بـ الصلاة.
زحفت وسندت ظهرها على الباب وجمعت رجولها لصدرها ونزلت راسها عليهم.
تجمعت دموعها بـ عيونها وهي تعيد الحلم بـ مخيّلتها وتحاول تفسره !
بلعت ريقها ببطء وهي تفتكر صاحب الحلم "يوسف مُدير شركة أبوها، وإللي زارهم قبل وصادفته بالحوش لما كان الجو مطر".
ارتجفت وهي تشد على نفسها وتبكي بلا سبب، ايش جابه لها وليه كانت وضعيته بالحلم كذا !
وليه كانت تناظره وتبتسم له بدون خوف ! وليه كان يناظرها بنظراته العميقة ومسح على قلبها وبرى جرحها !
اسئلة كثيييرة كانت تدور براس نورة مما خلاها تجهش بـ البُكاء وتدفن وجههآ بين رُكبها.
بقت على حالها دقايق معدودة وهي تبكي والحلم مازال ينعاد بمخيّلتها، عجزت تفسره وتفسر سبب خوفها وبُكاءها منه.
سكنت عن الحركة بعد ما فتح الباب مُراد وسند ظهره عالمقعد ومسح وجهه بكفوفه ويتنهد بتعب.
همس لها بهدوء وهو باقي مغمض:
وقفت اصلي الفجر وماحبيت أصحيك، ودامك صحيتي قومي روحي صلي.
ماردت عليه وغطت عيونها ولمت نفسها وفتحت الباب وخطت خطواتها ناحية المسجد.
مرّت نسمة هواء باردة حركت عبايتها، وذكرتها باللحظة اللي مرت فيها نسمة هواء بالحلم وبعثرت شعر يوسف ورجعت تبكي.
دخلت دورات المياة وتوضت وهي تغسل وجههآ كذا مرة تحاول تهدي نفسها وتوقف البُكاء.. لكن من دون فايدة.
دخلت المصلى وكبرت تصلي، انهت صلاتها وهي تستغفر بسبب شرودها بـ الصلاة وعدم تركيزها.
ضغطت بأصبعينها على عيونها وهي تهدي بنفسها، وتدعي الله ييسر أمورها.
سرحت بـ السجادة الحمراء وبلا شعور نزلت يدها لـ ناحية قلبهآ تتلمّسه، فزت وهي تستغفر وتحرك راسها بـ النفي تحاول تنسى أو بالأصح تتناسى الحلم.
خرجت من المسجد وتلفّتت حولها وهي متكتفة وتدريجياً ارتسمت إبتسامتها على وجههآ من جوّ الرياض إللي يرد الروح !
وعت من سُرحانها على صوت مُراد :
عجبك المكان !
التفتت عليه واومت براسها بإيه وهي خجلانة.
ابتسم ودخل يدينه بجيوب جاكيته:
بندوّر مكان نفطر فيه وثم نروح الفندق ننام نرتاح، والعصر نروح نشوف أهل أمك، قال كلمته الأخيرة وهو مبتسم ويطالعها.
إبتسمت وشدت على نفسها وبهمس:
خشّينا الرياض !
جاوبها وهو يمشي قدامها للسيارة:
لا باقي مسافة قليلة، تقريباً شبه وصلنا، ناظرها وهو فاتح باب السيارة وقبل ما يركب، علامك واقفة ! يلا تعالي الجو بارد وانتِ مو لابسة لبس ثقيل.
زمت شفايفها بإحراج وركبت السيارة، وفركت كفوفها ببعض من برودتهم ما معها لبس ثقيل !
نزل جاكيته ومده لها وبإبتسامة:
خذي ألبسيه.
ناظرته لثواني وحركت راسها بالنفي مستحية.
رفع حاجبه:
نورة لا تعاندين عادي خذي ألبسيه، شوفي كيف ترتجفين ويدينك تفركيهم ببعض!
مدت يدها ببطء وأخذته منه ولبسته بتردد، ناظرت يم النافذة وهو حرّك السيارة.
سندت جمبها على الباب وجبينها على النافذة وهي تتأمل الشوارع والسيارة تمشي.
والجو على بدايته صباح، شدت جاكيته عليها لجل تدفى ومع شدتها داهمتها ريحة عطره المركزة بجاكيته.
سرحت بخيالها وهي تشوف المطر بدا ينزل وقطراته تنساب على النافذة، ومع كل قطرة تنهال عليها مواقف.
ناظرها مُراد مع المراية الأمامية وكانت شاردة وسرحانة حييل، طِفلة بكل أحاسيسها.
بعد مرور ربع ساعة وقف عند مطعم صغير، طفى السيارة وقدّم راسه سند فكه على الدركسون وهو يناظر الاجواء من القزاز الأمامي وباقي السماء تمطر !
وعت من سُرحانها بعد ماحست بالهدوء، ناظرته وقرّبت منه ببطء وبهدوء وهي شابكة كفوفها ببعض:
ليه ساعدتني !
ناظر عيونها مع المراية الأمامية لثواني طال صمتها واكتفى بالصمت ما ردّ عليها !
بملامح هادية خالية حتى من إبتسامة !.
صدّت عنه وهي تناظر بالشارع مع النافذة اللي على يمينها وبهمس:
أحب المطر.
تكلّم بهمس وهدوء وهو يطالعها مع المراية:
وكاهو المطر نزل يا حبيبـة المطر !
ناظرته بشكل سريع من كلامه وصدّت بنظراتها بإرتباك، كلامه المعسول إللي يطلع منه من دون تكلّف يوتّرها.
نزل من السيارة متجاهل قطرات المطر الغزيرة، دخل المطعم ربع ساعة كذا رجع وهو شايل بيده أكياس.
لمحته وهو واقف عند باب المطعم وعيونه تحدّق بالمكان وكأنه يبحث عن شيء.
تنهدت وهي تمسح وجههآ وتنزل جاكيته، تبغى توصل بأسرع وقت ما تبغى تطول دقايقها معه !
تخاف يحصل إللي ببالها، تخاف على قلبه يتأذى.
.
.
"بيت أهل رِياض".
~
صحت من نومها وناظرت بـ السقف، تدريجياً بدت تستوعب المكان إللي هم فيه.
لفت ناحية يسارها وماكان رِياض موجود، قعدت وهي تمسح وجههآ، لمّت شعرها وهي توقف وتناظر بالغرفة،
جو بيت أهل رِياض ودخلوا غرفته قبل ما يتزوّج.
طلعت لبسها من الشنطة ورجعت قعدت عالسرير، مافيه حمام بالغرفة ولو بغته لخرجت من الغُرفة وحمام مشترك بالبيت وحست صعوبة بـ هالشيء!
تنهدت وهي تغمض عيونهآ وترد تفتحهم بصبر:
الله يهديك يا رِياض، لبست جلالها وأخذت احتياجاتها من فرشاة ومعجون..الخ، وخرجت من الغرفة.
مشت بإحراج للحمام وهي تتلفّت حولها.
بعد مرور دقايق خرجت من الحمام وهي راجعة لغرفتها لمحتهم جالسين بـ الصالة يفطرون.
نادتها أم رياض "مريم" ووقفت، فركت اصابعها ببعض وهي تسرع خطواتها للغرفة وتترك اغراضها عالسرير وترجع لهم.
قعدت على الأرض وهم فارشين السفرة بفطورهم البسيط، ابتسمت بربكة وهي تقطع الخبز وتسمي وتبدا تاكل معهم.
رفعت راسها بسرعة من كلام أبو رياض:
جيتوا للبيت وشايلين معكم شناط ! عسى ماشر !
ناظرته وناظرت أم رياض والبنات وبكذب رفعت اكتافها ونزلتهم وبهمس:
مدري.
ناظرها بتركييز وبنظرات أربكتها، وهو مو مصدّق كلامها، أرتشف من الشاي وبهدوء:
الله أعلم وش مسوي رِياض ولا تبغين تعلّمين عليه، لكن مصير كل شيء يبان.
ماردت عليه وظلت تاكل بهدوء، ماتبغى تقوله ويزعل عليها رياض.
.
.
أنهى مُكالمته وهو يوقف عند الفندق إللي وصفه له صديقه، نزل ونزلت وراه تجرّ خطواتها، مو عاجبها الوضع !
كافي انهم خرجوا من المدينة لحالهم وبطريق سفر، بعد الحين بيتشاركون المنام !
دخل وأشر لها تقعد، ثواني وجاها وبيده مفتاح مده لها وبهدوء:
خذي هذا المفتاح، حجزت لنا غرفتين مقابلة بعض، وهذا مفتاح غرفتك بالطابق الرابع غرفة ٢**, روحي إنتِ ارتاحي وانا عندي شغل بطلع.
ناظرته واكتفت بالهدوء.
عقد حواجبه ولوّح بالمفتاح قدام عيونها ورفع حاجبه !
اطال نظره فيها وألتمس بنظراتها الخوف والبراءة، نزل عيونه لأصابعها إللي متشابكة وترتجف !
إبتسم وقام:
طيب لا تخافين تعالي انا أوصلك ثم أطلع.
قامت ومشت وراه وهي مبتسمة بخفّة ومرتبكة، كيف التمس بنظراتها الخوف وعرف اللي يدور بخاطرها من دون ما تتكلّم !
صارت تمشي وراه وهي تناظر بمداخل الفندق وفخامته وهي لأول مرة تدخل فندق !
عاشت حياتها بـ القرية ولاتعرف الفنادق ولا كيف تكون، فكيف يعطيها المفتاح ويطلب منها تروح لحالها !
وصل لعند غرفتها بعد مرور وقت، فتح الباب ومد لها المفتاح:
ادخلي وقفلي الباب ولاتفتحين لأي أحد، اومت براسها بهدوء وهي تشتت نظراتها عنه، همس لها بحنية، جوعانة !
حركت راسها بالنفي وهي تبتسم بتوتر وحيا.
أشر لها بيده وبهمس:
أدخلي.
خشت ولفت تناظره وهي بتسكر الباب، نزل نظره لـ جزمتها وبإنحراج رجعتها على ورى وخبتههم بأطراف عبايتها.
إبتسم بخفة وتركها، سكرت الباب واخذت نظره على الغرفة، مشت للسرير ونزلت حجابها، خلخلت اناملها بشعرها وهي تتنهد بتعب.
انحنت تنزل جزماتها وانحرجت من نظرات مُراد لهم، ناظرتهم وكانوا مع جوانبهم متشققين وحالتهم رديئة.
نزلتهم وارتمت على السرير، غمضت عيونهآ بتعب ماتبغى تفكر بشيء، لا بحنيّة مراد ولا بإستقبال أهل أمها لها ولا بتصرّف حامد ولا بشيء.
.
.
أما عن مُراد فخرج من الفندق وهو الثاني مُرهق، أخذ يمشي بالشارع وهو يمسح وجهه ويضغط على عيونه بتعب.
صغّر عيونه وهو يناظر بالمحلات إللي تجاور الفندق، توجه لأحد المحلات النسائية.
سمى بالله ودخل المحل، دخل كفوفه بجيوب جاكيته وهو يتفحّص الأغراض.
ابتسم وهو يتخيّل صغر حجمها، مشى لقسم الجاكيتات وأخذ لها جاكيت رمادي.
بعد مرور ربع ساعة، توجه للكاشير وهو شايل لها أغراض والأهم من ذا كله جاب لها "جزمة بُنية جلد بدل جزماتها".
.
.
"بوقت الظهر، فلّة حامد".
قاعدين على الطاولة يتغدون، الصمت سائد فقط يكسره صوت إرتطام الملاعق بالصحون.
تكلّم حامد كاسر الصمت:
وين بنت سيّاف ماشفتها اليوم !
بالعادة أشوفها الصبح قاعدة فالحديقة عند الورد، اليوم ماهي مبينة.
ناظر بـ إيثار ثم زوجته حصة، رفعت أكتافها حصة وهي تاكل وبهمس:
مدري ما شفته، مارحت يمها.
ناظر بـ إيثار :
وانتِ يالي دايم تروحين لها ماشفتيها ؟.
حركت راسها بـ النفي وهي تمضغ بلقمتها وبهمس:
رحت لها قبل ساعتين طقيت الباب وماردت وشكلها نايمة.
اومى براسه وبحزم:
بس تاكلين تروحين تصحينها.
ناظرته وبسرعة نزلت نظراتها من حدّة عيونه، ولحيته إللي يغطيها الشيب، ملامحه تبث الرهبة والخوف بنفسها.
بعد ساعة خشّت البيت وركضت للصالة، وقفت يم أبوها وهي تلهث وبنبرة متقطعة: أرتشف من كوبه ولف يم حصة ناظرها وبهدوء:
اتصلتي ف مُراد !
اومت براسها بـ إيه وبهمس:
اتصلت قبل ساعة بس ما رد علي، شكله نايم، بس يصحى وينتبه للجوال هو يتصل علي.
دخلت الصالة وهي تركض، وقفت مقابلهم انحنت واضعة كفوفها على رُكبها تحاول تستجمع أنفاسها وبنبرة متقطعة:
ي.. ب.. بترت كلمتها بشهقة.
فزت أمها ومسكتها مع كتفها:
بسم الله عليك شفييك !
تنرفز أبوها وبعصبية:
أنطقي يا بنت علامك ! ما تتحكّين !
ناظرته وبلعت ريقها، تكلّمت بصعوبة وخوف:
يبه نورة مو فيه.
ناظرها بحدة وهو وده يقوم يكوفنها بعصاته، داخلة عليهم مفزوعة وبالنهاية تقول نورة مو فيه.
ناظرتها أمها بنصف عين وقعدت عند أبوها:
الله يهديك خوّفتينا وبالنهاية كذا !
ماعليه يمكن تلقينها بالحديقة أو بأي مكان.
زمت شفايفها وشبكت أصابعها ببعض وبهمس مرتجف خايف:
دورتها مالقيتها، يايمة حتى أغراضها مو فيه ولا عبايتها !
عقد حواجبه حامد لثواني، وقام زي المقروص مسك إيثار مع كتفها وبحدة:
انتِ واعية للحكي إللي تقولينه !
شلون ماهي فيه ولا اغراضها فيه، انا رايح اشوف لكن ان لقيتها وطلعتي تلعبين انتِ والله أدفنك بأرضك.
ناظرت أمها عقب ما راح ابوها وشفايفها ترتجف، طفرت دمعتها وارتمت بحضن أمها تبكي:
يمممة والله مو فيه نورة، فين راحت وهي ماعندها أحد غيرنا !
تنهدت أمها وأخذت تمسح على شعرها وبهدوء:
تلقينها رايحة لأحد صديقاتها ولا لعمانها ولا أي احد.
فزت من حضن أمها وعيونها تدمع وبخنقة:
يممة نورة ماعندها صديقات الّا بالقرية، ولو راحت عند عماني بتقولي انا أمس.
.
دخل المُلحق وأخذ يفتش فيه مالقي لها أي أثر، أخذ يناظر بأنحاء الملحق وهو حاد نظراته وشاد قبضة أصابعه بغضضب شدييد.
طلع من المُلحق ورمى العصا بطريقه وراح يم الحراس وبصصرخة:
تعالوا هنا بسسرعة، جوه ركض خايفين وبعصبية، شفتوا أحد خرج من هالبيت من البنات !
ناظروا الحراس ببعض وحركوا راسهم بالنفي.
صصرخ بغضب:
كييف ما شفتوها وهي خارجة !
البنت ماهي فيه، شلون خرجت يعني !
غمض عيونه بغضب شديد وهو راص على أسنانه، فتحهم ورمقهم بنظرة يتوعدهم فيها، دخل البيت ومسك جواله بدا يتصل على أخوانه وخواته ولا لقيها عندهم.
رمى جواله وشات الطاولة وطاحت من فوقها الصينية وتكسر إللي فيها، غمضت عيونها ايثار وتخبت ورا أمها، وريّا واقفة ببداية الدرج توها صاحية من نومها تناظرهم بخوف.
تكلّم بعصبية وهو يشوت فالقزاز المكسور:
فيين راحت !
الحرّاس يقولون ماشافوها وهي خارجة، ولا هي عند اخواني وخواتي، هاربة أجل !
بنت سيّاف أخو حامد هربت منهم وش بيقولون الناس عنّا سوّدت وجيهنا، شد قبضته وعيونه جاحظة وبغضب، والله لأدفنها وهي حية
طلع من البيت وخطواته تتسابق، ووجهه متجهّم غضبان.
ارتمت إيثار بحضن أمها وهي تبكي وتضرب خدودها بكفوفها:
ياويلي ياويلي والله يقتلها !
مشت ناحيتهم ريّا وهي مو فاهمة ايش صاير، قعدت على الكنب وهي تناظر أمها وإيثار.
ابتعدت امها عن إيثار وقعدت على الكنب ورجولها ما تشيلها، كأنهم ناقصين هالشيء بس.
رن جوالها وجابته لها ريّا ركض.
تناولته ومن شافت الأسم فتحت الخط وبنبرة مخنوقة:
هلا.
عقد حواجبه مُراد وهو يسند الجوال بكتفه على أذنه ويفتح باب غرفته:
يمة شفيك ؟.
ابتسمت بذبول وبهمس:
مافيني شيء يمة، انت كيفك والحمدلله على سلامتك وصلت الرياض؟
ابتسم وهو ينزل أكياس الغدا على الطاولة:
الحمدلله، الله يسلمك اعذريني يابعد راسي وصلنا عقب الفجر وأخذتني نومه نسيت اتصل.
عقدت حواجبها أمه وبهمس متعجّب:
وصلنا !
