رواية من عقب يُتمها صرت أبوها - الفصل 5 - بقلم حروف خرساء - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رواية من عقب يُتمها صرت أبوها
المؤلف / الكاتب: حروف خرساء
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

شهقت ليلى وهي تهزه مع كتفه وتبكي: فينه مازن فيينه رد. جاوبها وهو يمسح دموعه بأكمامه وبشهقة: عند المسجد وحوله الرجال. راحوا الحريم بفزعة وبقت نورة بمكانها مدنقة ودموعها تطيح بصدمة وجمود. ماتبغى تروح وتسمع الخبر إللي ينغزها بقلبها ومسبب لها الضِيقة من أمس. أخذ الهواء يحرّك نقابها ويدينها ترتجف وقفت بصعوبة وأخذت تمشي بخطوات مو متوازنة ودموعها بلّلت نقابها. وصلت عندهم وأخذت تحدق بمازن إللي جالس ومدد رجوله وساند ظهره على الجدار ومغمض عيونه وعاض على شفته بألم وواحد من الرجال يعقم له جروحه. فتح عيونه وبـ الصدفة التقت بعيون نورة الواقفة وشابكة اصابعها ببعض وتناظره بتوهان وضياع ودموعها بعيونها. دنق ودموعه تجمّعت بعيونه وتنهد، مو عارف كيف يوصلها الخبر. مات أبوها وتركها أمانه بعنقه وحمل ثقيل على عاتقه. وقف بصعوبة وأخذ يمشي لها ببطء وما يشوف غير نورة قدامه. مشى لها وهو كل شوية يمسح دموعه بكم ثوبه المغبر وممزّق. خانته دموعه بموقف المفروض يكون فيه قوي لجل تستمد منه قوّتها. مشى لها وهو يقاوم الغصة اللي بحنجرته وعاض على شفايفه. فتح لها يدينه غير مبالي بـ الرجال اللي موجودين والحريم إللي واقفين قريب منه وأمه إللي قاعدة على الارض جمب الحريم وتبكي. تلفتوا الرجال حول بعضهم وهم يتبادلون نظرات الشفقة والحزن وصلهم الخبر من دون ماينطق به مازن من حركته لـ نورة وعدم وجود سيّاف معه. همست برجفة: ابوي وينه يامازن. سكت ونزل عيونه بـ الارض وأطلق تنهيدة ثقيييلة. اعادت سؤالها وهي تقاوم إنهيارها: مازن سألتك عن أبوي ويييينه! غمض عيونه وهو شاد على قبضة يده. أنهالت عليه تضربه على صدره وهي تصرخ بجنون وتبكي: أبوي وينه أبوي ويييينه ليه ما ترد علي. تألم من ضربها على صدره إللي مع الحادث صدم في الدركسون. طاحت على الارض وهي تبكي بنحيب وتنادي أبوها. مسح دموعه مازن وجوها الحريم ركض. قعد مقابلها مازن وسحبها بيدهآ وحضنها وشد عليها وسط مقاومتها له ورفساتها اللي تطلع منها بدون وعي. انصرفوا الرجال وإللي يردد لا حول ولا قوة الا بالله. واللي يقول إنا لله وانا اليه لراجعون. واللي يدعي ان الله يصبرها. ضمّها ببقوة وهمس للحريم: أتركوها انا أهديها. عاندته أمه وسحبت نورة منه وسندتها عليه وبهمس موجوع: خل نروح للبيت قعدتكم بـ الشارع ماهي حلوة. مشى ورى أمه وهو يناظر بزول نورة إللي ساندتها أمها عليها وتمشي بها ويسمع صوت شهقاتها. تنهد بحزن ومسح على وجهه قدامة فترة صعبة جداً. فترة تحتاجه فيها نورة أكثر من أي وقت. انكسرت فرحتها بموت أبوها، طفت شمعة أمانها. دخلوا البيت وبسرعة راح يتروش ويغير ثيابه. طلع من غرفته وهو ينشف شعره بـ الفوطة صادف بطريقة اخته ليلى وبهمس وهو يستفسر بسبابته: نورة فينها ! أشرت على الصالة ومشت تاركته. دخل الصالة وعوّره قلبه عليها. كانت قاعدة بالزاوية لابسة عبايتها وضامة رجولها لصدرها ودافنة وجهها بينهم وتبكي. وأمه قاعدة جمبها وطبطب على كتفها وتواسيها. قعد جمبها وتنهد، أخذها بحضنه ومن حسّت فيه وعرفته اجهشت بـ البكاء وزادت شهقاتها. تركها تبكي واخذ يمسح على ظهرها وهو ساكت. مؤمن ان بعض المواسات تكون على هيئة حضن افضل بكثير من الكلام. تركها تبكي على صدره تفرّغ حزنها ولوعة فقدها. الفرقى تكوي القلب واجد. همست بصوت مخنوق وباكي: أبغى ابوي انا أحبّه، مالي حياة من دونه ابغاه يامازن تكفى قول آنه ما مات. باس راسها لثواني طوييلة وهو مغمّض عيونه ويحس عيونه تحرقه من الدموع اللي تجمعت فيها. وقف بها ومشى لـ غرفته ودخلها، سكر الباب وسطحها على سريره قعد مقابلها واخذ يمسح على شعرها وهي تبكي. همس بهدوء وهو يمسح دموعها: نامي ريحي نفسك. غمضت عيونها وهي كل شوية يزيد بكائها وتحاول تتصبّر وتقوي نفسها. تركها وخرج من غرفته بعد دقيقتين جا وبيده حبوب منومة وكاسة مويا. مدها لها وشربت بمساعدته ، باس راسها وسطحها ولحفها ومسك يدها: هذي حبوب منومة تنومك ساعتين كذا لجل تهدين فيهم وترتاحين، انا عندي مشوار بخرج له وجاي. مسكت يده وبخوف كابرت فيه وبنبرة مبحوحة: لا تتركني. باس جبينها وشد على يدها: ما بطول اصلاً انتِ شوي وتنامين من الحبوب وبس تصحين تلقيني عندك . ناظرها لين غفت بشكل تدريجي. لحفها وتناول جاكيته وخرج من الغرفة بعد ماسكر الضوء. راح للصالة وكانوا فيها ابوه وأخوانه. قعد بعد ما القى السلام وردوا عليه وعمّ الهدوء والصمت. التفت له ابوه وبتساؤل: كيف صار الحادث ! ضغط على عيونه وتنهد بهم من السؤال الثقيل وبدا يسرد له : وإحنا جايين من جدة وخلاص قربنا نوصل القرية صدمنا بـ أبِل اعترضت طريقنا ماقدرت أتحكم بالسيارة واتفاداها، وصار إللي صار اتصلت على الاسعاف وجوا حاولوا ينقذون سيّاف لكن- نطقها بغصه وهو يضغط على عيونه- الله أخذ أمانته ومات كان حيل شفقان على شوفة بنته لكن قدر الله كان أسرع، كان هو المتضرر أكثر بحكم ان الابل كانت بجهته، رفضت أروح مع الاعساف لجل نورة اللي قلنا لها بنوصل الظهر وتأخرنا خفت انها تحاتينا، ولجل اني مابغاها تدري بالخبر من