الجندي الصغير
إنه الصباح، حيث أشرقت الشمس لتبدد ظلام الليل، لكنها عجزت عن تبديد ظلام الظلم الذي يخيم على الحياة.
اليوم هو عيد ميلاد جهاد، ذلك الطفل الذي، على صغر سنه، كان ملاذًا للفخر لكل من عرفه، إذ إن أحلامه وطموحاته كانت أوسع من عمره الذي لم يتجاوز العشر سنوات. بدا وكأن الزمن استعجل ليزرع فيه رجولة العشرين.
جلس جهاد مع والدته يتناولان إفطارًا بالكاد يكفيهما؛ لقيمات صغيرة لا تشبع جوعًا ولا تسمن جسدًا. أنهى طعامه المتواضع وحمد الله، ثم انشغل بقراءة ورده من القرآن. كان مصحفه قديمًا، طمست معالمه ولم تعد حروفه واضحة إلا بشق الأنفس.
كانت والدته، هاجر، تراقبه بعينين مليئتين بالإرهاق والحنان. لم يكن إرهاقها وليد اليوم، فقد لاحظت في الآونة الأخيرة أن جسدها يتعب من أقل مجهود، وأن شفتاها يكسوهما زرقة غريبة. أدركت أخيرًا أن عليها الذهاب للطبيب، وهناك أخبرها الطبيب أنها مريضة بالقلب، وأن حياتها باتت على حافة الموت. لم يكن لديها مال للدواء، بالكاد تستطيع أن توفّر قوت يومها لطفلها.
عزمت في ذلك الصباح أن تقدم لجهاد شيئًا يسعده. غادرت المنزل، تاركةً جهاد خلفها دون أن يجرؤ على سؤالها عن وجهتها، فقد كان صمته صفةً لازمت شخصيته.
بعد فترة، عادت هاجر تحمل حقيبة سوداء صغيرة. وضعتها بين يديه المتعبتين وقالت له، بابتسامة مرهقة، أن يفتحها. حين فعل، وجد حقيبة دراسة على شكل دب الباندا. حدّق بها بتعجب، فبادرت قائلة:
"أنت كالدب الباندا يا جهاد، نادرٌ ومميز."
كانت كلماتها متقطعة، ونفسها يخرج بصعوبة، لكنها حاولت أن تبث في قلبه شجاعة المستقبل. سألها جهاد بقلق عن حالها، لكنها رفضت الحديث. وأخذت تقول له بصعوبة: "اذهب إلى غزة... هناك خالك وصديق والدك... سيكونان لك عونًا."
ثم أسلمت الروح وهي تمسك صدرها. جلس جهاد بجانبها، يحاول إيقاظها، لكن دون جدوى. كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي، لكنه لم يكن مستعدًا. دموعه انسابت، لكنه سرعان ما مسحها. ليس هذا وقت الحزن، فكر.
لم تمضِ دقائق حتى سمع أصواتًا غاضبة تتحدث بالعبرية. كانوا أصحاب المنزل، جاؤوا كعادتهم يطالبون بالإيجار. حمل حقيبته الجديدة ومصحفه القديم، وخرج دون أن ينظر خلفه. كان يعلم أنه بات وحيدًا.
في طريقه، صادف سيارة لرجل فلسطيني متجهة إلى غزة. طلب منه أن يصطحبه، ولم يصدق الرجل الطفل حينما سمع طلبه، لكنه وافق. في السيارة، كان جهاد يفكر: "لماذا قادتني الأقدار إلى غزة؟ هل لي دور في المقاومة؟ أم أن شيئًا ينتظرني هناك؟"
حين وصل إلى القطاع، بدا له كل شيء مقلقًا. لم يكد يهبط من السيارة حتى اخترقت أذنيه أصوات القنابل وأزيز الطائرات. ركض باتجاه منزل خاله، لكنه وجد الحطام يلف المكان، والنيران تلتهم كل شيء.
وقف وسط الأنقاض يحمل حقيبته ويشعر بثقل العالم فوق كتفيه الصغيرين. في الداخل، احتضن مصحفه وكأنه يملك كنزًا لا يقدر بثمن. رفع بصره نحو السماء المعتمة بدخان القصف، وصرخ في داخله:
"أين العرب؟ أين المسلمين؟ كيف تركونا وحدنا؟"
رأى أطفالًا يبكون، وآخرين يحاولون التماسك، وأمهاتٍ ينحنَ على جثث صغارهن. رأى الدمار يكسو كل زاوية، وسمع الثبات في أصوات الرجال. وفي وسط هذا المشهد، شعر بحطام قلبه يعكس حطام مدينته.
جلس على ركام منزل خاله، مصحفه في حضنه، ودموعه لا تتوقف. كان الطفل الذي أراد تغيير العالم يواجه الآن عالمًا محطمًا. رفع بصره مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن تساؤلاته صامتة:
"إلى أين يا الله؟ أين الطريق وسط كل هذا الحطام؟"
وبينما تسدل الحرب ستائرها على حياة الآخرين، شعر جهاد أن رحلة نضاله بدأت للتو.
في تلك الليلة، جلس جهاد بين الأنقاض، تحيط به العتمة من كل جانب. الهواء مشبع برائحة البارود والموت، لكن قلبه كان مليئًا بإصرار غريب، كأنه قد وُلد من جديد وسط الخراب. فتح مصحفه الذي أصبح رفيقه الوحيد، وقرأ بصوتٍ خافت آياتٍ تهدهد روحه المرهقة.