مين رايح معك، ماقلت لنا إن أحد بيخاويك ؟
اتسعت حدقة عيونه بوهقة وعض طرف شفته وبتصريفه ممزوجة بضحكة:
ههه قلت وصلنا ! توي صاحي مو منتبه لكلامي، لا لحالي رحت يمة مامعي احد، يومين وراجع مو مطوّل.
تنهدت أمه وهي تضغط على راسها:
صار إللي ما حد يتوقعه !
سند ظهره على الكنب وكأنه عرف مقصد كلام أمه "عرفوا ان نورة مو موجودة" وبتمثيل:
عسى ماشر وش إللي صار ! من رديتي علي صوتك متغيّر !
بدت تسرد له إللي صار، وهو مرّة يبتسم ويحاول يغيّر نبرة صوته للصدمة ويمثّل عليها ومرة يخاف فعلاً من قلبه من أبوه.
سكر من أمه بعد ما خلصوا المكالمة، وقف واخذ يمشي بالغرفة وهو عاض على قبضة يده.
يدري إن أبوه يقدر يطلّع مكان نورة بأقل من يوم، ويخاف يوصلها أبوه وهو ما وداها أهلها، وتكون عنده ويسوّد عيشته هو وهي.
شال الأكياس، حق الغدا والاغراض إللي جابهم لنورة وخرج من الغرفة.
توجه لغرفتها وأخذ يطق الباب، وبعد دقايق ردّت عليه بنبرتها المبحوحة من النوم.
سألت وجاوبها وراحت تلبس حجابها ثم فتحت له، دخل وسكر الباب وناظرته بأستنكار:
يبدو إنك أخذت راحتك بزيادة ! تدخل وتسكر الباب بعد !
ناظرها لثواني بذهول وضحكة، ثم أستوعب كلامها، ترك اكياس الغدا على الأرض ومد لها الاغراض:
خذي أجل، وتغدّي وعقبه نطلع يم أهل أمك نشوفهم.
طلع من عندها وسكر الباب، وقف برا وهو ماله نفس ياكل مع انه كان جوعان، بس خوفه وتوتره منعوه من الأكل.
ماحب يقولها عن أبوه وغضبه لجل ما تخاف وتبطل تاكل.
.
.
"بيت أهل رياض".
دخل الغرفة وهو تعبان ومرهق، وماله خلق لأحد، تركت المشط على التسريحة وناظرته وهي تربط شعرهآ.
ناظرها وأرتمى على السرير وبهمس:
أخخ بس.
جاته وقعدت يمه ومسكت كفه، انحنت وباست خده وبهمس:
أكلت !
حرك راسه بالنفي ودفن راسه بحضنها:
لا مالي نفس، من الصبح أدور لي شغل
-
"رِياض ولينا".
سكتت وهي تمسح على شعره وتفكر، فين بيلقى وظيفة وهو مامعه غير شهادة الثانوي !
ضحكت على جمب بسُخرية على حالهم وهي تضغط على راسه.
رفع راسه من حضنها وناظرها زم شفايفه وبهدوء:
سددت دين البقالة، باقي فواتير الكهرباء وحق العمارة.
عقدت حواجبها وبهمس وهي تناظره بتركيز:
سددت ! من وين لك هالفلوس وانت توّك تقول مالقيت شغل !
رفع راسه وبهمس:
تسلفت من واحد من أخوياي.
رصّت على أسنانها وبغضب:
رياض إنت بس تتسلّف وتزيد الطين بله !
ضرب السرير براحة يده وبغضب:
عندك حل هاتيه، تدينت منه وسددت حق البقالة وبكذا يهون علي هو مراعيني ولا يطلبني فيها هالوقت، لكن حق البقالة بيطلبني زي البقية.
وقفت وناظرته بققهر وغضب وطلعت من الغرفة وسكرت الباب بققوة.
فتح فمه بيناديها لكن تراجع وسكر اللمبة وارتمى على السرير ينام.
ماهو بوضع يسمح له يروح يشرحلها ويراضيها.
.
.
"فلّة أهل يوسف".
فتحت باب غرفته وطلّت براسها، رفع راسه بعد ماحس بفتحة الباب وإبتسم وهو يسكر الكتاب:
حياك أمي تعالي.
جات يمة وقعدت على السرير مقابله، إبتسمت وهي تنزل نظارته الطبية وتتركها على الكتاب:
كيف أمورك ودوامك !
تكلم بهمس مبحوح وهو مبتسم:
هاتي زبدة كلامك يا ميمتي بلا مقدمات، قريت بعيونك حكي.
ناظرته لثواني ومسحت على يده:
أبوك ارسلني لك، سكتت وهي تناظره أومى براسه بإيه، استرسلت بكلامها وبهدوء:
أبوك يبغاك تتزوّج.
سكت وهو يناظرها بنظرات هادية، باس كفها وابتسم والتزم الصمت.
استبشرت خير من إبتسامته وبفرحة:
موافق !
غمض عيونه وحرك راسه بالنفي وبهدوء:
امي انا ماقلت لك موافق، تنهد وصد عنها وبهمس، مابعد لقيت بنت الحلال إللي أتمناها زوجة لي.
مسكت فكه بأطراف اناملها ولفته يمها وبهمس:
بنفسك وحدة !
ابتسم بذبول، وبتصريفه:
لا ماكانت لا تحاتين انتِ، وقولي لأبوي يأجل سالفة الزواج لبعدين.
تنهدت أمه وهي تمسح على كفه:
أبوك شكل حاط عينه على بنت عمتك فاتن.
"ذكرت أحداث لها ببارت (١٠٣)".
عقد حواجبه وحد نظراته ورمى الكتاب من فوق فخذه لفوق السرير بقوة:
حشى لله ما طاحت عينه الا على هذي !
استغفرالله بس مابتكلّم فيها، لكن قولي له مايبغى يتزوج هالفترة ولا يروح بتسرّع ويخطبها لي.
ابتسمت وبهدوء:
لا تخاف ابوك ما يجبرك على شيء، ولا يسوي شيء من دون رضاك.
باس راسها ووقف معها، مشى وهي تمشي معه وطلعوا من الغرفة.
.
.
"عقب آذان صلاة العصر.. الرياض".
طرق الباب عليها وسمع صوتها، قرّب من الباب وبصوت جهوري:
انا رايح أصلي تحت، وانتِ صلي وجهزي أغراضك، بنروح لأهل أمك.
تركت الأغراض من يدها وقعدت على السرير وهي تضغط على بطنها بألم توترت.
مسحت على وجههآ وهي تتنفس بعمق كذا مرة ورا بعض وتهدي نفسها وتطمنها.
وقفت تكمّل لبسها، ناظرت بنفسها ولابسة جينز غامق قماشه رطيب ضيق وبلوفر من الصوف لونه بيج جابه لها مُراد.
لبست عبايتها وراحت تلم اغراضها عالسريع، ضحكت بخفة وهي تشوف بالكيس جايب لها شراريب مع الجزمة.
لمت اغراضها وصلت العصر ولبست نقابها وشنطتها، والجاكيت بيدها.
سمت بالله وخرجت من الغرفة، تلفتت حولها بقل معرفة وهي تمسح كفوفها ببعض، فزت بخوف وناظرته.
إبتسم وهو يحط يدينه بجيوب جاكيته:
أفزعتك !
حركت راسها بالنفي وبسُخرية:
لا أبد بسم الله عليك.
ضحك وهو ياخذ مفتاح الغرفة من الباب وينزل مع الدرج وهي وراه تمشي.
نزلوا وسلم المفاتيح وخرجوا من الفندق، لفت عليه وهم يمشون بالشارع والأجواء باردة والسماء شبه مغيّمة؛
ليه سلمت المفاتيح بترجع المدينة اليوم ؟.
اومى براسه بهدوء، وفتح باب السيارة:
إي برجع، مابغى اطوّل.
ركبت السيارة بالمقعد الخلفي وكأنها عرفت ليه يبغى يرجع، تكلمت بهمس عقب ماركب:
ليه لازم ترجع ولا ودك تطوّل !
خايف أبوك يشك فيك إنك ماخذني معك ! رجعتك بشكل مبكر هذي بتشككه فيك، وخصوصاً انه يعرف إن أهلي بالرياض، ولاني حابة أسببلك مشاكل لكذا أقولك أقعد بالرياض، بس غيّر المكان إللي انت فيه.
ناظرها مع المراية الأمامية وهو حاط يده تحت خده وبهمس:
ابوي راح يعرف إني ساعدتك وهرّبتك الحين او بعدين، هو بس يشك فيني !
واذا شك راح يسأل بفنادق الرياض ويعرف اني استأجرت غرفتين بأسمي وانا قايلهم إن مامعي أحـ،، قطع كلامه وهو يتنهد ويشغل السيارة:
يلا مالازم نفكر باللي يصير، وماني بصغير لجل أخاف من أبوي وماشوف نفسي سويت شيء غلط، أرضيت ضميري، ابتسم إبتسامة جانبية وهو يناظرها مع المراية، وميين قدك !
رايحة تشوفين أهل أمك !
ضحكت وهي تلف يم النافذة، وتتأمل بالشوارع، وكل خطوة تمشيها السيارة تحسّها تزيد شوقها لأهلها.
وخاطرها تطوي هالمسافات وتلتقي بهم بأسرع وقت.
حط يده تحت فكه يحك عوارضه الخفيفة وعينه على الطريق وبباله المُكالمة إللي دارت بينه وبين عمه لافي ومنه أخذ عنوان أهلها، وقال لعمه عن فكرته وإللي نوعاً ما لاقت رضا عند لافي، يثق بـ مُراد والأمر ما أشكل عليه.
ولو كان أحد غير مُراد مستحيل يوافق يطلعون من الرياض لحالهم.
بعد مرور نصف ساعة، دخل حي راقي تحكيه البساطة واللباقة، تكلّم بهمس:
وصلنا.
رفعت راسها بسسرعة وأخذت تناظر بالحي وقلبها ينبض بقوة ومتشفقة خاطرها تشوفهم.
وقف عند سوبر ماركت الحي ونزل يسأل، تبعته نورة بنظراتها وبجوفهآ تدعي ربها ييسر أمورها.
دخل السوبر وألقى السلام وبدا يسأل عن أهلها:
بغيت أسألك من بعد أذنك عن عايلة آل عمران هم ساكنين بهذا الحي !
ناظره الكاشير وحرّك راسه بالنفي، زم شفايفه مُراد وبخيبـة ؛
ماتعرف عنهم شيء نهائياً، التفت عقب ماحس باليد اللي لامست كتفه ورفع حاجبه.
ابتسم له الرجال إللي كان بحدود عمر الـ ٤٠:
انا أعرفهم، ترك الأغراض على الطاولة وأشر للمحاسب يحاسب والتفت على مراد، نطلع برا وأقولك.
طلعوا ووقفوا برا ونورة تناظرهم، تكلّم الرجال وهو يوصف الطريق لـ مراد:
من هذي الجهة على يدك اليسار تلقى بيت لونه بنّي وكبير تقريباً، يتوسّط الشارع، لكن هذا البيت مو بيت كبيرهم عبدالعزيز إللي سألتني عنه،
هذا بيت بنتهم موضي، أمهم وأبوهم كانوا ساكنين بنفس هالحي ومن مات جدهم باعوا البيت لجل الورث وأمهم عاشت عند بنتها موضي، وعبدالعزيز وأخوه هادي ساكنين بحي ثاني وهالحي فيه بس بنتها موضي وبنتها الثانية سامية وولدها الصغير سالم.
أبتسم وصافح الرجال:
يعطيك العافية ما قصرت، كثر الله خيرك حتى علمتني بالعايلة كلها وعرفت مين إللي ساكن هنا ومين إللي ساكن برا.
مشى للسيارة ورفع راسها شافها تناظرهم، ابتسم واومى براسه.
من حركة راسه المتها بطنها وبحركة تلقائية حطت يدها على بطنها، عرف مكانهم بالتحديد يعني قرّب اللقاء !
ركب السيارة ومشى سالك الطريق الموصل بيت خالتها، دقايق ووصلوا، وقف عند البيت وناظره ثم ناظرها.
تكلمت بهمس ونبرة مرتجفة؛
هذا هو !
اومى براسه بهدوء وبهمس:
إيه.
اخذت تناظره وهي خايفة جداً، خايفة ما يستفبلونها، زم شفايفه وبعد دقايق بدا يسرد لها نفس كلام الرجال لجل تكون على بيّنة.
تنهدت وهي تناظر بالبيت، كان عندها أمل ان تلقى احد من جدانها عايش ببيت لحاله وتعيش عندهم ماتبغى ترجع لـ عمانها، لكن دام جدتها عايشة عند أهل خالتها بتصعب الأمور.
فتحت الباب وببطء نزلت ومن الربكة اخذت تعدل بنقابها، تكلم بهدوء؛
تبغين انزل معك !
ناظرته لثواني طويلة وحست بخنقة وحسرة بجوفها، ماعندها اللي تسند نفسها عليه او تقوي نفسها بقوته بزي هالمواقف، تمنت يكون أحد حولها !
تكلمت بهمس وهدوء:
لا.
فتح فمه بيرد عليها وعذر، التمس بعيونها نظرات الخوف لكن معها حق كيف يروح معها وهو مو محرمها وفقط ولد عمها !
نزلت وأخذت تمشي بتردد وهي شابكة أصابعها ببعض وتفرك فيهم بتوتر.
وصلت لعند الباب ورفعت يدها إللي ترتجف بتضغط الجرس، لامس سبابتها الجرس وسُرعان ما ازاحت أصبعها ورجعت للسيارة بخوف.
التفت عليها مُراد وهو عاقد حواجبه:
علامك !
ماردت عليه وهي دافنة وجههآ بين كفوفها وتاخذ نفس عمييق.
ماتقدر تدخل عليهم وهي بهذا الوضع، من توتر وخوف واتلف أعصابها التفكير بردة فعلهم.
حسّت بدموعها بمحجر عيونهآ، ليه حياتها كذا !
ليه عاشت حياتها جاهلة أهل أمها وأهل أبوها، ليه ماعندها أخوان ينسدونهآ وحتى من رزقهآ الله بالرجال إللي أمنت فيه وإنه بيسندها ويساعدها عاجلته ألمنية ومات.
استغفرت من تفكيرهآ، ونزلت وهي تاخذ نفس عميق خلف بعض.
رنت الجرس وثواني فتحت لها بنت صغيرة فاتحة شعرها ومايل للبُني ولابسة بيجامة وردية.
ناظرتها وبإستغراب ونبرة طفولية رقيقـة:
مين ! تبين ماما ؟
أبتسمت نورة ومسحت على شعرها؛
جدتك فيه ؟
اومت براسها البنت، واسترسلت نورة بحكيهآ، روحي قولي لماما موضي فيه وحدة برا تبغاك.
ركضت البنت لداخل وثم رجعت أشرت لها بيدها تناديها تدخل.
لفت نورة وراها وناظرت بـ مُراد وابتسم لها وأومى براسه لجل تتشجع؛
ادخلي وانا ببقى هنا ما بروح بستناك.
ابتسمت ودخلت وهي تسمي وتدعي الله يقويها، قابلت بطريقها خالتها موضي ووقفت تناظرها لثواني طالت للدقايق.
وخالتها تناظرها بإستغراب، مشت ناحيتها نورة وهي تجر خطواتها جرّ تحس رجولها ما تشيلها.
وصلت عند خالتها، وناظرتها وثم ما تحمّلت وارتمت بحضن خالتها وبكت.
خافت موضي وببطء رفعت يدينها ومسحت على ظهرها، بعدتها عنها ونورة مازالت تبكي وتحاول تتماسك وبهدوء:
علامك يا بنتي !
تشتكين من شيء ؟ مين إنتِ !
حركت راسها بالنفي وبنبرة متقاطعة وهي تبكي:
لـ..ا، أنـ..ا بـن.ت فـ..اطمة.
لفظت أسم أمها وهي تشهق وترجع تجهش ببكائها.
عقدت حواجبها موضي وهي تعيد جملـة نورة "لا أنا بنت فاطمة" ببالها وتحاول تفهم قصدها:
طيب يا حبيبتي أهدي أهدي وفهميني إيش فيك.
أخذتها لداخل البيت ودخلتها الصالة، قعدت على الكنب وتركتها موضي رايحة للمطبخ تجيب لها مويا.
نزلت نقابها نورة وهي تضغط على وجههآ وعاضة شفتها، القوة إللي تصنعتهآ راحت هباء منثور أول ما شافت خالتها وألتمست فيها ريحة أمها.
قعدت جمبها موضي وناولتها المويا، شربته وظلت ماسكة الكوب وتناظر فيه.
وضعت موضي كفها على كتف نورة وبإبتسامة:
والحين قولي لي ايش فيك يا يمة !
ابتسمت نورة من بين حُمرة ملامحها وببحّة:
إذا امك موجودة ناديها واقول إيش فيني.
ناظرتها موضي لثواني بإستغراب وقامت:
أمي نايمة لكن أروح أصحيها الحين.
وقفت نورة معها وبتردد:
بروح معك.
ناظرتها موضي وعاقدة حواجبها ومستغربة منها وبهمس:
طيب تعالي معي.
مشت للغُرفة بجانب الدرج ونورة تمشي وراها وهي تناظر بالبيت وبزواياه، وتتأمل قامة خالتها وطول شعرهآ وبنفسها تفكر يا تُرى تجيب من أمها شبه !
أمها فاطمة إللي صارت ملامحها شبه منسيـة بذاكرة نورة ولا تذكر ملامحها بالتفصيل.
فتحت الباب ببطء وناظرت موضي بأمها إللي كانت صاحية وساندة ظهرها على ظهر السرير وخلفها خُدادية وممدة رجولها.
ابتسمت موضي وبهدوء:
زين اللي صاحية، حسبتك نايمة وخفت اصحيك ازعجك.