غيري، خفت يوصلها من احد ثاني كان شايفنا لما صارلنا الحادث وتكون صدمتها قوية. -رفع راسه وناظر أبوه- والدفن بعد ساعة خليتها تنام لجل ما تدري خفت تلح علي تبغى تشوفه وتتضايق أكثر. خرجوا ابو مازن وعياله مع مجموعة رجال من القرية لجل يدفنون سيّاف. اما عن مازن فكان قاعد بالمقعدة الخلفيّة وساند راسه ومغمض عيونه يفكر بـ نورة وعمّانها إللي متأكد اول مايسمعون بخبر وفاة سيّاف بيجون القرية. ماراح يسمح لهم يلمسون شعره منها، ولا بيسمح لهم يضرّونها هي أمانة ابوها بعنقه. . . "مكة|رياض ولينا". خرج من الغرفة وهو يتثاوب توه صحي ويتمغط. شافها قاعدة على الكنب مقابل التلفزيون، قعد جمبها وناظرته بحدّة وصدت. ضحك وهو يمد يده ويلف خصلة شعرها حول سبابته. سحبت شعرها بعنف من يده وزحفت لأخر الكنبة. ناظرها وبضحكة مُستفزة: افا زعلانة ! ناظرته بحقد وصدت. مد يده ومسك يدها، وضربته بيدها الثانية. سحبها بققوة وضربت بصدره، ناظرها وبحدّة: بنت أركدي. عقدت حواجبها ومالت تعابير وجهها للخوف وأنخرط بضحكته. باس جبينها وهو يحكم قبضته عليها ويحضنها: أسفين ولا تزعلين حقك علينا شنسوي أخذتنا النومة- أشر على خشمة- على هالخشم الحين نطلع ونفر بشوارع مكة ما أخلي مكان ما تروحين له. لوت شفايفها وبزعل وحلطمة: شكراً مابغى الحين، قلت لك العصر نطلع لكن نمت انت حاولت اصحيك بس عييت تصحى. غرز أنامله بـ خصلات شعرها وقرّبها منه غمّض عيونه وقبّلها بـ ثُغرها. قُبلة طالت بها الثواني. ابتعد عنها وهو يناظر بـ عيونها إللي تناظره بحيا ومتورّدة خدودها. نزلت نظرها وبلعت ريقها بربكة وتوتر. حرّك انفه بـ أنفها وهمس وفيه الضحكة: فين إللي كانت تخاصم وزعلانة ! -ضحك بعد ما زاد حياها- أكل لسانها القطو همم ! بعثر شعرها وهو يوقف ابتسم وهو يشوفها جالسة وتفرك بيدينها بحيا ومدنقة براسها : البسي عبايتك نطلع نصّلي فالحرم وعقبه نتمشى. . . "فلّة أهل يوسف". نزل مع الدرج وهو مدخل يدينه بجيوب بنطلونه. قعدت على الكنبة وهو يفكر في حال البيت. هادي وساكن جداً، ماعنده أخوان اصغر منه يملون البيت حياة وحركة. هو وحيد أهله لا أخوات ولا أخوان. نزل نظره بالارض بعد ماشاف أمه وعمّته وبنتها داخلين ومعاهم أكياس. دخلوا الصالة وسلّمت عليه عمته وقعدوا. صد عنهم وهو يستغفر ويغمض عيونه من تبرّج فاتن بنت عمته إللي منزلة شيلتها وفاتحة شعرها. وحاطة رجل على رجل وباينه رجولها المشدودين بالجينز. أخذت تتكلّم بـ ميوعة وغنج وهي تعلك باللُبان وتهرج مع أمه وعمته. وقف وخرج من الصالة بخطوات سريعة وهو يستغفر. قعد برا فالحديقة وأخذ يضغط على راسه إللي بدا تفكيره يقارن بين ستر نورة لمّا جاهم فالقرية وبين ستر بنت عمّته. وصله إشعار مسج من الواتس فتحه وكان من أمه. " ليه خرجت من الصالة كنك مقروص ! عمّتك الا لزمت تجي معي لجلك وتتجاهلها وتخرج ! ". . ~ كتب لها بغيض مكتوم وساند يده تحت فكه: "تبغى قعدتي بالاول تستّر بنتها وتخاف الله فيها ماني محرم لها لجل تفصخ حجابها عندي". أنتظر رد أمه لـ ثواني لكن ما ردت عليه وقف ودخل البيت ومر من عند الصالة ووقف مقابل الباب وصاد بنظره عنهم: انا برقد يمّة لا تحسبوني على العشاء. صعد غرفته وتسطح على سريره وأخذ يمرر أنامله بين خُصلات شعره ويفكر بـ سيّاف. إللي صار الفترة الاخيرة ما يداوم فيها ويغيب كثير. تنهد وهو مو عارف إيش اللي حاصل له، للحظة فكر يروح للقرية يطمن عليه. لكن رفض هالفكرة بلاها الميانة الزايدة. بالنهاية هو موظف عنده اللّهم زاد عن باقي الموظفين بالرحمة إللي تصدر من يوسف تقديراً لكبره في السن. غمّض عيونه وهو يتمتم يقرا أذكاره. . . "القريـة". رجعوا الرجال متأخر بحدود الساعة 10 وكلّن توجه لبيته بعد ما قرروا ان العزا من بكرا الصباح وفي بيت ابو مازن إعتباراً بأنه الأقرب لـ سيّاف . دخلوا البيت وتوجه مازن وابوه للصالة وكانت تنتظرهم أم مازن. قعد مازن وسند راسه على الجدار تعبان ومهدود حيلة واجد. من السفر لجدة ليلة امس ورجعتهم اليوم والحادث الفاجع. وموت سيّاف وحالة نورة، كلّها تجمعت وثقلت الحمل على ظهره. لوح بيده بمعنى الرفض بعد ما سألته أمه اذا يبغى عشا او لا. وقف وهو يمشي بخطوات ثقييييلة وتعبانة وهو يسمع أبوه يسرد لأمه اجراءت الصلاة والدفن والعزا إللي بيكون في بيتهم. وقف على صوت أمه : بتنام في غرفتك ونورة نايمة فيها ! تنهد بصبر وهو مغمّض عيونه وماسك الباب بكفه وبهمس: ايه. تكلّمت امه برفض ومو عاجبها الوضع: لا مايصير ترقد عندها، خلها تنام بغرفة وحدة من اخواتك او انت ارقد في المجلس، وش بيقولون الناس عنك صعبة ياولدي راقدين بغرفة لحالكم وانتم ما بعد تزوجتوا. التفت على امه ورد بصبر وهو مو ناقص هالكلام: يمة مو وقت هالكلام، البنت متوفي ابوها وتحتاج احد معها وتحديداً انا وتفكرين بكلام الناس وتقولين كذا! وبعدين هي صارت حلالي شرعاً. أشر له ابوه بيده: روح يابوك روح ارتاح- ناظر بحرمته بعد ما انصرف مازن وبهدوء- خليه بحاله هو رجال ويعرف يدبر اموره. ارتشفت من الشاي وبقهر وهي تناظر فيه: البنت ابوها كانت له مشاكل مع عمّانها والاكيد بعد ما مات ابوها بيجون لها ياخذونها، مابغاه ينام عندها ويتعلّق فيها اكثر انا شايفة الحب بعيونه لها مابغاه يزيد وينكسر خايفة عليه. . . دخل غرفته مازن وفصخ ثوبه وارتمى جمبها بتعب