رواية من عقب يُتمها صرت أبوها - الفصل 2 - بقلم حروف خرساء - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رواية من عقب يُتمها صرت أبوها
المؤلف / الكاتب: حروف خرساء
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

بيت أُم سامية- نورة". نزعت عبايتها بهدوء وطبّقتها بترتيب جلست على القطيفة لحالهآ. وحطت عبايتها جمبهآ ، لامست أنامل كفها اليمين نحرها الأبيض الناعم. إتحسست وجود السلسال برقة ، كان السلسال إللي أهداه إياها المجهول. ماتدري ليه حست بجاذبية ورغبة فـ لبسه. إتحسسته بإبتسامة دافية تحس إنّها قاعدة تلمسه هو مب السلسال. عقدت حواجبهآ بهدوء ووعت من سُرحانها على الهمسات إللي عن يمينها. إلتفتت بركادة رفعت حاجبهآ لهم بإستغراب وهي تشوف نويّر تنغز ربيعاتهآ وتأشر عليها ويضحكوا ضحكات مُبالغ فيها بس عشان يغيضونهآ. همست بثقة وسُخرية وهي تبوس كفهآ وجه وقفى وتكش عليها : الحمدلله والشُكر ، الله يكملك بـ عقلك . إقتربت منها نويّر وهي ناوية تهينهآ وتردّ لها الصاع صاعين ولا تطيّح هيبتها قدام ربيعاتها. مسكت طرف فستان نورة من عند أكتافها بقرف : ويع يـ الهيلقية مين متصدّق عليك بـ هالفستان ، خيشة وتخبّ عليك بعد. مسكت يد نويّر ولفتها بققوة وبنظرات تحدي : تمدين يدك أقصها لك فاهمة يـ الصخلة ، والله لولا حشمة سامية لـ كوفنتك هنا ويلّا إنقلعي فارقي عن وجهي كميّة قرف مجتمعة فيك. دفتها من كتفهآ بقرف ونظرات إشمئزاز ، مسكت عبايتها وشنطتها مشت متوجهة لسارة إللي كانت تأشر لها تجي تجلس معهم. جلست بكل ثقة وشموخ ، ملّت من كونها محترمة الاشخاص بزيادة. كانت كل ماتغلط عليها نويّر تسكت لها لأنها تعتبر ردهآ ونقاشها شيء من السُخف إ لكن بسبب سكوتهآ إتمادت نويّر حسبالها إن سكوت نورة ضُعف وعجز. ° ° ° "ببداية قريتهم - أبو نُورة". إستند بكفه اليمين على جدار البيت وهو منحني ويتنفس بصعوبة. غمض عيونه ويده الثانية قابض بها يسآره يحس بإختناق. حلّ الظلام وصارت الساعة 9 تماماً. إتحامل على نفسه وكمّل طريقة جثى على رُكبه بضعف. فتح أزرّة ثوبه وهو يحاول يلتقط أنفاسه. حالته مُبهذلة نعال رجله اليسار ماكمل به وإنقطع عليه. صارت رجله مليانه خدوش وجروح وبعض ألشوك إنكسر فيها. غير عن رضوض الصخور إللي فـ الجبال فيها. كان يحس بنزيف الدم برجله لكن ما إكترث بـ هذا الامر. كل خوفه إنه يموت بـ هاللحظة وتنفسه يضيق عليه صار يشهق بصوت مرتفع عشات يدخل الاكسجين لـ صدره. قوته خارت ضعف وهو يسمع اصوات رجال الحارة إللي ماتبعد عنه. مجتمعين بـ الدكة يطبخون الذبايح للحفلة. ¢ "على بُعد مسافة بسيطة". جالس على طوبة بـ مكان مُظلم منزوي عن القرية. يدخن بإستكنان وهدوء مستمتع بـ الجو البارد إللي يلفحه. الجوء هادي جداً فقط كان يسمع اصوات رجال الحارة إللي كان يجيبها الهواء وفجأة تختفي مع سكون الهواء. واصوات نباح الكلاب . "شُقة رِياض ولينـا". دخل بخطوات غير متوازنة وشماغه على كتفه. مسح أنفه بظهر كفه اليسآر ، صعد لغرفة نومهم. يمشي بضياع وأهمال ويعدّ خطواته ، الفترة الاخيرة خلّته يجهل نفسه. سكر الباب بـ هدوء ، إنكمش على نفسه من برودة الغرفة. إتفحّص الغرفة همس بضجر : الجو بارد والله يهديها مشغلة المكيف ، إلّا تبغى تمرض ! إتوجه لتكييف وقفله ، رمى شماغه بإهمال على الكنب وهو يفتح أزرّة ثوبه العلويّة. كآن الظلام يسُود الغرفة الّا من ضوء الابجورة الخفيف بحكم إنها تخاف من النومة بـ الظلام. كانت تتخبّى بحضنه وينمحي خوفهآ وتنام بسلام. لكن بعد توتر علاقتهم صارت تنام قبل مايجي وتترك ضوء الأبجورة شغال. خرج من غُرفة التبديل إكتفى بـ شُورت رمادي. إرتمى على السرير جمبها ، إتسطح على ظهره لامست أنامل كفه اليسار شعره. أخذ يلعب بـ خُصل شعره بهدوء وهو مغمض عيونه . من بعد جلسة طويلة ، مع أخوياه ولابد من خرابهم وإختلاطهم بـ الجنس الناعم. إتسطح على جمبه وهو يناظر فيهآ وباين من حركة أكتافها إنها تحاول تتحكم بإنتظام أنفاسها. ولا تبيّن له إنها صاحية ، مد إيدينه حاوط بطنهآ وهو يشدها له. قبّل كتفها بعُمق ، مرر وجهه بنعومه على رقبتها مشتاق لها ولـ قُربها. مهما إنغمس فـ الخراب وحاول يتجاهلها أول مايختلي بنفسه ويهدى الضجيج من حوله يركض مشتاق لها زي الطفل. شد إيدينه حول بطنهآ وهو يقربها له زود ودّه يدخلها بـ أعماقه. ولا يزيد بأوجاعه ولا يلمح نظرة الحُزن بعيونهآ. حس فيها وهي تبعد كتفهآ عنه تبغى تتخلّص من قبضته. شد عليها بتملّك همس لها بنبرة إحتياج وعشق : إش إش خليك ، لا تكابرين كلنآ محتاجين لبعض ، خليني أروي شوقي منّك. إلتفتت له وعيونهآ بعيونه ، تأملت ملامحه بشوق فاضح. مررت عيونهآ على تفاصيله كلّها ، عضت شفتها السفلية بقسوة وهي تنفجر وتضرب صدره بكفها وبشهقة : ليه تسوي فيني كذا يا الظالم. دنت براسها بإنكسار تحاول تكتم شهقاتهآ ، تخجل من كون أحد يشوف ضعفها. مد ذراعه اليمين وهو يحاوط اكتافها وذراعه اليسار حول خصرها شدها له بققوة همس بنبرة حانية : تعالي ياعين أبوي ،الله يلوم إللي يلومك. إتعالت صوت شهقاتها المكبوته ورجفتهآ بين إيدينه شوقها له عظيم والله عظيم . لو حاولت تكابر وتقابله بـ الصدود يكسرها شوقهآ له. إتبلل صدره من دموعهآ إللي تعبّر عن شوقها الجامح له. إبتسم بألم على حالها وهو يرفع وجههآ ويحضنه بين كفوفه . أخذ يقبّل ملامح وجههآ كله ، ويقبل دموعهآ. ألصق جبينه بجبينها وعيونه بعيونهآ وهو يتأمل رجفة شفايفهآ من البكي. وأنفها المحمّر : ماودي بكل هـ اللي قاعد يصير ، مثل ماهو قاعد يأذيك ويكسرك تراه قاعد يحرقني من الداخل. لينا تذكرين المرّات إللي ضحيت بنفسي فيها لجلك ولجل يكتمل نصف ديني فيك! دخيل الله لا تكسرني دموعك ، وخالقك مايهون علي أشوفك بـ هالحالة. رجع يقبل عيونهآ إللي تذرف دموعها بشغف وعشق مجنون وهو يهمس بنبرة تملّك تخالطها الحنيّة : أنا أبوك وأمك وأهلك وناسك كلهم ، "شد على وجههآ بين كفوفه وبنبرة تشديد". أنا لك الوطن والحضن والملجئ والأمان ، انا مرسى برّك أنا ميناء شاطئ لهفتك وعشقك ، انا لك كلّك أصحك يالينا تفكرين إني بطلت أحبّك ! لا تاخذك الهوآجيس ، والله أحبّك ". ختم كلامه بـ قُبلة على ثغرها إقتبست كل معاني العِشق". بـ هدوء الليل وضوء الغرفة الخافت إختلطت فيه مشاعرهم. شدهآ بين ضلوعة زود يرتوي من ثُغرها ويدفيهآ بحضنه. ° ° ° "ف القرية". واصوات نباح الكلاب إللي صادره من خلفه. شفط سيجارته بإستمتاع وهو يغمّض عيونه. له أطباع خاصة يميّزه هدوءه وغموضه ، مشاركته لـ أهالي القرية مُناسباتهم وإحتفالاتهم أمر نادر عنده. مكتفي بنفسه وبوحدته ، يعشق ألليل وحياة البادية. رجل نصف عاطفي ونصف عقلاني ، يقدس المقالات إللي تتحدّث عن ألحب مهووس في ألشعر والقصائد الغزليّة. إبتسم بغموض أول ما إتذكر نُورة وقع أسير فـ حُبها لكن كـ عادت الرجل الشرقي الكبرياء وعدم الإعتراف. كان فيه يوصّل لها حُبه عن طريق خطبتهآ بتصير له ومُلكه وحلاله. لكن لـ أطباعه الخاصة حب يبيّن لها حبه برسائل غزليّة تجهل صاحبهآ. صغر عيونه بإنصات تمتم بـ المعوذات وهو يسمع صوت أنين يبغات هـ الأنين شهقات عالي صوتهآ. وقف وهو يدوس على السيجارة ويمشي بحذر لـ مصدر ألصوت. إنحنى على رُكبه بفجعه وخوف فطري إنساني على نفس شارفت على الهلاك. وزاد خوفه لما إتبيّنت له هوية الشخص إللي بين إيدينه "أبو نُورة - أبو محبوبته". ° ° ° "في مُنتزة البيضة". إتثاوب وهو ينحرف على جمبه اليمين ويشد فروته عليه. حس بلسعة على خاصرته ، إتكلم يوسف بهدوء وهو يقاوم نُعاسة : ياخالد إتوكّل عني ، مابي حيل أقاوم النوم يسحبني سحب. ضحك خالد بشقاوة وهو يزيح الشماغ عن راس يوسف بطرف الخيزرانة : جايبنا من البلد للبيضة وياعيال الليلة سهرتنا هنا وأكشن يللد ، وفـ الاخير تسحب علينا وترقد ! قوم يلّا مابه نوم قوم . - ¢ إتثاوب يوسف بإرهاق وهو يحاول يفتح عيونه إللي يحسها بدت تحرقة وتحمّر من السهر : ياشيخ روح عنّي والله برقد شوف عيوني ، وفي النهار نكشت وأعوّض لكن الحين إتركني أرقد. "ناظر في خالد بتهديد وماد سبابته بوجهه ". ولّا هاه وربّك لأسحبك سحب على الوادي إللي خبرك وأبن أمه إللي يفكك. فطس ضحك من تراجع خالد السريع وخروجه من الخيمة. ضغط بسبابته وإبهامه على عيونه بهم من الافكار إللي تداهمه بـ الإجبار. تنهد وهو يضغط بخفة : الله يهديك ياخالد ، بـ القوة قدرت أغفى وقمت تصحيني. إنحرف على يمينه وهو يحاول يتخلّص من صورتها إللي عاجزة تفارق خياله. شد من قبضته على شماغه بقوة وهو يدفن وجهه بـ الوسادة الخفيفة. نجول بيومنا وأول مانوضع راسنا على وسائِدنا ، تدريجياً تغزينا الافكار والامور إللي نحاول نتهرّب منها بـ الواقع. وللأسف اوقات ماتقدر تسيطر عليها ترهقك وتجلب لك الأرق. وإنت مقابلها بـ العصبية والإرهاق. هذا هو حال يوسف بإختصار. زفر بطفش من حالته وهو يرمي فروته بعيد عنه ويخرج برا الخيمة. جلس بقرب راكان إللي كان متلحف بفروته ومقابل النار. إلتفت عليه راكان اول ماسمعه يتنهد وعقد حواجبه من حالته. قاعد يضغط على عيونه ويتنهد واضح إنه مو بخير. حط يده على كتفه وبهمس : علامك يوسف وش إللي موجعك ! رفع راسه له وهو بـ القوة يفتح عيونه وكل مافتحها غمض يحسها تحرقه. مسح دمعته إللي تمردت من حرارة عيونه وبهمس : مابي شيء لكن مجبور إني ارجع البلد ، لكن ماقدر عشان السيارة وحدة ومادري شسوي. زادت عقدة حواجب راكان من حال يوسف إللي مايسره. إقترب منه زود وهو يحط كفه اليمين على وجه يوسف : بسم الله عليك وش ترجع ، وش هالحالة إللي انت فيها ، وبعدين مستحيل أسمح لك تسوق وإنت كذا. إتكلم يوسف بنبرة وهن وعجز نبرة كلها قلّة حيله من تفكيره إللي اسرته نورة. وهو يزيح كف راكان عنه : يارجال مافيني شيء بس عجزت ارقد . "رفس خالد برجله بطفش إللي كان متسطح على ظهره ، وتحت راسه خُدادية يتأمل النجوم ويبحر فيها". هذا الحمار صحاني ، لي يومين ماقدرت أنام زين ولما غفيت بعد تعب جاني وصحاني. إعتدل بجلسته خالد وهو يدلك كتفه وعابس ملامحه : جاي تلومني انا ، لوم إللي سرقت النوم من عيونك ووصّته يجفاك. "حرّك حواجبه بـ لعانة وإستفزاز وهو يناظر في راكان". خويّك سرا به العشق. ضحك راكان من قلبه على تعليق خالد وهو يطرح راس يوسف على فخذه الممدود. أخذ يتمتم يقرأ عليه ويسمي لـ تهدى نفسه وتركد فوضاه الداخلية. ° ° ° - "بـ قرية الهضباء - نُورة". بلعت لقمتها ببطء وصعوبة وهي تحس بمغص بأسفل بطنها. مغص خوف على رُعب نفسي تجهل سببه. إتعوّذت من الشيطان وهي تكمل أكلها بـ الغصب ونفس مسدودة. وقفت مالها نفس تكمل أكلها ، بتروح تغسل يدينها وتخرج. حاولت تسيطر على رجفة أطرافها وتبلع ريقها بصعوبة وخطواتها بطيئة. مسكتها سارة من كتفها وبنبرة هادية : علامك نُورة فيك شيء ! جاوبتها نورة وهي تحرك راسها بـ النفي وإبتسامة شاحبة : مافيني شيء ياقلبي بس برجع البيت ، ماشفت أبوي اليوم بتطمن عليه. إبتسمت بلطافة وهي تبوّس خدها : ياعمري إجلسي وكملي عشاك وسعي صدرك ، وابوك اصلاً مابتلقينه في البيت أكيد مع الرجال يتعشى. هزت راسها بـ إيجابية وبتصريفة : إيه زي ماقلتي بس خلاص ماقصرتوا ، ودّي بـ البيت بعود. ربتت على كتفها سارة ومشت تاركتها خلفهآ. لبست نورة عبايتها بسرعة وربطة عُقدة نقابها بإهمال. خرجت للشارع وهي تسابق خطواتهآ ، إلتفتت حولها وكان الشارع فاضي. بلعت ريقهآ ورفعت عبايتهآ لفوق وكمّلت طريقها ركض. ودموعها تحجب عنهآ الرؤيا قلبها قارصهآ ، مو مطمنة للوضع. حاسة إن ابوها ماهو بخير ، تعثرت فـ الاحجار المترامية عـ الأرض وطاحت. أجهشت بـ البُكاء من دون سبب إنبنت مخاوفها على الّا حقيقة وتبعتها. وقفت بصعوبة من ألم إرتطام رُكبتها اليسار بـ الحجر. كملت طريقها لـ بيتهم وهي تعرج. وبيدها اليمين تمسح دموعهآ بعشوائية. ° ° ° "بنفس القرية -عند أبوها | المجهول". سنده عليه وحاوطه من أكتافه قوّته البدنية ساعدته يسنده من دون تعب. شد عليه وهو يسرع فـ خطواته وكل شوية يلتفت على ابو نُورة ويناظر الطريق. همس بنبرته المبحوحة : لا تغمض عيونك دخيلك ، حاول تفتح عيونك وتبقى مستيقظ أصحك تغفى. ناظره أبو نُورة بـ ضياع وتعب صغر عيونه حاول يعرف من يكون ، لكن قوته الجسدية ضعيفة ماقدر يركز. ثواني وعقد حواجبه بخوف أول ماحس بثقل أبو نُورة كله عليه. وايدينه إللي تهاوت بذبول بعد ماكانت حول خصره متمسّك فيه. وقف وحط ذراعه اليمين تحت أكتافه وذراعه اليسار تحت رجوله. حمله بسهولة بسبب جسده الضعيف ونحله. ماكانت بُنية ابو نُورة قوية ، القُصر والنحل كان يغلب على صفاته. وهـ الشيء إللي ورثته منه نُورة. ركض فيه للبيت إللي ماصار يبعد عنهم بـ مسافة طويلة. دفع الباب الحديدي بكتفه مرّة ومرتين وإنفتح. دخل فـ الحوش إللي كان حافظ تفاصيله عن كثب. إبتسم بهدوء وإنشرحت ملامحه الوسيمة وهو يتخيّل نورة فـ أرجاء الحوش. متناسي الجسد ألشبة ميت إللي بين ايدينه. همس بنبرة عشق أسيرة ببحّته الرجولية : الله وليّك وولي ملامحك اليوسفية يومك أسرتيني في حبّك. إبتسم وهو يتوجه لـ أقرب غُرفة كانت عن يمينه. دفع بابهآ الخشبي بكتفه لكن مافتح مقفلة الغرفة. عض شفته السفلية من الداخل وخاف لو يدفع أكثر ينكسر الباب هو حدّه مهتري مابيزيد عليه. أخذ نظرة خاطفة على البيت إللي كان بتصميم شعبي وغُرفة متوزعة في الحوش. توجه لسقيفة بعد ماخمّن إن كل الغرف بتكون مقفلة ، مافضل السقيفة لأنها مفتوحة ومن دون باب والبرد بيتسلل لها بكل قوّته مابتكون دافية. سطحه على الأرض وهو يثني شماغه تحت راسه عشان يكون مرتفع. فتح أزرة ثوبه كلهآ ليوصله النفس بسهولة ، إتحسس نبضه بأنامل كفه اليسار. إبتسم وأطلق تنهيدة راحة بعد ماحس بإنتظام نبضاته الطبيعية. زفر براحة وهو يقوم للمطبخ ، ثواني وجلس جمبه بلل وجهه ولحيته بأطراف يده إللي كانت مبلولة. بلل وجهه كله بـ المويا وهو يترقّب ملامحه وكله أمل إنه بيصحى. طبطب على خده وبهمس : ياعمّ تسمعني ! إحتار مايدري إيش يسوي حالته طبيعية وكل إللي فيه مجرد إعياء وإجهاد بدني فقط مُغمى عليه وحالته ولله الحمد مو سيئة. وضيق