ابتسمت أمها وأشرت لها تجي وهي تضرب السرير بكفها:
لا يمة صحيت من شوي تعالي هاتي إللي عندك.
دخلت موضي ووقفت مقابل الباب وناظرت بنورة إللي واقفة برا.
دخلت نورة بهطوات بطيئة وناظرت بجدتها القاعدة عالسرير.
عضت شفايفهآ وهي تحاول تمسك نفسها ما ترجع تبكي.
مشت بخطوات بطيئة ثقيلة على قلب نورة قبل ما تكون على الأرض.
وصلت لعندها وجدتها تناظرها بإستغراب، قعدت وانحنت تقبّل يدها المليانة تجاعيد وحضنتها بين كفوفها وأخذت تقبّل فيهم قُبل تتلو بعض.
وجدتها تناظر بـ موضي وتأشر لها بعيونها "مين ؟".
حركت موضي أكتافها بـ "مدري".
رفعت راسها نورة وناظرت بجدتها بـ هيام، وهي تشم فيها ريحة أمها، وهمست:
ناظريني يا جدتي !
ملامحي ما تذكرك بشخص غاب عنك كثير وطالت الأيام بـ غيبته !
ارتجفت يد جدتها إللي بين كفوف نورة خوفاً من كلام نورة الغريب والتزمت الصمت وهي تمرر نظراتها بين تقاسيم وجه نورة.
ابتسمت نورة وبألم:
ماتشوفين فيني بنتك فاطمة يا جدة ؟
شهقت جدتها وحطت يدها على فمهآ وجحظت عيونهآ وهي تناظرها، اسرعت موضي بخطواتها ووقفت جمب أمها مقابل نورة تتأمل فيها " هذي بنت فاطمة !
ياما سمعوا إن فاطمة عندها بنت وحيدة، هي إللي رزقها الله بها وماتت ونورة بـ عُمر الـ ١٠ سنوات وكانت رغبة أمهم تاخذها وتعيش عندها لكن سيّاف رفض وفضل تبقى عنده".
حركت راسها جدتها وبهمس يرتجف:
لا تكذبين !
عقب كل هالسنين تجين وتقولين إنك بنت فاطمة !
ابتسمت نورة وبحُزن:
والله بنتها، وصحيح عقب هالسنين جيتكم، وبغصّة، لأني تيتمت ومابقى لي أحد، عشت كم شهر عند عماني لكن ما أرتحت يا يمـة وجيت أدوركم.
ناظرت بـ عيون جدتها وكان باقي تناظرها بنظرات "شك، عدم تصديق، عدم إستيعاب".
زمت شفايفها نورة، وفتحت شنطتها وطلعت كرت العايلة إللي يضم أسمها واسم أبوها وأمها.
مدت الكرت بوجه جدتها:
ها إذا مو مصدقتني شوفي أسم أمي الثلاثي !
صغّرت عيونها جدتها وناظرت بموضي، اخذت موضي منها الكرت وقرت الأسم الثلاثي بصوت شبه مُرتفع.
ثواني قليلة وأرتفع صوت بُكاء جدة نورة، ابتسمت نورة من بين دموعها وارتمت بحضن جدتهآ.
بعد مرور دقائق كان عنوانها البُكاء والشهقات المُتتالية، والحزن الذي ارتسم على تجاعيد جدة "نورة".
والبكاء الذي فاض من صدر نورة كان عبارة عن مزيج من" الحنين، الأشتياق، الفقد، العزوة، السند".
وكثير من المشاعر التي سرت في جوفهآ بعد قبول جدتها لها، وشعورها بأن لها سند مرّة أُخرى بعد وفاة مازن.
بعدتها عن حضنها جدتها وهي تضحك من بين دموعها وبيدها الثانيـة تمسح دموعها بشيلتها.
لكن نورة أبت الإبتعاد، وتمسكت فيها بكلتا يدينها، ضحكت جدتها أكثر وهي تنحني وتبوس راسها:
ارفعي راسك يايمة خليني أرتوي من شوفة فاطمة رحمة الله عليها.
رفعت نورة راسها وأزاحت عنها جدتها شيلتها من فوق راسها، وأنسدل شعرها الحريري الأسود.
حضنت جدتها خُصلة من شعرها وقربتها من أنفها، شمتها بعمق وبهمس:
الله لا يجعلني أفقدك مثل ما فقدت أمك.
ضحكت نورة ونقزت بحضن جدتها، وخبت وجههآ بصدرها.
ماودها تقوم وتفارقها، خلاص ما تبغى شيء ثاني من عقب قبول جدتها لها، يسطفل حامد ويسطفلوا عمّانها، همست وهي تبوس بنحر جدتها من فوق شيلتها المنسدلة على نحرها:
خليني يا جدتي يا بعد عيني ويابعد روحي أشم فيك أمي، لا تبعديني عنك.
ابتسمت موضي القاعدة عالسرير، ووقفت وهي تتنهد:
الحمدلله إللي الله لم شملكم، وقر عينك يايمة بشوفتها.
ابتسمت أمها وهي تمسح على شعر نورة وتشد عليها، ناظرت بـ موضي وبإبتسامة:
اتصلي على أخوانك وخواتك وأتصلي على خواتك من أبوك واخوانك أجمعيهم كلّهم، قولي لهم بنهاية هالأسبوع يجون لا يتعذرون بدواماتهم ولا بمدارس عيالهم، خليهم يجون كلهم، وناظرت بـ نورة بحب، لجل يشوفون بنت الغاليـة فاطمة ونحتفل بجيّتها.
شهقت نورة وفزت مبتعدة عن جدتها، ناظرت فيها جدتها مفجوعة منها، ضحكت نورة بغباء وحكت راسها وبوهقة:
أوه نسيت مُراد في السيارة، باست راس جدتها وابتعدت تلبس شيلتها، الحين أجيك يا جدتي دقايق بس.
طلعت من الغرفة وخطواتها تتسابق، وتلوم بنفسها متفشلة منه.
طلعت مع الباب وكلمته، وخبرته عن قبولهم لها وهو استأذنها واستودعها الله ومد لها شنطة ملابسها.
أخذتها منه وسكرت باب الشارع ونزلت شيلتها، ابتسمت من قلبها والهواء يداعب شعرهآ.
إبتسامة رضا، وإبتسامة شُكر وإمتنان لله.
دخلت داخل وقابلتها موضي وأخذت منها شنطتها وهي دخلت يم جدتها.
.
.
طلع مُراد من الحي وهو أيضاً الثاني مبتسم ويضرب بأطراف انامله الدركسون.
حس نفسه أنجز المهمة، وارضى ضميره، لاحظ عيونهآ تشع منها الفرحة بعكس لما كانت عندهم عادة نفسها غريبة وحابسة عمرها بالمُلحق.
تنهد وهو يدعي الله تتيسر كل أمورها وتلقى الفرح عند عايلة أمها ولا يطلعون مثل عايلة أبوها.
-
وكان عمله تحت "إيطار إنساني".
تناول جواله وأتصل على واحد من أصدقاءه إللي بالرياض بيروح له يقعد عنده ويرتاح هاليومين.
مشوار عليه لو يرجع للمدينـة، ولا يبغى يروح لفندق يدري أبوه بيعرف ويشك فيه ويدوره ويلقاه لكن يروح عند ناس ما يعرفهم أبوه أفضل خل يجي إعصار أبوه وهو بعيد عنه.
ابتسم وهو يتذكر اللحظة إللي فتح فيها شنطتها وحط لها "جوال أيفون" وسكر شنطتها.
ما حب يعطيها إياه بوجههآ وهي عنيدة وعزيزة نفس يدري إنها بترفضه وحطه بشنطتها لحظة ما نزلت، وهو شاف إن ماعندها جوال وحس بصعوبة إن ماعندها وخصوصاً إنها بنت.
تنهد وهو يضحك ويحرّك راسه بالنفي يتخيّل شكل أبوه لو يدري إنه نو إللي وصلها لـ أهلها، شد من قبضته على الدركسون ورفع حاجبه ودعس عالبنزين بلا مُبالاة.
.
.
"عقب صلاة المغرب| بـ فلّة حامد".
مجتمعين بالحوش "حامد وأخوانه وأخواته وعيالهم".
وحامد متكي على عصاته ويتحلطم ويشتم في نورة، والباقين مستمعين بإستثناء لافي إللي ماسك المسبحة ويستغفر وكابح ضحكته لا تفضحه.
يدري إن حالة حامد ماهي حباً في نورة ولا هي في حديب، لكن يروكض ورا ورثها ويتحلطم لهذا السبب.
رفع حاجبه من صوت إشعار الرسالة، مسك جواله وكانت من "مُراد".
ناظرهم وفتح الرسالـة بحذر أبتسم بخفة من رسالته "الحمدلله يا عمّ أبشرك نورة وصلت لأهل أمها بخير وعافية، وأستقبلتها جدتها وهي الأهم بصدر رحب، ولا تحاتيها.. الله يوفقها وييسر لها طريقها".
رد عليه بـ" ماقصرت وكفو عليك يا مُراد، وماهي غريبة عليك".
سكر جواله ودخله بـ ثوبه وهو يفكر بـ مُراد وتصرّفه !
تنهد وهو ينفي الفكرة إللي داهمته وبنفسه "مستحيل يحبها، لو يحبها ما بيسمح لها تطلع من البيت وبيطلب من أبوه يزوجه إيّاها، أصيل يا مراد أصيل".
رفع راسه وطاحت عينه بـ عين حامد:
من مين هالرسالة إللي جاتك !
ناظره برفعة حاجب وسفهه وصد عنه وكمل تسبيحه.
تنرفز حامد وضرب الأرض بعصاته وبصرخة :
بلّغوا الشرطة وقولوا إنها انخطفت، وناظر بالعيال، وانتوا قوموا دوروها بالمستشفيات وبكل الأماكن وش تحترون قاعدين تناظرون فينا، قوموا ذلفه تذلفها هاللي ما تستحي على وجههآ.
تسند لافي على الكرسي براحـة، زين إللي وصلها مُراد لأهل أمها قبل لا يوصل بلاغ إختطافها للشرطة ويمسكونها معه ويتورط.
.
واقفة سارة على مسافة تناظرهم وبطرف شيلتها مغطية وجههآ.
أبتسمت على جمب بسُخرية، على حالهم ووضعهم آلمتقروش، لفت عنهم تدخل جوات البيت وهي مب راضية تقولهم باللي سمعته وإن نورة في الرياض مع مُراد وإن عمهم لافي يدري.
دخلت البيت وشالت شيلتها وبهمس:
فكة روحة بلا رده، خليهم يدورون عليها وما يلقونها.
قابلت بطريقها إيثار إللي وجههآ محمّر من البكي وبصوت مبحوح:
مين تقصدين بحكيك !
خزتها سارة بنظراتهآ ودقت كتفها بكتف إيثار وبهمس:
ابكي عليها ابكي ما تدرين لو الكلاب أكلت جسدهآ.
لفت عليها إيثار وبغضب ودموعهآ رجعت تنساب:
إيش هالحكي اللي تقولينه !
سارة واعية لكلامك !
قعدت سارة على الكنب وحطت رجل على رجل وسفهتهآ.
ناظرتها إيثار بغيض وهي تمسح دموعهآ بكمها:
ماعهدتك بهذي القسوة يا سارة والحقد !
حطت سارة وجههآ بين كفوفها وبتنهيدة ونبرة هامسة:
ما أكرها ولا أعاديها ولا سوت لي شيء وبالعكس خيرها سابق، لكن، وبغُبنة، نظرات نايف لها ماكانت نظرات عادية.
ناظرت بـ إيثار وعيونها تلمع، وعاضة طرف شفتها.
ابتسمت إيثار وقعدت جمبها ومسكت كتفها:
تعادينها لهذا السبب!
تطمني حتى لو جات بنفس نايف، هو ما رح يجي بنفسهآ، نورة كانت شبه متزوجة وبقلبها رجل ثاني مستحيل تجي عينها على نايف تطمّني.
ناظرتها سارة لثواني وبهمس وملامحهآ حزينـة:
نورها مغلوب على أمرها، وهي تحت ولاية أبوي ونايف وأبوي كذا، والصقت سبابتها والرسطى بجمب بعض، ولو طلب منه يتزوجهآ ما بيقول نايف لا، لكذا خليها تروح هناك افضلها.
ناظرتها إيثار وعقدت حواجبها وبتركيز:
تعرفين مكانها !
ناظرت فيها سارة بخوف وسكتت، ضغطت على كتفها إيثار وبهمس:
قوليلي طمني قلبي إذا تعرفين.
حركت راسها سارة بالنفي وبخوف:
لا ماعرف، ولو اعرف مابقولك بيروح يجيبهآ أبوي.
قامت عن إيثار بخطوات سريعة بتهرّب وصعدت فوق، وإيثار تراقب خطواتها.
.
،
فتحت عيونها ببطء، وازاحت شعرها عن وجههآ، ناظرت بالساعة المُعلقة بالحائط وكانت بحدود ٩ العشاء.
وقفت وحطت يدها على جبينها من الدوخة، أختل توازنها وطاحت عالسرير وتأوهت بألم.
رجعت وقفت ومشت للمراية رفعت شعرهآ لمته بربطة صغيرة سوداء، واخذت المنشفة بتخرج تتروّش.
من حسن حظها أهل رياض ماعندهم الا ٣ أولاد، واثنين منهم مستقرّين بجدة وماخذة راحتها بالبيت.
طلعت من الغرفة وخطواتها بطيئة تحس بتعب بجسدهآ، ودوخة ملازمتها.
مرّت من عند الصالة ورفعت يمينها والقت السلام بهمس وتجاوزتهم للحمام،
ناظرت أم رياض فيه وهو يرتشف من فنجاله وأشرت عليه براسها:
علامها زوجتك !
رفع أكتافه ونزلهم وبهمس:
مدري.
عقد حواجبه وقام بعد ما سمع أنين خفيف، ترك فنجاله على الطاولة ومشى للحمام، وقف عند الباب وهو يسمع صوت المويا وصوت بُكاءها وكحتها.
خاف عليها ودق الباب بمفاصل يده:
لينا لينا تسمعيني !
أفتحي الباب لييينا يا بنت أفتحي الباب شفيك !
دف الباب بكتفه وطلع مفتوح مو مقفل، راح لها بسرعة وهي قاعدة على الأرض بجانب "المرحاض" وتستفرغ وبسبب جوعهآ صعب عليها الإستفراغ "وانتوا بكرامة" وبكت.
حضنهآ بذراعه ورفعها عن أرضية الحمام، مشى بها للمغسلة وغسل وجههآ وهو يهدي فيها ومستغرب من حالتها.
سندت راسها على صدره وبسبب شعرها المبلول وجههآ تبلل ثوبه، باس جبينهآ وغسل وجههآ وسندها عليه وطلعها من الحمام.
مشى بها للصالة وهي ترتجف وعيونها مسكرتها وتونّ بصوت منخفض، قعد وقعدها جمبه وهو يسمي عليها.
جات أمه تركض وقعدت جمبها من الجهة الثانية وبخوف وهي تتحسس جبينها:
بسم الله عليك يا يمة شفيك ! متحلمه بشيء جوعانة طيب أسويلك اكل ! تشتكين من شيء موجعك !.
حركت راسها بالنفي وهي تدفن وجههآ بصدر رياض وتبكي، شد عليها رياض وراحت أمه بسرعة جابت لها لحاف ورمته عليها:
بروح اسويلها شيء يا يمة وانت شوف ايش فيها، البنت على نومتها العصر يمكن جوعانة.
لف عليها اللحاف وضمها وبهمس:
بسم الله عليك الرحمن الرحيم، شفيك بابا !
انحنى ورفع وجههآ بطرف سبابته وناظر عيونها لثواني طويلـة، أبتسم من رجفة شفايفها ودموعها إللي تنساب بنعومة على خدها شاقة طريقها إلى نهاية وجههآ.
همس بنعومة وهو مبتسم:
شفيك علميني ! بطنك توجعك !
اومت براسها بالإيجاب، وهو ضحك من براءة تصرّفها وحضنها له:
ارتاحي وأمي راحت تسويلك شوربة، بس تشربينها تتعافين بطنك تعورك لأنك جوعانة.
بعد مرور دقايق، دخلت أمه الصالة وهي شايلة الصحن، نزلته على الطاولة وقعدت جمبهم، بعد لينا عنه بشويش وتناول الشوربة، وهي ازاحت اللحاف عنها، ورجعته أم رياض وبحنية:
خليه يايمة عليك يدفيك لا تشيلينه، ابتسمت لها لينا وناظرت برياض.
لف عليها وطلب منها تفتح فمهآ واول ما فتحته ودخل الملعقة وبلعت الشوربة وقفت تركض حاطة يدها على فمها من اللوعة.
ناظر فيها وهو مفجوع وناظر بأمه خايف، عقد حواجبه من إبتسامة أمه إللي ما قدرت تكبحها، وربتت على فخذه وبهمس وعيونها تشع منها الفرحة:
يمة زوجتك حامل !
ناظرها بعدم إستيعاب، وضحكت :
قوم شوفها أسندها وخذها للمستشفى يشوفونهآ، ورفعت يدينها للسماء، ويارب ما خاب من دعاك اجعلها حامل وفرّح قلوبهم.
وقف رياض وكلام أمه يتردد بباله، وترك صحن الشوربة على الطاولة وتدريجياً تتسع إبتسامته، دخل عليها وكانت واقفة عند المغسلة وساندة راسها على الجدار ومغمضة عيونهآ وحاطة يدها على جبينها وتتنفس بتعب.
