بيننا خيط لا ينقطع - الفصل التاسع عشر بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع عشر بعد المئة

الفصل التاسع عشر بعد المئة

" the writer Aridj " . . . ركن سيارته أخيرًا، وانطفأ هدير المحرك كما لو أنه آخر أنفاس يومٍ طويل. ترجل ببطء، أغلق الباب خلفه بثقلٍ لم يكن في يده وحدها، بل في كل بدنه أيضًا. كان التعب متكئًا على كتفيه، والإرهاق يسير أمامه خطوة بخطوة وهو يتجه نحو باب المنزل....يحتاج الى قسط من النوم .......لكن يبدو أنه يحتاج إلى ساعات . أدار المفتاح، وانفتح الباب على صمتٍ مألوف ،لقد انتبه قبل قليل وهو يمر بعينيه على ساحة المنزل أن لا أثر لأي سيارة ولا ظل لأخرى غير سيارته. عندها أدرك، دون حاجة إلى سؤال، أن أمه فقط في قلب ھذا البيت الكبير. دخل، واتجه مباشرة إلى الصالة، رمى بجسده على الأريكة كمن استسلم أخيرًا بعد مقاومة طويلة، وأسند رأسه إلى الخلف، مغمضًا عينيه، محاولًا أن يلتقط أنفاسه. لم يدم السكون طويلًا. جاءه صوت أمه، دافئًا كعادته، يحمل في نبرته لهفة أم رؤوم /هلا بيك يمّه… متى جيت؟ فتح عينيه، ونهض مبتسمًا رغم التعب الذي يسكن ملامحه. اتجه إليها بخطوات هادئة، انحنى وقبّل جبينها بحنانٍ صادق، ثم قال بصوتٍ منخفض /توني راجع . عاد ليجلس، وجلست هي إلى جواره. نظرت إليه للحظة، وكأنها تزن الكلمات في صدرها، ثم قالت بعد تفكير /حكالي أخوك إنك كنت في بيت خالك. اعتدل عبد الرحمن في جلسته، وتغيرت نبرته إلى جدية هادئة /إيوه يا يمّه… وأنتِ ما تشوفين إنكم طولتوها؟ هالقطيعة ما لها داعي. ابنك اللي أخطأ، وأنتم ما قصرتوا، كبرتوا الموضوع وقطعتوا صلتكم ببيت خالي، وناسيين إن ديننا يقول المسلم ما يقطع أخوه أكثر من ثلاث أيام… وأنتم صار لكم شهر أو أكثر. أومأت أمه برأسها ببطء. تسلل إلى ملامحها شيء من الندم والحسرة، لكن العناد ظل حاضرًا في عينيها، وقالت وكأنها لا تزال متشبثة بموقفها /بس هي كانت راح تقتل أخوك… خلتنا فضيحة بكل العيلة! قطب عبد الرحمن حاجبيه، وقال باستغراب صادق /أي فضايح يا يمّه؟ إش قاعده تقولين يا الغالية؟ سكت لحظة، وكأن الكلمات تحتاج ترتيبًا أدق، ثم أردف بصوتٍ أكثر هدوءًا /ما يصير اللي قاعده تسوينه أنتِ ورحيم. أدري إنها لحظة غضب، وأتمنى يا يمّه لو تعزّيني عندك، وتروحين أنتِ ورحيم تزورون بيت خالي. في النهاية هذا أخوك، وأماني بنت أخوك… وكمان مهما بينت إنها قاسية، معدنها أصيل، وداخلها أبيض. وإن شاء الله ما عاد تقطعون بعض. ابتسمت أمه ابتسامة خفيفة، وقالت بنبرة أقرب للرضا /إن شاء الله فيها خير. في تلك اللحظة، دخل رحيم وهو يقول /السلام عليكم. رد الاثنان /وعليكم السلام. تقدم رحيم إلى والدته، قبّل جبينها، ثم جلس مبتسمًا /محلّا جمعتكم. قالت أمه بحنان /محليّا بوجودك. قال عبد الرحمن ممازحًا /هيك لكان يا أم مؤيد! انفجروا ضاحكين، ثم التفت رحيم مستفسرًا /على طاري مؤيد… وينه اليوم؟ من الصبح ما شفته. أجابت أمه /طالع مع عزام خويه. رفع عبد الرحمن حاجبه باستغراب /من الصبح وللحين ما جا؟ ردت أمه بملل من أسئلتھم /أوووه… خلّوا عنكم سيرته، عمره 30 مو 15 ابتسم رحيم ونهض من مكانه /كلّو ولا غضبك يا الغالية، خلاص ما عاد نجيب سيرة ابنك الحبيب. أحيانًا أشك إني مو ولدكم. ضحك عبد الرحمن وقال /أتذكر إن أبوي جابك من باب الجامع، ومن ذاك اليوم ابتلينا فيك. قال رحيم بانزعاج مصطنع /بايخة يا البايخ! لو كان توأمي قرد كان أذكى منك. أمسك عبد الرحمن بالوسادة التي بجانبه ورماها عليه، لكن رحيم تفاداها بسرعة. و بشبه غضب /ما للقرد إلا أنت! هزت أم مؤيد رأسها وقالت /وأنا أقول عيالي كبروا… إلا كل واحد أصغر من الثاني. ضحك رحيم وقال وهو يتجه نحو غرفته /يلا… تصبحون على خير يا جماعة. أم مؤيد بحنان /وما راح تتعشى؟ ابتسم وقال /تعشّيت مع خويي. ثم اختفى في الممر المؤدي إلى غرفته. : : كان في طريق عودته بعد أن أنهى عمله في المستشفى. السيارة تمضي، وهو غارق في صمتٍ كثيف، كأنه يلتمس الراحة في ذلك السكون الذي يملأ الأرجاء. دقائق تمر… لا شيء… سوى طريقٍ ممتد، وأفكارٍ مبعثرة. يفكر في شيء، لكنه حتى هو لا يعرف ما هو. قطع رنين هاتفه تلك الرحلة الغامضة. مد يده وأجاب. جاءه صوت خالد /السلام عليكم. قال رسيم مبتسمًا /وعليكم السلام. خالد /أخبارك يا أخي؟ وين منحاش؟ تنهد ثم أجاب /بخير… بخير. تعرف شغل المستشفى. ضحك خالد /تتذكر يوم قلت لك فكك من سالفة الطب؟ بس أنت عارضت، والحين ابتليت بتعب. ضحك ھو الآخر ضحكة قصيرة /حتى لو عاد الزمن، راح أختار الطب. اللي عنده حلم يتحمل الألم. قال خالد ممازحًا /تعرف شي؟ رسيم /إيش؟ خالد ضاحكا /إنك عنيد مثل الماعز. قال رسيم بنبرة متعبة مشوبة بالانزعاج /أقول يا خالد… إذا ما عندك شي، انطم أحسن لك. قال خالد بسرعة /هدي يا أبو شباب! أفا… راح أصير نسيبك، مو زين تعصب عليّ من الحين. رسيم بسخرية /ومين قال لك إننا وافقنا على جناب حضرتك؟ خالد بإنزعاج /تعرف… الشرَهة عليّ اللي اتصلت. قلت أودّع هالبلوة قبل ما أسافر. ضحك رسيم /على وين إن شاء الله؟ خالد /للشرقية مع الأهل. رسيم /طريق السلامة إن شاء الله… لكان بكرة ونلتقي. خالد /إيه… يلا بحفظ الرحمن. وأغلق الخط. أعاد الهاتف إلى مكانه، وحدق في الطريق الممتد أمامه. أضواء أعمدة الإنارة ترسم بقعًا شاقولية على حافة الطريق، والسماء مثقلة بالنجوم، وكأن كل نجمة تحمل سرًا صغيرًا. أيعقل أن يضيق صدر الإنسان ولا يعرف السبب؟ غموض يلف كل شيء، سواد يمتد… لا بداية له ولا نهاية. لم يشعر بنفسه إلا وقد وصل. ركن سيارته بتعب، نزل، ودخل المنزل. لم يرد أن يقابل أحدًا. التعب أنهكه، والتفكير أرهقه أكثر. اتجه مباشرة إلى غرفته، أغلق الباب، وجلس على الأريكة. انحنى للأمام، شبك يديه ببعضهما، وبقي هكذا. لحظات… ولحظات… دون أن يقطع الصمت شيء. كان الابتعاد يبدو كأفضل حل… لكن إلى متى سيلاحقه الماضي بهذا الشكل؟