ألتنفس إللي صارله من كُبر سنه وإجهاده في المشي وقطع المسافة. ضغط على كفوفه أول ماشاف إنثناءات جبينه وكأنه بدا يستعيد وعيه. إبتسم بشغف وهو يرجع يطبطب على وجهه مرّة ، ومرّة يبلله بالمويآ. قرب كوب المويا من فم أبو نورة لما شافه يبلل شفايفه بلسانه دلالة على عطشه. مد كفوفه المُرتجفة والضعيفة ووضعهآ فوق كفوف المجهول بشفحة على المويا إللي لامس حلقه ماحي عطشه. همس بنبرته الهادية المبحوحة وهو يرجع راس أبو نورة على الشماغ لما شافه يغمض عيونه وأطرافه بدت ترتحي بإرهاق: إرتاح ياعمّ لا تحاول إنك تقوم الحمدلله إنت طيّب وماعليك خلاف. "وقف وهو يترك إيدينه". ثواني وجايك لاتقوم خلك متسطح. توجّه للغرفة إللي كانت يم السقيفة إبتسم براحة كان بابهآ مردود مو مسكر. خمّن إنها غرفته من الشنطة الحديد إللي كانت مركونة بزاوية الغرفة وعليها زخارف تراثية مخصصة للملابس. ومن المسامير المدقوقة في الجدار ومعلّق فيها ثوبين وشمآغ. وفراشه المبسوط على الأرض وبـ قُربه الراديو. عدّل اللحاف على الفراش وخرج له ، سنده عليه ودخل الغرفة. سطحه على الفراش وإنتبه لرجله المجروحة ، إنحنى وجلس على رُكبه جمبه وهو يمد يده ويتحسس رجله. عض شفته بأسف على حاله ، كانت حال أبو نورة أكثر من المُمتازة وقدر الله وأصبح هذا قدره وهذي حالته. مسح جروحه بـ قطعة قماش بللهآ بالمويا وهو ينغمس بأفكاره حول أبو نورة. كان من إسرة بطرانة ومعروف عنها العِز لين توفّى أبوهم. وتأمروا الأخوان على أخواتهم وقرروا يلعبون في تقسيم الورث. راكلين عدل تقسيم الشرع للورث ، طغى بنفسهم حب المال وجرّهم للقسوة وقل الرأفة بحال اخواتهم. عارضهم أبو نورة وصارت مشاكل مالها أول وتالي وحصل إنهم حرموه من الوِرث كله ومن الفلة إللي كان يسكن فيها. ماكنت بإسمه بإسم أبوه وكلهم طالبوه بـ نصيب ورثهم من الفلة. وحرموه حتى من الشركة إللي كانت بإسم أبوهم. نفوه من كل شيء وسلبوا حقه لأنه ماكان شيطان أخرس سكت عن الحق. دافع وكان حقاني وعادل. وبعد هـ اللي صار عاد أبو نُورة لـ قرية أجداده كمّل حياته فيها. إنسان صبور ومسامح لـ درجة عظيمة حتى إنه مارجع وطالب بحقوقه بـ الغصب. حاول مرّة ومرتين وهددوه في بنته إللي هي أغلى ماعنده. قلوبهم ميّته إللي ماخافوا من الله فـ أكلهم لمال غيرهم قادرين يأذون بنته حبيبته. وكل أمرهم لله هو إللي بياخذ حقه وينصره. تثاوب بـ نُعاس وهو يوقف ويلحف أبو نُورة قفل الضوء وخرج سكر الباب . وستند عليه تعوّذ من الفكرة إللي داهمته خطر في باله يتجرأ ويروح لـ غرفتهآ. هز راسه بالنفي وكأنه يطرد هالفكرة من راسه ، مشى ناحية الباب الخلفي بيخرج. كان الباب بـ قُرب السقيفة. ومايطل على الحارة بجهة الجبال. ماحب إنه يخرج مع الباب الرئيسي مو عدله أحد يشوفه خارج من البيت والرجال مجتمعين سوى تجنب هـ الشيء خوفاً من الظن السيئ يلحقه. رجفت يده إللي كان بيفتح فيها الباب ورتفعت نبضات قلبه أول ماسمع نبرتها المرتجفة تنادي : يُبه ، كررت نداءهآ وهي تنزع عبايتها وترميهآ في السقيفة متجاوزته ركض. بلع ريقه ببطء وشعور مجنون من ريحة عطرهآ إللي لفحته. ما إنتبهت له لأن الباب كان بوسط مدخل صغير. وإنارة الحوش الخفيفة الطاغية عليها الظلام ساعدوه إنها ماتشوفه. إلتفت ببطء وهو يستند على الباب واضع كفه اليسار على أيسره يهدي نبضاته المجنونة. رجل يقدّس العاطفة وكل مايتعلق فيها مشاعرة جنونية أبد مو عادية ناحية العِشق. يضطرب لما تطرى على باله وهي بعيدة عنّه فـ كيف بشوفة زولها الحين ! المرّات إللي شافها فيها قليلة ونادرة ماتتجاوز الأربع مرات وكلّه متحجبه. والحين بلا حجاب ولاشيء يحجب مفاتنهآ عنه. ساقته رجوله للسقيفة بخطوات مجنونة وغير إرادة منه. جلس على رُكبه وهو يدفن وجهه في عبايتهآ ، ضغط عليهآ بعنف وقسوة وهو يشمّ ريحة عطرهآ إللي داعبت أنفه . أخذ يقبّل عبايتهآ بجنون وشوق عظييم يفرّغ فيها لهيب عِشقه. سكن عن الحركة بهدوء وجمود وهو يحس فيهآ تسكر باب غرفة أبوها وتجلس على عُتبة الباب. تنهدت براحة وهو تمسح وجههآ بباطن كفوفهآ : الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، ردّيته لي سالم ياربّ لك الحمد ظلّيت نهاري كله أحاتيه ورحمتك كانت أوسع من كل شيء. حرّك أنفه برقّة على عبايتها وهو مغمض عيونه ومستمتع بنبرة صوتها الناعمة وشُكرها لله. كان في السقيفة عامود من الجدار يتوسطهآ وكان خلفه هو يعني حاجز بينها وبينه. حضنت رُكبها لصدرها ودفنت راسها بين فخوذها وأجهشت بالبُكاء ، بكت خوفهآ على ابوها بكت شعور الفِقد اللي حسته إلتوى حولها . شدّت على وجههآ وهي تحس بـ الغصة بحلقهآ أخذت نفس عميق تحآول تهدي نفسها. لكن سُرعان ما إنخرطت في دوامة من البكاء ، لو قدر الله وحدث لـ أبوها مكروة بتضيع والله بتضيع. المرأة مو زي الرجل ، ضعيفة وتحتاج ولي يسندهآ خصوصاً بـ مجتمعنا المُحافظ. أبكتها هـ الفِكرة على أتم اليقين إن لو حدث لأبوها مكروة ربّها مابيتركها لحالها. بيكون خير وكيل لكن الأبو سند وعزوه. أوجعه قلبه من شهقاتهآ المكتومة وأنينها أنثى هادية ناعمة حتى في بُكائها مايصدر لها صوت. وقفت وهي تمسح دموعهآ بظهر كفهآ بـ عشوائية وعُنف على نفسهآ إللي ضعفت وبكت. مشت ناحية عبايتهآ بتشيلها وترقد بعد يوم عصيب وشاق. رجفت أطرافها إللي تحسهآ زي السهوم والوخز فيهآ من الرُعب . تصلّبت مكانها وعيونها متوسّعة بفجعة من الرجال إللي جالس على رُكبه بـ وسط السقيفة. وما إنتبهت عليه من أول ، تراجعت وراها كم خطوة وكلّها خوف. طآحت عـ الأرض من رجولها إللي جمدت ومو قادرة تسعفهآ. حست بملوحة دموعهآ بفمّها من خوفهآ رجال غريب وفي بيتهم هـ الحزّة . وحاضن عبايتهآ بين كفوفه ولاصقة بوجهه يشمّ عطرها العالق فيها. كل إللي خطر في بالهآ إن نزوته جابته ومن منظره وهو دافن وجهه في عبايتهآ أكد لها هـ الشيء. بكت بخوف وهي تزحف على وراهآ ماتشيلهآ رجولها لـ توقف. وهي تشوفه يوقف ومغطي نصف وجهه بـ عبايتهآ وعيونه تنتقل من نحرهآ لـ وجههآ بنظرات حارّة. رجال بقوّته البدنية قدامهآ أي عقل بيبقى فيها ، ماهي من النُوع المهايطي لتواجهه. حياوية خجولة وبنفس الوقت خوّافة . وقفت بصعوبة بتركض تشرّد عنه لكن سُرعان ماطاحت عـ الأرض بقل حيلة. مدت سبابتهآ بوجهه برجفة : حلّفتك بـ الله ما تأذيني ، أسلب مابغيت من البيت بس لا تأذيني وإللي يرحم والديك. بكت بنحيب وهي تشوفه يقترب منهآ زود ، فتحت فمّهآ بتصرّخ تنادي أبوها. لكن سكتهآ كفه إللي طبق على فمها ، إنسابت دموعهآ بغزارة بخوف من عيونه إللي تفترسهآ. حاولت تفصّل ملامحه لكن الظلام كان يمنعهآ فقط بريق عيونه الباين لهآ. حس بدموعهآ إللي غرقت كفه ، إجتاحته رغبة مجنونة يلمّها بين ضلوعه يكسر العادات والتقاليد والمبادئ وكل شيء. تأمل نحرها والسلسال إللي فيه ، إبتسم بعشق ودّه لو يعرف إيش إللي خلّاها تلبسه تحديداً ، ياتُرى بدا غصنها يميل ! ضربت صدره بكفوفهآ وبصُراخهآ المكتوم ودموعهآ إللي غرقت وجههآ. مال ناحيتهآ وهو يحاوطهآ بذراعه ويدفن وجههآ بصدره ، يكتم صوتهآ بين ضلوعه. غمض عيونه بنشوة عِشق وهو يشد عليهآ تمرّد على مبادئه ولمّها بين ضلوعه. همس بنبرة هدوء ببحته الرجوليّة وهو يمسح على شعرهآ الأسود الطويل بكفه : فلّت شعرهـا وانتثر كنّه الليل غطّا عباتها وغطا نحرها وغطا العيون اللي هدبْها مظاليل حتى سواد الرمش ضاع برمشها . بلعت ريقهآ ببطء وجحظت عيونهآ من كلامه ونبرة العشق الصادقة . سكنت دموعهآ بجمود وتناقض بـ أفكارهآ مابين هو المجهول والنُكران. قبّل سلسالهآ إللي على نحرهآ وبهمس : أستودعتك البآري. وبلمحة بصر خرج بخطوات سريعة مغادر بيتهم. ركضت وراه بعدم إستيعاب بعد ما أكدت لها حركته الأخيرة إنه المجهول من قُبلته لسلسالهآ. فتحت الباب الخلفي إللي خرج منه ودموعهآ تنساب على خدودها والهواء يحرّك خُصل شعرهآ. عضت شفتهآ السفلية بخيبة ماله أثر. سكرت الباب وهي تستند عليه وتتهاوى عـ الأرض ببطء كيف كانت بحضنه. وبين إيدينه ! لامست أناملها سلسالها بكت وهي تتحسس مكان قُبلته إللي أسرت معها قلبهآ. وأعلنت عن شعور جديد إنولد بداخلهآ. فترة طويييلة وهي تتمنى شوفته أو صوته. وقبل ثواني كانت بقربه وملاصقة لجسده وروحه . شدت على شعرهآ بغضب من نفسهآ ماشافت إلّا عيونه ويبقى المجهول مجهول. ° ° ° "صبآح يوم جديد". فتحت عيونهآ على صوت أبوها ، إللي واقف عـ الباب لابس ثوب أبيض وفوقه سديري أسود خفيف . وناسف غُترته البيضاء على راسه وبـ إبتسامته الصافية : قومي يابنيتي قومي اليوم الجمعة . إبتسمت وهي تفرك عيونهآ بطفولة وبـ إبتسامة بريئة : صبحك الله بالخير يُبه ، الحين أقوم اسوي الفطور ، حدّي ولهانة عليك يانظر عيني. ^ "بعد مرور نِصف ساعة". جلست جمبه على الفرشة إللي تحت النخل وهي تحط الفطور عـ الأرض. مدت له بيالة الشاهي وبإبتسامة : هاك يُبه يعلّه مداخيل العافية. إبتسم بحب وهو يتناوله من يدهآ . بلعت لقمتهآ وإتكلمت بتساؤل : إلّا يبه ماقلت لي أمس ماعوّدت بدري ، عسى ماشر ، أشغلت بالي ورحت للعمّ بو ناصر سألته عنّك. إبتسم وهو يربت عـ كتفهآ : الحمدلله مابني خلاف يايبه ، لكن إنقطعت بي السيارة وكملت طريقي مشي. نهاري قضى وانا أمشي ، لكن أول مادخلت القرية ماقويت أكمل وتعبت. وماحسيت بنفسي إلّا وانا في السقيفة وكأني أسمع صوت رجال يمي. مادري يابوك لكن أرسله لي ربّك وساعدني الله يوفقه. رجف قلبهآ ومضغت لقمتهآ ببطء من كلام أبوها الأخير عن المجهول. ودها تنخرط وتسأل أبوها عن أصغر شيء يخص المجهول لكن إلتزمت السكوت مابتثير شك أبوها. إتكلمت بهدوء وهي ترمي مُكعبات السكر في بيالة الشآهي وتحركهم : مين إللي ساعدك ! ماعرفته. تمدد أبوها بعدم مبالاة وهو يطبق فمه على المسواك ، ويستند على الوسادة السماوية إللي خلف ظهره : لا مادري ماكنت بوعيي عشآن أعرفه، بس الوكاد إنه من رجال الحارة. إبتسمت وهي تحرر شعرهآ وتسند راسها على فخذ أبوها : مايخالف المهم إنك الحين موجود وبخير. مسح على شعرهآ بكفه اليمين وبنبرة أبويّه لامست فيها الحنية : يابوك عقب الصلاة باخذ ولد جارنا نآصر يوصلني نصلح السيارة وأجيبها ، وعمّتك هيلة أحوالها ماهي بخير بزورها العصر تخاويني. أومئت راسها بـ الإيجاب وهي تبوس كفه إللي على شعرها : إيه بروح معك من زمان ماشفتهم، ويابوي إنت دايم تقولي القطيعة ماهي بزينة ليه مانسيّر عليهم الّا بالنادر. إلتزم بالصمت وهو يوقف ويمشي لخارج البيت. بنته ويعرفها زين لو تدري عن الخافي مابتسكت ، بتنبش لين تاخذ حقهم وزود. ماترضى بـ الظلم للناس وكيف بـ أبوها المظلوم. إكتفى بالسكوت والتجاهل لسؤالها لايجاوبها ويفتح أبواب مسكره. "البآب إللي يجيك منه ريح سدّه وستريح". ° ° ° "بعد مرور ساعتين-شقة رِياض ولينا". علّقت الثوب في الدولاب بعد ما كوّته لصلاة الجُمعة. صحت على غير عادتها فيها حمآس ونشاط وفرحة شعشعت في صدرهآ من نومتها السعيدة ليلة أمس. رجعت المياة لمجاريهآ ، وحل الهدوء والصُلح عليهم. حركت راسها بالنفي بأسف وزامّة شفايفها على حال رِياض الفوضوي. يلبس ويقط ملابسه في الأرض من دون إهتمام بها. إنحنت وهي تتناول بلوفرة البيج إللي بدله لما وصل البيت. عقدت حواجبها بشك من اللون اللحمي آللي طابع جزء منه على ياقة بلوفرة من جهة نحره. قرّبته من أنفها وهي تشمّه وكلها رجاء إن ظنها مايصيب يخيب. شدت على البلوفر ومغمضة عيونها بشدة من القهر إللي تجوّف اعماقها. وعاصفة الحزن إللي دمرت كل شعور حلو إنولد فيها ليلة أمس. إشمئزت منه ومن القرف والحضيض والسُفل إللي غارق فيه. خرجت من غُرفة التبديل لغرفة نومهم وهي تحاول تسيطر على رجفة يدينها. والغصّة الناشبة بحلقهآ. الخيانة وجعها مرّ ، وتكرارها يحسس الأنثى بـ النقص. وقفت جمبه وهو عـ السرير نايم وشعره المُبعثر على وجهه معطيه جاذبية. وبدون تيشيرت ، هزته من كتفه وهي مو قادرة تنطق من رجفة صوتها. ضربته بقبضة يدهآ على كتفه ودموعهآ سقطت على صدره تعبّر عن قلب أنثى مكسور ومهزوز. ضربته بأقوى وبنبرة متحشرجة: قوم ياكلب يانجس ، ياخسيس يا واطي. عقد حواجبه بإنزعاج وهو ينحرف عن يساره ويتلحف متجاهل صوتهآ. نزعت اللحاف وهي ترميه بعيد وترجع تضربه على ذراعه : قوم ياوجه الشقى من بلوى لبلوى العيشة معك صارت ماتنطاق. جلس بإرهاق وهو يضغط على راسه يحس بصداع. فتح عيونه وناظرها بتساؤل ومزاجه سيئ. همس بطفش وهو يتثاوب: يالله صباح خير ، هاه وش عندك تهاوشين من صبح الله ! "سند راسه على السرير وتكتف وبنبرة إستفزاز لها". المتزوجين يصحون على ورد على بوسآت مو على هوآش وحرمة أم دميعة بس تصيح ! مدت البلوفر بوجهه وبيدهآ الثانية تمسح دموعهآ وتحاول تكبت شهقاتهآ. عقد حواجبه بتساؤل وحرك راسه بمعنى "وش فيه". أشرت بسبابتهآ على بُقعة الروج وهي مو قادرة تتكلم. قطته بوجهه ومسحت دموعهآ بعنف وبنبرة قهر : لا صرت رجال ساعتهآ أصحيك على ورد وعلى ماتبغى ، لكن إنت الحين مابعدك صرت رجال ينشد فيك الظهر ، إستح على وجهك غارق في قرفك كم مرة خنتني كم مرة نمت مع غيري كم مرّة ! إللي يسوي سواتك الرجولة إتجردت منه. وقف بلا مُبالاه بكلامها وهو يدفعها على السرير متوجه لدورات المياة. أجهشت بالبُكاء ودفنت وجههآ بـ الوسادة ميّت شعوره والله. إللي ما أثر فيه خوفه من الله ما بيأثر فيه كلامي. ° ° ° "في مُنتزة البيضة". جالس في السيارة عـ المقعدة الأمامية رفع نظره للمراية. وهو يمسح وجهه بـ منديل لامست أنامله وجهه البآرد من وضوءه. مرر أنامله على عوارضه وشعره بحركة سريعة كـ نظرة أخيرة. نزل من السيارة وبيدينه يعدّل بلوفره الرمادي، توجه لشنطة السيارة ورمى الحصير بقرب الخيمة. فرشه وبسط عليه فروته وجلس عليهآ لجل ماتتألم رجوله من خشونة الحصير. رفع نظره لـ راكان إللي جلس قدامه ومعاه أكياس الفطور. إبتسم راكان موجه له كلامه : بشرني عنّك عسى نمت زين البارحة ! هوجست فيك حالتك ماكانت زينة. إبتسم يوسف بودّ وهو يحك دقنه: الحمدلله زين . "دقايق قليلة وأجتمعوا كلهم على الفطور". تكلم يزيد بهدوء وهو يقطع من الخبز : ياعيال ماسمعتوا الصياح إللي ينوح بنص