الفصل العشرون بعد المئة
" the writer Aridj "
.
.
.
في فرنسا
كانت تجلس على الأرض، ظهرها مسنود إلى الجدار البارد، ورأسها غارق بين ركبتيها كأنها تحاول أن تحمي ما تبقى منها من هذا العالم. كانت شهقاتها تتصاعد متكسّرة، تملأ الفراغ حولها، ودموعها تنهمر بلا توقف، بلا خجل، بلا قدرة على التماسك.
لماذا يفعل بي هذا؟
ماذا فعلت له؟
أهذا من عشقني؟ أهذا من حارب الجميع وتزوجني؟ أهذا من بات يقنعني حتى وافقت على الزواج به؟
ما الذي تغيّر الآن؟
كل موضع في جسدها كان مزرقًا، كل خلية تصرخ ألمًا، كأن جسدها تحوّل إلى خريطة من الوجع. لم تكن تملك حتى القدرة على النهوض. ظهرها يؤلمها، فانسحبت ببطء، بحذر، حتى لامس جسدها الأرض.
وحين لامس وجهها البلاط…
شعرت ببرودة مختلفة، ليست قاسية، بل باردة على نحوٍ شافٍ، كأن الأرض وحدها تشفق عليها.
طوال الليلة الماضية، لم تجف دموعها. بكَت حسرةً على نفسها، وعلى ما صارت إليه. حوّلت بصرها إلى قبضتيها… لا تملك القوة حتى لإغلاقهما. سكاكين من الألم تطعنها من الداخل. شعرت كأن أحشاءها ستخرج من جوفها.
لم تحتمل أكثر.
مالت برأسها… ولم ترَ سوى بقعة دم.
رفعت كف يدها إلى فمها… فإذا بالدم يسيل.
يا ليتني لم أتزوجك.
يا ليتني لم أحبك يومًا.
يا ليت الله اقتلع روحي قبل أن تعيش معك.
في تلك اللحظة، فُتح باب الشقة
دخل…
وتجمّد.
رآها مستلقية على الأرض. فزع من منظرها. لم يكن عليه أن يمد يده عليها ليلة البارحة. أغلق الباب خلفه، وأسرع نحوها، لكن ما إن رأته حتى انتفضت، وبدأت تتسحب بجسدها المنهك، حتى وصلت إلى الحائط، وأسندت ظهرها إليه، كأن الجدار آخر ما تبقى لها من أمان.
انقهر مما فعلته…
ألهذه الدرجة صرتُ كابوسها؟
شدّه ذلك اللون الأحمر على الأرض ليقترب أكثر… دماء.
رفع رأسه إليها، فوجد فمها محمرًا، وذراعها كذلك.
أسرع، جثا على ركبتيه أمامها، وقال بخوف حقيقي /ريم حبيبتي ايش فيك.
لم تستطع الإجابة.
وماذا ستقول؟
هو من أوصلها إلى هذه الحال.
أغمضت عينيها بقوة، تتمنى لو ينتهي كل شيء الآن.
لماذا لا أستطيع أن أعيش حياتي مثل كل بنات حواء؟ لييييييش؟
هزّها من كتفيها برفق، وصوته يرتجف /ريم ريم تسمعيني يلا قومي أوديك للمستشفى ريم ريم.
لكنها لم تعد تشعر بشيء.
كان صدى كلماته يأتيها كأنه صادر من بئرٍ عميقة.
غشاوة سوداء لفّت عينيها…
وسقطت بين يديه، كورقةٍ ذابلة، بلا وزن، بلا مقاومة.
لم يعد يعرف ماذا يفعل.
وبصوت متحسر نادم قال /ريم لا تخليني وتروحي يا ريم والله اسف تنقطع يدي ولا امدها عليك اسف يا ريم.
كانت كالجثة…
انتبَه للكدمات الزرقاء التي تغزو جسدها.
ماذا فعلت بها؟
هل ستموت بين يدي؟
أسرع إلى عباءتها، ألبسها إياها، غطّى شعرها، وحملها مسرعًا إلى المستشفى.
بعد ساعة
انتهت الطبيبة من فحصها وعادت إلى مكتبھا جلست ورفعت رأسها إليه، وملامحها لا تبشر بخير، وقالت /?Est-ce que vous êtes son mari
الترجمة الى العربية /هل أنت زوجها؟
أجابها والخوف يكسو وجهه/
Oui… qu’est-ce qu’il y a, docteure ?
الترجمة الى العربية/نعم… ما الأمر أيتها الطبيبة؟
نزعت نظراتها الطبية، شبكت يديها، وقالت بجدية/
Votre épouse a subi une agression violente. Elle souffre d’une fracture au bras droit, et il y a un risque réel pour la vie du fœtus.
الترجمة الى العربية/زوجتك تعرّضت لضربٍ عنيف، وقد أدى ذلك إلى كسر في ذراعها اليمنى، وهناك خطر حقيقي على حياة الجنين.
كيف؟
هل هي حامل؟
لماذا أخفت عني؟
ماذا فعلت أيها الأحمق؟
ستقتلها… ستقتل من كنت تأبى الجلوس في مكان لا يحتضنها!