باغتتهآ يدينه إللي حملتها من على الارض وحضنتهآ، ضمها له وهو يضحك، باس راسها كذا بوسة ورا بعض، وطلع بها من الحمام وهو باقي حاضنها ويمشي بها لغرفتهم ويضحك.
دخل الغرفة ونزلها على السرير ورمى عليها عبايتها:
البسيها بنروح المستشفى.
تركتها على السرير ومالت على ظهرها بتنسدح:
ماله داعي نروح، ارتاح بس واتعافى.
مسك كفها وقومها:
قومي يلا قومي نشوف ايش فيك.
تأففت وهي توقف وتلبس عبايتها بمساعدته، وخرجوا من الغرفة متوجهين للمستشفى.
.
.
"على طاولة الطعام| بيت موضي".
قاعدين يتعشون ونورة لابسة فُستان مخملي كحلي ميدي وأكمامه طويلة، وسادة فقط تزيّنه وردة صغيرة ناحية شقها الأيمن، وتاركه شعرها مسدول لنهاية خُصرها أسود وكثيف، وراسمة عيونهآ بالكحل الأسود، وتاكل بهدوء وكل شوي ترفع راسها وتاخذ لهم نظرة خاطفة تتأملهم.
ابتسمت موضي وهي ملاحظة تحرّكات نورة:
كلي يا يمة ولا تستحين من أحد، ناظرتها نورة وابتسمت بتوتر وبلعت لقمتها بإحراج.
تكلّمت موضي موجهه كلامها لأمها:
كلمتهم كلهم يا يمة ويوم الخميس ليلة الجمعة كلهم إن شاءالله بيكونون هنا، حركت الجدة راسها بالنفي وبهدوء:
لا قولي لهم لايجون هنا، يجون بالمزرعة، لجل ياسعهم المكان.
أشرت موضي على عيونها:
من عيوني يا يمة، ناظرت بنورة، وانتِ بس تتعشين تعالي معي اوريك غرفتك من اليوم ورايح.
اكملت نورة اكلها بهدوء وصمت وهي تفكر بزوج موضي، من جتهم ما شافته !
ناظرت بجدتها عقب ما قاموا وبهمس:
جدتي انا ما شفت زوج خالتي فينه ؟
تنهدت جدتها وبهمس:
متوفي الله يرحمه.
.
.
"بعد مرور يومان من دون أي أحداث مهمة، تحديداً يوم الربوع".
جالسين في بيت موضي بالتحديد في الصالة على الأرض والأكياس حولهم ونورة ممددة رجولها وساندة ظهرها على الكنب وتناظر بـ "لمياء، وماريا، وهُتاف" بنات موضي وتضحك:
حرام عليكم كرفتوني كرف تكسرت من الساعة ٥ العصر وأحنا فالسوق وشوفوا كم الحين الساعة ١.
ضحكت لمياء وهي تطلع فستانها من الكيس وتوقف تقيسه عليهآ:
خليك من هالحكي وتعودي علينا، انتِ صرتي وحدة منا، ناظرت بأمها، يمة شرايك بالفستان ينفع حق بكرا !
ناظرتهم نورة وهي مبتسمة، إبتسامة صادقة نابعة من قلبهآ، وللحظة فكرت بعمّها حامد وياترى إيش ممكن سوّى !
رجعت بها ذاكرتها لقبل يومين، من فتحت شنطة ملابسها ولقت الأيفون إللي حاطه لها مُراد، عجزت توصف شعورها حينها، اكتفت بإبتسامة ودعوة ارسلتها لله، يرميها بطريق مُراد.
وقفت وأخذت أغراضها وباست راس جدتها ثم راس موضي وصعدت لغرفتها، دخلت وارتمت على السرير تفكّر بأحداث بكرا إيش ممكن راح يصير !
غمضت عيونها وبهمس:
يارب إللي شفته وعشته كافي، خلهم كلهم يستقبلوني ولاحد فيهم تطلع طينته مثل طينة حامد " جرّدته من كلمة -عمي- لأنه ما قدرت تتقبّله".
.
.
بمكان ثاني | أحد فنادق الرياض".
جالسين في صالة الجناح وبطلنا "يوسف" مسترخي على الكنب، لف ناحية أمه وبهمس:
متى بنروح لخالتي أم عبد العزيز !
تثاوبت أمه وبهدوء وهي تمسح على شعرهآ:
بننام الحين ومن نصحى على الظهر نروح، رفعت أكتافها وبإستغراب، أصرّت علينا نجي كلنا وللمزرعة بعد.
ابتسم وهو يمسح على وجهه:
عادي يمة يمكن جمعة عائلية زي دايم.
ضحكت أمه وهي تناظره:
يوسف ! حصة خالتي زوجة أبوي ماهي بأمي لجل تكون جمعة عائلية عادية، وتصرّ علينا نجي من الحجاز لنجد، ناظرت في زوجهآ أبو يوسف إللي دخل وبهمس، عسى خير إن شاءالله.
قامت ورى زوجهآ للغرفة ولفت على يوسف:
وانت روح نام ريّح نفسك من عناء السفر ولجل تصحى نشيط، شوف الساعة صارت قريب ٢ الفجر.
اومى براسه وهو يتسطح على الكنب ويغمض عيونه، وطرت عليه نورة، تنهد وهو ودّه يعرف حالها.
يا تُرى بحال جيدة ! يا تُرى مبسوطة مع زوجهآ.
قام وهو يستغفر وينفضها من راسه.
.
.
"بجناح |نايف وسارة".
جالسة على السرير وتناظره وهو يفتر بالغرفة وماسك جواله يتصل وحاط يده على خاصرته، ميلت شفايفها بنرفزة من ساعتين ما وقفت اتصالاته.
كله يستفسر عن نورة ويدورها، دورها بكل المستشفيات، بالمطارات بالفنادق مالقيها.
ضحكت بسُخرية على حاله، الجواب عندها وهو يدورها !
وقفت وبغضب وقفت مقابله وسحبت الجوال من يده وبحده:
الساعة ٢ الفجر وانت تتصل ! خل الناس تنام واترك الخلق بحالها واصلاً مين انت حتى تقعد تدوّر عليها !
ناظرها بحدّة وسحب الجوال منها:
روحي نامي إنتِ وخليني انا اشتغل.
دفته مع كتفه وبغضضب:
تشتغل في ايش !
اخذت عقلك هالنورة !
تأفف وهو يلفّها ويدفها للسرير:
روحي نامي بس روحي، السهر أثر عليك.
صرخت وهي تنفض يده:
لا ما أثر علي، وانا شايفة نظراتك لها، وعارفة إللي بقلبك ناحيتها لكن تبطي يا نايف تاخذها تبطي.
قرّب منها وبهمس وهو يضحك ويمسح على خدها:
لا والله !
تبطي أجل !
طبطب على خدها وبهمس حاد، روحي نامي قبل لاتشوفين منّي شيء ما يسرّك !
بلعت ريقها وبقوة تصنعتها وعيونهآ بـ عيونه:
إيه تبطي، وأعرف فين نورة وتبطي أقولك !
ويلا وريني إيش اللي ما يسرّني !
ناظرها لثواني بدون إبداء أي ردة فعل، سُرعان ما شد قبضته على فكها وبفحيح وهمس حاد:
عيدي إللي قلتيه، عيديه.. تعرفين مكانها وساكتة وإحنا ندوّر عليها من عدّة أيام ! شد من قبضته عليها بعد ما اومت براسها بإيه، يالخسيسة تعرفين مكانها ولا تكلمتي !
رماها على السرير، وجلس فوق بطنهآ، خنقها بيدينه وبصصراخ، أخنقك انا ! أقتلك أقتلك يا حيييوانة !
ندور عليها ولا خلينا مُكان ما سألنا فيه، لا مستشفيات ولا فنادق ولا شقق ولا خلينا خرابة الا وما دورنا فيها وانتِ تدرين وداسة !
صفقهآ ككف بكل قوته مما خلاها تنهآر وتنساب دموعها، أنطقي فيين هي تحكي قبل ما أقتلك !
صارت تكح بصوت شبه مخنوق وتحاول تبعد يدينه، فكها عقب ما لامست دموعهآ كفوفه إللي حوالين رقبتها، قام عنها وهو يتنفس بغضضب وشعره طايح على وجهه.
ناظرها وهي قاعدة ومدنقة وشعرها طايح على وجههآ وتكح وتبكي.
عض شفته بقققوة وهو يمنع نفسها ما يكمّل عليها ويقتلها، غبنة تصرّفها !
بكت وهي تضرب فمهآ، إللي زل وتكلّم.
مسك العقال وضربه بديكور السرير وبصصرخة:
أنطقي قولي وينها فيه ! لا وربي لأخليه يعلّم على جسدك !
ناظرت فيه وبشهقـة:
راحـ..ت عنـ..د أهل أهل أمـ..ها.
قرّب منها وبصرخة:
راحت مع ميين ؟ وفين أهل أمها !
حرّكت اكتافها ونزلتهم وبشهقة:
مـ..مدري، ماتبغى تدخل مُـراد بالسالفة ولاتقول إنها راحت معه، ولا قالت له عن مكان أهل أم نورة، لأنها حقيقة ما سمعت كلامهم كلّه.
شد شعرها وبصرخة:
لا تكذبيين قولي الصدق !
بكت وهي تمسك يدينه وتحاول تفك شعرها منه:
والله ما أكذب !
لكن عمّي لافي يدري عن أهلها.
نفضها من يده، وسحب شماغه وعقاله وخرج وهو يتصل على حامد ويعلّمه باللي صاير.
.
.
"بيت أهل رياض".
دخل الغرفة رفع راسه وناظرها، وسُرعان ما جاته ركض وبخوف:
ليه تأخرت !
اتصلت عليك من أول ما ترد وطلعت العصر وتوك ترجع.
ما رد عليها وتسطح على السرير وأطلق تنهيدة، جات يمه وقعدت مسحت على راسه وبهمس:
شفيك حبيبي !
حط راسه على فخوذهآ وبهمس:
مافيني شيء.
مسحت على شعره وهو غمّض، من أخذ لينا عالمستشفى وهو طاير فيها من الفرح أسعده تخمين أمه وإن لينا حامل، لكن تحطم وتكسرت كل آماله من قالوا له إن إللي فيها مُجرد تسمم ولازمها غسيل معده !
ضحك بسُخرية على نفسه وقتهآ وهو إللي نسى سالفة العقم إللي فيه، وكأن الموقف كان بمثابة صفعة ردته لواقعه، أهمل دقنه وعيونه صار حولها سواد وكله يفكّر ويتهرّب من لينا.
يعني فوق ما أن عليه ديون كثيرة وجايبها بيت أهله ومقصر عليها، يطلع عقيم !
شد من تغميضة عيونه بحرقـة من صوت ضميره إللي يطالبه "بالطلاق".
.
.
"بحدود الساعة ١٠ الصباح |بيت موضي".
دخلت المطبخ لابسة بيجامة قُطن لونها بيج، فتحت الثلاثة وتناولت المويا وشربت منه، دخل عليها ولد موضي "نواف، عمره ١٢سنة"
تسند عالباب ويدينه بجيوب بنطلونه :
ليه ما نمتي !
ابتسمت وسندت ظهرها على دولاب المطبخ:
نمت بس صحيت بدري، رفعت اكتافها ونزلتهم، مدري حاسة بتوتر خايفة.
ضحك وهو يلوّح بمفتاح السيارة:
نطلع طيب نفطر ونفرفر !
الساعة صارت حول ١٢ ونورة ونواف ما بيّنوا، قعدت حصة "جدتهم" على الأرض وعصاتها تركتها جمبها، ضربت فخوذها بباطن كفوفهآ وبحسرة:
وبن راحت فيه هالبنت !
يعني ما تهنّيت أشوف فاطمة فيها وتختفي، انا حتى عايلة أبوها ما سألتها عنها ومن الفرحة بها نسيت، انا مدري لو إنها رايحة لهم، يا رّب سترك يا رّب.
جاتها لمياء تركض ورفعتها بذراعها وبترجي:
قومي يا جدتي لا تقعدين على السراميك، بارد ويوجع عظامك قومي يا بعد عيني وعسى الله يقرّ عيونك بشوفتها قومي.
دخلت عليهم موضي وقعدت على الكرسي وبغضب:
انا مادري هالولد فين رايح بها، السواق يقول شافهم خرجوا الصبح سوا،
واصلاً كم مرة حذرته ما ياخذ مفتاح السيارة من السواق، ناظرت بأمها حصة وبناتها، مايعرف يسوق زين سامعين كلامي مايييعرف !
ياويلي عليهم لو صاير لهم حادث ياويلي، غطت وجههآ بكفوفها وبكت.
.
.
أمّا عند بطلتنا نورة فكان حالها غير جداً، ولا هو مثل ماهم متصوّرين "خالتها، وجدتها".
ضحكت وهي راكبة فوق الخيل ويمشي بها بشويش ونواف يمشي بجمب الخيل ويناظرها ومبتسم.
ناظرت بإتساع المزرعة وبإنبهار:
الله تهبل يا نوّاف تهبل، شوف كيف واسعة وفيها أشجار، شوف البركة إللي هناك، وأشرت ناحية يسارها خارج حدود الأسطبل، نزلت من فوق الخيل وأخذت تركض خارجة من الأسطبل ونواف يمشي وراها، وصلت لعند الأزهار وانحنت عليهم تشمهم، أبتسمت من أعماقها على لحظات الرضا إللي قاعدة تعيشهآ، فتحت عيونها عقب ماحست بيد نواف حول أذنها، ابتسمت له زود وهو يحط الوردة خلف أذنها وبين خُصلات شعرهآ.
شتت نظراتها بخجل ومسحت على شعرهآ من نظرات نواف الباين فيها الإعجاب، ضربته على كتفه وبحيا:
بس ياخي لا تناظرني كذا، ضحك وقعد على الأرض وفتح يدينه يتنفس بعمق من هواء المزرعة الصافي ونسيم الهواء البارد.
قعدت جمبه نورة ولفت عليه:
شكراً لأنك جبتني للمزرعة، "وبضحكة" ولو إن سواقتك ماهي بذاك الزود بس يلا سويت حسنة وجبتنا هنا، ناظرت بالساعة إللي بمعصم يدها وبهدوء، خلاص مابقى شيء ويجون كلهم.
تحسس جيوب بنطلونه وبشهقة:
يوه نسيت جوالي بالبيت، وبوهقة، الحين تلقينهم يدورون علينآ.
مدت له نورة جوالها وبإبتسامة:
إذا حافظ رقم احد فيهم أتصل عليهم علّمهم.
أخذه منها وأتصل على أمه.
.
.
"بأحد فنادق الرياض".
راح يم عمه النايم عالسرير وهو يسكّر ازارير ثوبه العلوية، ضرب كتف حامد بشويش:
قوم يا عم قوم، هزه مع كتفه وبصوت أعلى، ققوم مافيه وقت خلاص الظهر شوي ويأذن ققوم لازم نروح نشوف عايلة نورة، لاحقبن على النوم قوم.
قام حامد وهو يمسح بوجهه ودخل الحمام "تكرمون"، لجل يجهز.
قعد عالسرير نايف وهو يمسح بمعصم يده ويفكر، راح لعمه من وقت ماقالت له سارة جهزوا أغراضهم ومن سوء حظ نورة لقوا رحلة وصّلتهم للرياض الساعة ٨.
طلعوا من الفندق متوجهين للحي إللي ساكنين فيه أهل نورة، وبسبب معرفة حامد بـ مكانهم ماكان صعب عليه البحث كوضع" مُراد، ونورة".
.
.
بهذي الأثناء، خرجوا موضي وأمها وبناتهم شايلين الأغراض متوجهين للمزرعة، عقب ما أتصل عليهم نواف وأعطاهم خبر وطمنهم إنه هو ونورة بالمزرعة، طبعاً جاته شتايم كثييرة من أمه بسبب خوفها عليه، لكن طلعوا بالخُلاصة والأهم
الا وهي "سلامة نواف ونورة".
.
.
قاعد ويناظر بـ جواله، صغّر عيونه بتفكير وبهمس:
يا ترى شاللي صآير !
بعد عرفوا مكان نورة، او طيب عرفوا إني أنا وديتها، مسح على وجهه وهو يتصل على أمه.
بعد كذا رنة ردت عليه، وعقب السلام والسؤال عن الحال والعُتب إللي وصله من أمه على مكوثه بالرياض
تكلّم بهمس وهدوء:
يمة صار شيء بموضوع نورة بنت عمي !
لقيتوها؟.
فز واقف وأتسعت حدقة عيونه بصدمة وهو يسمع كلام أمه:
دوروها كم يوم هنا، وقبل الفجر راحوا الرياض يقولون إنها عند أهل أمها، وبتنهيدة، لكن يا يمة أبوك ماهو ممرر هالشيء على خير، لازم يعرف كيف بسهولة وصلت لأهل أمها وعرفت مكانهم وهي حتى فلوس مامعها ولا جوال.
أردف بنبرة سريعة مرتبكة:
يمة مضطر اسكر الحين، عقب ما افضى اكلمك، سلميلي على خواتي، سكر من دون ما يسمع رد أمه
وأخذ يمشي بالغرفة بتوتر فضيييع، وتوه إللي فعلاً بدا يحس بعظمة الأمر إللي سواه.
وأبوه الشديد إللي ماحد يلوي له كلمة، ولايعصي له أمر، يقدر إنه يوديه ورى الشمس.
فتح جواله وبتردد فتح على رقم نورة وأرسل لها -رسالة نصية-
كتبهآ ويدينه ترتجف، خايف على نفسه وخايف على نورة من غضب أبوه، وكان محتوى الرسالة كالتالي
"السلام عليكم نورة، مساء الخير، انتِ كيفك ما طمنتيني عن أهلك !