الليل ! شهق راكان بتمثيل وهو يضرب صدره : سمعته وقضبت أرضي من الفجعة معاذ الله ياخوك . رد عليهم خالد بنبرة غيض : حلوة ألعبوا غيرهآ ، مو كل مرة بتمشي علي. ضحك يوسف بهدوء وعيونه على كوبه إللي يتصاعد منه بُخار الحليب : عقب أسبوع نازل جدة ، بساهم في وقف خيري مين له خوّه ! وقف وهو يلبس فروته ويتلثم بشاله الشتوي بعد ماحس البرد يضرب أنفه: المهم إللي بيخاويني يرد لي خبر ، ألحين بطلع أسيّر في المنتزة بالسيارة إللي بيخاويني يلحقني للسيآرة. بعد ثواني شغل السيارة بعد مآركب رآكان وأشر له براسه حرّك. ناظر فيه وبتساؤل : والباقين ! هز أكتافه راكآن وهو يناظر في يزيد وخالد إللي يشبّون النآر ومجمعين الحطب : يقولون ماهم برايحين بيقعدون حرّك بس. فتح ألقزاز وحرّك السيارة ببطء ، علّا الصوت وضجّت السيارة بصوت فلاح المسردي بشيلة "رآحت سنيني". كان الجو جميل وصافي ساعدة يغارق في أفكاره للنُخاع. السيارة تمشي ببطء على الرمال ألشبة رطبة من مطر أمس. وفاتح القزاز للنصف والهواء البآرد يلفحه وصوت فلاح يدوي في السيارة. إتكلم راكآن بهمس متناغم مع روقآن الجو إللي هم فيه : ما كان منطوق خالد عبث ، تسج وتبحر هـ الأيام كثير وكلّه سرحان ولا تقول الشغل ، أعرفك زين يايوسف. إبتسم بإبتسامة جانبية وبهمس : مادري ياخوك. إلتفت له راكان وهو يحط يده على خده وبأطراف انامله يضرب خده بخفّة: طحت وماحد سمى عليك، ليكون ماغيرهآ بنت جيرانكم مدري بنت صديقة أمك ! جاوبه يوسف بنبرة جمود وغموض وعيونه على الطريق الرملي: مادري حتى عن إسمهآ، ماعرف عنها شيء يمكن تقول مُجرد إعجاب ماهو بعشق لكن الإعجاب عمره قصير وهـ الشيء ماكان عُمره بـ القصير. قطع حديثه وهو يوقف السيآرة وينزل ، تنفس بعُمق وهو يفرد ذراعيه في الهواء وينحني عـ الأرض ويجمع بقبضة يده من الرمال الرطبة شمّها بلذة من ريحتهآ الممزوجة بـ موية المطر همس وعيونه بعيون راكآن: ماكذب خالد عبدالرحمن يومه قال "طلعت البر تشفي كل قلبٍ عليل". ° ° ° "بعد مرور أسبوع-شقة رِياض ولينا". مرّت عـ الغرفة بتروح للمطبخ، لمحته يرتب ملآبسه في شنطة السفر السوداء المرمية على السرير. وقفت بهدوء والتساؤلات إنهالت على تفكيرهآ من سفرته المفاجئة. ألاحداث إللي بينهم باردة وأكثر من الباردة يخالطها الهجرآن من قبلهم كلهم. بعد أخر موقف إنعزلت عنه بـ غُرفة ثانية كـ عقاب تأديبي . مشت بسرعة مبتعدة عن الباب لما حس فيهآ واقفة ، ماتبغى تحسسه إنه يهمها. إستندت على الطاولة إللي في المطبخ غافلة عن الغلاية إللي غلت وطفت. تفكيرهآ محصور فيه ، كيف بيسافر ويتركهآ ! حتى لو هجرته وبينت له عكس مابداخلهآ تحبه وتعشقه ولا تصبر عن غيآبه. أسبوع موحش بكل ماتعنية الكلمة ، حتى النوم ماحست بلذته. مايحلى النوم إلّا بين كفوفه ، كيف يسآفر وأنا ! دنت براسهآ وهي تعض شفتهآ السفلية من الداخل وتحس بتجمّع دموعهآ بعيونها. وتذكرت كلمتة حُرمة أم دميعة بس تصيح. مسحت دموعهآ بطرف بلوفرهآ الواسع وهي تتناول كوبهآ وتجهز قهوتهآ. حآوط خصرها ودفن وجهه بشعرهآ ، قبّل رقبتهآ من ورا ويحرّك أنفه عليهآ. رتجفت يدهآ إللي ماسكة الملعقة وتحرّك القهوة من لمساته. لفّها له وبيده اليمين محاوط خصرهآ واليسار يلعب بـ خُصل شعرها. شمّ خُصلتها بعمق وهو يهمس : ريحة شعرك حيل حلوة. دفعته من صدره بكفوفهآ كرامتهآ مجروحة منه مو بـ هالسهولة بتغفرله وتسامحه. شد على خصرهآ بتملّك وهو يلصق جبينه بـ جبينهآ ، همس بعذوبة وعيونه بعيونهآ : ما إشتقتي لي ! ردت عليه بقرف وربكة وعيونهآ بعيد عنه صادة : لا ما إشتقت لك ولا بشتاق . داعب أنفهآ بأنفه وبهمس: حطي عيونك بـ عيوني وقوليهآ. تجاهلته وإكتفت بالسكوت ونظرهآ في الأرض. همس وهو يقبّل جبينهآ وعيونهآ : طيّب ماعلينآ ، بس أنا إشتقت لك . رفعت نظرهآ وبـ إشمئزاز : وإنت تعرف كيف الشوق يكون ! "ضربت يساره بكفهآ". ماهقيت إنّ هذا يحس أو يشتاق صخر جلمود . مد يده وتناول كوبهآ إللي على الطاولة ورتشف من قهوتهآ. ترك الكوب على الطاولة وطبق ثُغره على ثُغرهآ بحركه ألجمتهآ. إبتعد ورجع قبّل ثغرهآ يتذوّق ماطبع على شفايفهآ من القهوة لمّا قبلها المرّة الأولى. همس بنبرة أسرت كل جزء فيها وهو يدري إنّ حركاته هذي تضعفهآ وكثير : يعرف يعشق ويحب ويشتآق ، وباقي ينبض لك ، وشوفيني على قد الخرآب إللي غارق فيه ماملى عيني من جنس حواء غيرك يالينآ كوني على يقين بـ هالشيء. إبتعدت عنه بعنف وهي تمسح شفايفهآ بقسوة من قبلته. وتمسح دموعهآ إللي إنسابت على خدودهآ تكلّمت بصوت مُرتجف: وبكل مرّة تخوني فيهآ ترجع تقول هـ الحكي وتاكل عقلي بحلآوة ! إيش أبغى في حبّك وهذا حالك ، إصحى على حالك ياريآض قبل لايطفح الكيل. عطته قفاهآ وهي تسند جبينهآ على الدولاب ومغطية وجههآ بكفوفهآ وتشهج بـ البُكاء. حتى لو طفح كيلهآ وين تروح ! لمين تلجئ أهلها من المُحال يستقبلونهآ . حط كفوفه بجيوب بنطلون بيجامته وهو يتنهد بـ قلّ حيلة : جهزي أغراضك بعد يومين بنزلك عند أمي ، بـ الكثير إسبوعين وراجع. زادت شهقاتهآ ودموعهآ ورجفة صدرهآ من كلامه أسبوعين والله كثيرة. ‏ودّها لو تلتفت وترتمي بأحضانه وتترجاه مايسافر ، تسامحه وتتجاوز كل شيء. بس تحصل على مُناها وترتمي بين ضلوعه فقدت الآمان والحنيّة. حضنهآ من الخلف وهي مازالت تبكي ومغطيه وجههآ بكفوفهآ. إستسلمت لـ حُضنه بكل ضعف وإحتياج له باس كتفهآ وبنبرة رجى: دخيل عيونك الحلوة لا تبكين، بس عوّرتي قلبي . باس راسهآ وخرج تاركها خلفه تكمل بكيهآ. ° ° ° "يُوسف". وقف السيارة قُرب المحطة ونزل متوجه للمسجد. بعد مادخل وقت صلاة المغرب وحلّ الظلام. بعد مرور ربع ساعة. صلّى وخرج برا المسجد وقف في الشارع يتفحص المكآن من حوله. المنطقة شِبه هادية بما إنها على طريق سفر وخط سريع . فقط إحتوت ضجيج أصوات السيارات تحسس جيوب الجينز يدوّر بوكه وتوجه للكوفي ألموجود بـ قُرب البقالة. رفع كاب البلوفر على راسه وهو يستنى الطلب برّا ويفرك كفوفه ببعض من البرد. المدينة طقسهآ بارد جداً في الشتاء. جوّها مشابة لجوء الرياض. ناظر في الساعة إللي حول مِعصمة باقي وقت على إفتتاح المعرض التابع للوقف ألخيري. إللي كان بتمام الساعة 10 وحالياً 6 ونصف. ركب سيآرته بعد ما إستلم طلبه وكمل طريقه متوجه لـ جِدة. تثاوب بنُعاس وهو يبعثر شعره بيده اليمين واليسآر قابضهآ على الدركسون. أخوياه رفضوا يروحون معه وإكتفى بروحته لـ وحده. ° ° ° عند سيّاف "أبو نُورة". تكتفت بملل وهي تنتظر أبوها يخرج من البقالة. صارلهم ساعة وشوي ماوصلوا ، بُعد المسافة على سواقة أبوها البطيئة كانت الاسباب في تأخيرهم . تربعت بحمآس وتوسعت إبتسامتها بشغف وطفولة وهي تشوف أبوهآ يمد لها كيس مليآن شبسآت وخرابيط. ناظرت في الطريق بملل وهي تآكل :يُبه متى نوصل ترى صدق ملّيت ، وبنبات عندهم ولا بنرجع القرية ! جاوبهآ أبوها وهو يحرك أكتافة: والله يابوك مدري لاوصلنا بـ السلامة وزرنا عمّتك نشوف. كملت أكلها وهي تحاول تسيطر على التوتر إللي بدا يسري فيها من لِقائها بـ أهل ابوها. مرّ عليهآ فترة طويلة ماشافتهم. ° ° ° "شقة رياض ولينا". متسطحة على الكنب والريموت فوق بطنهآ وناثرة شعرهآ القصير على وجههآ. تنفست بعُمق وهي تلعب بسبابتها على خصلهآ ، متجاهلة طلب رياض منهآ ماجهزت أغراضها. خاطرهآ تبقى في الشقة لكن مستحيل هو يرضى وكمان مابتكون مطمئنة. ولا بتعرف تدبّر أمورها لحالها ، وعند أمه مابتتحمل القعدة. مع إنها طيّبة لكن أحد خواته لسانهآ سليط وشخصيتها قويّة بزيادة. وقفت بطفش وهي تقفل التلفزيون وتتوجه لغرفتهآ هاربة من واقعها للنوم. ماتبغى تفكر في سفر رياض ولا في حالهآ إللي بيكون بغيابه. إتسطحت على الوسادة وهي ترفع اللحاف عليهآ وتغمض عيونهآ. ¢ "مقرّ الوقف". واضع كفوفه على خواصره وبنظراته يتفحّص الشاحنات المعباة "بـ كسوة الشتاء". كراتين مصفوف فيها ألحُف ثقيلة وملابس شتويّة وقفازات وكابات وكل شيء يساعد على التدفئة من برودة الطقس. صافح رئيس الوقف ألخيري بحب وعيونه يلمع بريقها شُكر : الله يجزيك الجنّة على كل خير تقدمه ، ويكسيك ويسترك في الدنيا والأخرة على هذه الكسوة. "فرد كفه اليمين على صدره وبكلمات صادقة نابعة من قلبه". ممنون لك من كل قلبي على إنّك طلبت أشاركك في هذا الوقف ولا راح علي. إبتسم رئيس الوقف وهو يربت على كتف يوسف : أدري بك راعي واجب وصاحب خير ولاتحب تفوتك هـ الأعمال الخيرية. حك دقنته بوهقه من الفِكرة إللي خطرت في باله وهو يحصي عدد بيوت قرية الهضبى وبتردد : أحد الشاحنات أبيها تحت أمرتي ، أتصرّف فيها أعرف ناس مساكين بحاجة لها بس ماهم من جِدة ، من المدينة وانا بتولّى أمرها بنفسي وأوصلها. جاوبه رئيس الوقف وهو يمرر أنامله على لحيته السوداء الطويلة : لك ماطلبت ياوليدي . إبتسم إلى أن بانت نواجذه وهو يوضع كفوفه بجيوب ثوبه. إبتسامة غامرة على الخير إللي بيسويه وأُمنيتة بشوفتهآ ، وزي ماينقال عصفورين بحجرة وحدة. إستأذن منهم وإنصرف بأدب وهو يخرج متوجه للفندق. متيقن بأن النفس أمانة على صاحبهآ ولها حق عليه. سفر وعودة بيوم واحد وبساعات قليلة يهلك نفسه ، قرر إنّه يتوجه للفندق يريّح وينام ولا جاء الصبح أفلح. ° ° ° "الإستراحة-رِياض". ساند ظهره على الكنب وبجمبه خويّه سعد نفث السيجارة وهو يتأمل أجسام البنات إللي تتمايل بإغراء أنوثي. قادر على سلب الرجل كل تركيزة ، وعواطفه المؤقته. وعى من سُرحانه فيهم على قُبلة لامست رقبته من ألخلف. وإيدين أنوثيّة عارية تحاوط أكتافه . إلتفت لها وهو مبتسم على جنب . همس بإستفزاز وروقان : إذلفي عن وجهي يـ العا*** ما أقبل إلّا المزايين . قاطع كلامهم رنين جواله ، خرّجه من بنطلونه. رد وهو ماسك الجوال بيد واليد الثانية ماسك بها السِيجارة. وصله صوت أنفاسها المرتبكة إنتظرها تبادر بـ الحكي لكن السكوت كان سيّد الموقف من طرفهآ. رفع حواجبه ونزلهم وبإستفسار : تبغين شيء ! داقة وساكتة فجأة تحوّلتي طرماء ! ردّت عليه بهمس وهي تمرر سبابتهآ على شماغه إللي بحضنها : متى بتجي ! نفث سِيجارته وهو يركل البنت إللي خلفه ب مرفقه بعد ماحس بثُغرها يلآمس خده بنعومة :مادري متى جاي ، ليه لـ هالدرجة ماتستغنين عن النومة بحضني ! عادي إعترفي لا تستحين . جاوبته بهمس وهي تدفن وجههآ في شماغه بضعف وشوق لزوجهآ حبيبيها وكل ناسها : إرجع بدري الله يخليك ، ماقدرت أنام ، أحتاجك. إرتبك من قُبلة البنت لخده وأصدرت صوت معها. خاف تكون سمعته وهو إللي نوى يحاول قدر المُستطاع مايزعلهآ. طفى السِيجارة بغضب وهو يوقف ويضغط على فك البنت بيده بققوة ويرد عليهآ : طيّب ولايهمك كاني جاي مابطوّل. قفل منها وهو يشد من قبضته على فكهآ بعصبية والبنت واضعة يدينهآ على كفه تحاول تخلّص فكها منه. إللي تحسه تهشم من قبضته. مسك شعرها بقسوة وهو يضرب جسدها في الكنب ويرجع يقرّبها منه وهمس بفحيح : وربّك لو سمعتك ليكون موتك على يدي يـ الحقيرة. نفضها من يده بقرف وهو يخرج برّا الإستراحة. ووجهه متجهّم بغضب وعاقد حواجبه. ركب سيارته ومسح وجهه بباطن كفوفه وهو يتنهد بعُمق. خاف إنها سمعت وتزعل ، دامك تحرص على رضاها ليه تروح لهذي الأماكن لييه رِياض. شغل السيارة وهو يتجاهل نداءات ضميرة ومتوجّه للشقة. ° ° ° "بيت هيلة أخت سيّاف". إرتشفت قهوتها ببطء وهي تتمعّن النظر في إللي حولها. أبهرها منظر الثُريا المتدليّة من السقف. والفخامة إللي تحكي عن غطرسة أصحاب البيت. تعجبت من حالهم وحال أهل أبوها ناس فخمة وفرق بينهم. همست بفهاوة لـ ميس بنت عمّتها هيلة : الله بيتكم يجنن . ضحكت ميس وإكتفت بالصمت وهي تزيح خُصل شعر نُورة عن وجههآ. إبتسمت بشغف طفولي وإسترسلت بكلامها : انا مادري ليه أبوي عاشق حياة القرية ، ياليت نجي هنا ونسكن في البلد قريب منكم. . وقفت ميس وهي تمد يدها لنُورة قاطعة الطريق إللي سلكته نورة في كلامها. والباين إنّها ماتعرف شيء عن هوشة عُمانها. ميس إللي تكبر نورة بـ3 أعوام وتعرف إللي حصل مولدها سابق لمولد نورة. وبسبب إنتقال أبو نُورة السريع للقرية بعد ما توفت زوجته ونورة بعمر لـ10 سنوات. كان هالموضوع عليه زي الستار والحاجب عن نُورة. تثاوبت نورة وهي تشبك كفها بـ كف ميس : لوين بنروح ! إلتفتت عليهآ ميس وبنبرة إستغراب : لوين يعني بنرقد تأخر الوقت. وقفت بمحلّها وهي تأشر بسبابتها للخلف وبهمس : وأبوي طيّب ! تسندت ميس على الجداروكفوفها بجيوب بلوفرها وبإستغراب ; شفيه أبوك ! حكّت شعرها بوهقة رفعت أكتافها ونزلتهم بحيرة : مادري بس اخاف بنرجع القرية ، وكيف أرقد ! ضحكت ميس وهي تحاوط نورة من اكتافها وتمشي بها للغرفة: لا تطمني من هالناحية ، أكيد بيرقد هنا أمي زكّنت على أبوي مايتركه يرقد عندنا . تمغطت نورة بنُعاس وتحس بجوع فضيع للنوم وهي تمشي مع ميس. وتفكيرها كله بحياتهم وحياة عمّتها ، بلحظة جهل صارت تناظر للي أعلى منهم. ونسيت المُعادلة الصحيحة. إلتفتوا على صوت هيلة إللي تناديهم مستغربة من صعودهم فوق والعشاء يتحضّر. تكلمت ميس وهي تناظر أظافيرها : يمّة بنروح ننام تأخر الوقت. هيلة وهي تناظر ساعتها إللي بمعصم يدها وترفع نظرها لها: وش تأخر الساعة مابعد جات 12. حكت شعرها ميس بفهاوة : طيّب إنتي دايم تقولين لنا ماتتجاوزون 12. ضحكت ٲمها بهدوء وهي تأشر لهم بيدها : تعالوا أقعدوا اليوم الوضع مختلف ، أخوي موجود -مسحت على شعر نُورة إللي قعدت جمبها وبحنيّة- وبنيتة الحلوة عندنا. مايصير تنامون أقعدوا بنسولف سوا . "حضنت كف نورة بتملك وهي تناظر بنتها ميس بطرف عينها". يلّا إتركينا انا وبنيّة اخوي المزيونة بعرف احوالها. "حضنتها بتردد وهي تشمّ فيها ريحة أخوها المفقودة من أعوام، فقدت وجوده وروحه الهادية الطيّبة، حنيّن وليّن الجانب بعيد عن القسوة والغِلظة". سكنت نُورة بجمود وتحس بقلبهآ يتنفض بين ضلوعهآ من إحتواء هيلة لها. فقدت هـ الحضن الأمومي، حست بكبر حضنها من حلاوة الشعور ما كأنه جسد ضئيل إللي يحتويها. حسّت إنه وطن كبير، غاصت في حضنها وهي تدور حضن أمها المفقود. حست بدموعهآ تخونها ومرارة الغصة بحلقها، فقدت الأمان والدفء بموت أمها. وحسّت هـ الامان لوهلة عاد ولما إحتوتها هيلة. حست فيها هيلة وهذا كان مُبتغاها،تعرف حاجة البنت العظيمة لأمها. وتعرف حاجة نورة لها، خصوصاً إن ماعندها لا اخوات ولا اخوان. نوت تتقرّب وتكسر الحاجز وتحتويها زي وحدة من بناتها،وتعوّض الفِقد إللي يكتويها كل ليلة. أشرت لبناتها يخرجون من الصالة لتختلي مع نورة براحتها. رفعت راسها وحضنت وجههآ بين كفوفها، رفعت راس نُورة بقوة من خجلها وهي تحاول تدنق راسها. تتهرب من نظرات هيلة. همست هيلة بنبرة خالجتها الحنيّة للأعماق وهي تمسح دموع نُورة: أعرف وش إللي كسر قوّتك وخلاك تضعفين وتبكين. لكن إنتي بنتي وانا أمك، أعتبرتك وحدة من بناتي وإنتي صغيرة. فتحت فمها بتكمل حكيها بتتحدّث عن السر المدفون من 18 سنةوماحد يعرف به غير أبو نورة وأمها، لكن بترت حكيها لما تذكرت رغبة أبوها الشديدة في إنها ماتقولها ولا تقول لأحد. ولهذا السبب كانت تحس بحنين لنورة كثير لأنها بإختصار بنتها بالرضاعة. تبسّمت وهي تبوس جبينها: يلّا يمة قومي العشاء جهزوه في غرفة الطعام. ° ° ° "في مكان ثاني-قرية الهضبى". جالسين على الجبل بمنطقة مستوية خالية من الصخور. فارشين فرشتهم ودلة القهوة بينهم والتمر. كل ليلة إعتادوا على القعدة في هذا المكان يسامرون الليل. مضغ التمرة بهدوء وعينه على أحد البيوت المُظلم وطافية كل انواره. تكلّم صديقه عمّار وهو ينسدح على التكاية ويتأمل بالنجوم الواضحة بدقة بسبب الظلام: إييه يافلان مابقى غير إنا وانت في هالديرة، كلهم أفلحوا يدرسون امّا انا لاهيني الحلال وابيع واشتري منه، لكن انت لادراسة ولا حلال ماتقولي كيف تصرف على نفسك. إلتفت له وبنبرة تساؤل بانت ببحته الرجولية الثقيلة وكأنه ماسمع ولا حرف من اللي قاله عمار بسبب تفكيره: عمار شفت العم سيّاف صلى معنا المغرب او العشاء ! جاوبه بالنفي وهو يحط كفوفه تحت راسه على التكاية: لا ماشفته بس كأني سمعت أبوي يقول انه مشى قبل المغرب للمدينة أخته تعبانة بيزورها. حرك راسه بالإيجاب وبراسه لمعت فِكرة وبهمس: اها. وقف المجهول وهو يدخل بكت السجاير في جيبه، أعطى عمار قفاه وبهدوء : انا بفلح للبيت سرا بي النوم، وانت الحقني اصحك ترقد في الجبل تجيك الكلاب. مشى ولما بعّد عن عمار انحرف وغير طريقة، اندس خلف صخرة كبيرة وهو يحتري عمار يروح. بعد ثواني وقف بعد ماراح عمار وهو يتلثم بالشال ويرفع كاب جاكيته الجلد الاسود على راسه مخفي ملامحه. مشى بحذر لبيت سيّاف وقف عند شباك غرفة نورة إللي حافظه صمّ. المكان كان مُظلم وبيت سيّاف مو بوسط الحارة قريب من الجبال. ضرب الشباك الخشب بخفة وهو يناديهآ بهمس، ماسمع لنداءه جواب. رجع يضرب وينادي مرة ومرتين لحد مايأس. عض شفته بغبنة كان متأمل انها ماراحت مع ابوها، لكن خاب ظنه. نزل الشال البيج عن وجهه إنحنى وهو يتناول قطعة فحم مرمية عـ الارض مع. كومة اعواد حطب محروقة. مخلّفات نار. ثبّت الشال على ركبته وهو يكتب بسجيّته. " إشتقت لك بالإمس واليوم مشتاق وباكر إنّ شفتك يزيد إشتياقي لجلك زاد الحب وزادت الإشواق وزاد من بين الضلوع إحتراقي الله جمع فيك الحلاوه والأخلاق مثلك لو دوّرت ماني بلاقي ". طبق الشال بترتيب، فتح ضرفة الشباك بصعوبة. فاحت ريحة عِطرها وداعبت أنفه زادت من لهيب شوقه تعوّذ من الشيطان وهو يرمي الشال على فراشهآ. ليتهوّر ويكسر أبو الشباك ويخش ويحضن ملابسها. ° ° ° "شقة رياض ولينا". سكر باب الشقة وقفله رمى المفتاح على الكنب وتلاه بجاكيته. توجّه للمطبخ وهو يشرب مويا، خرج من المطبخ رفع صوته يناديها. فزّت وهي تشد على شماغه بعد ماسمعته يناديها ويكرر نداءه. وقفت بتخرج له وتراجعت كم خطوة وراها. جلست على فراشها بحلطمة وتوبيخ لنفسها:غبية إنتي ماصدقتي على الله يناديك ! بتركضين له زي الهبلة. "عضت سبابتها وبحيرة ممزوجة بخجل". بس انا إللي ناديته، اُف مني غبية. أستغرب منها تتصل عليه تطلبه يجي ولما يجي مالها حس. معقولة تكون نامت ! حرّك اكتافه بلا مُبالاة وهو يتوجه لغرفة الملابس. بدل ملابسه وإكتفى بشورت أسود توجه للغرفة إللي تنام فيها. اول ماسمعت صوت الباب يفتح تجبّست مكانها وغمضت عيونهآ بربكة. وتحس أطرافها ترتجف من برودتهآ. وقف مقابل الشباك ازاح الستارة وأخذ يناظر الشارع بإنسجام. الشوارع شِبه مظلمة الّا من الإنارات الاورنجية وإنارات المحلات. وضجيج اصوات السيارات والبواري يوصله من دون حواجز. سكر الستارة وهو يتوجه لفراشهآ ٲلمبسوط على الارض. ومايسع الّا لفرد واحد، رفع اللحاف وهو ينخش معها يزاحمهآ. تلحّف وهو يدفن وجهه في شعرهآ ويشمّه بإستمتاع. حاوط خصرهآ وشدهآ له ، رفع راسه ومال بوجهه ناحيتهآ. مرر شفايفه على خدهآ بنعومة ومغمص عيونه وبهمس : ياعيّارة تتصلين علي تناديني ولما أجي تتهرّبين مني، أدري إنك صاحية اطرافك وانفاسك فضحتك. ختم كلامه بقُبلة عميقة على طرف ثُغرها وصدره على ظهرهآ. غمضت عيونهآ بققوة من الدفئ آللي حاوطها بحضنه. لفها له أخذ يتأمل ملامحها الخجولة والمرتبكة بنشوة رجوليّة. وكطبيعة معظم الرجال تفتنهم الانثى الخجولة ويأسرهم الخجل. حاوطهآ بيده اليسار وهو يشدها له بسبب صغر حجم فراشهآ صاروا جسدين ملتصقين في بعضهم. مرر سبابته على ملامح وجههآ وهمس بعذوبة وإنفتان في خجلهآ وعيونها اللي تصد عنه: "هل تسمحين ! بأن ينام على جفونك لحظة طفل يطارده الخطر. هل تسمحين لمن أضاع العمر أسفاراً بأن يرتاح يوماً . بين أحضان الزهر ! "لـ فاروق جويدة". ° ° ° "بيت هيلة". جالسين في الحديقة المطلّة على المسبح ناثرين الخُداديات الزيتية والبيج بينهم وجالسين عليهآ. والقهوة وأنواع الحلويات بينهم بطريقة مرتبة مُتناسقة. تكلمت ميس بحماس وهي تفرك كفوفها ببعض: ياخي ودي أتسبح من قلب ! طز في البرد ابغى أسبح بس والله ياويلكم قلتوا لأمي. إلتفتت شوق لنورة وهي تلعب بخُصلات شعرها وبنبرة غرور وإغاضة لنورة: وإنتي يانورة ماودك تشاركين ميس في خبالها وتسبحين. إكتفت بالصمت نورة وحركت راسها بالنفي ومبتسمة. تكلمت شوق بتمثيل وتفاجئ: أوه ليه ماتبغين تسبحين ! اها يعني عشان ماعندك لبس غير هذا إللي عليك ماتقدرين تسبحين. "وأشرت بسبابتها على لبس نورة بقرف". ميس وهي تضرب صدرها بكفها : إذا ماعندها غير هذا اللي عليها وماجابت معها إحتياطات انا اعطيها تفديها ملابسي كلها. إبتسمت نورة بوّد وهي تزيح خصلات شعرها المتمرّدة وتداعب وجههآ بخفة: لا مو عن كذا بس ماعرف أسبح. تعالت ضحكة شوق بسُخرية وهي تضرب كفها بكف أختها عبير تكلمت شوق وهي حاطة يدها على بطنها من الضحك وموجهه كلامها لأختها عبير وبصوت متقطع من الضحك:سمعتيها شتقول ماتعرف تسبح، أخ يابطني يحق لها قروية مب متعودة على المسابح حدها لا جاء المطر سبحت في البركة. بلعت ريقها نورة بصعوبة وهي تبتسم بفشلة تداري سخريتهم. حست عليهآ ميس ووقفت ومدت يدها لها. مشوا مبتعدين عنهم ووصلهم صوت شوق الساخر: إيوا خذيها معك علميهآ كيف تسبح هـ القروية. حضنتها ميس من جمبها وباست خدها: ماعليك فيهم طنشي كلامهم، هذا حالهم مع الجميع لايضيق صدرك. إبتسمت لها نورة إبتسامة صفراء والتزمت بالصمت. ° ° ° "شقة رِياض ولينا". ¢ همست بنبرة منخفضة وقاطبة حواجبها بحزن : متى بتسافر ! إبتسم لها وهو يبوس جبينهآ: بعد يومين بإذن الله، وكانت النيّة البحرين لكن حولنا على ألمانيا. بلعت ريقها بصعوبة : ألمانيا ! ليييش ! أومى راسه بالإيجاب وبهدوء: ماني مطول إن شاءالله اسبوعين وراجع، لكن بكرى عايلتنا طالعة البر، جهزي نفسك بنخاويهم. عقدت حواجبهآ والزعل رسم خطوطه على تقاسيم وجههآ. زمّة شفايفهآ وبنبرة ترجي: مابغى نخاويهم الله يخليك. مسح على خدهآ وبتساؤل: ليه ماتبغين نخاويهم ! ليكون خايفة من الكلبة بنت عمي ! صدت عنه بنظراتها وبغضب: مابغى نخاويهم واقابلها وتجرح فيني بكلامها، بكل مرة اخرج معهم كلامها سكاكين في صدري مابغى نخاويهم . باس جبينهآ وبنبرة تهديد وهمس: ماعليك بنروح لكن والله إن وصلتك بكلامها لأدبغها دبغ انا بنفسي ولا حشيمة لعمي ولا لعياله، خليها علي بس. إبتسمت من كلامه إللي حسسها إنها مو وحيدة وإن لها سند وعون يحميهآ. ° ° ° "بـ صباح يوم جديد- في مجلس الرجال". ¢ تكلم زوج هيلة فهد بهدوء وهو يتناول فطوره مع سيّاف: الوضع ياخوك مايصلح لمتى هالقطيعة، أوصلوا ارحام بعضكم الحال مايرضي الله عز وجل ، عفى الله عمّ سلف إنت بادر بالصُلح وانا ترى قلت لهم يجوني بعد الفطور، بصلح بينكم. إلتزم الهدوء سيّاف وكان جوابه الصمت، كمّل فطوره بهدوءه المُعتاد. يعتبر اخوانه مثل الغُرباء فقط يبادر بالسلام لكن ولا يمكن يسامحهم لحد مايرجعون له كل إللي سلبوه منه. همس سيّاف بهدوء وهو يمسح يدينه في بعض ويمسح فمه بالمنديل: يصير خير. ¢ أمّا عن الحريم فكانوا جالسين في الحديقة يفطرون وجو الصباح البارد يبعث في نفوسهم الأمل. كانت جالسة بين عمتها هيلة وميس تفطر بهدوء وتتحاشى نظرات شوق وعبير. وهمساتهم المليانة سخرية عليها. الجو كان هادي جداً تداخله اصوات العصافير واصوات إرتطام الملاعق بالصحون. شرقت هيلة بحليبهآ من اصوات الرجال المُرتفعة الصادرة من المجلس. وقفت وهي تمسح فمهآ بالمنديل وتردد: اللّهم اجعله خير اللهم اجعله خير. ناظرت في بناتها بخوف وهي تشد على جلابيتها الزيتية واللؤلؤي: يادافع البلا وش صاير عند ابوكم في المجلس، لطمت خدودها وهي تسمع اصواتهم تزيد وصراخ. بكت نورة بخوف وهي تميّز صوت أبوها المرتفع والنادر إرتفاعه. السالفة ماهي بسيطة، ركضت بغير وعي لا حجاب ولاشيء لمصدر الصوت. ودموعها تلامس خدودها. ركضت وراها ميس وهي تناديهآ وتحاول تلحقها وتمسكهآ لا تخش على الرجال. اخذت تركض بغير وعي تتبع مصدر الصوت وتبكي: أبوي والله أبوي. فتحت المجلس بقوة لامست رجولهآ نصف المجلس، إلتفتت حولها وهي تمسح دموعهآ بظهر كف يدها بعشوائية وتتفحّص الرجال إللي يناظرونها بصدمة. صد عنهآ فهد زوج هيلة واعطاها قفاه واضح إن البنت ماهي بوعيها من خوفها لما دخلت عليهم. ركضت نحو أبوها وهي تتعلق بذراعه وترجع تبكي: يٌبه شفيه ! ناظرت عمانها والهدوء إللي عمّ المجلس بدخولها. غافلة عن الرجل إللي بنهاية العشرين مرسّم وجالس بهدوء متجاهل نقاشهم إللي اول. سحبت أبوها من يده لبرا بطفولة همست بنبرة مرتجفة من البكي: يُبه يلا إمش معي خلنا نطلع من هـ البيت تكفى. حضنهآ أبوها ودفن وجههآ بصدره إلتفت عليهم وبنبرة عُتب لفهد: لو كمّلت جميلك وضيافتك أفضل لك. "ناظر أخوانه بتهديد ورافع سبابته بوجههم". بيني وبينكم الله بيقّتص لي وياخذ حقي ، لكن أبعدوا عن طريقي انا يمين وأنتم يسار، لا تعرفوني ولا أعرفكم. وقف برا المجلس باس راسها وهو يمسح دموعها يهديها. مسح على شعرهآ وبحنيّة: قومي يابوك روحي جيبي عباتك بنرجع الديرة، مالنا قعدة. مسحت وجههآ بأناملها وبنبرة خوف على ابوها: يُبه وشفيه وش صاير ليش كانت اصواتكم مرتفعة، خفت عليك كثير. إبتسم بحب وهو يبوس جبينهآ مرّة ومرتين: يابعد عيني سالفة بيني وبينهم يلا ٲستعجلي جيبي اغراضك. ° ° ° "على حدود منتزة البيضة-رِياض ولينا". ¢ إلتفت لها وهو يشوفها تتثاوب وتحط يدها على فمهآ، إبتسم على براءتها وهي تفرك عيونها تحاول تصحصح: فيك نوم ! جاوبته وهي تتثاوب: لا . ضحك وهو يمد يده ويحضن كفهآ البارد: وإللي تتثاوب ! شهقت بتمثيل وهي تضرب صدرهآ وتلتفت له: ياخرابي مين نعسان ! مين إتثاوب ! ضحك بققوة وهو يمط خدهآ: ياعيارة ياعيارة. تجرأت وشدّت شعره من شعر يده بقوة. شهق بألم من نزعتها لشعرته: ياورعة وش سويتي ! ضحكت بققوة وشغب طفولي وهي تناظر بشعرته إللي بيدها. إلتفت لها بغضب مُزيف وعاقد حواجبه: قد هـ الحركة ! قمطت وبلعت ريقهآ وبضحكة خوف: هاه أمزح قسم . لبّق السيارة على جمب وطفاها، إلتفت ناحيتها وحاد نظراته بغضب مُزيف. شد شعرهآ من تحت شيلتها وقربها له: قد حركتك إللي أول ! تساومين على شعرك كله هاه ! حطت يدينها على يده تحاول تفك قبضة أصابعه وبضحكة: رضرض تكفى فك شعري والله أمزح. شد شعرهآ لفوق ورفع راسها وعاقد حواجبه بغضب: رضرض خير ! ورع عندك وش هالدلع تسنّعي ياحرمة. ضحكت بقوة على روقانه اليوم، نزلت نظرها بخجل بعد ماحسّته فاغر فيها يتأملها. همس بعذوبه وهو يعض طرف شفته: تعالي نعنبو إللي مايخمّك تعالي. شدها له حضنهآ بقوة، دفن وجهه في رقبتها الدافية. غمض عيونه بلذة عِشق تسري في ضلوعه. ابعدها وسند ظهرها على الدركسون، حك أنفه بأنفها وهو مبتسم: من إبتسامتك تنولد حياة، وتشرق القلوب المسودّة مثل ماتشرق الأرض بشمس ربّك. إكتفت بالسكوت وعلى ثُغرها إبتسامة خجولة، مدت يدها وحضنت كفه . رفع حواجبه لهآ وإبتسم بنذالة وهو ينغز خاصرتها. نقزت من نغزته وهي تضحك، ٲخذ ينغزها مرة يمين ومرة يسار. وهي تفز بشكل مُضحك، فقع ضحك وهو ينغزهآ بشكل سريع. ضربته بكفوفها على صدره وهي فاقعة ضحك، تحاول تجمع كلمتين على بعض تطلبه يوقف لكن ماهي قادرة بسبب ضحكهآ. قربهآ منه وحضنهآ وهو باقي يضحك وينغزهآ، صارت تتحرّك بحضنه وهي تضحك وتترجاه يوقف. وهو مستمر بحركته مستمتع بضحكتهآ. باس جبينهآ بعُمق وهو يهمس بروقان: يديم لي هالضحكة يانُور عيني. جاء بيبعدها عن حضنه بيكمل السواقة، لكن حس فيها تشد عليه . فتح القزاز وهو يسند ذراعه عليه ويتأمل الجو من حوله. إنكمشت وشدت عليه من فتحته للقزاز لفحتها نسمات الهواء الباردة. همس وهو يمسح على ظهرها وساند فكه على راسها: بردانة ! أومئت راسها بالإيجاب وهي تشد عليه، حضنهآ بإيدينه الثنتين وكأنه بيدخلها جوات ضلوعه. الجوء هادي جداً طريقهم طريق سفر وماحد يمر فيه كثير. والشمس إللي دوبها أشرقت وببداية الصباح. سكر النافذة، وهو يبعدها بشويش عنه باس راسها مرّة والمرة الثانية تعمق وهو يبوسها. همس بحنيّة وهو يمسح على شعرها: إرجعي لمقعدك يابوي بنكمل طريقنا لا نتأخر، وياوصلنا ونصبنا خيمتنا أروي ظما شوقك. ° ° ° "سيّاف-نُورة". لبعد ماقطع مسافة طويلة وهو ناوي يخرج من المدينة للقرية. إنحرف وغيّر طريقة، لحاجة في نفس يعقوب. لفت له نُورة وهي تربط عُقدة نقابها إللي انحلّت وبنبرة إستغراب: يُبه ما كأننا رجعنا المدينة ! جاوبهآ بنبرة منخفضة