شديييد ويحس كل عظم فيه يعوّره. التفت لها وابتسم ابتسامة مُرهقة بوسط ملامحه التعبانة من ملامحها البريئة والهادية. قرّب وباس جبينها، حاوطها بيدينه وشد عليها. دفن وجهه بشعرها وغمّض عيونه - "صباح يوم جديد|القرية". صحى مع صلاة الفجر إستعداداً للعزا، راح يتوضا ورجع الغرفة. بدل ثيابه ولبس ثوبه وشماغه من دون عقال ولبس جاكيته البُني الجلد لجل يتدفى عن البرد. ناظرها وهي غارقة بنومها وشعرها على وجههآ. أحتار يصحيها او يتركها، بس صارلها نايمة وقت طويل ويتعبها وخاف تصحى وترجع تنخرط في بكائها بما إنّ العزاء اليوم. قطع تفكيره جلوسها وأخذت تضغط على راسها ومغمضة عيونها. رفعت راسها وناظرته بجمود لثواني وقامت لبست عبايتها. مشى لها ووقف قدامها وبإستغراب وهو يمسك كتفها: ليش لابسة عبايتك مع هالفجر ! بتطلعين للحمام وخايفة إنّ احد من اخواني يشوفك انا أوصلك. هزت راسها بالنفي وبهمس ثقيل: بروح بيتنا-شافت عقدة حواجبه وكملت- ببدل ثيابي واجيب الاغراض اللي احتاجها. إبتسم لها وبحنيّة: طيب وانا بروح معك. ما عارضته وكملت لبس عبايتها ومع خروجها سحبها مع كتفها ردّها للغرفة ولبسها فروته وبهمس: الجو الحين بررد حيل تدفي. مشت لبيتهم بوسط عتمة الفجرية واصوات العصافير والهواء البارد إللي يحرك اطراف عبايتها. دخلت بيتهم وعضت شفتها بقققوة من الحنين إللي سرى بضلوعها لـ أبوها. وقفت تناطر في زوايا البيت وتحس بوحشة فضيعة فيه. بعد ماكان يملاه صوت أبوها وتملاه حنيّته صار موحش زي القبر. التفتت لـ مازن وناظرته بعيونها إللي تلمع وتنهدت. ضمها مع كتفها وباس راسها وبهمس: أدعيله البكى ماينفع ما يرد ميّت ولا يرد مسافر، الله أخذ امانته وادعيله. همست بتعب وبحّة: الله يرحمه ويغفرله ويجمعني به فالجنّة. بعدها عنه ومسح على خدودها وبهمس: انا رايح أصلي قبل لا يقيم الإمام ، وانتِ اصحك تتحممين هالوقت بدلي ملابسك وخذي حاجتك ولا تطلعين من غرفتك لين ما انا اجيك طيّب ! مسكت يده وبخوف وهي تتذكر إللي جوها قبل لييلتين: لا لاتروح خلاص صلّ هنا اخاف لحالي. باس راسها وبمحاولة إقناع وهو يسمع الامام يقيم: نورة حبيبي مايصير خلاص ما بتأخر بصلي وسييدة أجيك، وانتِ الحين خشي غرفتك وقفلي الباب لين أجيك. وصلها لغرفتها ودخلت وقفلت الباب، خرج للمسجد وهو يتلفت خايف أن عمّانها يجون بأي لحظة. . بعد الصلاة رجع لها مازن وهو يهرول ومتجاهل تعازي الرجال له ومصوّت عليهم بأن العزا في بيتهم. دخل بيت سيّاف وراح لغرفة نورة طق الباب وثواني وفتحت له. إبتسم وهو يأشر للسقيفة: انا بجلس هناك وانتِ خلصي أمورك وصلي إللي فاتك وخذي راحتك لا تستعجلين. اومئت براسها بإبتسامة خفيفة وهو ينحني ويبوس خدها. خرجت من غرفتها وتوضت وصلّت وبدلت ملابسها عالسريع. لمّت شعرها بعشوائية وهي تناظر بتقاسيم وجهها الذبلانة وطفرت دمعتها. ' مسحت دموعها وتنهدت وهي تسند ظهرها على الدولاب وتضغط على وجهها المحمّر لجل ماتبكي. أخذت تردد بهمس وهي حاسة إنها على حافة الإنهيار: لاتبكي يا نورة لا تبكي. ماسمعت لـ كلامها وفتحت الباب بحذر طلّت وكان مازن منسدح فالسقيفة ومغمض عيونه. تطمنت ومشت بحذر لغرفة أبوها خايفة إن مازن يشوفها والاكيد إنه ما بيسمح لها. فتحت الباب وعضّت شفتها بقسوة من ريحة العود إللي فاحت وعانقت أنفها. ريحة الحنين لـ أبوها، ريحة الحنيّة إللي فارقتها من موت أبوها. طاحت على رُكبها وأجهشت تبكي زحفت لين ملابسه وخذت مجموعة بيدها ودفنت وجههآ فيهم. أخذت تبكي بنحييب وإنهيار وشهقاتها تعلى. بكت الآمان إللي فقدته، بكت شوقها العظيم لصوت أبوها اللي غاب عنها بشكل أبدي. دفنت وجهها فيهم وهي تشمهم بعمق وتبكي بنحييب. عانقتها ريحة عطر أبوها الدافية حضنت غترته البيضاء إلمختلط فيها عطر أبوها العود على عرق شعر راسه. أخذت تبوس فيه وهي تبكي بشكل يعوّر القلب. بعد دقايق معدودة فتح عينه مازن وناظر حوله وإستغرب معقولة خذت نورة كل هالوقت. قام وهو يجر خطواته من ألم رجوله والثقل إللي يحسه فيهم. فتح غرفتها وماكانت فيه غمّض عيونه بقوة وهو يسند جبينه عالباب. خاف عليها من عمّانها ونسي يخاف عليها من غرفة ابوها. ضرب جبينه براحة يده وبلوم: انا كيف راح عن بالي هالشيء وخليتها تجي البيت. مشى لغرفة أبوها وحس بخنجر يشطر قلبه لنصفين من آنينها وإنحناءها ووجههآ المدفون بملابس أبوها. تقدم لها وقعد جمبها وسحبهم بشويش منها. جرّتهم بعنف منه وظلت حاضنتهم. مد يده وبحذر سحبهم بقوة وقطهم خلف ظهره. كاشت عليه وهي تبكي وتناظره بحدّه وبصرخة: جيبهم لا تمنعني من أخر شيء بقى لي من ريحة أبوي. ألتزم الصمت وملامحه جامدة. صرخت عليه بوحشية وهي تمسح دموعها بقسوة: جيييبهم مالك حق تاخذهم قلت جييبهم ! رفعهم لفوق وبهمس وهو مركز نظره بـ عيونها: لو رديتهم لك بيرجع لك أبوك ! هاه بيرجع- شاف الخيبة ودموعها الحارة إللي بعيونها وحركة راسها إللي تشير بالنفي بكامل الضُعف- إذاً ليه تعورين قلبك زيادة ! الذكريات ما تطيّب خاطرك ولا تسليه الذكريات للناس إللي فقدناهم تنهش قلبك بخنجر مسموم ما تريّحك والله ما تريّحك ولو عندي أدنى شك في انها بتسعدك بردهم لك وأجيب لك كل شيء بالغرفة، بس هذي الاغراض ذكرى والذكرى حيل مسمومة عُمرك ما قدرتي تتجاوزين شيء وانتِ محتفظة بذكرياته. حضنت وجهها بكفوفها وبكت زي الطفلة بقلّ حيلة. تنهد وترك الملابس وحضنها يطبطب عليها لثواني. وقفها ومسك كفها ومشى بها لغرفتها: خذي اغراضك والبسي عبايتك ويلا نرجع بيتنا قبل تشرق الشمس."في مكة|رياض ولينا". ~ متسطح على بطنه فوق السرير ويناظر في لينا الغارقة في نومها. مد يده ومسك خُصلة من شعرها أخذ يمررها على وجههآ وفيه الضحكة. صارت تعقد حواجبها وتتأفف بنوم. ضحك وسحبها قعدها بالقوة: قومي يلّا بسك نوم بننزل جدة نكمل رحلتنا ولا ما تبغين خلاص نرجع المدينة ! مالت ناحيته وسندت راسها عـ صدره وغطت بنومها. ضحك وهو يبعدها عنه ويطبطب على خدودها: لينا أصحي يلا. تأففت وفتحت عيونهآ وناظرت بالشباك ورجعت رمت نفسها عالوسادة وبحلطمة: توه ماصار النهار بناام أتركني. وقف وقفل الضوء وارتمى جمبها. تسطح مقابلها ويده تحت خدّه وشد أذنها. تأففت وبضجر: رياض وبعدين أتركني انام خلاص مابغى جدة ولاشيء بس ابغى انام. ضحك وسحبها له وسند راسها على صدره وغمّض عيونه وهو يلعب بخُصلات شعرها ويحاول ينام ومن داخله يشكر الله على السعادة. -الله عوّضه، والعوض إللي يجي من الله وفير. . . "الثامنة صباحاً|شركة يُوسف". دخل الشركة متوجه لمكتبه ناظر بالقصد لمكتب سيّاف ورفع أكتافه بحيرة وإستغراب وبهمس: حتى اليوم ما داوم ، قبل كل شيء كذا الشغل بيتراكم وبشكل اجباري بحتاج بديل له أو مساعد. وعى من سُرحانه عاليد اللي ضربت كتفه وبفزع: من ذا. ابتسم عصام وبسُخرية: أشوفك تناظر مكان شايبك تدوره ! غاب يوم يومين ثلاث وسمحت له لين كثرت سحباته. أخذ نفس يوسف بصبر وبهدوء: يالله صباح خير، الناس الصباح يادوبها تنطق السلام وإنت تصبح بمحارش ! روح عني ياخي فارق والناس لهم ظروفهم، وغيابه لابد وله سبب- ناظر عصام وخزّه بنظراته- الله يرحم الموظفين لو أنت المدير. دخل مكتبه وبدا يشيّك على الملفات ويشوف الصفقات واحوال الشركة وهو عازم على الأمر إللي بباله. قرر يجيب مُساعد لـ سيّاف يعاونه في العمل. التهى بعمله كـ شُغل روتيني متكرر. . . "القرية". قاعدين فالحوش أم مازن وابوه ومازن وأخواته ونورة إللي لافة شيلتها على راسها وساهية عنهم. همس لها مازن وهو يشوفها ما افطرت: أكلي لك لو لقمة لا تقعدين على جوعك. ماردت عليه وتناظر بنقطة معينة في الأرض وماهي حولهم. ونظراتها جامدة مثل جمود مشاعرها حالياً. بعد الفطور شالوا أخواته الصحون وحاول في نورة تفطر لكن لقمتين واكتفت. لبس غترته وخرج من غرفته وهو يشوفها قاعدة فالحوش وحاضنه رجولها لصدرها وتناظر بالفراغ. قعد جمبها وبهدوء والهواء يحرّك اطراف غترته: أبيك تكونين قويّة فالعزاء، لا تضعفين وحاولي ما تنهارين تبكين وان ماقدرتي تتحملين القعدة معاهم ارسلي لي اي احد يناديني لك طيّب ! ماشاف منها اي رد واخذ نفس ووقف باس راسها وراح يم المجلس. . مرّت أيام العزاء كئيبة وثقيلة على قلب نورة ومازن. بعد مرور شهر من أثقل مايكون، دخل غرفته وفصخ شماغه وعلقه. ناظرها وكانت قاعدة عالسرير متربعة وفارقة شعرها نصفين وتمشط في الجزء اليمين وساهية تفكر وملامحها جامدة. هذا حالها من توفى أبوها جامدة ملامحها وبنظرات عيونهآ ضياع وكأنّها تبلدت أحاسيسها. عاشت عندهم ونومها وقعدتها وكل شيء بغرفته صارت منطوية على حالها أكثر. أستصعب فكرة الزواج بـ هالوقت وأبوها متوفي تو. وأستصعب جلوسها فالبيت عند أخواته خلاص هي صارت حلالة إذاً نومها عنده وغرفته غرفتهآ. قعد وراها وفرد شعرها على ظهرها وتناول المشط من يدها وأخذ يمشط لها وهو مبتسم. تقدم لها بعد ثواني واسند فكه على كتفها وبهمس: إحتمال كبير نطلع من المدينة، نسافر أي منطقة. ماردت عليه وظلت تلعب بـ أصابعها وساكتة. حاوطها بيدينه وباس كتفهآ: أبوك الله يرحمه كان له دين مع ابو مساعد وقبل وفاته قالي والحمدلله سددت دينه. همست بهدوء : الله يرحمه. التفت يمه وناظرت عيونه لثواني ومن داخلها تشكره على وقفته معها. كان لها مثل الروح ملازمها ما تركها دقيقة لحالها. احتضن حزنها وطبطب عليها. عرف مغزى نظراتها وإبتسم لها. ابتسمت بشويش وسندت راسها على صدره وغمّضت عيونها. . . . "شقة رياض ولينا". قاعدة تحوس بدولابها التفتت على رياض إللي قاعد عالسرير وماسك جواله وبحلطمة: لازم يعني نروح للعشاء إللي أمك مسويته ! ناظرها وبإستغراب: علامك انتِ من قلت لك وكل شوية تحنين فوق راسي، إيه لازم نروح جمعة عائلية الكل بيحضر. قعدت جمبه وبتأفف وزعل: طيب ماعندي لبس شتوي مناسب البسه. ناظرها بطرف عينه لثواني وبهمس; يا عيّارة ما عندك وانتِ خميتي كل ملابس أسواق جدة- تنهد ورفع حواجبه ومسك يدها- لا تتعذرين باللبس أعرف ليه ما تبغين تروحين، ما ودك تشوفين أقاربي لكن ليه تتحسسين منهم ! ماحد يقدر يوصلك بكلمة واصلاً نادراً تصير إحتكاكات بينهم لكن انتِ خوافة. صدت عنه وهي تهز رجلها بتوتر. باس راسها وهو يشد على يدها: لينا لاتخافين من أحد خليك قويّة مثلي، ولا تاخذين عن أحد موقف من نظرتك السيئة تجاهه إللي انتِ مو متأكدة من صحة هالنظرة فقط مُجرد شكوكك. . . "المزرعة|عايلة أهل يوسف". قاعدين في المجلس الكبير والمجلس مليان رجال وشباب والقهوة تُمرر بينهم. وكل اثنين وبينهم سالفة. واصوات سوالف الرجال تضج في المجلس ورُغم كذا يوسف غارق بتفكيره ويناظر في الأرض. فز وذكر إسم الله من يد عمه إللي انحطت على كتفه. تنهد ومسح على وجهه، مو