لم يكن جهاد يعلم أين سيبيت ليلته، لكنه وجد ملجأ مؤقتًا في مسجد قريب، حيث تجمع فيه بعض الناجين. كانوا كأنهم أشباح، وجوههم شاحبة وأجسادهم منهكة، لكن عيونهم لم تخلُ من بريق الصمود. هناك، جلس بجانب شيخ مسنّ، سأله الرجل بلطف:
"ما الذي جاء بك إلى هنا يا بني؟"
أجابه جهاد بصوتٍ يحمل من الحزن ما يكفي لأمة بأكملها:
"جئت أبحث عن الأمان... وعن حلم أمي."
ابتسم الشيخ بحزن، وربت على كتفه قائلاً:
"الأمان في قلوب المؤمنين يا ولدي، وحلم أمك قد يكون خلاصنا جميعًا."
في تلك اللحظة، بدأ جهاد يدرك أن حياته لم تعد ملكًا له وحده. كان عليه أن يحمل شيئًا أكبر من طفولته، أكبر من أحلامه الصغيرة.
مرت الأيام، وانخرط جهاد مع أطفال الحي في المساعدة بقدر استطاعتهم. كانوا ينقلون الماء والطعام للجرحى، ويساعدون في إزالة الأنقاض بحثًا عن الناجين. وفي كل مرة يرى فيها الموت قريبًا، كان يعود إلى مصحفه، يستمد منه القوة والصبر.
وذات يوم، بينما كان يساعد في نقل الحجارة، وجد تحت الأنقاض حقيبة صغيرة. فتحها بحذر، ليجد بداخلها أوراقًا وخرائط كتب عليها بخط يد دقيق. أخذها إلى الشيخ في المسجد، وعندما رآها الشيخ، امتلأت عيناه بالدهشة. كانت تلك الأوراق تحتوي على مواقع استراتيجية وأسماء أشخاص مهمين يمكنهم المساعدة في المقاومة.
قال الشيخ لجهاد:
"يا بني، ربما الله أرسلك لتكون مفتاحًا لهذه القضية. هذه الأوراق قد تغير مسار النضال."
ومنذ ذلك اليوم، تغيرت حياة جهاد. أصبح الطفل الذي لم يتجاوز العشر سنوات جزءًا من قصة أكبر منه. كان يركض بين الأزقة، يحمل الرسائل والأخبار، ويشعر أن كل خطوة يخطوها هي جزء من حلم أمه الذي لم يكتمل.
ومع مرور الوقت، لم يعد جهاد مجرد طفل صغير يحاول النجاة؛ أصبح رمزًا للصمود، وأيقونة للأمل في قلوب من حوله. ورغم كل الألم الذي حمله قلبه الصغير، كان يعلم أن النور لا بد أن يشرق يومًا، وأن الحلم الذي زرعته أمه في قلبه لن يضيع سدى.
مرت الشهور، وجهاد يُحارب الزمن بكل ما أوتي من قوة. رغم صغر سنه، أصبح رابطًا بين رجال المقاومة، يحمل الرسائل ويجلب الأخبار، يركض في الشوارع كأنه ريحٌ لا تُمسك، لا يُفكر في الخطر الذي يحيط به. كان ينام قليلاً، ويستيقظ كثيرًا على صوت القنابل والرصاص. ومع كل يوم يمر، كانت عينيه تكبران، وكأن الحياة اختزلت له السنين.
في صباح يومٍ جديد، أفاق القطاع على قصفٍ عنيف، أكثر شراسة من ذي قبل. خرج جهاد من ملجئه حاملاً حقيبته التي أهداها له أمه ومصحفه القديم. كان لديه رسالة عاجلة يجب أن يوصلها إلى أحد رجال المقاومة، رسالة قد تُغير مسار المعركة الدائرة.
ركض جهاد بين الأنقاض، متجاهلًا أصوات الانفجارات التي تهز الأرض من حوله. وصل إلى نقطة التسليم، وقبل أن يتمكن من تسليم الرسالة، ظهر طيفٌ من طائرة مُسيرة فوق رأسه. شعر بحرارة الرعب تخترق جسده، لكنه لم يتراجع.
"أمي قالت إنني دب الباندا، نادر ومميز..." تمتم لنفسه وكأنه يتشبث بشجاعته.
وفجأة، دوى صوت انفجارٍ قريب، أطاح بجسده الصغير إلى الأرض. لم يشعر بالألم في البداية، فقط ببرودةٍ غريبة تسري في أطرافه. حاول أن يتحسس الحقيبة والمصحف، فوجدهما لا يزالان بين يديه.
نظر إلى السماء الملبدة بالدخان، وابتسم، وكأن وجه أمه ظهر له بين الغيوم. همس بصوتٍ واهن:
"لقد أديت الرسالة، يا أمي... سأكون معك قريبًا."
وفي تلك اللحظة، أسلم جهاد الروح، واحتضنته الأرض التي أحبها ووهب حياته لها.
عندما عثر عليه رجال المقاومة لاحقًا، وجدوا مصحفه مفتوحًا على آية: "ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يُرزقون."
أصبح استشهاد جهاد حديث الناس، الطفل الذي لم يكن يحمل سوى حقيبة ومصحف، لكنه حمل حلم أمه وشرف المقاومة. وفي كل زاوية من غزة، بات يُذكر اسمه كنجمٍ صغير أضاء في ظلام الاحتلال، وترك بصمةً لا تُمحى في قلوب من عرفوه.