مليانة وقار وهو يقولب المسواك بفمه: ايه يابوك عوّدنا للمدينة، ودي أقابل مدير الشركة اللي اشتغل فيها . تكلّمت وهي تضغط على اصابعهآ وتناظر في الشوارع المزدحمة: تعرف بيته ! قطب حواجبه أبوها وصغر عيونه بتفكير: إيه اذا مانسيته خابره، ماهو ببعيد. حطت يدها على خدها وبنبرة تساؤل: يُبه ليش تعالت اصواتكم اليوم في بيت عمّتي هيلة، ومو من عادتك صوتك يرتفع، اصلاً حتى ماكملنا فطورنا ولا ودعت عمّتي خرجنا كذا ليه ! جاوبهآ بهدوء وغموض : لا تدخلين عصّك ف شيء مايخصك، أمور كبيرة لاتدخلين فيها ولا تحاولين تنبشين فيها، خليك بعيدة. أومئت راسها بهدوء وإلتزمت السكوت، حاسة إن صاير وراها أمور كثيرة هي جاهلتها. لكن مصير الامور وتبان ومصير الليالي المُظلمة تبصر النُور. ° ° ° "بمكان ثاني- عند يوسف". ناظر ساعته ألجلد البُنية إللي على مُعصم يده وهو يدندن بصوت منخفض. ماسك خط المدينة، وقرّب يوصل . راحت عليه نومه ولا راح للشركة بحكم إن الويكند يوم الجُمعة فقط. والسبت دوام، أخذ نفس عميق وهو يقفل جواله المليان إتصالات من الموظفين وعنده اليوم إجتماع مُهم. مسك الدركسون بإيديه الثنتين ومُبتسم بنشوة حماس وروقان وهو يدعس عالبنزين متوجّه لبيتهم. مسح على عوارضه وبنفسه يتساءل متى يتوجه لقرية الهضبى بـ الشاحنة. خير البر عاجلة. ° ° ° "مُنتزة البيضة". تنهدت بتوتر لما وقف السيارة ناظرت في أهله وكانوا جالسين على قطايف. مفروشة الحريم لحالهم والرجال يبعدون عنهم بمسافة. وبينهم ثلاث سيارات زي الحاجز عشان ياخذون راحتهم الحريم. والصغار كانوا فارشين لهم قطيفة بقرب الحريم. دخل جواله ومفتاح سيارته بجيوب ثوبه ، سحب جاكيته من المقعدة الخلفية بينزل. عقد حوابه بهدوء وهو يشوفها تفرك يدينها في بعض. حضن كفوفها الباردة بكفوفه الدافية و بهمس: علامك خايفة ! ماودّك بقعدتهم، واذا بك تستحين أهلي موجودين وأمي هي أمك وانتي ادرى بمعزتك عندها. بلعت ريقهآ بتوتر وهي تناظر عيونه بخوف ودها لو تتمسك فيه ولايتركها لحظة. إبتسم وهو يعدّل نقابها من جهة عيونها ويبوس جبينها: لاتخافين بعد عمري يلا إنزلي لا نتأخر شوفيهم يناظرون يمّنا مستغربين مانزلنا، واذا احد ازعجك بس إرسلي الصغار ينادوني طيّب ! إبتسمت بربكة وهي تحرك راسها بـ الإيجاب وتدخل جوالها بشنطتها البُنية. نزل وسكر الباب إتجه يمّها حضن كفها وأخذ يمشي بها لجهة الحريم. مع إن المسافة ماهي ببعيدة وتشوفهم قراب منها لكن حبّ يوصلها. يحسسهآ بـ الأمان طِفلة وكثير خوفهآ، أوقات يحس إنها إخته الصغيرة من خوفها مو زوجته. أعطاهم قفاه صاد نظره عنهم وهو يوصّي أخواته عليهآ. ركن السيارة أمام الباب الرئيسي ونزل يدق الجرس، ثواني وفتحت له الخدامة ودلته عـ المجلس. أخذت تتأمل بالحي الفخم اللي كلّه فُلل فخمة وأنيقة تدل على ثراء أصحابها. عضت إبهامها من فوق نقابها بعد مامرّت ربع ساعة ولا بيّن أبوها. إنتبهت على الخدامة الواقفة على الباب وتأشر لها بيدها تجي. عقدت حواجبها بإستغراب وطنشتها، تناديها الخدامة وليش ! حركت راسها الخدامة بأسى وهي تتوجه لها وتضرب قزاز النافذة إللي يمّها. بمفاصل أناملها وعلى ملامحها الغضب. فتحت باب السيارة وبنرفزة: خير وش عندك تنادين ! جاوبتها الخدامة وهي تمشي راجعة للبيت: ماما يقول أدخلي. ميلت شفايفها بحيرة من طلب أم يُوسف وهي تنزل من السيارة وتلبس شنطتهآ. ثواني قليلة ووقفت مقابل سيارة ابوها سيارة فخمة بـ اللون الأسود. نزل منها وهو يلبس نظارته الشمسيّة وماسك شنطتة السوداء إللي تضمّ بداخلها اوراق ومستندات مُهمة. بلع ريقه ببطء وهو يناظرهآ بصدمة وعدم إستيعاب، شد من قبضته على باب السيارة إللي ماسكه وهو يحاول يهدي ربكته. نفس البنت إللي قابلها بـ قرية الهضبى، قضى ايام وهو يخطط كيف يشوفها والحين قدام عينه. شدت على نقابها من تحت من نسمة الهواء إللي مرّت ولفحت حجابهآ. ناظرته بحدّة من فهاوته فيهآ وجموده عن الحركة وكأن مافيه بـ الوجود غيرهآ. باست يدهآ وجه وقفى وهي تهمس بسُخرية وتتجاوزه لداخل البيت: الحمدلله والشكر رجال أخر زمن، ريشة من خفتهم يادافع البلا. فتح فمّه بذهول ومُبتسم بغباء على كلامهآ، ثواني وإعتلت صوت ضحكته. حك دقنه وهو يسكر الباب ويدخل البيت: عوبا والله. • أخذت تمشي لداخل البيت بذهول من الحديقة الكبيرة والمليانة بـ الاشجار الخضراء والورود. ماتوقعت إنها بيوم بتشوف هـ المناظر بالواقع. وعاها من سُرحانها حفاوت أم يوسف إللي حضنتها وقابلتها بـ السلام الحار. بحكم شخصيتها الراقية، والعطوفة. فهّت فيهآ خمّنت إنها منتصفة الأربعين لكن جسدها وهيئتها هيئة فتاة عشرينية. من جلابيتها الفخمة والانيقة وشعرهآ المموج وملامحها الجميلة البريئة. مسكت كفهآ وهي تدخل فيها للصالة الرئيسية إللي ماكانت تقلّ فخامة عن تصميم البيت من الخارج. آبتسمت لها بروح جميلة وهي تصب لها قهوة وتمدها لها وتجلس جمبها: قالت لي الخدامة إنك في السيارة تنتظرين أبوك إللي يبغى يُوسف، وإتصلت على يوسف وكان في الطريق ماوصل وارسلت لك الخدامة تناديك، ماهي بحلوة تقعدين في السيارة وبيتنا مفتوح لك. فتحت فمّها بتتكلم بطفاقة بتقول إن فيه رجال وهي داخلة قابلها لكن سكتت، ورحمها نقابهآ إللي كان باقي على وجههآ. نزلت نقابهآ وبدت ترتشف قهوتهآ ومبتسمة بهدوء لأم يُوسف. وغارقة بتفكيرهآ، رجعت بها ذاكرتها لورا حيل للوقت إللي قابلت فيه الرجال إللي كان يحط الاغراض على باب بيتهم. واللي جاب لها الفستآن، حللت الأمور براسها وتوصلت "إن فاعل الخير"هو يوسف. حست بشعور خجل غبي، إنها إرتدت الفستان إللي جابه لها ولمسته إيدينه قبلها. ° "بـ مجلس الرجال- عند يوسف". دخل المجلس بعد ماقالت له الخدامة عن سيّاف إللي ينتظره من وقت. باس راس سيّاف بإحترام لكبر سنه: أسف ياعمّ تحيّرت عليك كثير لكن دوبي جاي من جدة، هذي جلستي. إبتسم سيّاف بود وهو يمسح على كف يوسف: لا يابوك زين إللي جيت، توقعتك تكون في الشركة وطلبت من الخدامة تتصل عليك تقولك تجي، وانا باغيك بموضوع مهم وكلمة راس ولهذا السبب مارحت للشركة أقابلك فيها. إعتدل يوسف بجلسته وهو يترك فنجال قهوته عـ الطاولة وبنبرة حزم وفزعة وهو يضرب كفه بصدره: إزهلها ياعمّ، أمر وأطلب . ° ° ° "مُنتزة البيضة". إبتسمت لينا بمُجاملة وهي تحس بتقيؤ بسبب سوالفهم الماصخة. واللي تعتبرها غير عقلانية وتنبئ عن سخافة عقل. وقفت وهي تنفض عبايتهآ وتتوجه لجلسة الحريم. حامت كبدها من الجلسة مع البنات كل وحدة تستعرض بحاجاتهآ وسفريّاتها. تكلمت بهمس وهي تحرث الرمال برجلهآ بنرفزة: أكل ومرعى وقلت صنعى. جلست جمب مريم"أم رياض" وهي عابسة بطفش. حضنتهآ مريم وبإبتسامة: هلا بـ بنيّتي لينا، ماطابت لك القعدة مع البنات. حركت راسها بالنفي ببراءة وبهمس: سوالفهم ماصخة، طفشت منهم. ضحكت وهي تمد لها زبديّة التمر والقهوة: تقهوي يمّة ماعليك فيهم. إلتفتت حولها وهي تمضغ التمرة تدوره بعيونهآ همست لمريم: عمّة رياض ماشوفه مع الرجال ! جاوبتها مريم وهي تمدد رجولهآ وتضغط بكفوفها على فخوذها: رياض هو وإثنين من عيال عمه ورا هـ الخيام يذبحون الذبايح. ناظرت في الخيام المنصوبة وكان عددها حول الـ5 خافت ليكون نومها مع البنات مو لحالها مع رياض: عمّة هذي بس الخيام ! جاوبتها مريم وهي تنسدح على التكاية وتغمض عيونهآ: إيه هذي بس، الرجال لهم خيمة والشباب خيمة، والحريم خيمة والبنات خيمة، والخامسة لأغراض الطبخ. كشرت وهي تدف زبديّة التمر بعيد عنها وكأنها تفرغ غضبهآ فيها. وقفت وتوجهت للصغار إللي كانوا يلعبون كورة، نادت واحد منهم وأرسلته لـ رياض. وبعد إلحاح جاها رياض. شافهآ واقفة ومتخصرة وتضرب الأرض برجلها : اللّهم اجعله خير معصبة بقوّة. وقف مقابلهآ وهو مشمر أكمام ثوبه البُني وعلى كفوفه وثوبه أثار دم الذبيحة. حرّك راسه وهو يناظرهآ: همم شتبغين ! بوزت وهي مب عارفة كيف تصيغ له كلآمها. همست بضجر وهي تحرث الرمل بـ رجلهآ: رياض مابغى أرقد مع البنات، يكفي حامت كبدي منهم الحين همم بعد أشاركهم النومـة،لا ماقدر الله يخليك. عقد حواجبه وهو يفرك كفوفه ببعض يزيل الدم الجاف: شسويلك طيّب، هذا نظام التخييم، ليـه يعني بتصير لنا خيمة لحالنآ ! ياكثر المتزوجيين إللي معنا مابينا فرق، تعوذي من الشيطان وإرقدي معهم. ضربت صدره بكفهآ وهي تمسح دمعتهآ إللي تمردت: لا مابغى أصلاً من البداية قلت لك مابغى نخاويهم وإنت اصريت نروح. تأفف وهو يمسك كتوفهآ بيدينه: ركزي معي الله يخليك لي، مايضر ترقدين معهم ياعمري إنتي ليش كذا خوافة الموضوع مايستاهل إنك تزعلين وبعد تنزل دموعك عشآنـه ! لينا يرضا عليك لا تشغليني معك. مسحت دموعهآ بعشوائية وتنهدت صدت عنـه وثم رجعت ناظرته وبنبرة مخنوقة: طيب بنرقد في السيارة ! فتح عيونهه على وسعهآ وهو يدنق لهآ ويحط عيونه بعيونهآ: لينا عاد مو من جدك نترك الخيام ونرقد في السيارة، ورعة إنتي ! بوزت وعيونهآ تذرف دموعهآ همست ببراءة : ماقدر أنام الّا بحضنك. ضحك وهو يحضنهآ ويرفعها لمستواه: أدري فيك ماترقدين إلّا بحضني لكن أبشري يانظر عيني. ضحكت بخجل وهي تدفن وجههآ برقبته متجاهلة وضع المكان إللي هم فيه. بعدها عنه بخفة ، ناظر عيونهآ وبجدية: خليك هنا لاتتحركين، بروح السيارة أغير ثوبي اللي عدمه الدم، وأجيك نمشي سوا دام الجلسة ماهي بطايبة لك. أومئت راسها بـ الإيجاب وهي تجلس على الأرض تنتظره. ° ° ° "بيت أبو يوسف- مجلس الرجال". ¢ تنهد سيّاف وهو يشبك أصابع كفوفه ببعض، رفع نظره لـ يوسف وبنبرة هدوء : انا رجال وطاعن في السن، وماعندي غير بنت وحدة لا أخوان ولا أخوات وبيني وبين عمّانها مشاكل ماقدر يمحيهآ الزمن، واليوم تجددت هـ المشاكل. " تنهد بهم وثُقل عظيم على صدره وهو يناظر في يوسف إللي يستمع له بإنصات، رسم الحُزن خطوطه على ملامحه وبنبرة ثقيلة". وانا يابوك صحتي هـ الفترة ماهي بالحيل وانا خايف عليهآ منهم، خايف لا ياخذ ربك أمانته وتبقى وحيدة ويكسرون ظهرهآ يزوجونهآ واحد منهم. "مسح وجهه بباطن كفوفه بهم وإسترسل بكلامه". وغير عن ذا مشكلتي مع جارنا أبو مساعد، خايف لايضيمها الزمن من بعدي. وضع يوسف كفه على فخذ سيّاف وبنبرة حنيّة ونخوة وكأنه عرف مُراد سياف: انا حاضر باللي أقدر عليه، أنا ولدك إللي ماكتبه الله من صُلبك. إبتسم سيّاف بشحوب وبشُكر: الله يرضا عليك حيث مالقيّت وجهك، أنا مجهز خطة في راسي وأبغى تساعدني فيها بس. . ° "تمام الثامنة مساءً- بيت أبو سيّاف". ¢ جالسة على عُتبة السقيفة ورجولهآ تلامس رمل ألحوش. وراسهآ على رُكبها تتأمل أبوها الجالس على بُعد مسافة ويرتب شنبه، يحلّق ألمايل على فمه. وتقولب الأفكار براسهآ ومليون سؤال يضرب بذاكرتها ياتُرى إيش إللي دار بين أبوها ويُوسف. حركت أكتافها بلا مُبالاة وبرود تكلّمت وهي تجر في الحروف: يُبه بتروح العشاء ! جاوبهآ أبوها وهو يمرر سبابته على شنبه ويناظر المراية الصغيرة إللي بيده: إيه يابوك لزوم أروح، لكن إنتي بتروحين ! وقفت وهي تتثاوب وتطبق كفوفهآ ببعض بضجر: لا مافحالي أروح ملّيت يُبه مناسباتهم وعزايمهم حقين القرية ماتخلص، بروح أرقد مابعد ريّحت تعبت اليوم. خشت غرفتهآ ووقعت عينهآ على الشال المرمي على فراشها. زمّت شفايفهآ بنرفزة وكأنها خمّنت حقيقة هـ الشال. جلست على فراشهآ بإرهاق فتحت الشال وقرت الكلام المكتوب بـ عيونهآ وبشكل سريع. تأففت وهي تضرب الشآل بـ وسادتهآ وبهمس: سخافة. بعد مامرّت دقيقتين وأكثر خرجت من غرفتهآ، طلت براسها تدور أبوها وتنفست الصعداء ماله أثر يعني خرج للعزيمة. توجهت للسقيفة وهي تدعي إن الجمر باقي ما إنطفى كلّه. جلست بقرب الجزّة إلمليانة جمر بعضه صار رماد وبعضه باقي محمّر ويلتهب. بعدت الدلة من فوق الجمر وهي ترمي الشال بوسط الجمر. وتمسك خيزرانة أبوها وتحرك الجمر على الشال ليحترق بسرعة. ثواني قليلة وشتعلت النار في الشال، زحفت لعند الجدار وستندت عليه. وحاضنه رُكبها لصدرهآ، تأملت الشال وهو يحترق بعدم إكتراث وطفش من الأشعار الغزلية المجهولة المصدر. تشوف إنه من غير المعقول والمنطق تميا لرسائل وأشعار غزلية وهي تجهل مصدرهآ. وكلها إيمان إنّ اللي يحبها بصدق يجي من الباب مو من الشباك. وإذا هو يبغاها بيجي لأبوها ولا بيسلك طريق الخفى. وقفت متوجهه لغرفتهآ ثواني ورجعت وهي تكب الرسال الورقية على الجمر. تأملت في العقد إللي بين أناملهآ بين دوامة وحيرة يكون مصيرة مصير الاوراق تتخلّص منه أو تحتفظ به. شدت قبضتهآ عليه وهي تحطه بجيب جاكيتهآ لأمر جهلت سببه. ° ° ° "مُنتصف الليل-منتزة البيضة". ¢ سحبت جاكيتهآ وثبته على كتفهآ، أخذت تمشي بحذر لاتوطى على البنات الرقود على الأرض والخيمة يعمّها الظلام. وقفت برا الخيمة وهي تدوره بعيونهآ وفكها يرتجف من البرد. قال مابيرقد ويتركني أرقد مع البنات، أكيد مابيسحب علي. بوّزت بزعل وهي تمشي بتهور لسيارته، جلست جمبهآ والخيام قدامهآ. حضنت نفسهآ من البرد الفضيع وأطرافها تجمدت. الجو جداً هادي فقط تدوي اصوات الكلاب ألجاية من بعيد. بكل تهوّر خرجت وجلست يمّ السيارة ولا أحد صاحي، حتى الرجال رقود. سندت راسها على السيارة وتدريجياً غفت بلا شعور. دفن راسه بـ الوسادة متنرفز من صحوته، أصوات الكلاب أزعجته. سمع أصواتها تقترب من خيامهم، فتح عيونه وهو يتعوذ ويستودع أهله كلهم. ضرب كتف سلمآن ولد عمه لين صحى، همس له بتوتر: وين البندقية ياسلمان. جاوبه سلمان وهو يادوب يفتح عيونه ويأشر لزاوية الخيمة: شوفها هناك. أبعد اللحاف عنه وأعتدل جالس. مسح على وجهه وتنهد، خايف الكلاب تقرب أكثر وتهجم عليهم زي ماحصل قبل فترة. تناول البندقية ومشى لخارج الخيمة. طل براسه وأخذ يتفحص المكان من حوله يراقب الوضع. صغر عيونه وعاقد حواجبه تمتم بـ المعوذات وهو يشوفهآ جالسة بقرب السيارة وبقربهآ كلب جرو صغير ينبح بوجههآ. خاف لاتكون من سكان الأرض شد من قبضته على البندقية وهو يدعي إن شكه مايطلع صح. طلع من الخيمة ركض وهو يشوف الكلاب جاية تركض صوبهم وأعدادهم هائلة. "لينا". عقدت حواجبهآ من الانفاس الحارة إللي تلهث و تلفح بوجههآ. فتحت عيونهآ ببطء وإتسعت حدقة عيونهآ برعب، صرخت