الفصل التاسع عشر: لقاء العائلة
اجتمع الجميع في جوٍّ يملؤه الترقّب والفرح. كانت فايزة، والدة رمزي، تبدو في غاية الأناقة، وقد بدا واضحًا إعجابها بالمجلس وما أُعِدّ فيه.
وُضِعت القهوة، وقيل:
– نادوا الفتاة، نودّ أن نراها.
في تلك اللحظة، تسارعت دقّات قلبي، وبدأ الارتجاف يتسلّل إلى يديّ. كنت خائفة إلى حدٍّ لم أعرفه من قبل. لحسن الحظ، اقتربت مني ميمي وهمست:
– تماسكي، كل شيء على ما يرام.
خرجتُ…
وما إن رأتني زوجة أخي حتى قالت بإعجاب صادق:
– يا إلهي، أنتِ جميلة جدًا! كأنك دمية.
وأضافت مبتسمة:
– لم أرَكِ يومًا بهذا الجمال، حتى دون تكلّف، ملامحك رائعة.
دخلتُ وسلّمت على الحاضرات، والحشمة تسبق كلماتي.
قالت فايزة:
– تعالي يا ابنتي، اقتربي.
كانت تلمس يدي بلطف، كعادة الكبيرات، وتدعو لي بالبركة، وتقول:
– الله يتمّم بالخير، أمّها تبدو امرأة عاقلة، وملامحها تشهد لها.
تدخّلت عمّتي قائلة:
– أختي فايزة، نحن أهل حنان، تفضّلوا القهوة.
كانت المائدة عامرة على نحوٍ لافت: ستة أنواع من الحلويات، أعدّت أمي ثلاثة أصناف، من بينها المقروط والعرائش والبقلاوة، مع الشاي. وأحضرت عمّتي الفواكه وأنواعًا أخرى، وزادت بشراء السمصة والمحنّشة وخبز كبير مزخرف بالمكسّرات.
كل شيء كان وفق الأصول، بل وأكثر.
أخرجت أمي الخاتم، وأرادت أن تلبسنيه بنفسها، لكن مريم قالت:
– دعي رمزي هو من يفعل.
فقالت عمّتي:
– نعم، هكذا يفضّل هذا الجيل.
اتصلتُ به، فدخل بعد قليل. جلس أمامي، وأنا في قمة الخجل، بينما هو كان هادئًا على غير عادته، يتحدّث مع أمي وأخته.
ثم مازحوه قائلين:
– أين ذهبت حياؤك؟
ضحكوا جميعًا، وفي النهاية ألبسني الخاتم، ثم قبّل يدي باحترام. لاحظت نظرات خالاتي وزوجة خالي، بينما هو لم ينتبه لشيء.
قالت له عمّتي:
– إن أحببت أن تتحدّث معها قليلًا فلا بأس.
ابتسم وقال:
– بكل سرور.
ما إن خرجنا حتى أمسك بيدي وأدخلني إلى غرفة أمي، وأغلق الباب. نظر إليّ طويلًا وقال بصوت منخفض:
– هل تعلمين كم أنتِ جميلة؟ لقد أذهلتِني.
ثم أردف مبتسمًا:
– هكذا تقتليني جمالًا، وتنتظرين مني أن أتماسك؟
ضحكت بخجل، فضمّني، ثم جلستُ واضعة رأسي على صدره. تشابكت أصابعنا، وكان يقبّل يدي بين الحين والآخر.
قال لي بهمس صادق:
– أحبك.
فأجبته:
– وأنا كذلك.
بعد قليل خرجنا، وجلست معهم بعض الوقت. ثم أعلنوا أنهم سيغادرون.
ناداني أخي، وقال إن والد رمزي يريد أن يراني. خرجت بخجل، فدعا لي بالخير وأعطاني مبلغًا من المال، كما جرت عادتهم في البلاد.
غادرت النساء، وعمّتي – جزاها الله خيرًا – قدّمت لهم هدايا دون أن أشعر. حين تذكّرت ذلك لاحقًا، ارتبكت كثيرًا.
عاد الجوّ عائليًا، ودخل أعمامي وخوالي.
قالت جدّتي:
– هل اتفقتم على الشروط؟
فقال أخي هيثم:
– لا شروط مع ناسٍ مثلهم، المهم أن تكون مرتاحة.
بدت زوجة خالي تراقب كل شيء بدقّة، كما هي عادتها، وكذلك خالاتي.
قالت أمي:
– هل نزيد من الخير شيئًا؟
فردّت عمّتي:
– بارك الله فيكِ، وسنُكمِل الباقي في الفرح إن شاء الله.
كانت بعض الخالات غير راضيات، بدافع الغيرة، وبنات خالاتي التزمن الصمت.
أما أنا… فهاتفِي لم يفارق يدي، فقد كنت أعلم أنهم سيحاولون الحصول على رقمه، وهذا أمرٌ طبيعي…
وضعت الهاتف جانبًا، وابتسمت.