قادر يصفي ذهنه ويرتاح من التفكير لدقيقة . تكلم عمه بهدوء وهو يناظر فالرجال: دخلت المجلس وبين الرجال إرم همّك وكل شيء يقلقك ورا الباب، وانا عمك العُمر يركض وهوّن على نفسك لا تذبحك الهموم وإنت توك بشبابك، لا تحمل نفسك فوق طاقتك. ابتسم بإمتنان لـ عمّه وبهمس وهو يناظرها: عندي متوظف كبير فالسن وكنت اراعيه كثير وصارله شهر وأسبوع كذا مختفي ما يداوم، وماكان عنده جوال لجل اتواصل معه أمره محيّرني ياعمي مادري شصاير له. طبطب على كتفه عمه: ان شاءالله انه بخير الغايب عذره معه، اترك التفكير فيه وتقهوى وأهرج مع الرجال. . . "بـ القرية". قاعدة في الحوش وكعادتها هادية مرّ من عندها مازن يهرول بيخرج مستعجل. عقدت حواجبها بإستغراب منه مو بعادته يسفهها حتى بعزّ إنشغاله. مرت من عندها ام مازن وهي شايلة دلة القهوة: تخاويني يا نورة لـ جارتنا أم حسن ! حركت نورة راسها بالرفض وسكتت. بعد مرور حول ربع ساعة سمعت الأصوات الجاية من الشارع وإزعاج وصراخ بعض الرجال. وقفت بفجعة ونفضت ملابسها أخذت تدور في الحوش وهي مو عارفة كيف تتصرّف. ركضت للغرفة ولبست عبايتها وربطت نقابها بإهمال وخرجت. فز قلبهآ وجمدت أطرافها وهي تشوف الرجال يتراكضون لجهة مُعينة. وسيارة سوداء فارهة مرّت من عندها مُسرعة خارجة من القرية. سندت ظهرها على الباب وهي تردد: ياربّ مافيني حيل أتحمل شيء ثاني لا يصير شيء سيئ. مشت بخطوات مُرتفجة للجهة إللي يركضون إتجاهها. وصلت وكانوا الرجال كحشود مجتمعين، حاولت تتجاوزهم وتشوف شاللي صاير لكن منعتها يد الأمام أبو ناصر. ناظرته بإستغراب وسحبت يدينها منه بقوة لكن كان ماسكها زين. شد عليها وهو مانعها من النظر، والله لو شافة المنظر لتفقد عقلها. بالاول أبوها والتالي مازن ! صرخت تنادي بإسم مازن وهي مرعوبة من تصرّف ابو ناصر. شحقه يمسكها ! التفتوا عليها الرجال ومع التفاتتهم صار فراغ وطاحت عيونها على المرتمي على الأرض بثوبه البُني ودمه حوله. صرخت من قلبهآ ومع صرختها أُغمي عليها. جاها أبو مازن يركض وهو متلثم بشماغه وكاتم دموعه وعيونه مثل الجمر. تجمعوا الرجال حول مازن وغطوه بشماغه وأخذوا يكررون: إنا لله وانا إليه لراجعون. حملوا مازن إللي وللأسف فارق الحياة، ظانين إنه طاح من فوق الجبل إللي كان بجهة سقوطه على الأرض. . . بعد ربع ساعة صحت وأخذت تصارخ تنادي مازن بجنون وطلعت فالشارع وهي مو لابسة نقابها فقط شيلتها ملفوفة حول راسها بإهمال. قعدت فالشارع وهي تضرب فخوذها بباطن كفوفها وتصيح تناديه. مو مصدقة ولا مستوعبة إنّه مات ! شلون مات ! مين لها يسندها بعد مازن ! صارت تضرب بصدرها جهة قلبها وتشهق مصدومة تحس إنّها انجنت. بعد مرور ساعة دخل بيت عمّه بعقل شارد ويناظر بخوف. فز بعد ما ضربه عمه بعصاته على كتفه. تكلم حامد وهو يتفحّص نايف بنظراته: قدرت تجيبها ! او تعرف شيء عنها. قعد نايف على الارض في الحديقة وهو ضام راسه بيدينه وبهمس مرعوب بدا يسرد اللي صار لـ عمّه. . "نرجع ورا قبل وفاة مازن". خرج من بيتهم وهو مهرول بعد ماشاف السيارة الجاية صوب قريتهم من الشباك. لحقها ووقفت عند الجبل ألقريب من بيت سيّاف. نزل نايف من السيارة وبغطرسة نزل نظارته الشمسية وناظر بـ مازن من فوق لتحت. تجاوز مازن وجاء بيفتح بيت سيّاف، منعته يد مازن إللي تناظره بحدّة. وكأنه عرف مين هالرجال الغريب والاكيد إنه أحد اعمام نورة او من قرايبها. نفض نايف يده من مازن وبنرفزة وهو يدفع مازن مع كتفه: هيه إنت شتحس فيه فارق عني يلا أشوف. تقدم مازن ودفع نايف ووقف قدام الباب ومن بين أسنانه وحاد نظراته: توكم إللي تذكرتوا أن لكم قريب ساكن ف هذا البيت ! تكتف مازن وبهدوء مُستفز: خلّصت ! إذاً بعد عن طريقي لأخليك غصب تبعد. قرب منه مازن وشد ياقة ثوبه وبفحيح: سيّاف وعطاكم عُمره ياللي ينقال عنكم أقاربه، وصارله متوفي حول شهر وشوية. دفع نايف مع أكتافه: ويلّا الحين أطلع من القرية ولا أشوفك ثاني. قرب نايف وبضحكة شر وهو يمرر أصبعينه حول شنبه: أوها إنت روميو بتاع بنت سيّاف- طبطب على خد مازن وبضحكة- وانا أقول ليه مسوي فيها محامي على بيت سيّاف. حدّ نظراته وبتحدي وعيونه بـ عيون مازن: بس إحلللم تتهنّى ببنته ! نجوم السماء أقرب لك منها، شعره منها ما بتقدر تلمسها ! لكمه مازن بقبضة يده على فمه وطاح نايف على الأرض بثقله وضخامة جسمه. ناظر بمازن بحققد وهو يمسح الدم إللي نزف من فمه. بادله مازن بنظرات التحدّي والققوة، قرب من نايف وركله ببطنه وانحنى له وبهمس تحدي: إللي قدامك مو سيّاف لجل يخاف أو يرأف فيك ويحترمك، وانت إللي تحلم تقرّب من صوب نورة- رفع سبابته بوجه نايف وبتهديد- تلمس شعره منها والله أمحيك من على وجه الأرض كون على بيّنه. تجاوزه مازن وتوجه للجبل وصعد فوقه بـ مكانه المُعتاد هو وصديقه محمّد. كان فارش الفرشة براس الجبل بوسط برحة متساوية. لحقه نايف وهو ماسك شماغه بيده ويمسح بجرحه. وقف مقابل مازن وبهدوء: طلّق البنت واتركها بدون أي مشاكل لأنّك انت بالنهاية بتخسر وتتعب، احنا بناخذ بنت سيّاف يعني بناخذها، فأتركها بالسهولة قبل ما أخليك تتركها وانت تعض الأرض. وقف مازن مقابله بتحدّي والهواء يداعب خُصلات شعره الشبة طويلة وكثيفة: قلت لك إللي عندي وإنت فارق قبل ما أنهيهك ! تهجّم عليه نايف وصارت بينهم مشادّة وضرب