وحبيت يكون عندك علم لجل تحذرين، ترى أبوي ومادري مين معه في الرياض، عرفوا مكانك".
سكر جواله عقب ما أرسلها، وهو ياخذ نفس عميق بسبب توتره وده يبعد لأبعد مكان عن أبوه.
.
.
وصلت العايلة للمزرعة، دقايق ولمّ شمل العايلة كلها "عبدالعزيز، هادي، سامية، موضي"
وأخوانهم من الأب
"ناصر، سالم". وتبقّى الأُخت الصغرى "جميلة أم بطلنا يوسف".
كانت نظرات البنات تتفحّص نورة، مابين فرح بالعنصر الجديد إللي دخل عايلتهم وحماس له، وما بين غِيرة ومابين تطفّل، والكثير من النظرات إللي لها معاني كثيرة.
قعدت جمب جدتها حصة وهي خجلانة ومرتبكة من نظراتهم لها، طلعت جوالها من جيب بنطلونهآ وعقدت حواجبها من المسج إللي وصلها ورقمها ماحد يعرفه !
فتحت الرسالة، وتدريجياً اعتلت الحُمرة وجههآ،
وبهت وجههآ بصدمة، تلقائياً ناظرت في جدتها، إيش تقولها !
تقولها ياجدتي عمي جاي ياخذني ويلاحقني لجل الورث !
هي حتى ما حكت لجدتها عن عايلة أبوها ولا شرحت لها الوضع، حست عليها جدتها وناظرتها وملامحهآ مخطوفة، ابتسمت لها ومسحت على شعرها وبـ حنيّة:
علامك يا بنيتي !
بلعت ريقهآ وبرجفة:
يايمة عمي جاي في الطريق ناوي ياخذني، عليك الله لا تخلينه ياخذني ما ريد أروح معه، رجيتك يا يمة رجيتك، اجتمعت دموعهآ بـ عيونها وهي تسمع صوت الصراخ برا،
تمسكت بجدتهآ وهي خايفة من غضب حامد،
حضنتهآ جدتها وهي مستغربة ومفجوعة من حالة نورة، لكن تصرّف نورة فسر لها حال وحدة
إنها ماكانت مبسوطة عند أهل أبوها، ولا تبغى العيشة عندهم.
وقفت جدتهآ ونادت موضي إللي وقفت مع الحريم والبنات واختبصوا من اصوات الرجال برا، جاتها موضي وهي خايفة.
مسكت نورة بذراعها وبهمس لـ موضي وهي غضبانة:
خذي نورة وبسرعة روحي للغرفة إللي بأخر البيت وبابها حديد ماهو بخشي، أدخلن وسكروا الباب عليكم، وإياني وإياك تفتحين الباب.
ناظرتها موضي بإستغراب، ودفت حصة نورة على موضي وبحدة:
الوقت ما ياسعنا لجل اشرح لك، بسرعة قومي وانا بطلع بشوف شاللي صاير.
اخذت موضي نورة وراحت بها وهي تهرول منفذة كلام أمها، دخلوا وسكرت الباب موضي وقفلته ثلاث قفلات وتركت المفتاح فيه.
ناظرت بـ نورة إللي حاطه يمينها على خصرها، ويدها اليسار على جبينهآ ورافعة راسها وتبكي.
راحت لها موضي بفجعة وحضنتها وبخوف:
يمة بسم الله عليك ليه تبكين !
دفنت نفسها بصدر خالتهآ وهي تشد عليها وببكي:
عمي جاي ياخذني مابغى اروح معه مابغى، تعبت يا خالتي عانيت الكثير ولاعاد فيني حيل أحتمل أكثر، ماودي أروح معه يا خالتي ماودي.
شدت عليها موضي وبهمس:
بسم الله عليك يا عين خالتك لاتبكين، أهدي أهدي، ولاتخافين ما يقدر ياخذك من دون رضاك
بعدتها عنهآ وبإبتسامة تلطف بها جو نورة، وهي تمسح دموع نورة وتبوس خدها ونورة زامة شفايفهآ آللي ترتجف من البكي:
خوالك كلهم فيه، وعيالهم فيه، وزوج خالتك جميلة كاهو بالطريق وأكيد تلقينه جاي والحين هو برا
ولا بيسمحون له يسوي شيء، تطمني انتِ يا عيوني.
.
.
أمّا خارج المزرعة فكان حامد وبكل جبروت رايد يدخل المزرعة من دون أذن الحارس، لكن تصدّى له الحارس ووقف بطريقه مما أثار غضب حامد، وجرح كبريائه المزعوم.
وقفت سيارة بطلنآ "يوسف" أمام المزرعة، نزل أبوه بسرعة من منظر الرجال الواقفين برا وواضح عندهم مشكلة،
التفت يوسف على أمه القاعدة ورى وبنبرة سريعة:
لا تنزلين يمة أصحك تنزلين لين نشوف شصاير، نزل بسرعة ولحق أبوه بخطوات سريعة.
وقف عبد العزيز "أكبر عيال حصة "أمام حامد ورمقه بنظره
تكلّم بهدوء:
عيب أحشم أصحاب المزرعة وأدخل بأحترامك وأدبك، جاي متهجم علينا كذا !
وصوتك وصل لأخر المزرعة أستح !
أبتعد عبدالعزيز عن حامد ومد له ذراعه اليمين:
أدخل حيّاك وخل نعرف مين أنت ! وإيش قصتك.
تكلّم حامد بغضب وهمجية:
أوهوه فارق عني أنت !
ماني بجاي لجل أشرب قهوتكم انا جاي لجل أخذ بنت أخوي إللي ما تنسمى قليلة الحيا هربت من بيتنا وأحنا رقود والله العالم مين إللي وصلها لكم وأية مصيبة جابتها لكم، ما يندرى لو أنها طالعة مع واحد وجاتكم عقب ما طاحت بمصيبتهآ.
تنرفز هادي وبحميه:
أقطع وأخس !
لا تهرج بعرضها وتتهمها بشيء هي بريئة منه !
ضحك حامد بسُخرية :
وهو أنت شفتها وقعدت معها لجل تحاماها !
قرّب منه هادي وبغضضب شديد ضربه على كتفه:
والله لولا شيبتك هذي لوريتك شغلك عند كلامك هذا،
تسنّد حامد على عصاته وبتحدي وضحكة إستفزاز:
وريني يا ولد أبوك إيش بتسوي !
ثار هادي بعصبية وهو ناوي يضرب حامد ومسكه عبدالعزيز:
لا تغلط يا هادي لا تسمح له يستفزك، ماهي بتربية حصة إللي يضرب برجال كبر أبوه، أهدى.
ناظر يوسف بأبوه وبهمس:
يبه تعرفه !
اومى براسه أبوه وبهمس:
شلون ماعرفه، الا اعرفه وعز المعرفة، وهو إللي أخته هيلة صديقة أمك، وبتنهيدة، هذا يمشي والبلاوي تمشي وراه، ناظر بولده وحك لحيته وبهدوء، يقول جاي ياخذ بنت أخوه !
زم شفايفه يوسف وبهمس:
يمكن يقصد بنت خالتي فاطمة إللي مسوين هالعزيمة لجلهآ، أشغلونا واقفين فالشارع وأمي في السيارة ماتقدر تنزل.
مشى صوبهم يوسف وبهدوء:
خلاص يجماعة حلوا مشكلتكم بالداخل.
ناظره حامد بإستحقار ودقه بعصاته على كتفه:
انت إللي خش داخل وأترك الرجال يحلون مشكلتهم بينهم، الصغار لا يتدخلون.
قرّب منه يوسف لين ما صار يفصل بينه وبين حامد الا مقدار شعره وبهمس:
أعرف من تكون !
وتعرف من أكون، فلا تخليني أتصرّف تصرف مُشابه لتصرفك وارد لك الصاع صاعين، بإتصال واحد أقدر أفركش جميع صفقاتك وانت تعرف من يكون يوسف ولد سالم آل حمدان.
ابتعد عنه يوسف وبإستحقار:
جاي لناس ما تعرفك بطريقة كذا تعبّر عن الهمج إللي انت عايش فيه، وبنت أخوك هذي ما راحت عنك الّا وهي كارهه العيشة معك، والبنت ماهي برايحة معك لا برضاها ولا غصب، ما تقدر تجبرها على شيء أنا تدخّلت فيه أصحك تحاول يا حامد !
رص على أسنانه حامد وبغضب:
شلون يعني ما قدر أخذها
رفع حاجبه يوسف وببطء:
لا ما تقدر تاخذها وأرجع للمكان إللي جيت منه، ولا تحلم تقرّب من هالعايلة مرة ثانية.
رمقهم بنظره غضبانة حامد، مشى عنهم وهو يتوعّد في يوسف.
تنهد يوسف وهو يسمع تهديدات حامد وإللي أعلنت عن حرب "تجاري" بينهم، ويعرف فساد حامد بالتجارة زين
همس بلا مُبالاة:
أعلى ما بخيله يركبه، لف يم خواله وبهدوء، خشوا داخل ما صار شيء، مشى لأمه يقولها تنزل ونظرات الأعجاب من خواله تلحقه، وأبوه متكتف ومبتسم إبتسامة جانبية ويناظره بفخر، وقف عنده يوسف وابتسم وباس راسه.
ربت أبوه على كتفه وبهمس:
كفو ما قصرت فيه.
ابتسم وبهمس:
تربيتك.
تجاوز أبوه وكمل طريقه للسيارة، فتح الباب الخلفي ونزلت أمه، تكلّم قبل ما تتكلم:
قبل ما تسألين وتتعبيت روحك، هذا حامد ما غيره أخو صديقتك هيلة، طلعت خالتي فاطمة متزوجة أخوه ويقول جاي ياخذ البنت لكن رديته وطردته، البنت ما راحت من عنده الا وهي كارهه العيشة معه.
سكرت أمه الباب وبتفكير:
معقولة أختي فاطمة كانت متزوجة أخو حامد ولا عرفت أو حسيت.
رفع أكتافه وبضحكة:
والله عاد هذي مشكلتك أختك وماتدرين عنها.
ضربته بشويش على ذراعه وهي كاتمة ضحكتها:
إللي أعرفه إن علاقة زوج فاطمة بأخوانه متوترة، ولا كنت أعرفهم زين
للحظة توقفت عن الكلام والتفكير وناظرت بيوسف وببطء وقلبهآ ينبض بققوة:
علاقتهم كانت متوترة !
وهالبنت كانت ببيت حامد لما جيتهم وقالوا لي وقتها إنها بنت أخوهم وتوه ابوها متوفي، حطت يدينها على راسها بصدمة ودموعهآ بـ عيونها ويوسف يناظرها مو فاهم شيء، ييمة بنت فاطمة هي بنت سيّاف إللي كان يشتغل عندك والله بنته !
ضربت قلبهآ بقبضة يدها وبرجفة، وانا أقول ليه فز قلبي من شفتها،
رفعت عبايتهآ وهرولت لداخل المزرعة، أما يوسف فسند يده على السيارة وحالته مو أفضل من حالة أمه، فتح السيارة وقعد داخلها وهو مو قادر يتحكّم برجفة يدينه،
بلع ريقه وفتح أول ازرار بثوبه وأخذ يتنفس بـ عُمق.
تخيّل إنها لو كانت صدق بنت سيّاف على كلام أمه، ضحك بصدمة وهو يمسح على وجهه.
أمّا عن جميلة "أم يوسف" فدخلت البيت الموجود فالمزرعة وأخذت تدورها بـ عيونهآ.
كانوا قاعدين حول بعض عقب ما خبرهم عبدالعزيز باللي حصل وطمنهم، وبلحظة خروج أمه لبرى تشوف شاللي صاير منعها من الخروج،
وطلب منها ترجع داخل عند البنات وهو يشوف الوضع،
شافت بنت قاعدة عند خالتها حصة وشعرها الأسود مسدول ومغطي ملامحهآ، ركضت لها واول ماوصلتها مسكتها مع كتفها ولفتهآ بقوة، مما آلم نورة وأطلقت آهه بسيطة.
شهقت جميلة وهي تشوفهآ، تكلّمت برجفة:
إيه والله انها إنتِ !
ناظرتها نورة بصدمة من تصرفها، وزادت صدمتها عقب ما أخذتها جميلة بحضنها وأجهشت بالبُكاء، بعدتها عنها جميلة ومسحت على وجه نورة تتأمله وتبوس فيها:
يا عين خالتك انتِ، عضت شفتها بققسوة وبغبنة، شفتك قبل شهور وحسيت بشعور ناحيتك وماكنت أدري إنها انتِ بنت الغالية فاطمة،
بعدت عنها جميلة واخذت جوالها تتصل على يوسف وهي تمسح دموعهآ،
جلست نورة بهدوء وضحكت بصدمة الأمور كبيرة عليها، صعب تستوعبهآ
فجأة تطلع أم يوسف مُدير أبوها خالتها !
ضحكت بتعجّب وهي تمسح وجههآ، طرى عليها مواقفها القليلة مع جميلة،
وكيف كانت نظراتها تلاحقهآ لما جاتهم ببيت حامد.
.
أمّا عند يوسف ففز من شاف إتصال أمه، أخذ نفس عميق وهو يرد عليهآ:
هلا يمة.
ضحكت أمه وبفرحة عميقة ونبرة سريعة:
إيه يمه والله هي نفسهآ إللي شفت ببيت حامد نفسها.
عقد حواجبه بعدم تصديق وقلبه ينبض بققوة:
يمة مستحيل تكون هي، سيّاف كان يشتغل عندي وفقير شاللي حاده يشتغل وعايلته الراشد شبعانة، وبعدين هي ترى كانت متزوجة اسأليها تأكدي منها،
مشت أمه لعند نورة وقعدت عندهآ وبهمس:
إنتِ بنت سيّاف اللي كان متوظف عند ولدي يوسف وكنتوا عايشين بـ قرية ! وكنتي متزوجة !
ابتسمت نورة وبـ نعومة:
إيه يا خالتي أنا بنت سيّاف إللي كان يشتغل عند ولدك، وماعتقد إن به سياف ثاني يشتغل بشركتكم لأني جيتكم قبل شهور مع أبوي الله يرحمه، وبتنهيدة، وصحيح كنت متزوجة لكن توفي قبل لا يتم الزواج وقبل لا يدخل بي.
ابتسمت جميلة وباست خدهآ ورجعت للخط:
شفت قلت لك يايمة انها هي، آهه يا فرحتي الحين.
سكت يوسف من دون أي رد على أمه، ارتخى الجوال منه بصدمة وفرحة، سند راسه على الطبلون وضحك بصدمة ضحكة قصيرة تتلوها ضحكة قصيرة، رفع راسه للسماء بعدم تصديق، كل الحوار إللي دار بين نورة وأمه سمعه، ضرب الطبلون براحة يده مو مصصدق وقلبه ينبض بقوة من نبرة صوتها الناعمة، نزل من السيارة وهو يضحك،
وحاط يدينه على خواصره ويناظر بالشارع من دون هدف ويضحك.
رفع راسه للسماء وبهمس:
ههههه يالله لو تركت عمها ياخذهآ !
ضحك بعدم تصديق ويحس نفسه بـ حلم، لأول مرة يفرح بموت أحد ولا يحزن، وفرح بموت مآزن وإن نورة صارت من دون زوج.
ضرب كفوفه بـ غُبنة شلون ما عاند كبريائه وسأل عنها لما راح يسأل عن أبوها.
ضحك وهو يمشي بسرعة لداخل المزرعة ويردد:
والله ما ياخذها أحد غيري، ولو اتزوجها غصب عنهآ ومن دون رضاها.
.
.
أما عند حامد فكآن يضرب بعصاته فرشة السيارة ويتحلطم مغبون:
هالبزر يستقوي علي ويردني للمدينة خايب !
رص على أسنانه مقهور ويحس بنآر تشتعل بـ جوفه.
سكت نايف إللي يسوق ومستمع لكلام عمه، التزم الصمت وقعد بالسيارة بلحظة ما عمه نزل ولأول مرة يسحب نفسه من شيء ولا يتدخل فيه.
إبتسم بسُخرية، ولو كانت عايلة نورة غير هذي العايلة لتدخل وأخذها غصب عنهم، لكن يعرف عايلتها زين ما هو أقوى منهم.
ضعيف ويستقوي على إللي أضعف منه.
عقب ما وصلوا الحي إللي ساكنين فيه أهل نورة، دلوهم على بيت موضي ونزلوا وطرقوا البآب وفتحت لهم الخدامة إللي كانت تجهز باقي الأغراض وبتلحقهم
سألوها عنهم وقالت لهم إنهم راحوا المزرعة طلبوا منها موقع المزرعة، وجاوبتهم على موقعهآ من دون أي خوف منها أعتادت على الأسئلة.
راحوا حامد ونايف، وحامد مبسوط يحس نفسه كل مانه يقترب من الورث ما يقترب من نورة نفسهآ،
لكن خاب ظنهم وأنصدموا من تصدّي يوسف لهم، ضرب كفه حامد بفخذه بحلطمة وبعصبية:
والله ليندم إللي حط راسه بـ راس حامد،
ناظره نآيف وبضحكة وهو يسوق:
نخلّص عليه زي ما خلّصنا على مازن إللي تصدّى لنا قبل !
ضحك حامد ورفع حاجبه.
.
.
"فلّة حامد".
قاعدين بالصالة ويشربون الشاي بصمت، ويفكرون بـ نورة وأبوهم.
قامت إيثار من رن الجرس، والخدامة تمسح السراميك، ابتسمت لها وبهدوء:
كملي شغلك أنا أروح أفتح.
طلعت بالحوش ولفت تناظر للحرّاس وماهم فيه، كملت طريقها وفكرها بنورة وتتعوّذ كل ما فكرت إن ممكن يجيبها أبوها ويدخلها البيت وهو يسحبهآ بـ شعرها.