هل جننت؟
استفاق على صوت الطبيبة /? Monsieur Saqr
الترجمة الى العربية/سيد صقر؟
رفع رأسه بلهفة/
Comment va-t-elle maintenant ?
الترجمة الى العربية/كيف حالها الآن؟
قالت الطبيبة/
Je ne vous cacherai pas que son état est grave. Je vais lui prescrire des fortifiants et des analgésiques. Elle ressentira une douleur intense durant cette période, et vous devez veiller à son alimentation. Et maintenant… la police viendra prendre sa déposition.
الترجمة الى العربية /لن أخفي عنك أن حالتها خطيرة. سأصف لها بعض المقويات وأدوية لتخفيف الألم، فقد تشعر بألم شديد في هذه الفترة، ويجب أن تهتم بطعامها. والآن ستأتي الشرطة لأخذ إفادتها.
سألها بذهول وإستغراب /? Pourquoi
الترجمة الى العربية/لماذا؟
ابتسمت، ونهضت/
Ne vous inquiétez pas. Ce ne sont que des questions pour savoir qui l’a agressée. Votre épouse a été violemment battue, et ils vous interrogeront vous aussi. S’il y a un agresseur, vous devez le signaler. Ils arriveront bientôt.
الترجمة الى العربية/لا تقلق، مجرد أسئلة لمعرفة من اعتدى عليها. زوجتك تعرضت لضرب عنيف، وسيسألونك أنت أيضًا، وإن كنت تعرف الفاعل فعليك إخبارهم. سيأتون بعد قليل.
قال بهدوء يناقض ما بداخله /Merci, docteure.
الترجمة الى العربية/شكرًا لكِ يا دكتورة.
أخذ ملفھا الطبي وخرج…اتجه إلى غرفتها.
كان الباب مفتوحًا.
رأى شرطيين يحققان معها. كانت تضع الطرحة على رأسها، وتتلثم بجزءٍ منها.
تقدم وقال /
Y a-t-il un problème ?
الترجمة الى العربية/هل هناك أي مشكلة؟
ابتسم الشرطي/
Non. Nous prenons simplement la déclaration de votre épouse. Nous lui souhaitons un prompt rétablissement. Et je vous conseille de changer d’étage… tomber du cinquième étage est dangereux. Heureusement que les blessures ne sont pas pires. Bonne journée.
الترجمة الى العربية/لا، فقط نأخذ أقوال زوجتك. نتمنى لها الشفاء العاجل، وأنصحك بتغيير الطابق، فالسقوط من الطابق الخامس أمر خطير، ومن حسن الحظ أن الأضرار لم تصل إلى الأسوأ. طاب يومك.
ابتسم…
وهو لا يزال مستغربًا.
ألم تقدّم بلاغًا عني؟
التفت إليها. كانت تدير وجهها للجهة الأخرى. شاحبة، منهكة و الحزن والألم مرتسمان على ملامحها.
أي مصيرٍ أسود كان ينتظرها لو تأخر لحظة أخرى؟
كيف صار هو السكين بعد أن كان الغمد؟
كيف خان العهد، وخان قلبه، وكاد يخون الحياة ذاتها؟
كيف استطاع أن يؤذي من كان يخاف عليها من ظلّه؟
كيف انقلب من عاشقٍ يحارب العالم لأجلها… إلى عالمٍ ينهار فوق رأسها؟
أي لعنةٍ هذه التي جعلته عدوّ من أحب؟
قال بهدوء /ريم انا...
التفتت إليه وقاطعته بغضب /خلاص يا صقر خلاص استحملت كثير ايش لي خلاك تتغير ايش لي خلاك تسوي فيني هيك ... ولا اقلك ما ابي أعرف طلقني يا صقر النفس عافتك . راح اتصل على اخواني يجون ياخذوني.
قال بعتاب /ليش ما قلتيلي انك حامل كان الولد راح يموت.
ابتسمت بسخرية موجعة /يعني تبي تقول انو لي يهمك هو الولد وانتي نار جهنم تاكلك ... هين يا صقر بس والله ما راح تشم ريحته.
اقترب منها بسرعة حتى اصطدمت أنفاسها الغاضبة بوجهها /لا تخليني أعصب وأسوي لي ما يعجبك . انتي مالك مكان تروحين له ولولد راح يتربى معي.
ضحكت باستفزاز /ايش لي راح تسويه يعني اكثر من كذا باقي الا تقتلني.
ابتعد عنها وهو يزفر غضبًا /انا ما راح اتكلم معاك الحين بس حطي في بالك الولد ولدي.
قالت باستفزاز /حلم ابليس فالجنة.
ثم صمتت…
وأكملت بقهرٍ وعصبية /الله ياخذك يا صقر الله ينتقم لي منك.
خرج…وتركها......
عادت لتستلقي ببطء، وانهمرت دموعها من جديد.
لن تبقى معه أكثر من هذا.
لقد تسترت على أفعاله كثيرًا…
لكن الآن،انتهى زمن الستر… وكل ما أخفته طويلًا سيحمله صوتها إلى إخوتھا واحدا واحدا....