بالأيادي. . دفع نايف مازن على وراه بغضب وبدون أي تفكير بخطورة المكان اللي هم واقفين فيه. رجع وراه كم خطوة مازن وتعثّر بصخرة متوسطة وطاح من فوق الجبل. مشى نايف لعند نهاية الجبل وطلّ، عض شماغه وشهق يعد ماشاف مازن طايح على الارض وضارب راسه بصخرة على الارض وغارق بدمه. نزل مع الجبل وهو يرككض، ركب سيارته ودعس عالبنزين فار من القرية. . نرجع للواقع- ضغط على اصابع يدينه بتوتر وهو يعضهم وبخوف: انا قتلته يا عمّي قتلته ! كزه عمه بعصاته وبعصبية: قصر حسّك لا يسمعك أحد، ودامك ما تكلّمت ولا احد شافك ماحد بيدري، قوم معي بس نستغل الموقف وناخذ نورة الحين ما بيقدر ابوها يمنعنا. ناظره نايف وبضحكة خُبث وكأنه محى ضميره إللي كان يأنبه من فعلته: ابوها مات زمان من قبل شهر وشوية. ضحك حامد ورفع حواجبه: فال السعد، عصفورين بحجره وحدة، لا ابوها ولا مازن ماحد بيقدر يمنعنا قوم معي بس قوم. مشى لـ سيارة نايف وركب فيها، وثواني ولحقه نايف وركب جمبه وحرّك راجع للقرية. . . "بالقرية". صلوا على مازن ودفنوه وبدت مراسم العزاء، وجعة الحالة الإنتكاسية لـ نورة وأكثر. كانت قاعدة بغرفة مازن ومقفلة على نفسها الباب وجامعة ثياب مازن وتضم فيهم وتبكي وتشمهم. قبل شهر كانت تبكي على فراق نور عيونها أبوها والليلة على فراق مازن. إللي حسّت انها حبّته وتعلقت فيه. سمعت الطق عالباب وتجاهلتهم وانخرطت في بُكائها. وقفت برجفة وصدرها يألمها من البكي. لبست جلالها وكبّرت وصلت ركعتين وهي تحاول تمسك نفسها لكن سُرعان ما تنخرط في سلسلة من البُكاء. لامس جبينها السجادة وبهمس مبحوح ودموعها تتساقط: ياربّ الهمني الصبر والتقوى ياربّ كسرني فقد ابوي وكمل عليه فقد مازن، انا مؤمنة بحُسن قضاءك وقدرك وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيراً لكم ثبتني وقوّني بقوتك. كملت صلاتها وسلّمت وزحفت لين الجدار وضمت رجولها لصدرها وأخذت تبكي بقلّ حيلة. فقدت ضلعين من ضلوعها وبوقت قصير أي نفس بتتحمّل ! لبست عبايتها وخرجت مع الباب وأخذت تمشي فالشارع بدون هدف تحس بضياع وتشتت. مالها سند ! وأهل مازن مستحيل بتقعد عندهم عُمرها كلّه ما بتصير عالة على قلب أحد. قعدت عند باب بيتهم وسندت نفسها عليه وهي تبكي والظلام قد حلّ. طفلة ويتيمة، عاشرت اللحظات السعيدة قليل لكن مؤمنة بأن الله مخبّي لها ايام كثيير جميلة وبيعوّضها. . . "رياض ولينا". ركب سيارته وهو يمسح كفوفه ببعض ويمسح أكتافه لجل تثبت ريحة دهن العود في ثوبه. ناظرها وكانت ساكته وتفرك في إيدينها. ابتسم وحرك راسه بأسى. شغل سيارته وحضن كفها البارد بكفه الدافي وشد عليه. باس كفها وبهدوء وهو مرسّم بغترته البيضاء وثوبه الأبيض. يمشي في الشارع وهو يتلفّت ويسمي بالله فين راحت ! صغر عيونه وهو يشوف الجسد إللي متكور حول بعضه على باب بيت سيّاف. مشى لها وقعد مقابلها على رُكبه ومد يده وربت على كتفها وبحنيّة ذكرتها بحنية أبوها: يابنيتي أنتِ فالعدة مايصير هاللي تسوينه وتطلعين من البيت، ولا يصير إنك تجين صوب هالمكان بـ هالليل. وقف ومسك كفها وقومها: يلا يابوك قومي. دخلها البيت مع الباب الخلفي لجل ما تقابل الرجال إللي يخشون المجلس يعزون. ناظرت في البيت بضياع وخوف وهي تشد على أطراف عبايتها. مشت بخطوات ثقيلة لغرفة مازن وهي جاهلة مصيرها معقولة بتقضي عدّتها كلها عندهم ! بعد مرور ساعة وقفت السيارة عند المسجد ونزلوا منها حامد ونايف. راح نايف لواحد من الرجال إللي كان واقف في الشارع وسأله عن بيت زوج نورة إللي هو مازن وبدا يوصف له. أشر لعمّه بكفه ولحقه، اخذ يمشي بشوارع القرية ويتأمل البيوت والحالة البسيطة بإستحقار. وقفوا عند باب بيت أبو مازن وناظر نايف في عمه حامد وبهدوء: إيش بنقولهم ! جاوبه حامد بجمود وحدّة بانت في تقاسيم وجهه المرسومة بالتجاعيد: طق الباب وخلنا ندخل والكلام اتركه علي. رفع حاجبه نايف : تهقى يرفضون ناخذها ! حامد وبنبرة حدة مليانة كُبر وتعالي: مايقدرون يمنعوني أخذها، انا عمّها وأولى فيها-وبضحكة سُخرية- بعدين مات زوجها ابك انت صاحي تبغاهم يتحملونها أربعة أشهر وعشرة ايام يتحملون صرفتها واكلها ونومتها ! طق الباب نايف ودخلوا بعد مافتحت لهم أخت مازن الصغيرة ودلتهم عالمجلس. دخلوا المجلس وساد الصمت وعم الهدوء وعيون المعزين تتناقل بين نايف وحامد بغرابة. تكلم حامد وهو ملاحظ نظراتهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مين فيكم أبو زوج نورة بنت سيّاف ! وقف أبو مازن بعد ما رد السلام: وصلت انا أبو مازن حياك الله أمر بغيت شيء ! . . "فلّة أهل رياض|القسم النسائي". قاعدين الحريم في الصالة الواسعة وبينهم دلال القهوة وصحون الحلى وريحة البخور تعج. كانت لينا قاعدة مع سلمى حرمة ولد عم رياض ويتبادلون بينهم السوالف بروح مرحة وضحكات شغوفة. كانت لابسة فستان ناعم بيج ماسك على جسمها يوصل لنصف ساقها. وفارده شعرها القصير وتاركته على جمب. وراسمة عيونها ومكتفية بالروج اللحمي. كزّت وداد مريم أختها"أم رياض" بمرفقها وبهمس وعيونها على لينا: هي شبلاها مابعد حملت وخلّفت ! ليكون بها عيب ! شوفي فلانة وفلانة وبدت تعدد لها النسوان إللي تزوجوا بعد لينا وحملوا. ابتسمت لها مريم بـ مُجاملة وبهمس وهي خايفة على لينا لا تسمع ويضيق خاطرها: مابعد الله كتب واللي يكتبه الله كله