فتحت الباب واول ما فتحته غمّضت عيونهآ من نسيم الهواء إللي مرّ ولفح خُصلات شعرها وضربت بوجههآ،
ظل واقف مكآنه وهو يناظر فيها وبتقاسيم وجههآ الباينة وهي تشيل شعرهآ عن وجهها بأناملها.
فتحت عيونها وببطء أتسعت حدقة عيونها منه، ومن نظراته الجريئة لها.
سكّرت الباب بوجهه بحركة عفوية وصدم بساقه وتألم.
عضت شفتهآ بـ فشيلة وبهمس:
أسفة ما قصدت.
ابتسم بألم وهو يضغط على ساقه:
لا ما صار شيء، بس بغيت اسأل أبوك فيه !
لوت شفايفها وبهمس:
لا موب فيه، راح الرياض اليوم الفجر، وحتى مُراد موب فيه،
اومى براسه وبهدوء وإبتسامة:
طيب يلا استأذن انا.
مشى وركب سيارته وهو يحك عوارضه، ايش هالصدفة إللي تجمعه بها مرّة ثانية، الاولى وهي تبكي وضايعة وهالمرّة صوتها مبحوح وملامحها باين فيها البكي وواضح إنها متضايقة.
ضحك وهو يشغل سيارته:
ايش هالبنت إللي بس تبكي !
مشى من عند بيتهم وهو يحس بقلبه ببيتهم، وشعوره وإحساسه كلهم عندهم تركهآ بـ حوزة إيثار.
أما إيثار من همها وتفكيرها بنورة ما اعطت الموقف أي أهمية، ورجعت لداخل البيت.
"طبعاً هذا الموقف بين أبطالنا-
إيثار، جابر".
.
.
الساعة بحدود ٨ مساءً، انسحبت نورة من عندهم ببطء بعد ما استأذنت من جدتها وخالتها موضي لجل ما يقلقن عليهآ نفس ما سوت بالصباح هي ونواف.
طلعت مع الباب الخلفي للبيت إللي ما يكون جهة الرجال، لجل تاخذ راحتهآ.
طلعت تمشي على الأرض المبلولة من المطر، أخذت تمشي للنصف المزرعة وصارت بمكان مُعتم، بعيد عن البيت من دون أي خوف.
غمّضت عيونهآ، وفتحت ذراعيها وشعرهآ تداعبه نسمات الهواء.
رفعت راسها لتلامس قطرات المطر الصغيرة ملامحهآ الناعمة.
بلعت ريقهآ وشقت دمعتها طريقها على خدها، تبعتها دمعة عينها الأخرى.
لمست لطف الله فيها وعنايته، حسّت إن الحياة بدت تضحك لها، من حست إن عندها ناس يقفون معها ويسندونهآ.
فتحت عيونهآ وبإبتسامة حُزن وهي تتأمل السُحب أللي تتحرّك ببطء وخلفها القمر وبهمس:
إرتاح يا بوي بقبرك، ونام قرير العين، ما عدت وحيدة يا بوي، حولي جدتي اللي صرت أناديها أمي، ابغى اتذوّق حلاوة هالكلمة يا يبه، وعندي خوالي وخالاتي كلهم يحبوني يايبـ.. بترت كلمتها وهي تعض على شفتها وبهمس مخنوق، بس كلمهم ما يعوضوني عنّك ولا يوصلون لمحبتك، ولو حاولوا قدر إستطاعتهم بظل فاقدتك، إبتسمت وبألم، الله يجمعني فيك بالجنة ولا يفرقنا.
مشت راجعه ولفّت بسرعة وزحلقت رجلها من الطين وشهقت بخوف، حست بيدين تمسكهآ، وتشدها تمنعها ما تطيح، غمّضت عيونهآ من ريحة العود اللي وصلت لأعماق راسها.
ابتعدت عنه وناظرته، وارتجف قلبها من عرفت ملامحه تحت ضوء القمر الخفيف، بلعت ريقها من عيونه إللي تتفحّصها.
بلحظت خروجهآ كان هو يتمشى لحاله ويفكر فيهآ، ومن دون أي شعور تبعها يمشي وراها، عرفهآ من هيئتها ونحافة جسمهآ وقصرها وشعرها الطويل، وإللي كانت بعكس بنات اقاربه إللي تغلب عليهم الربربة والسُمنة والأجسام الريانة وإللي كان يشوفهم من خلف العباية.
وقف وراها بلحظة ما فتحت ذراعيهآ وفضفضت بحنين وشوق لأبوها، استمع لفضفضتها وتركها تفضفض من دون ما يصدر أي حركة تطلعها من جوها.
رمشت ببطء وهي تناظر فيه، والحلم ينعاد بمخيّلتها، ومواقفها معه تنعاد، بلحظة أول لقاء لهم باليوم إللي جاهم فيه فالقرية.
واليوم إللي جمعهم تحت المطر، ونهايتها هالموقف إللي جمعهم أيضاً تحت قطرات المطر الخفيفة.
ابتعدت عنه بخوف وقلبهآ ينبض بققوة وعيونها تجمعت فيها دموعهآ، شد عليهآ يمنعها تروح، حاوطها بذراعه وضمها بلا إحساس لكن وجههآ مقابل لوجهه.
خافت وحاولت تبتعد وهو شادهآ، رفع شعرها الأسود وهو يهمس لها:
المطر شوفي من حسنه كيف جمعنا مرّتين.
بلعت ريقهآ بخوف فطري منه كونه رجل يحتضنهآ، همست بخوف ودموعها بـ عيونها:
بعّد عني أتركني أروح.
ابتسم ولا كأنه سمع لها وهو يمسح بشعرهآ:
تدرين مين إللي وقف بوجه عمّك اليوم !
لا مو خوالك، أنا إللي وقفت بوجهه ومنعته ما ياخذك، قرّب منها حييل باس عيونهآ إللي تدمع وبهمس وهو يناظرها، لا أشوفك تبكين من اليوم ورايح، من عقب يُتمك يا نورة أنا صرت أبوك.
ابتعد عنها ومشى تاركهآ خلفه، وهو ما بعد أرتوى منها، لكن مصير الأيام تجمعه فيهآ ويرتوي منها بالحلال.
ظلت تناظره وحطت يدها على قلبهآ لجل تهدى نبضاته، غمضت عيونهآ من أثر كلماته وكأن الحُلم بدا ياخذ مجراه في التحقيق.
"بيوم جديد على أبطالنا".
خرجت من الغرفة وشايلة بيدها كوب عصير "بُرتقال"، ارتشفت منه عالسريع وهي تشوف رياض خارج من الغرفة شايل شنطة صغيرة فيها ملابسه.
تركت الكوب على الطاولة وراحت له مهرولة:
وين وين !
رفع راسه لها وتلاقت عيونه الذابلة بـ عيونهآ وصد عنها.
رفعت حاجبها وتكتفت:
على وين إن شاءالله !
كل ما صارت لك مشكلة قمت تهرب وتسافر !
هروبك ما راح يحل لك مشاكلك، واجه مشاكلك واتخذ الطرق الصحيحة وحلّها مو تلجئ للهروب وظان إن المشكلة بتحل نفسها من نفسها، قربت منه ومسحت على وجهه الذبلان وتحديداً عيونه محاوطها سواد، ثم مسحت على شعره وبهمس حنون، وهالمرة قولي شفيك ايش اللي مخليك بتسافر !
ناظرها وبسرعة صد وهو يحس بالذنب، أخذت شنطته منه ورمتها وراها ورفعت نفسها على أطراف أصابعها وحضنت وجهه بين كفوفهآ وبهمس:
قولي شفيك حبيبي !
انا زوجتك وحبيبتك وعيونك وكل شيء، أحكيلي شاللي مضايقك !
الفضفضة نوع من التخفيف، فضفض وكبّ الحكي إللي جواتك لجل يخف صدرك، وتخف روحك من الهم أحكيلي.
غمض عيونه واطلق تنهيدة، شدت على وجهه، أفتح عيونك ناظرني، قلت لك أفتحهآ، ابتسمت ورفعت حاجبها وبتساؤل:
زعلان لأني ما حملت، تأملت إني ذاك اليوم حامل وضاق صدرك لأني ما كنت حامل، حركت راسها بالنفي عقب ما شافته فتح عيونه وبحنيّة:
كل شيء بوقته حلو، وكل تأخيره فيها خيرة، واقدار الله كلها خيرة، واذا الله ما رزقنا بطفل الحين بيرزقنا بعدين، لا نستعجل على الرزق.
انتظرت منه جواب لكن التزم الصمت وهو يناظر عيونهآ، عاجز يقولها لا تتأملين كثير انا "عقيم".
انحنى لها وحاوطهآ بذراعيه وضمهآ بققوة، دفن وجهه بشعرهآ وتنهد.
ابتسمت وهي تمسح على ظهره، ماعرفت ايش اللي مضايقه ولا حبت تضغط عليه لكن يكفي انها واسته ولو بشيء بسيط.
.
.
"بالفندّق".
طلع من الغرفة ومشى للكنب إللي كانت قاعدة عليه أمه، قعد جمبها وبيدها الريموت وتناظر بالـ tv,
زم شفايفه وكل شوي يلغ يناظرها ويصد بسرعة، لفت عليه وبضحكة وهي تنقص الصوت:
من اول ما قعدت اشوفك كل شوي تناظر فيني، هات إللي عندك.
ضحك بربكة ومسح على حواجبه:
لالا مافيني شيء يمة.
ناظرته بنصف عين:
انا ما سألتك شفيك، قلت لك هات الكلام إللي عندك.
لف عليها واخذ نفس وبهدوء وهو يشتت نظراته:
يمة انتِ وابوي تبغوني اتزوج وسبق وقلتي لي ان ابوي حب يزوجني، اومت امه راسها، واسترسل بكلامه، وانا بصراحة نويت أتزوّج.
رفعت حاجبها أمه وتكتفت وهي ماسكة ضحكتها على ملامحه المرتبكة وباين فيها الحيا ونظراته اللي تتشتت:
ايه ومين هالبنت ؟
بلع ريقه وبهدوء وعيونه بـ عيونهآ:
نورة بنت خالتي فاطمة.
سكتت أمه لثواني وعقدت حواجبها:
ليه يمة تحديداً نورة ؟.
قرب منها وحضن كفوفها لصدره وبهمس صادق:
يمه هالبنت هي إللي كانت بنفسي، وكنت من زمان ابغيها من اول ما شفتها وقعت بنفسي وحبّيتها لكن قدر الله واتزوجت، وعقبها ما دريت ان زوجها توفي، يمة لازم تروحين تخطبينها الآن ما ابغاها تروح علي.
ناظرت فيه وابتسمت، مسحت على خده وبهمس:
ما بسألك كيف شفتها وليش حبيتها هي تحديداً، لكن دام هالشيء يسعدك فمن عيوني الحين أتصل على موضي وأخذ منها موعد عقب العصر.
حرك راسه بالنفي:
لا ما تاخذين منها موعد ولاشيء الحين تروحين انا اوديك.
ناظرته بصدمة وضحكت:
يمة أثقل.
ضحك وهو يقوم ويمسكها بيدها ويقومها:
ما بثقل ولاشيء قومي اخطبي لي نورة لا تروح علي.
رفعت حاجبها وبهدوء:
طيّب لو ما وافقت عليك نورة !
ارتخت ملامحه بذبول وبهمس :
لا يمة فال الله ولا فالك، تنحنح وهو يمشي عن أمه، بنزل أشوف أي سيارة توصلنا وانتِ البسي عبايتك والحقيني لا تتأخرين.
سكر الباب ونزل مع الدرج ويدينه بـ جيوبه ويفكّر بكلام أمه، صدق لو ما وافقت !
وبنفسها زوجها إللي مات، رص على أسنانه بغضب شديد ويحس بنار تشتعل بجوفة.
همس بحدّة وهو قابض يده:
مالها غيري، ما بسمح لها تاخذ واحد غيري ونفسي فيها، بكون أناني فيها ولا بسمح لها.
.
.
"ببيت موضي".
منسدحة نورة على الكنب وفاتحة شعرهآ وخصلات على وجهها تلعب فيهم، سكنت عن الحركة عقب ما سمعت كلام خالتها موضي للخدامة:
سوي شاي وقهوة خالة فاطمة جاي الحين فالطريق.
ميلت شفتهآ وهي تتذكر موقفها ليلة أمس مع يوسف.
عقدت حواجبها وفزّت قاعدة بتوتر وبنفسها:
معقولة جاية تخطبني، لالا مستحيل تجي تخطبني بهذي السرعة، بس كلام يوسف كان يدل على شيء رسمي راح يصير.
وقفت وصعدت فوق تبدّل وتلهي نفسها قبل ما تجي جميلة وهي حدّها مرتبكة ومتوترة.
.
عقب نصف ساعة، نزلت نورة وبنظراتها تدور جميلة، بلعت ريقها عقب ما شافتها قاعدة مع موضي وتضحك، ناظروا في نورة إللي تمشي ببطء تجرّ خطواتها وشابكة يدينها ببعض.
باست راس جميلة وبهمس:
صبّحك الله بالخير يا خالة.
ابتسمت لها جميلة:
وصباحك خير.
ناظرتها من فوق لتحت نظرات اربكت نورة وحمّرت بخدودهآ، حطت شعرها خلف شحمة أذنها وشتت نظراتهآ.
.
استأذنت موضي بطلب من جميلة وتركتهم لحالهم، قامت جميلة وقعدت جمب نورة،
مسحت على شعرها الطويل وبهمس:
كل ما أشوفك أحس بمشاعر ناحيتك ما قدروا يوصلوها بنات خواتي الثانين، انتِ غير عنهم يا نورة وراح تكونين غير.
رفعت راس نورة بطرف سبابتها وبهمس ومن دون مقدمات القت عليها الخبر كالطامة على قلب نورة الصغير:
يوسف يبغاك على سنة الله ورسوله.
صدت عنها نورة وشدت فستانها من ناحية رُكبها وسكتت، دنت براسها عن جميلة تحاول تخفي دمعتهآ.
وضعت جميلة كفها على كتف نورة:
لا تردين الحين، فكري على راحتك وانا اليوم بالليل بكلّم خالتي حصة وأخطبك منها وردك راح اسمعه عن طريق جدتك،
فكّري زين، خالتي حصة ما بتدوم لك، موضي ما بتمّ طول عمرها من دون زوج يمكن بأي لحظة يجي نصيبها، ما حد بيبقى لك يا نورة،
ولا تنسين عمك إللي جاء امس، وكان معاه واحد في السيارة بنهاية العشرين ولأني كنت في السيارة وقتها فشفته.
رفعت نورة راسها بشكل سريع وبخوف من قالت إن مع حامد ولد بالعشرينيات.
وقفت جميلة وباست راس نورة وبهمس:
فكري على راحتك.
.
.
خرجت جميلة من بيت موضي وجاها يوسف إللي كان واقف برا يستناها:
ليه ما دخلت تسلّم على خالتك ؟
حك شعره وبوهقه:
نسيت راح عن بالي، لكن هاتي الزبدة.
عقد حواجبه وهو يشوف أمه تركب بسيارة سواق موضي لجل يوصلهم وراح ركب وراها:
يمة ليه ما تردين علي !
ناظرته وبهدوء:
يوسف علامك كذا !
قعدت مع البنت لوحدنا وقلت لها لجل تفكّر ويكون عندها علم بالوقت إللي أكلم فيه جدتها وقلت لها لا تردين الحين، فكّري وخذي راحتك.
زفر بغضب وبحلطمة:
يمممممة ليه قلتي لها تفكر وماترد الحين !
طيب يمكن فكرت ورفضتني.
تكلمت بهمس وهي تناظر بالطريق:
ما طلبتها تفكّر الا لأني شفت هذا الأنسب،
سكتت وصارت تناظر الطريق ولمعة عيون نورة ببالهآ، وفسرتها جميلة بأنها "اشتاقت لزوجهآ إللي هو مازن".
لكن كانت غاوية، فدمعة نورة كان سببها الخوف وأشياء كثيرة ورُبما يكون من ضمنها التفكير في مازن.
.
.
"بعد مرور يوم من دون أحداث مهمة".
فقط يوسف إللي ما كانت دقائق يومة غير مهمة، كان يحسّ كل دقيقة او بالأحرى كل ثانية تمرّ ثقيلة على قلبه.
.
.
مشت نورة بتردد لغرفة جدتها، طرقت الباب وفتحته بعد ما اذنت لها بالدخول.
قعدت على السرير، واخذت تمرر سبابتها على مفرش السرير وجدتها تناظرها، تستناها تبدا بالكلام من نفسها.
رفعت نورة راسها، وكفّت عن تمرير أصبعها وبهدوء وملامح جامدة:
يمة بلغيهم بالرفض.
عقدت حواجبها حصة وبهمس:
ليه ما تبغينه ؟
وقفت نورة وبهدوء:
لا تسأليني ولا تحاولين تقنعيني لأني فكّرت كثير وهذا ردّي.
من دون أي نقاش اخذت حصة سماعة الهاتف إللي بغرفتها واتصلت على جميلة لتخبرها برد نورة والأكيد إنه بيصدمهم مثل ما صدم حصة. .
"بالفندق"
طلعت جميلة من الغرفة وفز يوسف اول ما شافها وبجمود:
قوم جهز ملابسك بنرجع المدينة.
عقد حواجبه:
ليش ؟
رفعت حاجبها جميلة وبسُخرية:
ليش يعني ؟
خلاص بنرجع مالنا حاجة بالرياض وابوك لازم يكمل شغلة وانت بعد.