بكل صوتهآ. صرخة وصلت لمسامع ريآض إللي يركض لها وزاد خوفه عليهآ. ضرب الجرو بـ البندقية ورفسه بعيد عنه. ناظر في الكلاب إللي قربت توصلهم وتحسس جيوبه يدور مفتاح السيارة. طاح منه بربكه وأنغرس في الرمل، آنحنى وبسرعة إلتقطه. فتح السيارة وشدها من ذراعهآ بققسوة وعصبية. رماها في المقعدة الخلفية وجلس جمبهآ وقفل السيارة. سند مرفقة على رُكبه ووجهه بين كفوفه يتنفس بغضب ويهدي نفسه لا يكسر راسهآ. والكلاب صارت تحوم حول السيارة وتنبح. تكلم بنبرة حادة وتشديد: وش مطلعك الحين ! سكتت ماعندهآ رد وتضغط على أصابعهآ من الخوف. إلتفت لها وبغضب مسكها من كتوفهآ صرخ وهو يهزها: ليش طالعة وش عندك قوليلي، إشتهيتي تاكلك السباع تطلعين بـ هالوقت. "هزهآ أقوى وعروق رقبته برزت من العصبية". قوليلي وش مطلعك وش عندك ! "شدهآ ولصق وجههآ بـ القزاز وبصرخة: تبغين هـ الكلاب تتعشاك ! جاوبيني تبغينهآ تتعشاك طالعة لها. دفعهآ بققوة عنه وهو ينتفض من غضبه مسح وجهه ويدينه ترتجف. ضغط أصابعه على فمه وهو يناظر في الكلاب الهايجة، خاف لو كان مصيرهآ الكلاب. حطت كفهآ على كتفه وقربت منه، نفض يدهآ عن كتفه وملامح ألضيق إعتلت ملامحه بدل الغضب. قربت منه زود وحضنت كفوفه إللي ترتجف وبنبرة مرتجفة باكية: أسفة رياض. همس بـ غُبنة وجمود: وش ينفع به أسفك لو صارلك شيء ! حاوطت كتوفه ودفنت راسهآ في صدره وإلتزمت السكوت ودموعهآ بـ عيونهآ. وبالعة غصتهآ لا تجهش بـ البُكاء. تنهد وحضنهآ مسح على ظهرها بكفه إللي يرتجف. شد عليهآ بققوة وهو يهمس بـ عُتب: ليه خوفتيني عليك، ليه طلعتي. بعدت عنه وضربته على صدره وبنبرة زعل طغت على ملامحهآ البريئة: إنت قلت لي ننام في السيارة، ليه غيرت كلامك ! إبتسم وضرب جبينه: أوه وربّك نسيت ونمت أصلاً. إتسعت إبتسامتة بـ جاذبيه وهو يدفعهآ لـ ورآ. فصخهآ عبايتهآ ورماها بـ المقعدة الأمامية. ناظر من القزاز وكانت الكلاب مب فيـه، إلتفت لها وربت على كتفهآ: خليك هِنا. نزل وفتح الشنطة حقت السيآرة وخرّج منهآ لحاف خفيف. ركب السيارة وإنسدح جمبهآ، سند راسهآ على ذراعه وحضنهآ ورفع اللحاف عليههم. باس جبينهآ بـ عُمق ومحاوطهآ مخبيهآ بحضنه. مسح على خدهآ بأطراف أنامله مستمتع بـ نظراتهآ الخجولة إللي تتهرّب منه. قبّل طرف ثُغرها بنشوة عشق ضرب وتيرتهآ هدوء الليـل. همس بـ هدوء بإستمتاع بدفى السيارة ودفى أحضانههم وتسلل النوم لـ عيونهم: نامي يا رمش عيني. . . . 'صبـاح يوم جديد- شركة يُوسف ". € إبتسم بـ بشاشة لسيّاف الجالس على مكتبة ويرتب الملفآت. ألقى عليه السلام وهو يفتح باب المكتب. رجع وطل بـ راسه: ياعمّ لا خلصت تعال لي في المكتب، لي معك كلام. جلس على كُرسيه وهو يفرك كفوفه ببعض بحمآس. ضرب كفه بـ الطاولة ومبتسم بسعة صدر، أليوم العصر بتتوجه الشاحنة لقرية الهضبى. سند ظهره على الكُرسي ومرجع يدينه خلف رقبته وبنبرة هايمة بإستهبال: الله اليوم الموعد يا نويّر العوبا. ضحك على كلمتة الأخيرة ومتشفق للمشوآر. غمض عيونه ورجعت فيه ذاكرته للحوار إللي دار بينه وبين سيّاف. . . "الحوار إللي دار بين يوسف وسيّاف". £ أخذ نفس عميق إستعداد للكلام إللي بيقوله لـ يُوسف: أنا يابوك عارف وضعي وصحتي هـ الفترة حالهآ مايطمن، ويعلم الله إني شايل هم بنيتي بشكل كبير، سرق النوم من عيوني. أبغى توظفهآ عندك في الشركة، وهـ العمل ماهو بعاجبني آختلاطها بـ الرجال لكن ثقتي فيك بـ الحيل كبيرة، تشتغل عندك ولا عند غيرك. بعد شهر أو شهرين تحديداً بنقلهآ هنا للبلد بستأجر لها شقة وبوهم عمّانها إنها خارج السعودية تكمل دراستهآ، أليوم تداولوها بينهم كأنها سلعة رخيصة بيزوجونهآ نايف ولد ٲخوي الكبير ولا حطوا لي إعتبار. "تنهد بهم عظيم كسر ظهره وهو يقطب حواجبه ببعض". لكن عيشتها في البلد لحالهآ ماترضيني يابوك مادري وشلون أتصرف ! وماقدر أنتقل معهآ وأترك القرية لأني بقولهم إنها كملت دراستها برّا مابغى يشكون فيهآ. تكلّم يوسف بـ حمآس وشهامة وهو يوضع كفه على كف سيّاف: طيب دام عيشتها في الشقة لحالهآ ماترضيك انا عندي إقتراح، بيتنا بالحيل كبير ودور كامل يُعتبر كـ الملحق ماحد بساكن فيه.. إلتزم سيّاف بالصمت مب عاجبه الكلام، بنته تعيش فـ بيت ناس غُرب. عض شفته السفلية يوسف حس إنّـه تسرع كثير بـ إقتراحه، وضع كفه على فخذ سيّاف وبنبرة منخفضة: ٲسف إذا تسرعت بإقتراحي، الأكيد إنه ما عجبك، وما الومك على هـ الشيء، وبنتك وقطعة من روحك وماتنلام بـ خوفك عليهآ، لكن من محبّتي لك إقترحت هالشيء. إبتسم سياف وهو يسند ظهره عـ الكنب براحة: صحيح إن المسألـة ماهي بسيطة وثقتي فيك كبيرة، "فرك جبينه بتعب ومرخي راسه". بس يابوك هي عنيدة ولا أعتقد انها بترضى، لكن شورك وهداية الله على خير بإذن الله. إبتسم يوسف إبتسامة واسعة وهو يمد يده ويصافح سياف بحفاوة كبيرة. . . . $نرجع للواقـع$. وعى من سُرحانة رفع راسه وباقي إبتسامته تزيّن محياه لسيّاف إللي طرق الباب بإحترام ودخل. أشر له بيده على الكرسي المقابل للطاولة: حياك إستريح هنا. أخذ نفس عميق وشبك أصابعه ببعض وبنبرة هدوء لـ سيّاف: لبيت رغبتك وانا حاضر بـ إللي تطلبه غالي والطلب رخيص، "وقف وتوجه للكرسي المُقابل لسيّاف". جلس وإسترسل بـ كلامه بهدوء: ها ماقلت لي ياعمّ شاورتهآ ! هز راسه بـ النفي وبنبرة وقآر: لا مابعد كلمتهآ اليـوم بإذن الله بكلّمها، لكن إن وافقت وتمّت الأمور على خيـر بعد شهرين أو شهر بـ التمام تبدا تشتغل. أومى راسه يوسف وعيونه بعيون سيّاف: زين -أخذ نفس عميق وإسترسل بـ كلامه على أمل إنـه يشوفهآ ويمتع عيونه- اليوم إن شاء الله لي جيّة لـ قريتكم، إستبشر وجه سيّاف وتهلل فرحـة نطق بفرحة غآمرة بانت بنبرتـه: صدق يابوك ! حيّاك الله يابعد كل هـ العرب، أرحب تراحيب المطر. ضحك يوسف على فرحة سيّاف، فز سياف وهو يحلف : والله إن عشاك الليلة عندي، ماتجي القريـة وتروح كذا. قاطعه يوسف وهو يوقف ويمسك كفوفه: لا يعمّ لاتحلف تكلف على نفسك. ربت على كتفه سيّاف: لا كلافة ولاشيء، حقك اكثر. . . . "مُنتزة البيضة- مخيّم عائلة رياض". ¢ جلست وهي تحس بألم بـ مُنتصف ظهرها من نومتها فالسيارة. اتلفتت حولهآ ومالقته موجود، رجعت اتسطحت وهي تتثاوب مزاجها سيئ. اليوم سفر رِياض والأكيد آنـه بيتركها مع أهله. تأففت وهي تجلس وتسحب حجابهآ وتلبسه، السيارة مظللة ماحد يشوفهآ. تحجبت ونزلت، ضمت نفسهآ من البرد القوي، والغيوم ألملبدة بـ السماء. وصلتها ريحة المقلقل، ضغطت على بطنهآ من الجوع وهي تمشي صوبهم. توجهت لجلسة الحريم، مالها خلق تجلس مع البنآت. رمت نفسها على الفرشة وراسهآ بحضن أم رياض. تثاوبت وغمضت عيونهآ بكسل، حست فيهآ تمسح على راسها من خلف شيلتهآ وبنبرة حنونة: شفيك يايمّة مانمتي زين ! قالي رياض إنك نمتي فالسيارة عسى ماحد زعلك بس. جاوبتهآ لينا وهي تدس راسهآ بحضنها تشمّ الحنية والدفى بحضنهآ: مابني شيء بس ما أكتفيت نوم، والحمدلله يايمة مابه خلاف على نومتي فالسيارة. رفعت راسها من حضنهآ وبتساؤل: يمة متى بنعوّد ! ضحكت أم رياض وعينها بعين لينا: عقب الغدا إن شاءالله، مانقدر نطوّل العيال عندهم بكرا مدارس. باست لينآ كفها وبهدوء: رياض بيسافر اليوم مدري أرجع معكم ولا معـه، ما سألته متى موعد طيارته، عقب الفطور اسأله. عدلت قعدتهآ بكسل بعد ماجابوا الصغار صحون الفطور حاطينهآ على الأرض. . . . "الواحدة ظهراً- بيت سيّاف". ¢ فرشت السفرة على الارض وحطت الغدا، مدوا يمينهم وسمّوا بالله. بعد دقآيق، مدت له السطل يغسل منه يدينه وتلته بـ المناديل . مسح يدينه وسند ظهره على المسندة تنهد بتعب: الله يرمي فيك البركة يابنيتي. رفع راسه وطالعهآ وهي تشيل الغدا، ضرب الأرض بجمبه يأشر لها; خلّي عنك وتعالي أقعدي هنا. اتلفت لها وتكلّم بعد ماقعدت: اليوم مدير الشركة جاي للقرية مادري وش عنده ما سألته، لكن يابوك انا حلفت عشاه عندي. المهم كل اللي عليك رتبي المجلس ترى بعزم الرجال كلهم. وقفت وباست راسه: من عيوني ماطلبت شيء، كل شيء بيكون جاهز. . . . "بيت إبو يوسف". ¢ شد على الوسادة ودفن راسه فيهآ بققوة، توتر فضيع متلبّسه. انقلب على ظهره ويدينه تحت راسه، انرسمت على شفايفه طيف إبتسامة. متأمل كثير آنـه بيشوفهآ. بيحاول بأي طريقة يشوفها، فكرة مجنونـة. مسك جواله ووقت المنبة على الساعة 3 ونصف. ورجع يحاول ينآم، حضن طرف اللحاف وصورتهآ مرسومة بباله بكل اللحظات إللي شافها فيهآ. شد على اللحاف وهو يتنهد بشعور لذيذ بدا يغزي روحه. . . . "مُنتزة البيضة- رياض ولينا". ¢ ركبت السيارة وألقت السلام بهدوء. التفت لها وهو يقولب عود الاسنان بفمّه: اخذتي كل أغراضك ! مانسيتي شيء. حركت راسها بالنفي وملتزمة الصمت، وشابكة أصابعها ببعض. همس لهآ وهو يفتح القزاز لسيارة عيال عمه إللي وقفت جمبه : غطي عيونك. مد يده يصافح عيال عمه ومبتسم: أشبعوا متعوا عيونكم، اسبوعين أو اكثر قدام مب شايفيني. ضحك ولد عمه وهو يسند ظهره على سيارة ريآض ويلتفت له: هاه عاد أصحك تزوغ عيونك يمّ الشقر. ضحك رياض وهو يرفع حواجبه وينزل نظارته الشمسية لنهاية أنفه، ويخزه بضحكة. تكلّم ولد عمه الثاني إللي مطلع جزءه العلوي من السيارة: الكلب ناوي على نيّة. ضغطت على أصابعها بققوة من كلامهم، حتى لو كان مزح هـ الشيء يثير غيرتهآ وهي ما تأمن رياض من عقب أخر سواته. مد كفه بوجههم ويلوح بكفه ومبتسم: يلا نلتقيكم على خير بإذن الله. حرك سيارته خارج من المُنتزة وهي باقية على صمتهآ. التفت لها مستغرب من هدوءها تكلم بتساؤل: ٲنبسطي! أنتظر منها جواب لكن كان صمتها هو الجواب، ولا كأنها سمعته. قطب حواجبه وهو يتنهد ويرفع كتوفه بقل حيلة وعيونه على الطريق. بعد ثواني مد كفه وحضن كفهء وضغط عليه. نفضت كفه من كفهآ بقرف وغضب. لبق السيارة على جمب وإلتفت لها بكامل جسمـه. مسكها من كتوفها وخلاهآ مقابلة. شد على كتوفه وبجديـة: شفيك ! مد يده وتحسس نقابهآ بشك، مغطية عيونهآ ومو من عادتهآ. زادت عُقدة حواجبه من بلل نقابهآ. نزع نقابهآ من وجههآ وبانت له ملامحهآ الباكية. صدت عنه وهي تجهش بـ البُكاء، همست بنبرة مرتجفة: ماطلبت منك الكثير، فقط طلبتك تحترم خلقتي كوني إمرأة، لا تجرحني لا تقهرني فيك، هذا كثير عليك! بترت كلامهآ وهي تحضن وجههآ بين كفوفهآ. لفها بقسوة له ومسك كفوفهآ إللي على وجههآ بالقوة: لينا شفيك ! وش هالحكي إللي قاعدة تقولينه ! ماسمع منهآ أي رد فقط وصلته شهقاتهآ المسموعة. تنهد بقل حيلة بعد ماوقفت سيارة عيال عمانه وراه وضربوا له بوري. حسبالهم خربت سيارته، نزل من السيارة وأشر لهم بكفه بـ معنى روحوا كملوا طريقكم. ركب السيارة وسند راسه على المقعد وأنينها يصدح بـ قلبه. ضرب المقعد بقبضة يده بغضضب وفزت بخوف منه. غمض عيونه بصبر وبهمس وتشديد بـ كلماته: لا تسكتين قولي وش فيك ! "صغر عيونه بتفكير وبهمس". ليكون زعلانة من كلام العيال أول ؟ ضحك بشحوب وهو يحرك راسه بأسى: ياعُمري والله العظيم مزح، ليـه بسرعة تتحسسين وتأخذين بخاطرك. أخذها بحضنـه وهو يضحك بعد مازاد بكيهآ همس وهو يجلسهآ بحضنه ويضمها: طفلة والله العظيم طفلة. ضغط عليهآ بيدينه يشدهآ لـه ويضحك. مسح دموعهآ بكفوفه وبنبرة حماسية يغيّر فيها جوّها وعيونه بعيونهآ المحمرة: ودك تسوقين ! ناظرته بعـدم تصديق ومتفاجئة، ضحكت بخفة وحركت راسها بـ النفي: لا أخاف. ضحك وهو يلفهآ ويسند ظهرهآ على صدره ويسترخي بجلسته وظهره ساندة على المقعدة. مرر كفه على بطنهآ ويده الثانية حول خصرهآ: لا لاتخافين أنا معك، والمنطقة مابهآ أحد لا ناس ولا بيوت. حط يده فوق يدهآ وبيشغل السيارة. سحبت يدهآ منه وضربت راسها بصدره بإندفاع وخوف فضيع: لا والله لا ما اسوق، ماعرف وأخاف مابغى. فتح فمه بيتكلم يحاول يقنعهآ، لكن سكته أصبعها إللي على فمه . وبرفض شديد وهي تحرك راسها بـ لا: لاتحاول والله ماسقت أبداً. ضحك وهو يغمض عيونه ويفتحم ومميّل راسه: بكيفك كنت أبغاك تجربين كيف السواقة ورفستي هـ التجربة. فاجئها وهو يُنحني ويطبق ثُغره على ثُغرها. بعد ثواني فتح عيونه والتقت بـ عيونهآ اللوزيّة. وجبينـه على جبينهآ، حرك أنفه على أنفهآ متلذذ بـ حلاوة الشعُور، ونظرات عيونهآ الخجولـة. قبّل جبينهآ وطوّل وفمه ملتصق بـ جبينهآ. التمست في قُبلته مليون شعُور. وأولهم الإعتذار، قبلته كفيلـة بتوصيل كل أحاسيسه لهآ. بعدها عنّه ببطء ومُبتسم، فهّت فيه وظلت تناظر عيونه. رفع حوآجبـه لها وبإبتسامة خُبث : عاجبتك القعدة بـ حضني ! ماودّك تعودين مكانك. شهقت بفشيلـة وعضت طرف شفتهآ، وبشكل سريع رجعت مكانهآ. تعالت صوت ضحكتـه فـ السيآرة، حرّك وكل شوي يلتفت يناظرهآ ويضحك. بينما هي غارقة بـ خجلهآ. مد كفه وحضن كفهآ وباسه وبنبرة رجوليّة: عُمري إللي يستحون. . . . "بعد مرور ساعتين-قرية الهضبى". ¢ مسحت جبينهآ بكم روبها السُكري بتعب. ويدهآ الثانية خلف ظهرها تضغط عليه بألم. وعيونها تتفحّص المجلس اللي رتبته. إنحنت وهي تلتقط المكنسة الكهربائية وتخرج من المجلس. بعد ثواني رجعت وبيدها المُبخرة، بخرت وتأكدت من ترتيب المجلس على أكمل وجه، سكرت الباب وخرجت. تركت الأغراض في السقيفة وانسدحت على ظهرهآ، وذراعهآ فوق جبينهآ. والهواء البآرد يحرّك خُصل شعرها المتمردّة من جديلتهآ الفرنسية بـ نعومة. وقفت بـ صعوبة مشت وهي تجرّ خطواتهآ لـ باب البيت بعد ماسمعته ينطّق: طيّب جاية جاية. وقفت ورى البآب وسألت مين، وصلها صوت فاطمة بنت جيرانههم. فتحت البآب وابتسمت من حسّت بـ فاطمة تحضنهآ بحفاوة. ضحكت من حالهآ أمام فاطمة المُمتلئة بعكس جسدهآ النحيل، غاصت حيل بحضنهآ. همست بـ نعومة: حياك الله تفضلي. مشت وراها فاطمة بعد ماسبقتهآ نُورة للسقيفـة: قال أبوي إن اليوم أبوك عنده ضيوف، وقلت أجي أساعدك. "ناظرت فـ نورة بضحكة وهي تترك دلات القهوة على الأرض. وتنزل عبايتهآ وترميهآ بـ زاوية السقيفة". وعاد مايحتآج أقولك كيف كرف عزايم الرجال. ضحكت نورة بـ إرهاق وهي تجلس على الأرض وتضغط على أصابعها: إي والله صادقة شوفيني تعبت وتوني مابعد بديت أجهز للعزيمة وأسوي القهاوي. "بعد مرور نصف ساعـة- بـ تمام الثالثة عصراً