خيرة، وبالوقت اللي رايد يكون فيه شيء لهم بيجيهم والحمدلله مابها عيب . مشى حامد لـ راشد "أبو مازن" بوسط إستغراب الرجال منه. همس بـ أذن راشد : أبغيك بكلمة راس ألحقني. طلع حامد ونايف وراشد من المجلس ووقفوا في الحوش. وفي هذي الاثناء كانت نورة بتخرج من الغرفة ووقفت وأخذت تطل مع الباب. وثواني وشهقت بخوف ويدها ترتفع وتضم شفايفها بعد ما بانت لها ملامح نايف وحامد همست ببطء: هم نفسهم إللي جوا البيت قبل شهر وشوية ! سندت ظهرها عالباب وهي خايفة وجاهله حقيقتهم. . . تكلم حامد بهدوء : انا حامد عم نورة بنت سيّاف وهذا نايف ولد أخوي واحنا سمعنا باللي صار وجايين ناخذ البنت معنا مالها قعدة عندكم بعد ما مات زوجها. ناظره راشد بتركيز وبصوت منخفض: وانتم ايش عرفكم بان زوجها مات وهو توه ما صار له يومين متوفي ! تلعثم حامد وسكت وتكلم نايف بتصريف وعجله: كنا جايين نبا نشوف حال سيّاف وسمعنا هالخبر من الرجال إللي فـ هالحارة. تكتف راشد وهو مو مطمن منهم وبهدوء وهو يتذكر ان نورة أمانة برقبته بعد موت ٲبوها ومازن: اعطوني شيء يثبت لي انكم من قرابتها ! ناظره نايف بحدة وهو يشد على قبضة يده ماسك نفسه لا يلكمه ببوقس بوسط وجهه. ناظر حامد راشد بهدوء واثق وهو يطلع الكرت من بوكه ويمده لـ راشد. بعد مرور دقيقة بالتمام مد الكرت لـ حامد وبتنهيدة: بروح اشوف البنت لجل تتجهز وتاخذونها معكم لكن هاه تراها امانة برقبتكم ما أحللكم لو توصلونها بأي أذى. . . فتح غرفة مازن وكانت نورة قاعدة عالسرير وتفرك في أصابعها. قعد جمبها وبنبرة عطوفة وهو يمسح على شعرها: عمّك حامد برا جاي ياخذك معه يقول مالك قعدة هنا. ناظرت فيه بصدمة وبثواني قليلة وتشبثت فيه وبرجا: لا تكفى مابغى اروح معه. عقد حواجبه بإستغراب وهو يلمح دموعها بـ عيونها دموع خوف : ليه ما ودك تروحين معهم وصلك منهم أذى! حركت راسها بالنفي وبشكل تدريجي ارتخت يدينها اللي متشبثة في ايدين راشد. ابتسم وهو يرفع راسها بطرف أصبعه وبـ حنيّة: هذول أهلك وعمانك ودام ما وصلك منهم أذى لا تخافين وترفضين، بالنهاية انتِ بنتهم- مسك يدينها وبعزم- ولو احد وصلك بإذى خبريني انا ما بسمح لأي أحد يأذيك. ابتسمت له ووقفت بعد ما طمنها كلامه اخذت تجمع أغراضها عالسريع وسحبت شماغ مازن بتردد وخبته بين ملابسها. لبست عبايتها ونقابها وخرجت من الغرفة تمشي ورى راشد. وصلت لهم وبتردد اخذت تناظر بـ حامد بلعت ريقها بعد ما مد لها كفه وبتردد سلّمت عليه. واكتفت بـ سلام باليد فقط. اخذ منها نايف شنطتها ومشت وراهم بصمت شديد وهي جاهلة مصيرها والحياة الجديدة إللي تنتظرها. تنهدت ووكلت أمرها لـ ربها. فلّة أهل رياض". توجهت للمغاسل تغسل بعد ما تعشت التفتت بتطلع وشهقت بخوف بعد ما شافت هُدى أخت مريم "أم رياض" الصغيرة عُمرها بحدود الـ 23. مدت المناديل للينا وملامحها هادية جامدة. قربت من لينا وماصار يفصل بينهم شيء كثير وهي تراقب ملامح لينا الخايفة. همست لها وعيونها بعيون لينا: أختي وداد صارلها فترة وهي تزن فوق راس مريم لجل انك ما بعد حملتي، لحقي على نفسك وتمسكي برياض قبل لا يحطون الفكرة براسه ويتزوج. مشت عن لينا وهي مبتسمة براحة ما عجبها الوضع إللي صاير من ورا ظهر لينا وراحت حكت لها. بلعت ريقها لينا بصعوبة وظلت واقفة بمكانها وكلام هُدى يتردد ببالها. عضّت شفتها وهي حابسة دموعها وبرجفة فردت كفها على بطنها. سندت ظهرها على المغسلة ودنت براسها وهي ترتجف بشكل ملحوظ. تو اللي زانت الامور بينها وبين رياض ويطلعون من وراها يخططون على تزويجه إذا ما خلّفت. يعني رياض ما بيصير لها لحالها بتشاركها أنثى غيرها فيه. خافت للحظة إنّه ينسحب من حياتها ويتزوج ثانية ويلتهي معها. مسحت دموعها بكبرياء غريب على لينا الخوافة اخذت نفس عميق قبل لا تخرج. خرجت بعد ما رتبت نفسها واستأذنتهم وهي تاخذ عبايتها وتحاول تتماسك قدر إستطاعتها وعيون هُدى تلاحقها. تدري إن الكلام قاسي عليها لكن تكون على بيّنة افضل من تكون على جهالة. اتصلت على رياض لكن صوتها ما يساعدها من الرجفة. رسلت له مسج عالواتس وخرجت فالحديقة تلبس عبايتها. ربطت نقابها بإيدينها إللي ترتجف وهي تسمع صوت بوري سيارة رياض. مشت للسيارة وركبت بصمت وبدون ما تلقي السلام. التفت لها رياض وبهدوء: سكري الباب زين ما سكرتيه. عقد حواجبه بإستغراب سندت راسها عالمقعد ولا سمعته ولا هي بحوله أصلاً. مال ناحيتها وفتح الباب وسكره، غمضت عيونها من قربه الشديد لها وكتفه إللي ملامس كتفها انفتح جرحها من كلام هُدى. صدت للنافذة وهي ساهية وشادة على فكها لجل ما تنهار وتبكي. ناظرها لثواني قبل يحرك السيارة وحرك السيارة بعد مارفع اكتافه ونزلهم بحيرة. لكن ظن إنها يمكن زعلانة من روحتهم للعشاء لان ماكانت عندها الرغبة في الروحة. وفي اثناء سواقته أنخرش وناظرها بعد ما سندت مرفقيها على رُكبها وغطت وجههآ بكفوفها وأجهشت بالبُكاء. وقف السيارة على جمب ومسكها من كتفها وبخوف: لينا شفيك! ماردت عليه وهي تشهق وتبكي من قلب رمت يده إللي على كتفها بعنف وهي تبتعد وتلصق فالباب. قرب منها وشدّها له وبحدة وهو يرمي بيده الثانية غترتة للمقعدة الخلفية: لينا تحكي قلت شفيك ! احد مضايقك مزعلك كاسر بخاطرك! قوليلي والله لاشفي غليلك بنت ليينا ردي علي. هزها مع أكتافها ومازالت تبكي وتصد عنه. . تركها