تخصّر ورفع حاجبه وقلبه ينبض بقوة:
يمه ليكون رفضت؟
لفت عنه أمه وبـ حزم:
البنت ما وافقت عليك يا يوسف، ولكذا جهّز اغراضك بنرجع المدينة.
اسرع خطواته ومسكها مع كتفها:
ييمة من جدك !
رفعت حاجبه ونفضت كتفها منه:
يوسف !
أنا أمك أمسكني زين مو تلفني بقوة كني واحد من اخوياك ! وايه من جدي تو خالتي حصة كلمتني وابلغتني برفضهآ، معني أشوف مالها حق ترفض إنت من زينة الشباب مو مدحاً فيك لأنك ولدي، لكن هذا الحق.
عقد حواجبه وبقهر:
لا ما راح ارجع.
رفعت حاجبها له وناظرته بحدّه، واسترسل بكلامه:
ماني براجع معكم، بقعد هنا وبسلتم الفرع إللي هنا واعطي أبوي خبر.
أخذ جاكيته وخرج من الباب غضضبان، سكر الباب بقوة ونزل الدرج بخطوات سريعة.
طلع في الشارع وهو يتنفس بغضب ومكّشر، ركل جدار الفندق وشد شعره، غمض عيونه بققوة عقب ما طرى على باله تحليل رفضها له، وهو خوفها منه بسبب الموقف إللي حصل بينهم زفر بعصبيية وهو يوقّف التاكسي:
بس انا سويت كذا من حبّي لها.
أمر السواق يتوجه لبيت خالته موضي بتهوّر عقب ما وصف له الطريق.
.
.
أما ببيت موضي، فكانت نورة تمشي بالحديقة وحاطة على كتوفها وشاح من الصوف وتفكّر.
ماكان عندها سبب وجيه أو سبب واحد لرفضها لـ يوسف.
زمّت شفايفها وهي تراجع ردها، ما بين إنه الصواب وما بين إنه الخطا، يوسف رجل ما يتعوّض، تنهدت ومسحت على وجههآ، خايفة ما ودها تعيد الأمر وتتعلّق فيه ويموت مثل ما مات مازن.
رُبما كان رفض نورة بداعي الخوف، ومع هذا ما اعتبرته نورة سبب وجيه تقدر تقنع نفسها به قبل ما تقنع جدتهآ.
غمّضت عيونها بقوة وتألمت من الكفوف إللي لفتها بقوة، فتحت عيونها وناظرته لوهله بخوف ثم تحوّلت نظراتها لحدّة.
تلفتت حولها خوفاً من يشوفهم أحد سوى، وبنفسها تتساءل،
كيف دخل !
وأي جُرأة تدفعه ليقترب منها من دون إكتراث بـ موضي أو حصة، فعلاً مجنون.
سحبها مع يدها لداخل اشجار الحديقة وبما أن الليل فساعدته العُتمة على سحبها من دون ما يشوفهم أحد.
ناظرها بحدّة وبهمس مقهور:
لييه رفضتي !
ناظرته بجمود وماردت، هزها مع أكتافها وبهمس :
ردي ليييه رفضتي!
ظليت شهور أفكر فيك واحاول اطلعك من راسي اقول حرام يا يوسف إللي قاعد تسويه تفكر بوحدة بذمة غيرك ومن لقيتك حسيت نفسي لقيت روحي وأخطبك وترفضين ردي علي لييه ؟.
تنهد وبهدوء لجل تلين وما تعانده أكثر:
طيّب بس قولي لي سبب واحد يخلّيك ترفضيني، انتظر منها رد ولكن مازالت صامتة، طيب تبغين ترجعين لـ عمّك ؟
بنفسك أحد ثاني!
عقدت حواجبها والتمس بنظراتها الرّفض:
انا أدري انّك ما تبغينه ولا هو يبغاك وهو يبغاك ترجعين لجل شغلة وحدة !
لجل ورثك،
عقدت حواجبها كيف عرف ؟.
قرّب منها وبترجي:
أوعدك أحميك من عمك ولا أخليه يلمس منك شعره وحدة ، واوعدك ارجعلك ورثك ريال ورى ريال.
نفضت نفسها منه وهي مكشرة وتناظره بحدّة:
أصحك تلمسني يا يوسف !
قرّبت منه وعيونهآ بـ عيونه وبهمس حاد، ومابغاك لا أنت ولا الورث .
مشت عنه ومسكها من ذراعها وسحبه بققوة وبغضب:
لا تخليني الجى للطريقة اللي ما ترضيك !
لا تخليني اخذك بالغصب يا نورة.
ضربته على صدره بكفوفهآ وبصرخة نبرتها منخفضة:
إفففف منك ما تفهم إنت قلت لك ماني موافقة، حلّ عني ياخي شوفلك وحدة ثانية وأحفظ كرامتك.
رفع حاجبه لها وبهمس:
ما ملى عيني ولا راح يملى عيني غيرك يا نورة !
وانا متمسّك فيك لحاجتين، بلعت ريقها نورة وهي تناظر عيونه والحلم يدور بمخيّلتها، الحاجة الأولى لأني أحبك !
وانا في الحب ما أعترف بشيء سوى الأنانية لا كرامة ولا غيرها، صد عنها وبهمس وملامحه هادية، والحاجة الثانية لأنك برقبتي أبوك وصاني عليك !
ناظرها وأرتخت ملامحها من طرى أسم أبوها، ورجعت فيها ذكرياتها لأبوها وأيام دوامه واللحظات الصعبة إللي عاشتها لما كان يتأخر، ولما كان يرجع بعزّ المطر وكانت تخاف عليه لا يصير له شيء بسبب المطر.
صدت عنه لجل ما يلمح دمعتهآ وبهدوء:
الله يرحمه، وانا الحين بأمان، ابوي وصاك علي كان خايف من عمّاني لا يسوون فيني شيء، لكن الحين انا عند جدتي وما راح تسمح لعمي أو احد غيره يأذيني.
ابتسم بسُخرية وتكتف:
ولو جاء حامد الحين وسحبك غصب عنك مين بيفكك منه !
جدتك إللي ما تقدر توقف زين الا بعصاتها !
خالتك موضي النحيفة الضعيفة !
ولا السواق بيفزع لك.
ناظرته بحدّة من نبرته الساخرة، ومسحت دموعهآ إللي نزلت حنيناً لأبوها.
قرّب منها وبجرأة مسح اثار دموعها بسبابته وبهمس:
عمّك حامد اعرفه زين ، واعرف خبثه ولا أحد تصدّى له من خوالك، عمّك قادر يحرق هالبيت بما فيه.
سكتت وناظرته وعيونهآ تلمع.
استرسل بكلامه وابتسامته تدريجياً تتسع:
جدتك كبيرة في السن ولا بتقدر تحميك كل عمرك، صحيح الأعمار بيد الله لكن هذا الواضح، وخالتك موضي يمكن تتزوّج وبناتها يتزوجون، رفع راسه وناظر بالسماء وبهمس، مين بيبقى لك يا نورة !
نزلت نظرها لإيدينه إللي شابكهم وسرحت بكلامه وبعروق يده البارزة ولون بشرة يده المايلة للسمار.
ناظرها وحس إنها بدت تقتنع.
لف عنها وأخذ نفس عميق وبهدوء:
برجع أخلي أمي تخطبك وياليت هالمرّة تفوزين على عنادك وتوافقين، ولاتخافين إذا الله كتب بيننا نصيب بنسكن هنا بالرياض ما برجع للمدينة بستقرّ هنا وبمسك الفرع إللي هنا.
مشى عنها تاركها ولجل ما يثير الشُبهة مرّ خالاته موضي وحصة يسلم عليهم.
مسحت على وجههآ بتنهيدة وقعدت على الأرض، غاصت أناملها بشعرها وهي تفكّر بكلامه، ظلت لدقايق على وضعها وصم قامت تخش لداخل البيت.
.
.
"عقب مرور أسبوع على أبطالنا".
تقدّم يوسف لنورة وكان ردها عليه "بالموافقة". وتحدّد موعد الخطبة الرسمية وعقد القرآن وبخلال هذي الأيّام حللوا وظلوا أهل يوسف بالرياض يجهزون.
تحاوز يوسف مع نورة لجل ولي أمرها إللي بيحضر عقد القرآن ورجّحت له عمها لافي.
وأخذ أذن منه ووافق، كل هذا كان مخفي عن حامد وشبيهه نآيف.
أما عن رياض ولينا فحياتهم ما تغيّرت، تتأرجح ما بين الإرتخاء والشدّة.
وهموم رياض كبّلته، من تفكيره بالعقم وتفكيره بالديون والوظيفة إللي ما قدر يحصل عليها، صار يحس نفسه عالّه على أهله وعلى لينا.
أستوعب طريق الصواب متأخر، ندم على الأيام اللي قضاها ببداية شبابه بين "اللّهو والطيش".
لو أستغنمها ودرس وأكمل حياته بطريقة صحيحة ما كان هذا وضعه الحين.
أمّا إيثار ف جرحها من حبيبها السابق " مروان" مازال رماد يلتهب بجوفهآ، لكن لطبيعتها الكتومة ظلت صامدة وتتجاهل حزنها.
وجابر صارت تردداته كثيرة على بيت حامد ولـ غاية وحدة "يقوّي العلاقات مع حامد وبلحظة ما يطلبه إيثار ما بيتردد حامد ويقوله لا، خصوصاً إن جابر مُدير أعمال".
.
.
اعتدلت بقعدتها عالسرير تثاوبت وخاطرها تكمّل نومها، فزّت من أصوات الصراخ والإزعاج، طلعت من الغرفة تركض وهي لابسة بيجاما فقط.
وقفت على باب الغرفة وهي تشوف أم رياض وأخواته يبكون وحالتهم يُرثى لها.
حطت يدها على قلبها وهي تسمي:
بسم الله الرحمن الرحيم، لا يارب لا يكون صاير لرياض شيء، لا يارب خذني انا ولا تاخذه.
حاولت تمشي لهم وتسأل عن سبب حالهم لكن رجولها ما تشيلها، طاحت على رُكبها وفردت كفوفها على فخوذها وهي تحاول تتنفّس بصوت عالي لكن مو قادرة،
رفعت راسها من دخل أخو رياض إللي ساكن بمنطقة ثانية وجاء من قبل يومين، ناظرهم ومن شافها صدّ وسحب طرف شماغه لجل ما يشوفها.
تكلّم بصوت جهوري شطر قلب لينا:
للأسف دخلوه السجن، والله يعلم كم مدة حكمه ولكن الأكيد اول ما تتسدّد ديونه بيطلعونـ..
حطت كفوفها على أذنها وبهمس وهي تبكي:
بس بس كافي مابغى أسمع، وبصرخة، ببببببس.
وقفت بسرعة وهي تشهق دخلت الغرفة واخذت عبايتها وشنطتها لبستهم وطلعت تركض،
ركبت في سيارة السواق وأمرته يروح بيت أهلها.
فتحت الباب ونزعت حجابهآ عن وجهها لتبان تقاسيم وجهها الباكية.
مشت بتشتت ماتدري فين تروح، قامت لها أمها وهي تسمي عقب ما كانت قاعدة بالصالة، مسكتها مع أكتافها وبخوف:
شفييك انتِ !
من ولدتك وانتِ مو طبيعية كل بومين تبكين وجايتنا بوضع يُرثى له.
ابتسمت من كلام أمها وبألم:
يمة وين أبوي !
تكتفت وبهدوء:
أبوك فوق قبل شوي صعد بينام قال نصحيه على صلاة العصر، تعالي معي فهميني ايش فيك وعقب يصحى تشوفينه.
حركت راسها بالنفي وبترجّي:
لا يمة بروح له الحين بكلمه ايه لازم اكلمه مافي وقت.
رفعت صوتها أمها عقب ما تركتها لينا وصعدت الدرج تركض:
قلت لك لا تروحين الحين لكن ما سمعتيني وأبوك بينام ولا راح تجيببين فايدة.
ما استمعت لكلام أمها وفتحت الباب ببطء، ارتجفت من برودة الغرفة وبلعت ريقها تحس بهيبة أبوها تربكها.
مشت له وقعدت على الأرض وهو فوق السرير، مسكت كفه ومسحت عليه ومالت براسها ودموعها متحجّرة بـ عيونهآ،
فتح عيونه من اللمسات الرقيقة على كفه وناظرها لثواني ورجع غمّض من دون ما يرد عليها.
زمّة شفايفها وبهمس مخنوق:
يبه رجيتك ساعده لا تتركه، يبه انا بتأذى أكثر منه ما بتحمل غيابه، هزّت ذراع أبوها وبكت، يبه تكفى ساعده لا تتركه ساعده لجلي انا مب لجله هو.
ولا أصدر أبوها أي ردّة فعل وظل على حاله، عضت شفتها ببكي:
يبببه تسمعني إنت !
قوم لا تنام واسمع إللي اقوله لك.
فتح عيونه وناظرها بحدّه لجل يبين لها انه سامعها وسحب كفه من يدها وانقلب على جمبه وتلحف.
ظلت تناظره لثواني الصمت عنوانها ما غير شهقاتها تعكس الصمت، وقفت بخيبة أمل ونزلت وهي تجر حزنها معها.
دخلت الصالة ومشت لأمها وأرتمت بحضنها، وأخذت تفضفض بكلام غير مفهوم وتبكي.
قابلتها أمها بالسكوت وتربت على ظهرها لين غفت بحضنها.
.
.
أمّا أبوها فعقب ما قامت ازاح اللحاف عنه وقام وهو عاقد حواجبه، اخذ جواله وأتصل على الضابط، يستفسر منه عن حالة رياض ويطلب زيارة بيشوف رياض.
وبحكم مكانة أبو لينا فماكانت الشغلة مُعقدة.
نزل الجوال عقب ما انتهت المكالة ومسح ع وجهه ترجي بنته أوجع قلبه وهي وحيدته.
.
.
"بيت موضي".
اعتدلت نورة بقعدتها وبألم:
رجولي عوّرتني وإحنا نفر هالاسواق مالقينا الفستان إللي يرضيني.
ضحكت لمياء واستندت على الكنب:
شنسوي انتِ ذوقك صعب.
ضحكت نورة وحركت راسها بالنفي:
لا ذوقي مو صعب بالعكس بسيط جداً بس كل الفساتين خربانة اللي قصير حيل واللي مفتوح مع الجوانب بشكل بشع، واللي تصميمها جداً مو حلو ابغى شيء ساتر بسيط ناعم وفيه ورود بسيطة بس هذا طلبـ..
بترت كلمتها عقب ماسمعت إشعار رسالة لجوالها مسكته وعاقدة حواجبها بإستغراب، كانت من رقم مو مسجل.
قرأتها بصمت
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، انا مُراد وهذا رقمي الثاني حبّيت أطمن عليك واستودعك الله قبل لا تصيرين بذمة يوسف، دريت من عمّي لافي وفرحت لك حيل ويوسف أصيل ورجل حقيقي وعمّي لافي ما وافق يكون شاهد الّا لأنه شايفه رجل قول وفعل.. أتمنالك كل التوفيق يا أختي الصغيرة، وأنتبهي لا تطلعين كثير ما تدرين ايش راح يسوي أبوي لو درى".
ابتسمت وبدت تكتب له، وبالمقابل ترك مُراد جواله على الطاولة وقام يتوضى.
وفي هذي الأثناء قعدت ريا على الكنب ولفت نظرها الرسالة اللي وصلت لجوال مُراد، نظرت فيه نظرة تلقائية عفوية وعقدت حواجبها من الكلام إللي كان من رقم مسجلة بنجمة من دون اي اسم.
"وعليكم السلام بخير الحمدلله واحوالي طيبة-ومن كلمت طيبة عرفت ان الرسالة جاية من بنت اكملت قراية الرسالة وعلامات الإستغراب لوّنت وجههآ-
شكراً على كلامك، واتمنّى يكون يوسف زي ماتقول رجل بمعنى الكلمة، ولا تخاف علي من ابوك ان شاءالله مو صاير شيء وعقد قراني راح يكون عقب يومين, أتمنالك يا مُراد كل التوفيق وماراح أنسى جميلك معي".
رجعت مكانها بسرعة من شافت مُراد جاي وغمضت عيونها لجل ما يشك إنها قرت الرسالة.
غرقت بأفكارها ومليون سؤال ورى سؤال براسها وبنفسها:
مين هذي البنت !
ومين يوسف اللي بيتزوجها وإيش علاقة مراد بيوسف لجل يقولها انه رجل، وايش علاقتها بأبوي وليش مراد ينبها منه ؟
ومن متى أصلاً ومُراد يعرف بنات ؟.
قامت بخطوات سريعة، وصعدت الدرج وضربت باب غرفة إيثار من دون إستئذان وغباءً منها وتسرع تركت الباب شبه مفتوح، قعدت على السرير بجانب ايثار ومسكتها مع كتفها وبنبرة سريعة:
اسمعي خليك معي واتركي الجوال بقولك شيء، تو وانا قاعدة تحت وصلت مراد رسالة..الخ.
سردت لها كل إللي شافته، تكلمت إيثار بعد دقائق صمت طويلة:
غريبة والله مين هالبنت، ناظرت بـ ريّا وهي مصغرة عيونها بتفكير، تهقين إنها نورة بنت عمّي سيّاف ؟.
رفعت أكتافها ريا وبتنهيدة:
مدري والله بس عسى مُراد ما يورط نفسه.
ضربتها على كتفها وبهمس:
اسكتي ولا تقولين لأحد غيري لجل ما حد يدري ويصير شيء لمراد، وقفت إيثار وبسرعة طلت مع الباب وتلفتت ماشافت أحد، سكرت الباب وبتنيهدة:
أوف، قعدت جمب ريا وبهمس، زين اللي ما حد كان برا وسمع كلامك والله يروح مُراد وطي.
