📖 الفصل الرابع: الجدار
بعض الجدران لا تُبنى من حجر…
بل من كلمات قيلت في وقتٍ خاطئ.
عدتُ من المدرسة ذلك اليوم وأنا أحمل الورقة المطوية في حقيبتي، كأنها شيء مسروق.
لم تكن ورقة عادية، كانت موضوع التعبير الذي كتبته.
احتفظتُ به دون أن أعرف لماذا، فقط شعرتُ أني لا أريد أن يضيع.
في البيت، كانت أمي تنظف الصالون، وأبي جالس كعادته، صامتًا أمام التلفاز.
مررتُ قربه، فرفع رأسه وقال:
– فين وصلتي فالدراسة دابا؟
سؤال بسيط.
لكن قلبي خفق بسرعة.
– مزيان… الحمد لله،
قلتُها بسرعة، كأنني أهرب.
أومأ برأسه، ثم عاد إلى صمته.
ظننتُ أن الأمر انتهى.
دخلتُ غرفتي، أغلقتُ الباب، وأخرجتُ الورقة من الحقيبة.
قرأتها من جديد.
بدت لي مختلفة عمّا كتبته البارحة…
أجرأ.
في تلك اللحظة، سمعتُ صوت أمي تناديني:
– سلمى، جيبي هاد الحقيبة نرتّبها.
تجمّدت.
نسيتُ الورقة داخلها.
خرجتُ متأخرة.
كانت الحقيبة مفتوحة بين يديها، والورقة في يد أبي.
كان يقرأ.
ببطء.
لم يقل شيئًا في البداية.
الصمت كان أثقل من الصراخ.
ثم قال، دون أن ينظر إليّ:
– شنو هاد الهضرة؟
اقتربتُ خطوة، ثم توقفت.
– غير موضوع ديال التعبير…
رفع عينيه نحوي.
– ومن قال لك تكتبي بحال هكا؟
لم أجد جوابًا.
كيف أشرح أن الكلمات خرجت وحدها؟
قال بصوت منخفض، لكنه حازم:
– هاد الشي ما كيناسبش بنت.
– الكلام بزاف كيجيب المشاكل.
نظرتُ إلى أمي.
كانت واقفة، يداها مشغولتان بشيء وهمي، وعيناها تتجنبان نظرتي.
أحسستُ بجدارٍ يرتفع بيني وبينهم.
ليس فجأة…
بل حجرًا فوق حجر.
مدّ أبي الورقة نحوي، ثم قال:
– ركّزي على قرايتك، وخلي هاد التفاهات.
تفاهات.
هكذا سمّى صوتي.
أخذتُ الورقة بيدٍ مرتجفة، ودخلتُ غرفتي.
أغلقتُ الباب بهدوء، كما تعلّمت دائمًا.
جلستُ على السرير، ونظرتُ إلى الورقة طويلًا.
لم أبكِ.
لم أصرخ.
مزّقتها.
قطعة قطعة.
لكن الغريب…
أن الكلمات لم تختفِ.
في تلك الليلة، لم أكتب في دفتري.
جلستُ فقط، أحدّق في الحائط.
وفهمتُ شيئًا جديدًا:
ليس كل من يمنعك يكرهك،
لكن ليس كل من يحبك يعرف كيف يحميك.
وكان هذا أول جدار.
ولم يكن الأخير.