على راحتها تبكي وصد أعطاها قفاه وفتح الباب وسند جمبه عالمقعد وهو يتنفس الهواء بعمق. محتار إيش فيها ايش اللي قلب حالها كذا ! تنهد وهو يمد أنامله ويغرسهم تحت طاقيته بين خُصلات شعره متأكد إن أحد قايلها شيء مضايقها. بعد مرور دقايق معدودة التفت لها بعد ماحس فيها هدت. سكر الباب ومد لها مناديل، ناظرها وهي تنزل نقابها وبيدها المراية وتمسح دموعها وآثار الماسكرا. مد يده وصافح يدها وبهدوء: هيا بعد ما هديتي حكّيني إيش فيك ! همست ببحّة وصاده عنه: مافيني شيء حرّك للبيت. تنهد بصبر وهو يميل ناحيتها ويرفع راسها بأطراف انامله: والله ما أحرّك من هنا لين تنطقين ايش فيك. التفتت له وعيونها بـ عيونه وبنبرة مُرتجفة وهي تشبك اصابعها ببعض: انت بتتزوج ! عقد حواجبه وبإستغراب : بتزوج ! لا مين قاله ! عضت شفتها بقوة وهي تشتت نظراتها عنه: وصلني كلام إنك بتتزوج لأني مابعد حملت. ضحك بصدمة وهو يمسك راسه ويناظرها ببلاهه: لينا أبك انتِ صاحية تصدقين هالحكي وتنهارين بالبكاء لجل كم كلمة انقالت كان المقصد منها مضايقتك ! بادلته بـ نظرات الضُعف والقلّ حيلة. مسكها من اكتافها وبضحكة: وبعدين حتى لو سمعتي اني بتزوج المفروض ما تسوين كذا تكون ردّة فعلك اقوى، انتِ حرمة والحرمة لها كيد عظيم لا تقعدين تبكين تصرّفي بطريقة ثانية حاولي تجذبيني لك أكثر تحاولين قدر استطاعتك ماتخلين حرمة ثانية تخش حياتي. رفعت اكتافها ونزلتهم وهي تلف اصابعها حول نقابها وبهمس: ماعرف اتصرف كذا ماني قوية انا، مابغى احد يفرق بيننا او تتزوج لا تسمح لأحد يقولك مثل هالحكي. ابتسم وهو يبوس راسها وبحنيّة: وانتِ لا تسمحين لأحد يضايقك بأي كلمة تنقال. استعدل بقعدته وحرّك مكمل طريقهم ولينا مبتسمة من داخلها. لح عليها وأصر يعرف إيش فيها وباحت له وانتهى الأمر بسلام. ما كابرت وتركت الكلام بصدرها وتضايقت بينها وبين نفسها. . . . بعد مرور ساعة ونصف وصلوا ودخلت السيارة فلّة حامد. نزلوا ونزلت بعدهم نورة بتردد وعيونها تتفحّص المكان من حولها. بإنبهار من الحديقة والإطلالة الجميلة، والورود اللي منتشرة بالحديقة وتحديداً بجوانب الممر الموصّل للبيت. والإضاءة الأورنجية الخافتة وعت من سُرحانها على اليد الحانية إللي ربتت على كتفها. وبنفور وخوف بعدت عنه، ابتسم حامد لها وبنبرة حنونة: حياك الله في بيتك الثاني- وضع كفه على صدره- واعتبريني من اليوم انا أبوك رحمة الله عليه. ناظره نايف برفعة حاجب وهو فيه الضحكة على أسلوبه اللي قلب حنون 180 درجـة. ابتسمت له نورة بـ مُجاملة على كلامه وهي مو مطمنة من داخلها. طول عمرها تاركينهم والحين اخذها ويقولها أعتبريني أبوك ! • دلّها عالملحق تحت نظرات نايف الساخرة والضاحكة. وقف على باب الملحق بعد ما ترك شنطتها وشغل الضوء: نامي وعيني من الله خير والصباح رباح، ما عليه وانا عمّك الليلة بتنامين بالملحق وعلى هذاك الفراش- ويأشر بسبابته على فراش مطبق بترتيب بزاوية المجلس- وبكرا ان شاءالله ازين لك وحدة من الغرف وتصيرين بنتنا منّا وفينا. تكتفت وهي تناظره بهدوء ومازالت لابسة نقابها وبنظرات واثقة قويّة: بس انا مابغى أعيش هنا عندك ماعرفك انت، انا ابغى عمّتي هيلة. شد على أسنانه وإبتسم بمجاملة وهو ينحني لها ويمسح على راسها من فوق حجابها: ماعليه يابنيتي نامي انتِ الحين وبكرا يصير خير. تركها وسكر الباب وهي بشكل سريع قفلت الباب بالمفتاح وسندت ظهرها عليه وهي تفصخ نقابها وشيلتها وتتأفف. مالازم تكون على نيّاتها وتوثق فيهم. صغّرت عيونها وبشبح إبتسامة وكأنّها عرفت اللعبة وبهمس: أكيد عند أبوي ورث ولكذا أخذوني يتقربون منّي ولا وش لجله تاركيني 19 سنة والحين بعد ما مات أبوي ياخذوني ! تنهدت وهي تفصخ عبايتها وترميها بإهمال وتفرش الفراش وتتسطح عليه. وهي تذكر نفسها بأن لازم تكون قوية ولا يلمحون فيها طرف ضعف أو إنهزام. غمضت عيونها وهي تتمتم بأذكارها وهي تحاول تستوعب في بالها صعوبة الحال إللي هي فيه. تركها أبوها بـ مُنتصف الطريق لا سند ولا عون لها غير الله. تركها تواجه مخاوفها ومصاعب الحياة. . . مشى حامد لين ماوصل لنايف وبتأفف وهو يقعد جمبه ويمسح على وجهه بإرهاق وبهمس: البنت شكلها ماهي بسهلة يا نايف ! طالعة على سيّاف. إبتسم نايف وبطرف عينه وهو رافع حاجبه: أها حنيّتك إللي اول لجل تزيّن نفسك بعيونها. ناظره حامد بـ غيض مكبوت: إيه لكن ماهي بسيطة ينضحك عليها بكلمتين- سند ظهره على ظهر الكرسي وبإبتسامة سُخرية واسعة- من أولها تقول ما ابغاكم ابغى عمّتي هيلة ! ضحك نايف وهو يمرر أنامله على شنبه وعاجبته قوّة نورة وحس إنّه مال ناحيتها. تعجبه البنت العنيدة القوية إللي يروّضها. التفت لعمّه وبهمس خبيث وهو مبتسم: لا تخاف بروّضها أنا. دار هذا الحوار على مسامع مُراد إللي تراجع لداخل البيت ووجهه مخطوف ومصدوم بعد ما كان ناوي يخرج. وضع كفه على جبينه وهو يردد بهمس: الله يستر عليك يا نورة من الشيطان وأشباهه. دخل للصالة بنظرات شاردة ووجهه مصفّر. قعد على أول كنبه صادفته وهو يحضن وجهه بكفوفه ومصدوم من خُبث أبوه ونايف ولد عمّه. جابوا البنت لهنا وأستدرجوها ويخططون عليها ثنينتهم. وقف بعزم وهو يصعد غرفته بخطوات سريعة قبل لا يدخل أبوه "حامد" ويشك فيه. دخل غرفته وهو عازم إنه بيتصرّف ما بيسكت وأبسط شيء ما يخليها تقعد عندهم .