.
.
"بعد مرور يومان".
لاشيء جديد في حياة لينا ورياض، سوى إن رياض محبوس بين قُضبان السجن، ولينا ساءت صحتها وهي ببيت أهلها وملقية اللوم على أبوها.
وبالحقيقة أبوها ماله أي ذنب، المفروض اللوم يُلقى على عاتق رياض إللي ما حسب حساب الخطوة إللي يخطيها.
واقف بالشارع خارج حدود السجن، واضع كفوفه بجيوب ثوبه يتأمل الشوارع والحياة إللي حوله تنفّس بعمق وما يدور بباله سوى "الحريّة".
مسح على شعره وتذكر إللي حصل قبل ساعتين مع أبو لينا.
وكيف إنه عرض عليه المساعدة، لكن رياض رفضها، أحتد بينهم الحوار، وضع أبو لينا كفوفه على الطاولة وبحدّة وهو يناظر بعيون رياض:
ماجيتك أستشيرك أنا، جيت أمرك وأعرض عليك هالشيء، وبتنفذه حتى لو مارضيت، وهالشيء ماهو بلجل عيونك يا رياض لجل بنتي الضعيفة إللي طلعت من بيتي وردة زاهية ورجعت وردة ذبلانة، كسرتها وهديت حيلها، خنت حيلي إللي شافته منك ماهو بقليل يا مسودّ الوجه
ومابه شيء من دون مُقابل، بسدد عنك ديونك وتشتغل عندي وانت تسددني بعدين.
صد عنه وقام تارك رياض خلفه، وعقب ساعة تحديداً من خروج أبو لينا أُفرج عن رياض.
زمّ شفايفه ومشى للبيت يشوف أهله ويشوف لينا، قضى عدّة أيام بالسجن فقد فيها حلاوة الحياة وفقد فيها حلاوة الهواء الطلق.
سلك خطواته للبيت ومعها سلك خطواته لحياته الجديدة، تعلّم الكثير من دخوله للسجن.
والأهم عزمه على إنه مايرجع لحياته الأولية إللي عنوانها الفوضوية والإهمال.
.
.
"بالرياض | عند أبطالنا العِرسان-تحديداً بيت موضي".
بالمجلس قاعدين الرجال خوال نورة ومن ضمنهم عمها لافي إللي جاي يشهد وهو ولي نورة، وأيضاً من ضمنهم عريسنا يوسف وأبوه والشيخ إللي بيعقد قرانهم.
فتح الشيخ الكتاب وبدا بإجراءات عقد القران، وأوراق التحاليل بيد يوسف.
أمّا بالصالة فكانوا قاعدين خالات نورة وبناتهم وزوجات خوالها وأم يوسف.
ما بين ترقّب وفضول وفرح من قبل جميلة وحصّة.
.
في الدور الثاني تحديداً بالغرفة إللي تجمع نورة والكوفيرا وموضي.
وقفت بربكة عقب ما وضعت لها الكوفيرا اللمسات الأخيرة، كانت خالتها موضي واقفة وماسكة فستانها:
تعالي أساعدك بلبسه، طلعت معها وراحوا للغرفة الثانية، دخلوا وبدت نورة تنزع ملابسها بتوتر وكل شوي ترتجف يدينها وتفرك فيهم، لبستها خالتها الفستان إللي كان عبارة عن "فستان وردي -تصميم فستان ساندريلا- ضيّق لين الخصر ثم يتوسع لين كعبها مع نقش بسيطة من ناحية الصدر".
لبستها خالتها ولبستها طقم "الألماس" ابتسمت نورة وبإحراج:
كلفتي على نفسك ألماس !
ابتسمت موضي ومسحت على خدها وبحنيّة:
إنتِ بنت الغالية فاطمة وتستاهلين أكثر، زمّت شفايفها نورة وتناظر بموضي كيف ساعدتها بكل شيء وكانت مكان أمها ولا حسستها بأي نقص، رفعت نفسها على أطراف رجولها وباست راس موضي وبهمس:
ماقصرتي يا خالتي حليتي محل أمي، وقعت دمعة يتيمة رقيقة على راس موضي من عيون نورة.
تنهدت موضي وبهدوء:
لا أشوفك تبكين أصحك يا نورة، أنا أمك ! وبوقف معك وبساعدك بكل شيء.
ابتسمت لها لجل تغيّر جوها وبحماس:
يلا خلصي وتعطّري واقعدي لين تجيك لمياء البنات مسوين لك تحت حفلة بسيطة وزفّة، لفت على طرق الباب وطل نواف براسه ومعاه دفتر، ابتسمت موضي وراحت له أخذته منه ومدت الكتاب لنورة والقلم.
مدت نورة يدها واخذت القلم وبسبب رجفة يدها طاح منها واخذته موضي وردت مدته لها ومسحت على كتفها وبهمس:
سمي بالله يا يمة ووقعي عسى الله يوفقكم ويتمم لكم على خير.
وقعت وأخذته منها موضي وسلمته لنواف ينزل به للمجلس، حضنتها خالتها موضي وهي تضحك مبسوطة وتزغرد.
.
.
نزلت موضي مع الدرج ووقفت أمامهم وبإبتسامة واسعة:
تم عقد قرآنهم عسى الله يتمم لهم على خير ويوفقهم.
ثواني وعلت اصوات الزغاريد والتبريكات، استقبلت حصة التبريكات بما إنها جدتها وهي تمسح دموعها بطرف شيلتها السوداء القُطن.
بعد دقائق انطفت الاضواء سوى ضوء باللون الموف موجّه على الدرج والعيون تناظر بالدرج بترقّب.
ثواني ونزلت نورة شابكة أصابعها حول المسكة، وخلفها لمياء تمشي وراها.
أستقبلتها جميلة بنهاية الدرج وحضنتها حُضن حار فخورة فيها وسعيدة.
باركوا لها بالأحضان، ومسكتها جميلة بيدها وقعدتها على الكنب، ابعدت عنهم لجل ترد على الإتصال اول ما فتحت المكالمة باغتها صوت يوسف بنبرة سريعة:
يمة خليها تروح أي غرفة ابغى أشوفها يمة بسرعة.
ضحكت وبهمس:
طيب ثواني.
سكرت وراحت لموضي وبهمس وفيها ضحكة:
يوسف يقول يبغى يشوف نورة الحين.
اومت براسها موضي وبإبتسامة:
من حقه يشوفها خليها تروح للغرفة إللي بجمب الباب الخلفي وخليه يجي يشوفها.
مسكت جميلة نورة من يدها وأستأذنتهم ونورة تمشي وراها وقلبها ينبض بقققوة من توتر من رجفة من ربكة ومن مشاعر كثييرة إجتاحتها.
تعلم بأن اللقاء مع يوسف ليس بالأمر الهيّن، قادر على أن يسلب قلبها بكل حركة بسيطة يقوم بها.
.
دخلتها الغرفة وبحنية:
اقعدي يايمة وانا بتصل على يوسف لجل يجي.
اومت براسها نورة ومشت بربكة تقعد على الكنب، ظلت مدنقة براسها وصدرها يرتفع وينزل من تنفسها المُضطرب.
شدت على فستانها من داهمتها ريحة العطر الرجولي وغمّضت عيونها ورجفة شديدة تسري بجسدها.
"حان وقت اللقاء، بالوقت اللي ما احل فيه له تصرف معي تصرف جريء فكيف وانا صرت حلاله يارّب سلم".
غمضت عيونها بققوة من حسته وقف قدامها ورفع راسها بطرف سبابته.
همس ببحّة ونبرة مليانة حب وعشق:
أفتحي عيونك يا نظري، أفتحيها لا تحرميني من شوفتك عقب ما صرتي حلالي.
فتحتها ببطء وناظرته وبلعت ريقها، نزل نظره ليدينها إللي ترتجف وشادة على فستانها.
قعد مقابلها على رُكبه وحضن كفوفها ورفعهآ لـ ثُغره وقبّلهم قبلة عميييقة وطويلة، قُبلة أسرت قلبها.
ناظرته كيف يقبّل كفوفها مغمّض عيونه.
وكلمات أغنية نانسي "أنا عم بتعلق فيك" تدور ببالها وتوصف حالتها الحين ويّاه معاه.
"عم بتعلق فيك شويّ شويّ، وعم حس بحنية
ولا مرّة حسيتها بعمري اللي عشته انا
قلي انك حاسس فيي، وشايف شو بيحكوا عينيي
لما بتمرق حدّي وبرجف قدامك انا
انا عم بلّش حبّك، انا لما بشوفك بتلبّك
مع انك بتضلّك ساكت، قلبي عم يسمعك
انا عم حبّك هلق، انا بعيونك عم بتعلّق
بالإيام اللي جايي حدّي عم بقشعك".
~
فتح عيونه عقب ثواني طوييلة وصلت للدقائق، رفع نفسه وباس جبينهآ وبهمس:
إنتِ نعمة، وبكون جاحد ولو ما شكرت الله على هالنعمة يا أفضل النعم والعطايا.
مسح على خدها وعيونه بـ عيونهآ إللي تناظره بخجل:
إنتِ فرحة جات لعندي عقب سنين عُجاف عشتها لوحدي، إنتِ يا نورة رمش هالعيون، وأشر على عيونه، أبتسم لها ورفع حاجبه اليمين وفتح ذراعيه.
إبتسم ورجع خطوتين على وراه واعتلت صوت ضحكته عقب ما نطت وتعلّقت برقبته.
شد عليهآ ودار فيها وهو يقهقه بصوت عالي وفرحة عظيمة غامرته، الحياة حالياً بـ عيونهم صارت ما توزن ريشة من فرحتهم.
نزلها على الأرض خاف إنها تدوخ، ظلّ ماسكها ويمسح على وجههآ وعيونه بـ عيونها يقرا المشاعر إللي فيها.
رفعت نفسها على أطراف رجولها وبخجل باست جبينه، بعدت عنه وشتت نظراتها وشبكت أصابعها ببعض ولّفت بأكتافها بحيا شديد.
ضحك وضضمها بكل قوته:
هاللحظة عظيمة يا بنت سيّاف عظيمة، صدقيني كسبتي أجر فرحتي وسعادتي حالياً.
لف على الباب عقب ما انطرق وانفتح دخلوا جميلة وموضي وحصة.
حاولت تبعد عنه وشدها له، جميلة شايلة قالب قاتوه كبير وعليه رسمة خاتم وأساميهم.
وحصة شايلة طقم ألماس، وموضي شايله صحن فيه سكين وملاعق وصحون.
قعدوا كلهم على الكنب، ويوسف قاعد ونورة قاعدة جمبهم، حطت يدها نورة على السكين وحط يده فوق يدها وشد عليها من برودة يدها ورجفتها، قطعوا الكيكة تحت زغاريد حصة وموضي وجميلة إللي تصوّرهم.
أكلوا بعض ولبّسها العقد ومضت ليلتهم بسلام تامّ.
-
.
~
"بيوم جديد وأحداث رُبما تكون جديدة| بيت موضي".
مُستلقية نورة على الكنب بهدوء ومغمضة عيونهآ وتحرك خاتمها بشويش، رجعت بها ذاكرتها لـ قبل يومين.
كانت على سريرهآ متسطحة بتنام ودخلت عليها خالتها موضي، رفعت اللحاف واستلقت جمبها وسحبتها حضنتهآ لها.
مسحت على شعرها وبهمس:
أقدر احكي معك يا يمة بموضوع؟
رفعت عيونهآ لها، واومت براسها وبهمس:
إيه تحكي.
أخذت نفس موضي وبهدوء:
لا تقاطعيني طيّب، بسألك يايمة ليه رفضتي يوسف بالمرّة الاولى والمرة الثانية وافقتي !
لا تقولين لي من دون أي سبب، مستحيل ترفضين يوسف العاقل الرزين كذا عبث !
وانا خالتك وبمقام أمك ولازم أقدم لك النصح، واوجهك اذا شفتك تحتاجين التوجية.
بعدت عنها نورة وقعدت وشبكت اصابعها ببعض وصدت عن موضي من دون أي رد، ثواني قليلة وبدت تتكلّم:
حتى انا يا خالتي ماعرف السبب اللي خلاني أرفض، شتت نظراتها وبنبرة حزينة، انا يا خالتي سبق لي وان تزوجت لكن توفي قبل ما يدخل بي وما اقول حبيته لدرجة الجنون وتعلّقت به حييل، لكن طبيعي وأمر فطري حنّ علي وعطف ووقف معي لما توفي أبوي وتقدرين تقولين تعلّقت فيه لكن هو الثاني فقدته مات وميتته شنيعة، ناظرت بخالتها ودموعهآ بـ عيونها وتقوّست شفايفها برجفة، عشت الكثير يا خالتي فقدت أبوي ثم هو وانا ما وصلت سن الـ ٢٠ متخيّلة كيف يا خالتي !
ظليت أيام معتكفة وقتها اخذني عمي حامد عنده، فقدت شغف الحياة فقدت الناس اللي كانوا ملونينها لي، صرت أشوفها رمادية وبصعوبة تجاوزت هاللحظات القاسية، والله رحمته وسعت كل شيء ما تركني سرعان ما زال الحزن من صدري، صحيح اني باقي فاقدة أبوي وفاقدة ريحته وصوته وحنيّته لكن شسوي هذي سنة الحياة، ناظرت بموضي بنظرات عميييقة وبهمس، ومابغاها تنعاد يا خالتي مابغى اتعلّق بيوسف ويموت.
صدت عن خالتها وحضنت وجههآ بكفوفها وأجهشت بالبكاء.
قربت منها موضي ومسحت على ظهرها وتركتها تبكي وتفرّغ ما بصدرها، عقب ما هدت لفت وجههآ لها بطرف سبابتها وبهمس حنون:
بس ما يصير يا نورة تسوين كذا، تبتعدين عن الكل لجل إنك تخافين فقدهم، ما يصير توقفين حياتك عند نقطة معيّنة، واقدار الله يا يمة كلها خيرة وربك ما اخذ ابوك وزوجك الّا لأن الأمر خيرة بتسألين ايش هالخيرة فموتهم !
بقولك افترضي انك ما بتبرّين بأبوك وبتعصينه بعيد الشر عنك، افترضي إن زوجك تغيّره الأيام ويصير قاسي وما يرأف فيك !
ابتسمت واسترسلت بكلامها وهي تمسح على خدها، وانسي يا نورة إللي حصل خلاص اطلقي العنان لروحك ولا تظنين إنك بموافقتك على يوسف تخونين زوجك الأول لأن هالشيء ما يجوز، أنسيه وانسي كل شيء مضى إحنا عيال اليوم يا نورة.
-
.
~
حضنت كفوف نورة وبهمس صادق:
يوسف رجل ومن خيرة الرجال ولد أختي وأعرفه زين، صدقيني بيصونك وبيعفّك ولا بيقسى عليك بيوم وأمه جميلة رضيّة وطيبة والله ما رزقها ببنات وهي تحبّك وبتحطك بـ عيونهآ، باست خدها وشدت على كفوفهآ وعيونها بـ عيون نورة، اصحي تفكرين بزوجك او تفكرين بشيء ينكد عليك افتحي قلبك ليوسف لأنه رجل يستاهل وحبيه، وبضحكة، اصلاً هو من طيب أخلاقه راح يحببك بنفسه غصب عليك، لا ترفضينه بشيء ولا تنفرين منه بتفكيرك لزوجك الأول، أكسبيه من اول يوم وعيشي حياتك، أفتحي صفحة جديدة عنوانها إنتِ ويوسف.
رجعت لواقعها نورة وفتحت عيونهآ وإبتسمت وهي تناظر بالخاتم وتتذكّر تفاصيل ليلة أمس وإستماعها لوصايا خالتها.
رفعت الخاتم وباسته برفق، وفزّت من صوت الباب إللي يطرق بققوة ومرّات يرتفع صوت الجرس.
رجعت كم خطوة على ورى وهي تتعوّذ ليكون حامد !
وتنفض هالفكرة من راسها حامد ما يتجرأ يجي بيت موضي.
ركضت فوق للغرفة ودخلت وقفلت على نفسها، طلّت مع النافذة وضربت خدها بخخوف وهي تشوف عمّها واقف وماسك عصاته ونايف جمبه ومعاهم رجال لابسين بدل سوداء.
كشّرت وهي تناظر بنايف وبهمس:
هالحية السوداء ما يموت، استندت على النافذة واخذت نفس عميييق وبهمس، لا تخافين يا نورة لا تخافين ما يقدر يسويلك شيء خلاص انتِ تزوجتي يوسف ما يسترجي يلمس شعره منك.
عضّت قبضة يدها وهي تمسك نفسها ما تنزل تحت وتفتح الباب لـ عمها وتخاصمه.
ثواني قليلة وانطرق باب غرفتها فزّت ويدها على قلبها وكل قوتها إللي جمعتها اول خارت وبصوت مرتفع:
مييين ؟
وصلها صوت موضي الجهوري:
انا خالتك موضي أفتحي الباب عمّك حامد تحت وعنده أمي حصة انزلي يقول يبغى يكلمك.
فتحت الباب ورجعت خُصلة شعرها خلف شحمة أذنها وبربكة:
قاعد مع جدتي ! وليشش إيش يبغاني له ؟
رفعت اكتافها ونزلتهم موضي وهي لابسة عبايتها:
مدري بس انزلي شوفيهم، اومت براسها نورة ومسكت جوالها بترسل لـ يوسف تخبّره ان عمها بالبيت لكن بطلت.
حست موقفها غبي لو ارسلت، ما تبغى تبيّن له انها ضعيفة ومن اي شيء تلجئ له.