ونصف". ¢ تقلّب بـ إنزعاج من صوت المُنبة إللي يضرب بأذنه يصحيه. مد يده وطفى المُنبة، جلس على حيلـة وشعره متبعثر بـ طريقة جذابة. مسح على وجهه ببآطن كفوفـه، تناول جواله وأرسل رسالة للعامل إللي أرسله يترك الشاحنة في المُستودع يطلب منه يجيبهآ للبيت. ماله خلق يروح لها بـ سيآرتة. رمى جواله عـ السرير بعد ما أرسل الرسالة ووقف متوجه لـ دورات المياة- يُكرم القارئ-. بعد مرور دقايق، لبس ساعته الجلد على معصمه، وقف مقابل المرآيـة ويعدل شمآغه. تناول بوكه وجواله وخرج مهرول بـ نشاط وحمآس. طل براسه في الصالة وماكانت أمّة موجودة صوّت عليها، لكن ما جاوبت. حرك أكتافه بقل حيلـة، وخرج لمّا سمع بُوري الشاحنة. وقف جمب العامل وبإبتسامة واسعة، ربت على كتفه وركب بداله. لوّح بكفه للعامل مُبتسم وتجاوزه، كلّه شغف وحمآس لروحته. يحس قلبه يركض وكأنّه فـ مضمار سباق، ويحس لوهلة برجفـة وبرودة تسري بأطرافه من يتذكرهآ. تعوّذ من الشيطآن وهو يحرّك راسه بـ النفي ويوقف عند المسجد يصلي صلاة العصر. . . . "قرية الهضبى- بيت سيّاف". ~ خرجت من غُرفتهآ وهي ماسكة فستانهآ من ورى. أعطت فاطمة قفاهآ وازاحت شعرهآ عن ظهرها حطته على جنب. تأففت بـ حلطمة: سكري السحاب ماقدرت أسكره. إبتسمت فاطمة وهي تضرب ظهر نُورة بخفة: سكرناهآ. ضحكت نُورة وأخذت تدور حول نفسهآ، وقفت وأرمشت بـ عيونهآ بدلع وتميلح. فهت فيهآ فاطمة وفاتحة عيونهآ على وسعها: هيه فيك شيء، إنجنيتي ! بوّزت نورة بزعل وبمزح: وجع في بطن العدو، لازم تنكدين علي. "كان فستانها وردي باهت جداً على لحمي، وفيه ورود مو بارزة ومو صارخ لونهآ. ضيّق للخُصر وبعدين يتوسع لـ نصف ساقهآ. ناعم جداً الفستان، وكيُوت حيل". قطبت نورة حواجبهآ وبحيرة: ما سألت أبوي متى بيجون الرجال، أخاف أجهز القهاوي ويتأخرون. حركت فاطمة راسهآ بـ النفي ودون تأييد: لا لاتسوين الحين، سمعت أبوي يقول إنّ العزيمة بها عشا، وأكيد مابيجون إلّا قريب المغرب. تثاوبت نُورة بـ إرهاق وهي تنسدح جمب فاطمة. وتسند راسهآ بحضن فاطمة. تكلّمت بهمس وعيونهآ تقفل من حالهآ: باخذ لي غفوة لاسمعتي الباب إندق قوّميني طيّب. . . . "شقة رياض ولينا". ~ نايم على الكنبة وبآين إنه غفى بدون مايحس بنفسه. مدت يدهآ، ومررت أناملها على تقاسيم وجهه. قبّلت أطراف أناملها إللي لامست وجهه بـ عُمق. جلست على رُكبها مقابل وجهه، وأخذت تتأمله. بـ ملامحه الغافية بسكينة، وإنتظام أنفاسه. وبشعرهآ المموّج بنعومـة، وبيجامتهآ اللحمية الهادية. حطت راسهآ على ذراعه إللي على الكنب. وغفت تدريجياً وهي جالسة على الأرض. "قرية الهضبى". ¢ بعد صلاة المغرب جالسين في الشارع بقرب بيت سيّاف . بيشغلون النار يسوون الذبيحة. رفع نظره محمد جاره وتفحّص السماء تكلّم وعيونه على الغيوم إللي لبدت السماء: يا سيّاف والله مب عاجبتني الفكرة إننا نطبخ هنا في الشارع. ياخوك خوفي لا تمطر السحاب وتصير حالة العشاء حالة. تكلّم سياف وعينه على ولد جارهم مازن اللي جاي يمشي صوبهم وشايل اللحم فالصحن: والسواة يعني نطبخ العشاء داخل البيت ! تكلم مازن بإبتسامتة الرجوليّة الهادية وهو يترك صحن اللحم على الارض بقرب القدر: إرتاح ياعمّ العشاء ماتوصله يدينك إنا ومحمد نتكفل به. إبتسم سيّاف بذهول وهو يحرك راسه بـ النفي: لا يابوك ما تتعب عمرك تسويه. طبطب مازن على كتف سيّاف وشمر عن أكمام ثوبه البُني: مابه لا تعب ولا كلافة، اقعد انت مع ضيوفك مايصير تلتهي بـ العشاء ، انا ومحمد موجودين لاتحاتي. مشى مبتعد عنهم سيّاف ودخل البيت وعلى شفايفه إبتسامة إمتنان لـ مآزن. الله ما رزقه بـ عيال يشيلون إسمه يساندونه ويعاونونه. لكن الله سخّر له رجال وعيال القرية. التفت خلفـه قبل ما تعتب رجله باب البيت، إتسعت إبتسامته وزفر بـ راحة وهو يشوف مازن رابط طرف ثوبه حول خصره وينظف اللحم. صوّت على نورة، ثواني وخرجت تركض له وبإيدينها دلال القهوة. مدتهم له وأشرت على المجلس: الفناجيل والتمر كلها في المجلس، وكل شيء جاهز يايُبه. باس جبينهآ بـ شُكر وحبّ عظيم لها: زين ماسويتي يابوك. فتح المجلس وترك دلال القهوة بـ الوسط عند التمر والفناجيل. خرج وفتح باب الشارع القريب من المجلس، وبدا يستقبل رجال الحارة. ماهي الّا دقايق وإمتلى المجلس من الرجال. ابتسم بـ ربكة وهو يناظر فيهم كلهم ويحاتي يوسف إللي تأخر. . . . "شقة رياض ولِينا". ~ حس بـ النعومة إللي على ذراعه، فتح عيونه وابتسم بهدوء. بعدها بخفّة، حملها وسطحها مكانه. تناول جواله من على الطاولة، ناظر في الساعة وكان باقي عن رحلته حول الساعتين. تنهد وهو يمشي للغرفة، سحب شنطته ودخل فيها باقي الأغراض. سكرها وحطها بـ قُرب باب الغرفة. حسّت فيه وهو يشيلهآ وصحيت من نومهآ. لحقته بـ خطوات بطيئة تحس نفسهآ تمشي لـ طريق حُزنهآ. دخلت الغرفة سندت ظهرهآ على الباب وإيدينها خلف ظهرها. تناظره وهو يلبس بلوفرة الرمادي، وجواز سفره وبوكه وأغراضه على السرير. نزلت نظرهآ لـ شنطته المركونة جمبهآ عند الباب. بلعت غصتها بصعوبة وهي تشوفه يوقف قدام المراية ويرتب شعره بأنامله يتحاشى نظراتهآ. عضت شفتها السفليّة بققوة تركل أمواج حزنهآ بعد ماوقف قدامها. ويناظرها بتركيز ونظرات عميقة، رجف قلبهآ منها. قرّب منها وحاوطهآ بذراعه، رفعها مستواه ودفنهآ بـ صدره. شد عليهآ بكل قوّته يشمّ فيها ريحـة الوداع. عضّت كتفه بققوة كاتمة بُكائها وشهقاتها العميقة، ودموعهآ بدت تلامس خدودهآ. بكت مصيرهآ المتخبّط، بكت حُزنها وإشتياقها لأهلها. بكت تمرّده وعناده، ودّها لو تمنعه من سفرت لكن رياض وهي أدرى فيه. دفنت وجههآ برقبته وأجهشت بـ البُكاء، أوجعها قلبهآ من عاطفتها الجياّشة تجاهه. بكت حاجتها الدايمـة له. أضعفها حبّه بدل مايقويها، شمّت ريحته بقوة. غمضت عيونهآ وهي تستنشق عطره وترتجف من بُكائها. همست بنبرة مرتجفة باكية: دخيل الله لا تسافر، وتتركني وحيدة وإنت تدري بـ عُظم حاجتي لك. الصمت كان سيّد الموقف من طرفه. إكتفى بصمته وإيده الحنونة إللي تمسح على ظهرهآ. باس كتفهآ مرّة ومرتين وثلاث، شد عليهآ بقوة لين ما أحس انّه اوجعهآ. بعدها عنه ووجههآ بوجهه، همس يطمنهآ وهو يبوس كفها ويتأمل ملامح وجهها الباكية: ماتركتك وحيدة، بروح وانا قرير العين عليك، أمي بتحتويك وتعدّك وحدة من بناتها. حركت راسها بـ النفي تكلّمت من بين شهقاتها: لا مابيهم كلهم، انا ابيك أنت ، العالم كلّه بكفه وانت بكفه مابغى شيء سوى قربك. صدت عنه وهي تلصق جبينها بـ الباب وتحضن وجهها بين كفوفهآ وتنخرط في بُكائها. تنهد وهو يمسح على وجهه ويناظر في إهتزاز أكتافها من بكيها. لفها له وحضنهآ بققوة وباس راسها ودفن وجهه في شعرهآ وبهمس: يانُور عيوني إنتِ لا تبكين، لا تهدين حيلي بدموعك. بعدها عنه وحضنهآ من كتوفه مشى بها للصالة وهو يمسح على كتفهآ بكفه إللي عليه ويضغط على كتفهآ. جلسها على الكنب شغل التلفزيون وطفى الضوء وسحب اللحاف اللي على الكنب الثاني. تسطح وساند راسه على حافة الكنب، سحبهآ لـ حضنه، حاوطهآ بذراعه ورفع اللحاف عليهم. حضن كفهآ وشد عليه وجبينه ملاصق جبينهآ. ناظر فيها بتمعّن مع الضوء الخافت تقريباً هدت الّا من شهقاتها المكتومة إللي بين فترة وفترة تفز. مسح على وجههآ يتحسس باقي تدمع إو لا. حاوطها بذراعه وشدها له. مايبغى يروح وهي صاحية، ينوّمها ويروح. . . . "بـ قُرب قرية الهضبى- يُوسف". ~ دخلت الشاحنة القريّة وسارت على طُرقها الرملية. لفتت إنتباه الجميع وتحديداً الصغار. إللي صاروا يركضون ورى الشاحنة مُستبشرين الخير من قدومهآ. ضحك على عفويـة تصرفاتهم ضرب بوري للصغار إللي واقفين قدام الشاحنة. قطعوا عليه الطريق. ضغط على البُوري بإزعاج وباقية ضحكته تزيّن ملامحه ورافع حواجبه لهم. إشر لهم بيده بـ معنى روحوا. كمّل طريقه ووقف قدام بيت سيّاف. نزل من الشاحنة وعيونـه على الناس إللي اجتمعت. فتح الشاحنـة ونقز فيها، أخـذ يوزع عليهم الكراتين . ويحس قلبه يرفرف من سعادته من إللي قاعد يسويه. حبّه لفعل الخير يجري في عروقه مجرى الدم. ودايم يده مبسوطة، ولا يكفّها لأي أحد يطلب منه المُساعدة. بعد فترة من الوقت بقى حول الاربع الكراتين، نزل وسكر الشاحنة تارك الكراتين لـ سيّاف. وقف مُقابل الباب، عدل أكمام ثوبه وشماغه. وعيونه تتنقل لـ أرجاء الحارة ويسترق النظر للرجلين إللي خمّن إنهم بـ عُمره. وقدامهم قدر كبير يطبخون فيه العشاء على النار. إبتسم على حياة البساطة إللي عايشينها. دق الباب بتوتر ضحك على توتره إللي مايقدر يفسر سببه. فتح له الباب واحد من الصغار، جهله ببيت سيّاف خلّاه يروح للباب الثاني إللي مب قرب المجلس. مشى بوسط الحوش للمجلس، ومن غير إرادة منه يلفتت حوله علّه يلمح زولها. ويروي ظما شوقه، إبتسم وهو يسمي بالله ويدخل المجلس. صدّت عن الشباك وضربت كتف نُورة وبـ هبال: يخرب بيت العدو ماشفتي زينـة. ضحكت نُورة بـ هدوء وهي ترفع أكتافها: ولد عز كيف ماتبغينه يطرح الطير من السماء. جلست جمبها فاطمة وبحالميّة وهي تغمض عيونهآ ويدها على قلبها: الله لو يصير فارس أحلامي. ضحكت نُورة وهي تهز راسها بأسى: أحلمي على قدك يافطيّم. . . . "بوسط المجلس". ~ إبتسم بربكة وهو يجلس جمب سيّاف ويتناول الفنجال إللي انمد له. إبتسم بـ بشاشة للرجال وهو ياخذ ويعطي معهم بـ الحكي. حط كفه على فخذ سيّاف وبنبرة مُنخفضة: ياعمّ جبت معي شاحنـة مليانة كراتين فيها كسوة عن البرد من ملابس ودفايات وبطانيات. وزعت منهم وبقّيت لك. ناظره سيّاف بنظرة عميقـة وإكتفى بـ الصمت عجز يعبّر له عن مدى شُكرة. نظرة فهمها يُوسف ووصلت له المعاني إللي احتوتها. ثواني ودخلوا مازن ومحمد، سلّموا وقعدوا. نغز محمد مازن وبهمس: شايف هذاك اللي قاعد يمين سيّاف ! جاوبه مآزن وهو يتفحّص يوسف بنظراته: همم شفيه. إبتسم محمد وهو يعرف تأثير الكلام إللي بيقوله على مازن: أجل أبوها طلب منه يوظفها عنده ، ههه لحّق عليها قبل لا تطير من يدك. إحتدت نظرات مازن وشد من قبضته على فنجال قهوته بغضب وغِيرة رجوليّة جامحة همس بفحيح: أقلب دنيته فوق تحت لو تجي عينه عليها. ضحك محمد وبنبرة تحدّي وعينه على يوسف إللي يضحك مع سيّاف: وتشوف يا مازن ولاتقول ما قالي محمد. ~ "بعد مرور ثلاث ساعات". جالس عند النار برّا ، وساج بأفكاره ويحرّك الحطب بـ الخيزرانة إللي معه. رفع راسه وناظر محمد وبنبرة همس هاديـة: متأكد يا محمد من إلكلام إللي قلته ! حرك راسه بـ الإيجاب وهو يقولب عود صغير بفمه: إيه متأكد وكثير بعد. "شبك أصابعه ببعض وعيونه بعيون مازن بتركيز". وأدري إنّـه قبل كم يوم راح لـ أخوانه وصارت بينهم هوشة بسيطة. عقد حواجبه مازن من محمد وطقه بـ الخيزرانة: تعرف ذا كله ولا قلت لي من البداية، وبعدين وش عرّفك ! وقف محمد بعد ما رمى العود من فمه ونفض الغُبار إللي علق بـ ثوبه من جلوسه على الطوبة: سمعته بأذني وهو يعلّم بو ناصر. أومى راسه بـ هدوء ونظره في الجمر ولمحت بـ باله فِكرة. أصرّ على نفسه يتقدّم لـ هذي الخطوة لكن خوفه من الرفض يبث في روحه التراجع. تكلّم بهدوء وحرارة النار تلفحه وعدم إكتراث بها، النار إللي يحسها بدت تلتهب بجوفه أكبر: العشاء إستوى، جيب الصحون يلا بـ نغرّفه، والباقي وزعوه على أهل القرية للحريـم والصغار. ~ بعد فترة من الوقت، بعد ماتعشوا وبدا المجلس يفضى من الرجال. وقف شمّر عن أكمام ثُوبه، بدا يساعدهم في شيل الصحون. نظر فيه سيّاف بـ عُتب وهو يدخل المجلس. إبتسم يوسف وأومى راسه وغمّض عيونه. مرّ من جمب سيّاف وهمس له وشايل بإيده الصحن بيخرّجه برا: عدّني ولدك . بعد دقايق بدت السحاب تهطل مطرها، إرتشف قهوته مستمتع بقطرات المطر إللي تسقط على المُكيف. والمجلس فضى من الناس بقى هو وسيّاف فقط. ارتشف فنجاله على السريع ووقف، بيستأذن باس راس سيّاف بإحترام: يلّا يا عم أنعم الله عليك، بسري برجع المدينـة قبل لا يزيد المطر ويقطع علي الطريق. فز سيّاف بعد مازاد المطر بدرجة مُخيفة وبنبرة خوف وهو يمسك يدين يوسف: والله ماتطلع لين يسكن المطر، ياكثر الحوادث إللي صارت على طريقنا بوقت المطر. قطب حواجبه وبندم: نسيت أقول لأمي إني جاي هنا، وأكيد تحاتيني المسكينة وما فيه تغطية. تنهد سيّاف وهو يعود يجلس مكانه: ما باليد حيلة، إقعد وياسكن المطر ترجع المدينة، وان طوّل لـ نصف الليل ماسكن نومتك عندنا ماترجع بـ انصاف الليول يجونك قطّاع الطُرق. مسح على وجهه بباطن كفوفه بوهقة، ويحس الغلط راكبه من راسه لـ ساسه. ويلوم نفسه كيف نسي يخبّر أمه ! إشتد المطر وإشتدت البروق والرعود. فز سيّاف يركض خارج من المجلس وهو يعرف إنّ بعض الغُرف سطحها مايمسك المطر ويسرّب. تردد يطلع يوسف يلحقه أو لا، خاف يطلع وتكون نُورة فيه ويسبب لهم حرج. وخاف يكون هو جالس يتقهوى وسيّاف محتاجة. وقف وترك فنجاله على الأرض، مشى بخطوات بطيئة. وطل من الشباك إللي كان يطل على الحوش. لمحها واقفة عند السقيفة و لابسة فستانها الوردي ومتكتفة. وشعرها المبلول منسدل على أكتافها وظهرهآ. بلع ريقـه بصعوبة وهو يناظر في فكها كيف يرتجف من البرد. والمطر يسقط عليها بقوّة، إبتسم بهدوء وكلام سيّاف يتكرر في باله لمّا قاله إنها عنيدة. ما إكترثت بـ المطر ولا بالبرد ولا خوفاً من فكرة إنها تمرض. سند كفه على الشباك وهو يتأملها بشوق لذيذ، طاغي على ضميره إللي يأنبه من نظرته الحرام. اتسعت إبتسامتة وهو يشوفها تفرد كفوفهآ وترفع وجهها للسماء وتضحك من قطرات المطر إللي تداعب وجههآ. صد عن الشباك معطيها قفاه بسبب إلتصاق فستانها بجسمهآ. مايقدر يناظرها وهي بهذا الوضع، مع إنّها نحيلة وجسدها نوعاً ما يفتقر الانوثة وغير مائل للإمتلاء ابداً. الّا انها جميلة وفاتنـة. قطع عليه تخيّلاته وسُرحانة فيها إنقطاع الكهرباء. والرعد إللي دوى صوته في أذنه، وصرختهآ إللي وصلت لمسامعه تنادي فيها أبوها. تايهة في عُتمة الظلام. تحسس جيوبه يدوّر جواله، شغل الكشاف وتوجه للزاوية ترك بُوكه على التكاية. نزل شماغه وغطى به جواله بحيث يبان فقط ضوء الكشاف عشان مايتبلل كثير. عتبت رجله اليمين باب المجلس ووقف لثواني. موقفه جداً غبي إيش نظرة أبوها عنه لو شافه. بأي حق يخرج يساعدهآ وابوها موجود. بعد مُرور ثواني وهو في صراع داخلي وحيرة كبيرة. عض على قبضة يدّه وهو يسمع نبرتها المنخفضة المليانة خوف وذعر تنادي فيها أبوها وشوي وتبكي. اشتد المطر واشتدت معه الرعُود، ركل كل هالصراعات وخرج يركض لها. وقف مقابلهآ وبكل فهاوة وجّه الكشاف عليها. غمضت عيونها من الضوء القوي إللي سطع بـ عيونهآ. وحطت كفها على عيونهآ، فهّى فيها نسي كل شيء. ناظر في قطرة المطر إللي مشت من جبينهآ لفكهآ بدون مايرمش. إنقطع اتصاله بـ العالم فقط يُبصر ملامحهآ. قرّب منها زود بعد مافتحت عيونهآ وعلى ملامحها مليون سؤال. قرّب غير مُبالي بـ الوضع إللي هم فيه. بلع ريقه ببطء وهر يناظر في عيونهآ العسليّة إللي وضحت له أكثر من قُرب الكشاف. ناظرت فيه لوهلة بـ خُوف من قربه، رجعت خطوة للخلف. وكل ما بعدت قرب لها لين ما وصلت لجدار السقيفة. غمضت عيونهآ وقلبها ينبض بـ جنون، من قربه لها ومن ريحة عطره إللي وصلت لـ أعماقها. همس بنبرة هادية جداً وعيونه تتنقل بين ملامحهآ ورموشهآ المبلولة: سبحان من صوّرك ، وأبدع في تصويرك، سبحانه جلّ شانه. غمضت عيونهآ بـ خوف ماعندها الجرأة تفتح عيونها وتقابله. رفعت كفوفهآ ووضعتها على ثوبه المبلول من ناحية صدره ودفعته عنها. ولا تحرّك خطوة، ثابت مثل ثبُوت الحبّ في عيونه. رفع يده اليسار إللي فيها الكشاف، وثبّتها على الجدار فوق راسها. وبيده اليمين رفع فكهآ بأطراف انامله، مسح على تفاصيل وجههآ. مررّ سبابته على رموشهآ الرطبة بغير إرادة وشعور منه. همس بهدوء فضيع ونبرة عميقة عجزت تفهمهآ: إنتِ ! فتحت عيونها وناظرته بتساؤل وتعجب. اومى براسه بالايجاب وهو يتأملها ولا ودّه يرمش ثانية: إنتِ إللي اسرتني عيونك ! قبل شهرين او ثلاثة ماني فاكر تحديداً. قاومت خوفها منه وحركت راسها بالنفي، وعيونها تتهرّب منه. قطب حواجبه بعدم تصديق وهمس بحدّة: الّا انتِ. ركلته على ساقه ودفته بعيد عنها وبغضب: تجاوزت حدودك ياغريب كُن أديب، مالك أي حق تلمسني. ومب غصب أكون نفس البنت إللي شفتها، وانا اصلاً خرجاتي قليلـة كيف بتشوفني طوّلتها وهي قصيرة فارق عني. رمقته بـ نظرة إستحقار ومشت مبتعده عنه بكل كبرياء غير مُبالية بـ الظلام. عثرت بـ عُتبة الباب، وطاحت على ظهرها وتأوهت بصوت مسموع. ركض لها وجلس على رُكبه وبنبرة خوف منخفضة: بسم الله عليك، وراه تعاندين وتمشين بـ الظلام. عضت شفتها السفليـة وهي تضغط على أسفل ظهرها بيده متوجعة. زحفت عنه ورفسته برجلها: فارق عنّي ما أحل لك يا أدمي حس على نفسك ياوقح. وقف وناظرها بطرف عينه وبنبرة سُخرية: طيّب بفارق ودبري نفسك. ختم كلامه بإبتسامة نذاله وهو يسكر الكشاف. وساد الظلام والهدوء التام الممزوج بـ صوت المطر. سند ظهره على العامود الموجود بوسط السقيفة وملتزم الصمت. ويدري إنّها فيه جالسـة وما قامت. لأنها ما تدل دربها بوسط هذا الظلام. عطاها ظهره وكأنه بدا يستوعب فعلته الشنيعة. شغل الكشاف وصوبه يمّها وهو معطيها قفاه ارتجف قلبه من صوت الرعد القوي: سُبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خِيفته. إبتسم لمّا وصلت لمسامعه شهقتها الخايفة من صوت الرعد. رفع ثوبه وخطى خطواته لبرّا السقيفة بعد ماسمع صوت تسكيرة الباب وعرف انها دخلت الغرفة. دخل المجلس ومسح جواله المتبلل بطاقيته إللي كان تاركها على بوكه. تركه على التكاية، ومشى بحذر و لاصق بـ الجدار . تحسس الباب بيده وطلّ براسه يصوّت على سيّاف يحاتيه. مسح على شعره الرطب ويحس برجفه في عظامه من ملابسه المبلولة. رجع صوّت لسياف وهو يدعي ربّه انه يرد عليه، ولا يكون صاير له مكروه. قطع عليه تفكيره سيّاف اللي دخل مع الباب ومعاه كشاف ويمسح وجهه. وقف سياف جمب يوسف، وحرّك راسه بأسف. عقد يوسف حواجبه وبهمس: شفيه ! تنهد سيّاف وربت على كتف يوسف: أرجع داخل المجلس وانا رايح أشوف بنتي وراجع لك أقولك إللي صاير. قطعت عليهم كلامهم الرياح إللي بدت تهبّ وتعصف بـ النخل وصادر لها صوت مُخيف. Likeلينا". ~ فتحت عيونها ببطء ، تقلبت على جمبها ثاني وهي تسد اللحاف عاجبها الدفى. فزت برعب وكأنها للتو تذكرت. ركضت برا الصالة وهي تناديـه. والرجفة باينة بـ صوتهآ. فتحت باب الغرفة تدوّره بـ عيونهآ وفكها يرتجف. شدّت شعرها وهي ترجع تناديه وكلها أمل إنّـه ما سافر. سندت ظهرها على الباب، وهي تشد شعرهآ وعاضة على شفايفها لا تبكي تحاول تبلع غصتها. أنفجرت وركلت الباب بكل ققوتهآ وهي تجهش بـ البُكاء وتسبه وتسب نفسه معاه. أخذت تضرب الباب بباطن كفوفهآ منهارة مقهورة على نفسهآ. مسحت دموعها بققسوة وهي تتخصر وتتنفس بغضب: تستاهلين ماجاك تستاهلين، أجل قدمتيه على أهلك وبعتيهم لجل خاطره وماتبغينه يسترخص فيك، كلبببة إنتِ. أخذت تركل الجدار برجلها اليمين من غضبهآ متجاهلة ألم رجلها إللي بدت تجمد من كثر ما تضرب في الجدار. مو حاسـة على نفسها. فجأة سكنت وهدت وسندت جبينها على الجدار وصارت تبكي بصمت. ودّها لو ترمي حُزنها بحضن أمها، إشتاقت لها بشكل مؤلم. شوق فاق الشوق نفسه، أعلنت إنهزامها وأجهشت بـ البُكاء. بكت ندمها الشديد، بكت وحشة غيابهم بكتهم وهم أحياء لا رياض ولا غيره نفعوها. خسرت أهلها إللي مايوازيهم شيء. خسرت دفئ العائلة وإحتواءهم. مسحت دموعهآ إللي تتساقط بإستمرار وتوجهت للدولاب بتردّد. أخذت ترمي ملابسها عـ السرير وتحاول تكتم شهقاتها. جهزت ملابسها وعبايتها وشنطتها وجوالها. ولفت نظرها الظرف الأبيض المتروك على السرير. فتحته وكانت فيه فلوس تاركها لها رياض. تركت الظرف على التسريحة وحطت الفلوس في شنطتها. توجهت لـ دورات المياة "يُكرم القارئ". وغسلت وجههآ بشكل مُتكرر، اختلطت دموعهآ مع المويا. رفعت نظرها للمراية ناظرت في عيونهآ بشرود تفكر بردّة فعل أهلها. يا تُرى بـ يستقبلونها بـ الاحضان ولا إيش موقفهم. لوهلة جاها شعور التراجع نفضت هالافكار من راسها وخرجت. بعد دقايق أتصل عليها السواق حق أهل رياض أعطته مشغول وخرجت تسحب شنطتها. ارتجفت من البرد الممزوج بتوتر وهي تمد شنطتها للسايق وتفرك يدينها ببعض وتجلس في المقعدة الخلفية. بعد مرور دقايق حست بـ نار تشتعل في قلبها نار اللهفة والحنين. وهي تشوفهم داخلين في الاحياء القريبة من حي بيت أهلهم. فركت يدينها ببعض وتحس بـ غصة في حلقها. وأسفل بطنها يوجعهآ من الخوف والتوتر. وعت من سُرحانها على صوت السايق. رفعت راسها ببطء ووقعت عينها على باب بيت إهلها البُني. حاولت تتحكم برجفة يدينها وهي تبلع ريقها بخوف. ظلّت لدقايق وهي جالسة مانزلت من السيارة وتناظر بيت أهلها. شدت على يدينها بشعور مجنون داهمهآ بعد ماشافت أخوها فارس. لمعت عيونهآ بشوق أخوي فضيع لـ أخوها سندها وحبيبهآ. نزلت من السيارة ولامست رجولها الأرض، رفعت نظرها له ، وشدت من قبضتهآ على باب السيارة وهي تحس أطرافها ترتجف. وقلبهآ يضرب بجنون. ركضت بدون إي إهتمام وبغير إرادة منها، وارتمت بحضنه وأجهشت بالبُكاء. تراجع خلفه كم خطوة فارس مصدوم من إللي تبكي على صدره. همست بصوتهآ المرتجف، بنبرة مليانـة شوق: إشتقت لكم يا فارس. عرفهآ وبتردد مد يدينه وطبطب على ظهرها، إبتسم وهو يبعدها عنه بخفّة ويفتح الباب ويمسكهآ بكفهآ. التفت لها بعد ما شافها واقفة برّا وشاف بنظرات عيونها التردد والخوف. إبتسم واومى براسه بهدوء وهو يمد كفه لها: تعالي لا تخافين ما بيقسون عليك أكثر، أمي حيل تحبّك ولا بتفرّط فيك بعد ما رجعتي. سحبت شنطتها بعد ما نزلها السايق عند الباب وراح، وخطت خطواتها داخل بيتهم بتردد كبير. بلعت ريقهآ بخوف وهي تشوف أخوها عصام خارج من البيت. تخافه وتخاف من ملامحه الحادّة، وضخامة بنيته الجُسمانية. مشت بتردد وهي تناظر فيه وتخبّت ورا ظهر فارس، واسندت جبينها على ظهره وبكت. إبتسم فارس وسحبها جمبه، وحضنهآ وباس راسها همس لها: تزوجتي وما تغيّرتي، لساتك أم دميعة لا تخافين منه ما يتجرأ يسويلك شيء. مشى للباب وهو حاضنها من جمبهآ ودافن راسها بـ صدره. رفع حاجبه وأشر براسه لـ عصام يبعد عن الباب، بعد ما وقف وفرد يدينه يمنعهم ما يدخلون: بعد عن الباب. سكت عصام وما رد عليه وما زال واقف على الباب. تكلّم فارس وهو شاد على اسنانه ومغمض عيونه: أدحر الشيطان وبعد عن الباب. حد نظراته أخوه عصام وبحدّة: هذي ما تدخل مالها رجعة للبيت. طقه فارس على كتفه ويحاول يبعده عن الباب: بـ النهاية هي أختك، وإللي فات مات ولا صار البيت بيتك تحكّم ورد مين تبغى. دفعه عصام بققوة وتراجع فارس كم خطوة وراه، وضرب ظهره في الجدار وتألم. ركضت له لينا وصارت تمسح على كتفه وتبكي. إرتفع صوت عصام وقط غترته على الأرض ويأشر عليها: هذي ما تدخل البيت، تنقلع من الخرابة إللي جات منها مالها رجعة فاهم ويلا إذلفي. رجعت خلفها لينا كم خطوة وهي حاطة يدهآ على فمها وتبكي وتحرّك راسها بـ النفي. ركضت لهم بعد ما شافتهم بدوا يتعاركون وخافت على فارس لا يتضرر من عصام. أخذت تسحب فارس من كتفه وبترجي: بس خلاص الله يخلييكم بسس. نفض فارس كتفه منهآ وأخذ يضرب فـ عصآم. ركضت وهي تبكي وتلبس نقابهآ على عجلة، سحبت شنطتها وخرجت برا البيت. أخذت تسحب شنطتها وتمشي فالشارع وتبكي. إلتفتوا وراهم وتدريجياً إبتعدوا عن بعض من صوت أبوهم المرتفع. إللي كان يناظرهم بحدّة جابته أصواتهم المُرتفعة. ضرب بـ عصاته الأرض وبنبرة حزم: كل واحد وشطوله وتتضاربون ! طق جبينه فارس وكأنّه بدا يستوعب، التفت يدور بـ عيونه لينا. ركض متوجه للباب يدورها، وهو يدعي إنّها ما بعدت. تكلّم إبوهم بتساؤل لـ عصام وهو يأشر براسه: وش عندكم تتضاربون وأصواتكم عالية ! بتشردون الجيران إنتم ما تستحون على وجيهكم. وإخوك وش عنده خرج يركض ! تنهد عصام وهو ياخذ غترته من الأرض ويعدل ياقة ثوبه: خرج يشوف وين ذلفت فيه لينا. تجاوز إبوه ودخل للبيت وهو يتحلطم. إبتسم فارس براحة وهو يشوفها مستندة على جذع الشجرة إللي قريبة من بيتهم وخمّن إنها تنتظر السواق. وقف جمبهآ وشال شنطتها ومسكها من يدها: إمشي معي للبيت يلّا لا تقعدين في الشارع. هزت راسها بـ النفي وعيونهآ محمّرة وضاغطة على إسم رياض بتتصل عليه. مع إنّها متأكدة انه مو يم الجوال ويمكن لسى ما وصل إلمانيا. سحبهآ بعنف ومشى بها للبيت، ثقّلت خطواتها وهي تبكي: مابغى أرجع للبيت خلاص برجع لبيتي. سفههآ ومصمم إنها ترجع معه، وتدخل البيت وتكسر عين عصام. وقفت بتردد وهي تشوف أبوها واقف قدام باب الفلّة وماسك عصاته بكفوفه. ونظره مركزه في الأرض، ضغطت على يد فآرس وهي تبلع ريقها بربكة وإشتياق كبير لـ إبوها. تبغى تركض وتقصر هالمسافات وترتمي بين ضلوع أبوها. إشتاقت لريحة حضنه الدافية، إشتاقت لضحكته، إشتاقت لكل شيء فيه. رفع نظره وناظرها بنظرة هادية جامدة ودخل تاركهم برّا. ناظرت في فارس بخيبة وعيونهآ تلمع، إبتسم وهو يضغط على كفها: ما عليه مصيره وبيرضا بيلين قلبه ما بيقسى عليك إكثر. . . . "بـ قرية الهضباء عند إبطالنا". ~ متسطح على ظهره ويده تحت راسه، ومجافية النوم. وعيونه فـ السقف إللي معانقه الظلام، وبين فترة وفترة يلوح البرق ويبان له السقف بوضوح. تكلّم بهمس وهو مستمتع بـ الدفى والظلام وصوت المطر: نمت ! جاوبه سيّاف وهو متلحّف ومتلثم بـ غترته: لا يابوك مجافيني إلنوم، وكل خوفي إنّ هالرياح تزيد وماهي بشارة خير. إبتسم يوسف وهو يتلحف ويغطي راسه: نام وعيّن من الله خير، وعند ربك كل خير. "فلّة أهل لينا". فسخت شيلتها وعبايتهآ وحطتهم عـ الكنب والتفت لـ فارس وبهمس وعلى شفايفهآ طيف إبتسامة: أُمي فين ! إرتمى على الكنب وحضن الخداديـة وأشر لها عـ المطبخ. أومئت براسهآ ومشت للمطبخ على أطراف اصابعهآ. إبتسمت وهي تشوف إمها معطيتها قفاها وترتب في الدولاب. حاوطت بطنها بيدينهآ ودفنت راسها بظهر أمها، شمّت ريحتها وتنهدت: أواه يا يمّة يا محلى ريحتك، الله العليم بـ شوقي لك ولحضنك. أخذت تبوس ظهر أمها وتشد عليهآ. لفت لها أمها بصعوبة من إيدين لينا إللي محاوطتها، ضحكت بعدم تصديق ومسحت على شعرهآ وعيونها تلمع بـ دموعهآ همست ويدها ترتجف: يمة لينا. هزت راسها بـ الإيجاب لينا وهي تبكي وتضحك بنفس الوقت: إيه يابعد عُمر لينا يمة انا رجعت لك، ضمّيني يمة إشتقت لك. تهدّج صوتهآ وهي ترتمي بـ حضن أمها وتجهش بـ البُكاء. حضنتهآ أمها وهي ما تقلّ عنهآ بـ الشوق والبُكاء. أخذت تبوس فيها وتمسح على شعرهآ وتشد عليها ودّها لو تدخلها بين ضلوعها: ولهت عليك يا قلب أمك إنتِ. دخل فارس المطبخ واستند على الباب تكتف وهو مبتسم. على سعادتهم ورجعتهم لـ بعض. بعدتها عنهآ أمها ومسحت على شعرها وبـ عُتب: ليه يا يمّة هالقطاعة ! تقوّست شفايفها وحركت راسها بـ النفي: إنتوا قلتوا ما تبغوني وتبريتوا منّي ! جاوبتهآ أمها وهي تمسح دموعهآ وتضمّها: وتهقين إنّ بـ هالبساطة بنتبرأ منك ! ردّة فعل طبيعية بوقت غضب. جاهم فآرس وبعدهم عن بعض واستند بظهره على الدولاب: بس خلّصوا دراما انا جوعان يمّة. طنشته أمّه وهي تمشي وحاضنة لينا: المطبخ مليان أكل تعشا مب لازم انا أسويلك، هالليلة ليلة بنتي. ضحكت لينا ولفت براسها ترمش لـ فارس تغيضه. . . . "قرية الهضباء- تمام السابعة صباحاً". ~ فتح عيونه ببطء ورجع غمّض لـ ثواني ويحس براحـة من نومته ليلة أمس. شال اللحآف عنه وقعد مال بظهره يمين ويسآر يمرّنه. إبتسم وهو يشوف سيّاف يدخل المجلس وشايل الفطور. جلس جمبه سيّاف ونزل الفطور على الأرض وناظر يوسف: قوم يا ولدي صلّ الفجر وعقبها نفطر. خرج مع سياف ودلّه على دورة المياة- يُكرم القارئ. بعد دقايق خرج وتوجّه للمغسلة إللي كانت فالحوش خارج دورة المياة. فتح الحنفيّة وغسل وجهه وهو يتشهد من برودة المويآ. بعد ما توضى مسح وجهه بأطراف كفوفه وعيونه تتفحّص البيت. وتراب ألحوش إللي من المطر رطب، ومستمتع بـ أصوات العصافير إللي تحوم حول النخل. ولون النخل إللي مخضّر من المطر، جو يفتح دخل المجلس وكبّر وصلّى، بعد ما خلص راح لـ ثوبه إللي كان ممددة بـ نهاية المجلس. ولمسه بيده وكان باقي رطب من المطر أمس. التفت له سيّاف: ما عليه تعال أفطر إذا رطب بعد الفطور أخليهم يغسلونه لك.